المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : :: زينب (ع) وفاجعة كربلاء ::


عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:13 PM
اللهم صل على محمد وال محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

زينب (ع) وفاجعة كربلاء

المقدّمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

إنّ دراسة سيرة أهل البيت (ع) والتعرّف على تراثهم الفكري والسياسي قضية أساسـية في الفكر والمسار الإسلامي .. وكم جهدت الصراعات السياسية والتنازع على حطام الدنيا لإخفاء دور أهل البيت (ع) بعد أن تشخّصت في المجتمع الإسلامي عدّة اتجاهات فكرية وسياسية.
ولقد كان لمدرسة أهل البيت (ع) وجهادهم السياسي ومقاومتهم للظلم والطغيان والفساد والانحراف ، دورها الريادي العريق والعميق والفاعِل في حياة الاُمّة وتأريخها .
وتُعتبر حادثة كربلاء المروِّعة من أبرز الحوادث والوقائع في تاريخ الاُمّة ومن أكثرها أثراً في مسار الأحداث وطبيعة الأوضاع السياسية والفكرية .
وفي كربلاء ، برز دور المرأة الطليعية من أهل البيت (ع) ، وهو دور زينب بنت الإمام عليّ بن أبي طالب ، بنت فاطمة الزهراء البتول (ع) ، حيث تحمّلت الصراع والمواجهة السياسية ، وحمل رسالة الثورة بعد استشهاد أخيها الحسين (ع) .
ولكي نُعرِّف بجانب من تأريخ أهل البيت (ع) وتراثهم المجيد ، والمسؤولية الكُبرى التي تحمّلوها ، رجالاً ونساءً ، قامت مؤسسة البلاغ بنشر هذا الكتاب «زينب وفاجعة كربلاء» . آملين أن ينفع الله سبحانه به القرّاء من سيرة أهل البيت (ع) ، ما يُساهم في تكوين وعيهم وتصحيح نظرتهم ، وفتح آفاق التعرّف على حياة أهل البيت (ع) وتراثهم المشرق .
فإنّهم القدوة والاُسـوة بعد رسـول الله (ص) ، الذين أوجب الله حبّهم والولاء لهم ..
رُوي عن رسـول الله (ص) قوله : ( ألا ومَن ماتَ على حبِّ آل محمد ماتَ شهيداً ) (1) .
نسأله سبحانه أن يتقبّل منّا هذا الجهد ، إنّه سميع مجيب .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:14 PM
البداية ومسار الصراع

منذ انطلاقة النبوّة ، ومنذ أن صدعَ رسول الله (ص) بدعوته ورسالته ، نشب الصراع بينه ومعه المسـتضعفون وروّاد الهدى ، تحت ظلال الوحي والنبوّة وفي أجواء النور والحرية وبين المسـتكبرين الذين ألفوا استعباد الانسان وممارسـة الاضطهاد والطغيان في أجواء الظلام ومصادرة إرادة الانسان وتكريس التسلّط والاسـتعباد تحت كابوسي الشرك والوثنية .. وكان قادة هذه الجـبهة التي شكّلها الصراع المضاد لرسالة محمد (ص) ، أصحاب النفوذ والمال ، أمثال أبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب ..
لقد قاد أبو سفيان الحركة ضدّ محمد (ص) مع فئة من طواغيت قريش ، من يوم بدر الكبرى ، يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان ، جمع الهدى والإيمان ، يقوده الهادي محمد (ص) ويحمل رايته عليّ (ع) ، أبو زينب والحسين (ع) ، وجمع الشرك والطغيان ، فكانت معركة بدر الكُبرى في السابع عشر من شهر رمضان ، في السنة الثانية من الهجرة ، بعد البعثة بخمسة عشر عاماً ، معركة الحسم والنصر المبين لدعوة الله ، وضرب قوى الشرك والطاغوت ، فتهاوى أبطال قريش وفرسانها صرعى بسيف عليّ وحمزة ، ومنذ ذلك اليوم قاد أبو سفيان معسكر الطاغوت ، وتراصفت خلفه جبهة الشرك والاستبداد ، ليواجه معسكر الإيمان والحرِّية .
وتواصل الصراع الدموي،والمواجهة الفكرية حتى يوم الفتح،فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، فنكست اُميّة راياتها،وهُزِمَ أبو سفيان صاغراً ذليلاً بين يَدَي محمد وعليّ،وجيش المهاجرين والأنصار..وتعالى صوت بلال ، مثال المستضعفين العبيد الذين طالما عذّبهم أبو سفيان وأمثاله،يوم كانت الدعوة إلى الله جرماً،يقتل أو يعذّب في مكّة مَن آمن بها واتّبع محمداً (ص).
بلال العبد المستضعف ، حرّرته دعوة محمد (ص) ، وصار بمبادئ هذه الدعوة ينعم بحقوقه كإنسان يفضِّله الاسلام على أبي سفيان وأمثاله من طواغيت قريش ، لما حمل من مبادئ الهدى والنور .. ورأى أبو سفيان جيش المسلمين يطوِّق مكّة وهتاف التوحيد ورايات النصر تخفق في أرجائها ، ومحمد (ص) يقود الفتح مسبِّحاً بحمد ربِّه ، متواضعاً بهذا النصر العظيم .. بعد هذا الفتح المبين ، انسحب الحزب الأموي من المواجهة ، ليعود مرّة أخرى بعد وفـاة الرسـول (ص) إلى مـيدان الصراع ضدّ عليّ وآله ، آل الرسول (ع) الكرام ، فكانت المواجهة والصراع بين عليّ ومعاوية ، وكان الانشقاق في الصّف الاسلامي ، والمواجهة لعليّ وآله (ع) ..
وتواصل هذا الصراع عنيفاً دامياً ، واستشهد عليّ (ع) على يدِ الخوارج في شهر رمضان ، واستمرّ الصراع والمواجهة بين معاوية والحسن بن عليّ (ع) سبط الرسول (ص)، بعد استشهاد أبيه (ع)، واصطفّ الجيشان للحرب ، جيش الحسن بن عليّ (ع) وجيش معاوية بن أبي سفيان ، ونجا معاوية من الحرب بالخديعة والرشاوى والتخريب الذي اخترق به جيش الامام الحسن ابن عليّ ، فتمزّق هذا الجيـش ، ممّا اضطرّ الامام الحسن (ع) إلى الصّلح ، وانتهت المواجهة مع معاوية ..
غير أنّ معاوية لم يترك عداءه لآل محمد (ص) ، فدسّ السّم للامام الحسن (ع) ، فاستشهد مسموماً (ع) سنة (49) من الهجرة ، وماتَ معاوية سنة (60) من الهجرة .. ليواصل ابنه يزيد الحرب ضدّ آل محمد (ع) في معركة كربلاء الفجيعة ، سنة (61) من الهجرة ، وضدّ مَن بقيَ من المهاجرين والأنصار والبدريين في موقعة الحرّة المروِّعة ، سنة (62) من الهجرة ، حتى لم يبق بدريّ بعد تلك الجريمة البشعة .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:15 PM
الولادة والنشأة

وحق أن ينحني القلم إجلالاً ، بل إعجاباً وتصاغراً أمام زينـب (ع) ، حين يسعى للحـديث عنها .. زينـب (ع) الكلمة الخالدة في فم التأريخ ، والصوت المدوِّي عبرَ الأجيال، والموقف الرائد في عالم الثورة والتحدِّي للظلم والطغيان، والمعلم المتأ لِّق في دُنيا المرأة والجهاد .. زينب (ع) لوعة الشجن وموقف البطولة وإرادة المواجهة .. زينب (ع) الروح التي تجسّدت فيها قِيَم الكُبرى خديجة والزهراء فاطمة (ع) ، وشجاعة القائد عليّ ، وصبر الرسول محمد (ص) ، وعزّة السِّبط حسن ، وثورة الشهيد حسين ..
لم يُفجَع أحد من آل محمـد (ع) بل ومن بني الانسـان ، عبرَ كوارث التأريخ ، ولم يواجه مثل ما واجهت زينب ، فكانت جبلاً لا تهزّه العواصف ، وإرادة لا تنال منها الكوارث ، وملجأ لا تقتحمه الجيوش والمحن ..
زينب في موقفها .. زينب في إرادتها .. زينب في صـبرها .. زينب في قيادتها للموقف والمواجهة والدعوة إلى أهداف الثوّار في كربلاء .. زينب كانت الكتاب الذي حوى كل هذه الفصول المضيئة ، ليقرأ فيما بعد ، لتقرأ صفحات الصراع بين محمد وخديجة وفاطمة وعلي والحسن والحسين ، وبين خصومهم عبرَ مراحل المحنة والصراع ..
لقد شاء الله أن ترث زينب (ع) هذه الأعباء ، وأن تحمل الراية بعد يوم الطّف ببطولة وجدارة ، راية بدر التي حملها عليّ (ع) يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان ، جمع محمد (ص) وجمع أبي سفيان ..
تلك زينب (ع) بنت عليّ بن أبي طالب (ع) ، اُمّها فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) ، وجدّتها لأبيها فاطمة بنت أسد مربِّية الرسول (ص) ، التي قال فيها (ص) : «كانت اُمِّي» ، وجدّتها لاُمِّها اُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (رض) ، وأخواها السبطان الشهيدان سيِّدا شباب أهل الجنّة ، الحسن والحسين (ع) ، وعمّها جعفر الطيّار ، قائد المهاجرين في الحبشة ، ذو الجناحين ، حامل الراية ، والشهيد في معركة مؤتة الخالدة ، وزوجها ابن عمّها عبدالله بن جعفر الطيّار .
في بيت عليّ وفاطمة (ع) ، وفي رحاب النبوّة المشرقة ، ولدت زينب (ع) ، وكانت ولادتها في الخامس من جمادى الاُولى ، سنة خمس من الهجرة .. بُشِّر بها رسول الله (ص) فسمّاها (زينب) . والزينب في لغة العرب ، كما يقول ابن الأعـرابي (شجر حسن المنظر طيِّب الرائحة ، وبه سُمِّيت المرأة ، وواحد الشجر للزينب زينبة) (2) .
ومن الحقائق المعروفة ، أنّ رسول الله (ص) قد أطلعه ربّ العزّة على ما في ضمير(3) الغيب ، فكان على علم بما سيؤول إليه أمر اُمّته ، ومحنة أهل بيته (ع) من الظلم والقتل والتشريد .. بل كان على علم بمقتل الحسين في أرض كربلاء .. جاء في كتاب عمرة بنت عبدالرّحمن الذي وجّهته إلى الامام الحسين (ع) حين عزم على الخروج إلى العراق ، وهي تطلب منه عدم الخروج ، مخافة القتل .. جاء فيه قولها : ( أشهد لسمعت عائشة تقول إنّها سمعت رسول الله (ص) يقول : يُقتَل الحسين بأرض بابل .. ) (4) .
كان يوم ولادتها يوماً تمازجت فيه الأفراح بالعبرات ، والوجوم بالابتسامة ، والحزن بالمسرّة .. تفاعلت كل تلك المشاعر في قلب محمد (ص) وفي نفس عليّ وفاطمة ، وهم يطلّون على عالم الغيب من خلال ما علم الرسول (ص) ; فتلك الوليدة ينتظرها يوم رهيب ، وسيلقى على عاتقها ميراث الصراع الطويل .. ولدت زينب (ع) ، فجاءت بها اُمّها فاطمة (ع) تحملها إلى أبيها عليّ (ع) ، تطلب منه أن يختار لها اسمها المبارك .. وعليّ كعادته لم يكن يسبق رسول الله (ص) في تسمية أبنائه الحسن والحسين ، اللّذين يكبران البنت الوليدة ، فقد كانت هي أوّل بنت وُلِدَت لعليّ وفاطمة (ع) بعد الحسنين (ع) ، أجاب عليّ (ع) : لم أكن لأسبق رسول الله (ص) في تسميتها ، فلنسأل رسول الله (ص) في ذلك .
ويذكر كتّاب السيَر أنّ رسول الله (ص) كان في يوم ولادتها في سفر خارج المدينة .. عاد رسول الله (ص) من سفره ، وجاء عليّ يحمل البُشرى إليه .. ويسـأله أن يختار للوليدة المباركة إسماً .. أجاب الرسول (ص) : «ما كنتُ لأسبق ربِّي تعالى في تسميتها» .
وفي أجواء هذا الحوار والحبور الذي يملأ بيت عليّ وفاطمة (ع) ، هبط جبرئيل (ع) وأقرأ النبيّ السّلام من ربِّ العزّة ، وقال له : سمِّها زينب ، فإنّ الله اختار لها هذا الاسم ..
ويضيف الرواة أنّ الله سبحانه أخبره بما سيجري على هذه المولودة من مصائب ومحن ..
تسلّم النبيّ (ص) هذا النبأ المحزن ، فبكى حين تراءت أمامه صور المحنة والمأساة التي ستحلّ بأهل بيته (ع) ، وبتلك الوليدة التي ستكون وحيدة في ميدان كربلاء ، وفي مقارعة الطواغيت القتلة .
ترعرعت الوليدة بين جدِّها رسـول الله (ص) وأبيها عليّ (ع) واُمّها فاطمة (ع) ، أبوها عليّ الذي شبّ ونشأ في حجر رسول الله (ص) ، وهو أوّل الرجال إسلاماً ، صدّق رسول الله (ص) برسالته وعمره عشر سنوات ، عليّ رجل العقيدة والقيَم والمبادئ ..
واُمّها فاطمة بنت رسول الله (ص) ، سيِّدة نساء العالمين .. فاطمة التي عاشت وتربّت في بيت أبيها الهادي محمد ، واُمّها الطاهرة خديجة الكُبرى ، وإلى جنب تلك الأجواء الروحية ، والبيئة الإيمانية الصافية ، كانت تستنشق أجواء النبوّة ، وتدرج في أحضان جدّها المصطفى محمد (ص) ; فقد عاشت في ظلاله الوارفة خمس سنوات .
في هذه البيئـة الفريدة في عالم الانسان ، عاشـت زينب (ع) طفولتها الاُولى ، وتكوّنت شخصيتها ، فاكتسبت من عوامل تكوين الشخصية جميعها : البيئة والوراثة والتربية .. فحق أن تكون زينب التي عرفها التأريخ بكل ما تجسّد فيها من صفات .. وحق أن تكون قدوة المرأة في عالم الأدب والسياسة والخُلْق والدِّين .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:15 PM
أحزان الطفولة

إلى جنب إخوتها الحسن والحسين وزينب الصّغرى( اُمّ كلثوم)،عاشت زينب الكُبرى تمرح في بيت ليس على وجه الأرض بيت مثله ، يملأه الطّهر ، ويفيض بالحبِّ والحنان ومكارم الأخلاق .. فهو البيت الذي سمّى القرآن أهله : (عليّاً وفاطمة والحسن والحسين) ، سمّاهم أهل البيت (ع) ، أهل بيت النبيّ (ص) ، الذين أذهب الله عنهم الرِّجس ، وطهّرهم تطهيراً،وأنزل فيهم قوله الكريم: (إنّما يُريد الله ليُذهب عنكُم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً).
عاشت تحوطها عناية الجد العظيم محمد (ص) ورعاية أبويها عليّ وفاطمة (ع) ، والكل ينظر إليها نظرة العطف والحنان .. يقرأ في شخصيتها المستقبل المحزن ، والفاجعة المروِّعة لآل محمد (ع) ، وفي ظلِّ الطفولة الوادعة الطاهرة ، تشهد زينب (ع) مرض جدّها الرسول (ص) ، وتُشاهد اُمّها تعيش الألم ، وتذرف الدموع ، وترتسم على وجهها المُشرِق علامات الحزن والأسى .. وما هي إلاّ ثلاثة أيام حتى يتوفّى الرسول (ص) ، ويلتحق بالرفيق الأعلى ، وتحلّ الفاجعة الكُبرى ببيت عليّ وفاطمة (ع) ، فتخيِّم عليه أجواء الحزن والترقّب لما بعد مرحلة النبوّة ..
وتشهد زينب أحداث الوفاة ولوعة اُمّها ، ومرارة أحزانها ، وهي تندب أباها ، وتبعث آهات الحسرة ، وشكوى الفراق ، كما تشهد محنة اُمّها وأبيها في صراعهما مع أحداث السقيفة ، وتضييع حقوقهما ، وما لحقَ بهما من ظلم وتهديد وتجاوز على مكانتهما المقدّسة ..
وتسمع اُمّها تبعث بالشكوى مستغيثة بأبيها محمد (ص) ، لما لاقتهُ في أيامها القصار(5) بعده من مرارة ممّن تسلّموا السلطة والخلافة .. وتشهد اُمّها تندب أباها مفجوعة في بيت الأحزان ، مهضومة المكانة والحقوق ..
كانت تشهد كل تلك الحوادث المحزنة ، وتختزن في وعيها ووجدانها ما يعاني أبواها الطاهران بعد فقد رسول الله (ص) ، وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى يخيِّم على هذا البيت الكريم حادث جلل ، وفاجعة مروِّعة .. لقد ماتت فاطمة (ع) بعد ما انطوى قلبها على ما يهدّ الجبال من ألم وهضم ومعاناة .
لقد فقدت زينب اُمّها .. فقدت فيها حبّ الاُمومة وحنانها ، وها هي تتلفّت في أرجاء البيت ، فلا ترى وجه اُمّها النيِّر ، بل ترى أخويها الحسنين واُختها زينب الصغرى ، وقد خيّم عليهم الأسى ، وفجعهم الفقد المروِّع .. فلم تعد تسمع نداء اُمّها .. إنّها تسمع نداء إخوتها يندبون اُمّهم الراحلة .. وتدرج زينب في بيت أبيها مُحاطة بحبِّه وعنايته ، وفيض هديه ومكارم خلقه ..
ولم تطل الفترة ، حتى حلّت في بيتهم ( أمامة) (6) بنت خالتها زينب ، فقد تزوّج عليّ (ع) أمامة بوصيّة من فاطمة (ع) ، لترعى أبناءها ، وتمنحهم حبّها ورعايتها ، وتعوِّضهم فقدها .. جاء ذلك في وصيّة فاطمة (ع) لعليّ (ع) : (... يا ابن عم ! أوصيك أوّلاً أن تتزوّج بعدي بابنة اُختي أمامة ، فإنّها تكون لولْدي مثلي ، فإنّ الرجال لا بدّ لهم من النساء ...) .
وهكذا احتضنت أمامة أبناء خالتها فاطمة ، وعاشت زينب (ع) برعاية ابنة خالتها ، حتى تزوّجها ابن عمّها عبدالله بن جعفر .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:16 PM
زواج زينب (عليها السلام)

ومضت الأيام ، وشبّت زينب الكُبرى في بيت المجد والشرف والنبوّة ، وكان طبيعياً أن يتطلّع ذوو المـكانة والمقام الاجتماعي إلى طلب يدها والتشرّف بخطبتها .. وتقدّم كثيرون ، ولكنّ الامام عليّاً (ع) رفض أن يزوِّج زينب (ع) لأحد من هؤلاء ، فهو يعلم ما ينتظر زينب (ع) من دور تأريخي خطير في بيت آل محمد (ع) ، ويعرف مقام زينب ، ومَن المؤهّل للاقتران بها .. وهو (ع) كان قد تلقّى الإشارة من رسول الله (ص) حين سمع قوله ، وهو ينظر إلى أولاد عليّ وأولاد جعفر : «بناتنا لبنينا ، وبنونا لبناتنا» .
لذا كان المؤهّل للاقتران بها هو عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطّلب بن هاشم ، فأبوه جعفر الطيّار ، واُمّه المهاجرة الفاضلة أسماء بنت عُميس ، رفيقة فاطمة (ع) اُمّ زينب ، والملازِمة لها حتى وفاتها . قال اليعقوبي : (وكانت أسماء تخدمها وتقوم عليها ) (7) .
وُلِدَ عبدالله بن جعفر في الحبشة ، عندما كان أبوه جعفر ، واُمّه أسماء بنت عُميس ، مهاجرين يقيمان في الحبشة ، يوم اشتدّت المحنة على المسلمين الأوائل في مكّة ، ولم يعودا منها إلاّ في السنة السابعة من الهجرة يوم فتح خيبر .. وحين استشهد جعفر في معركة مؤتة ، في السنة الثامنة من الهجرة ، وجاء نبأ الاستشهاد احتضن رسول الله (ص) ، عبدالله بن جعفر وإخوته ، وتعهّدهم بالتربية ، فكان كثير العناية بعبدالله وإخوته ..
وجدير ذكره أنّ الامام عليّاً كان قد تزوّج أسماء بنت عُميس بعد وفاة أبي بكر .. فكانت اُمّ عبدالله بن جعفر في بيت عليّ (ع) حين تزوّج زينب (ع) .
وحين كثر اختلاف الخاطبين لزينب ، استدعى عليّ عبدالله ابن أخيه جعفر بن أبي طالب (ع) ، فزوّجه ابنته السيدة زينب بنت فاطمة الزهراء (ع) بمهر السنّة ، قدر مهر اُمّها (ع) ، وهو مائة وأربعة وثمانون درهماً .. ويذكر المؤرِّخون أنّ الامام عليّاً كان قد أعطى المهر من ماله الشخصي .. فكان مهر زينب (ع) من خالص مال أبيها عليّ (ع) . لقد تمّ العقد ، وتزوّج عبدالله زينب (ع) .
كان عبدالله سـيِّداً من سادات بني هاشـم ، وجـواداً كريماً لا يُبارى ، وشخصية مرموقة من شخصيات المجتمع السياسية والاجتماعية .. فكان قد صحب رسـول الله (ص) وروى عنه ، وكان إلى جنب عمِّه عليّ وولديه الحسن والحسين ..
يذكر له المؤرِّخون مواقف في حروب الجمل وصفِّين والنهروان .. وكان مع عمّه عليّ (ع) هو وزوجته زينب في الكوفة ، حين استقرّ عليّ (ع) فيها أبان فترة خلافته ..
يقول الشيخ المفيد : أنّ جابر بن عبدالله الجعفي سأل أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر (ع) ، أين دُفِنَ أمير المؤمنين (ع) ؟ قال : دُفِنَ بناحية الغريين ، ودُفِنَ قبل طلوع الفجر ، ودخل قبره الحسن والحسين (ع) ، ومحمد بن عليّ وعبدالله بن جعفر .. وتلك الرواية تؤكِّد أنّ عبدالله بن جعفر كان بصحبة زينب مع عليّ (ع) في مقرِّ خلافته في الكوفة .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:16 PM
مع أبيها في مقرِّ الخلافة

وبويعَ عليّ (ع) في الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة (35) من الهجرة ، بعد مقتل عثمان في المدينة المنوّرة ، فبدأت الفتن ، وبدأت الأحزاب والتكتّلات الطامعة في الخلافة تتأهّب لنقض البيعة ، وكان في مقدّمة أولئك طلحة والزبـير وعائشة ومعاوية بن أبي سـفيان والي عثمان على الشام . وتوجّهت عائشة إلى البصرة تؤلِّب الناس على خلافة عليّ (ع) ، وبدأت الفتن تملأ الآفاق كقطع اللّيل المظلم ، وبدأ التمرّد ، وشعر عليّ (ع) أنّ الخطر يُهدِّد وحدة الاُمّة وشرعية الخلافة .. فتوجّه إلى البصرة لإخماد الفتنة ، وتوحيد الاُمّة ..
كان الصِّدام ، وكانت معركة الجمل الطاحنة في جمادى الاُولى سنة (36) من الهجرة ، ونصرَ الله عليّاً ، وسحق ذلك التمرّد الخطير ، ثمّ اتجه إلى الكوفة ليخوض المعارك ضدّ معاوية والخوارج من بعده في صفِّين والنهروان ..
اتّخذ عليّ (ع) الكوفة عاصمة له ، ليكون على مقربة من مواجهة الخطر الآتي من الشام ، مقر حكومة معاوية الأموية ، وليُجنِّب المدينة محنة الصراع ، فاستقرّ في الكوفـة ، واستقرّت زينب إلى جنب أبيها في بيت الخلافة والإمامة ، وهي تشهد أباها وإخوتها وزوجها وأبناء عمومتها يخوضون المعارك ، ومعهم طليعة البدريين ، وأهل الرضوان ، والمهاجرون والأنصار ضدّ محاولات الردّة والتحريف والطغيان ، وتسلّط المترفين ، وتحويل الإمامة والخلافة إلى ملكيّة وراثيّة ، ويدافعون عن مبادئ الحق والعدل ، وينادون بكتاب الله وسنّة نبيِّه الكريم (ص) ، مُدافعين عن المستضعفين ..
ثمّ كانت مؤامرة الخوارج التي غيّرت مسار التأريخ الاسلامي ، وفتحت الباب أمام خصوم أهل البيت (ع) لممارسة ما كانوا يحملونه من الحقد والعداء الدفين لعليّ وأهل بيته وأتباعه وطليعة المسلمين الأخيار .
في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة(40)من الهجرة،كان إفطار الإمام عليّ (ع) في بيت زينب(8) ، وهي الليلة التي ضربهُ فيها عبدالرّحمن ابن مُلجِم ، فتوفِّيَ في اليوم الثالث من ضربته(ع)،وتوارى نجمه،وفقدت الاُمّة عليّاً،بل وخسرتهُ الانسانية جمعاء على مرِّ العصور.
وهكذا تواجه زينب (ع) فاجعة استشهاد أبيها (ع) على يد الأشرار ، وضرب الخلافة الاسلامية في أعزِّ مواقعها .. وبداية مرحلة جديدة من الصراع والمحن ..
لقد استقرّت زينب (ع) مرابطة إلى جنب أخيها الحسن (ع) ، إماماً وخليفة شرعيّاً للمسـلمين بعد أبيه عليّ (ع) ; فقد بايع الناس الحسن بن عليّ (ع) في مسجد الكوفـة ، وراحَ الحسـن (ع) يتهيّأ لمواجهة الموقف الجديد ، فهو يدري ما يضـمرهُ معاوية ويخطِّط له .. ولم يمض من الزمـن إلاّ أشهر قليلة (شهران أو أربعة أشهر) (9) .
عبّأ الإمام الحسن (ع) جيشاً قوامه اثنا عشر ألف مقاتِل، ليحسم الموقف مع معاوية المتمرِّد على الخلافة الشرعية في الشـام ، والذي أظهر نواياه المعـبِّرة عن ذلك ، حتى أرسل قوّاتـه إلى الموصل بعد استشهاد عليّ (ع) بثمانية عشر يوماً .. وعلى عادته ، فقد استعمل معاوية الرشاوى والاشاعات الكاذبة ، والإغراء لذوي النفوس الضعيفة .. فاستطاع أن يُمزِّق قوّات الإمام الحسن (ع) بهذا الطريقة ، بعد أن اشترى قائد جيش الحسن (ع) ، عبيدالله ابن عباس ، بمبلغ بخس من المال .
وهكذا حصل الانقلاب ، وهوجمَ الحسن في مقرِّ إقامته ، وجُرِحَ في فخذه ، وهو في طريقه إلى الكوفة .. وتوالت الأحداث لغير صالحه .. فرأى من الحكمة أن يُصالح معاوية ما دام حيّاً .. ووقِّعت وثيقة الصّلح وزينب (ع) إلى جنب أخويها الحسن والحسين وزوجها عبدالله بن جعفر ، تشهد تلك الأحداث في الكوفة ، وتُشاركهم الهمّ والأسى والمعاناة .. لم تعد الكوفة صالحة للإقامة فيها .. فقد جمع الحسن (ع) أمره وقرّر العودة إلى المدينة المنوّرة ، فعاد معه أهل بيته جميعاً ، وعادت زينب (ع) وزوجها عبدالله بن جعفر إلى المدينة ، لتستقرّ هناك إلى جوار جدِّها واُمِّها .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:17 PM
زينب (عليها السلام) والسياسة الأموية

ويشهد التأريخ أنّ سيِّدات الأرض الكبرى .. خديجة وفاطمة الزهراء وزينب (ع) .. الحفيدة والأم والجدّة الطواهر (ع) وقفن إلى جنب محمّد وعليّ والحسن والحسين (ع) كل في عهدها ، يرفعن لواء الدعوة إلى الله ، وينادين بنصرة المظلومين ، والدفاع عن الحقّ والعدل .. فكن كما هنّ قدوة المرأة في ممارسة العمل السياسي والاجتماعي ، ومناصرة الحق والهدى في أشدّ المواطن .
ويشهد التأريخ أنّ المسار الأمـوي كان من أكثر المسارات السياسية مواجهة لمحمّد (ص) وأهل بيته عليّ والحسن والحسين (ع) وأنّ سيِّدات النِّساء خديجة وفاطمة وزينب (ع) كنّ في خط المواجهة للمسار الأموي الذي تمثّل بأبي سـفيان ومعاوية ويزيد .. وتشهد زينب تعسّف السياسـة الأموية وجريمتها بحق آل محمّد (ع) بعد أن شعر معاوية بنشوة النصر بعد الصلح مع الإمام الحسن وتنكّره لما جاء في وثيقة الصلح .. وراح يفرغ ما في نفسه من حقد دفين على علي (ع) وآله (ع) ..
عمّم معاوية الأوامر على ولاته وأئمة جمعته بسبِّ عليّ على أعواد المنابر ، وأن يلاحق شيعته وأتباعه على الظنّ والتهمة .. ولا يكتفي معاوية بذلك فهو يخشى إمامي الأمّة الحسن والحسين (ع) في كل حدث ومنعطف ، لذا فلم يكن ليهدأ له بال والحسن (ع) يعيش في المدينة المنوّرة رمزاً شاخصاً ، وإماماً هادياً للأمّة في عاصمتها العلمية مجدها الخالد وموطن الرأي والقرار ومستقر الصحابة ، ووجهة الأنظار السياسية.. لذا راح يخطط للقضاء على الحسن (ع) .. وعلى عادته في التخلّص من الخصوم السياسيين والعقائديين فقد حاول أكثر من ثلاث مرّات اغتيال الإمام الحسن (ع) بدسّ السم إليه ، حتى نجح في ذلك سنة (49) من الهجرة ، واستشهد السبط وتوارى نجمه ، وشهدت زينب (ع) ذلك الحدث المفجع ..
وانطـوت الأيام ، وتوالت الأحداث القاسـية مروّعـة لآل محمّد (ع) وأتباعهم ، وراح معاوية يتمادى في ملاحقة أتباع أهل البيت (ع) وتصعيد الهجوم على أبي زينب (ع) عليّ بن أبي طالب (ع) واستمرّ بسب علي (ع) كما استمرّ من بعده بممارسة هذا العمل العدواني الآثم خلفاء بني أميّة حتى مجيء عمر بن عبدالعزيز سنة (99) من الهجرة .. فرفع السب عن علي (ع) . ذكر المؤرِّخـون أنّ معاوية كتب إلى عمّـاله كتاباً يقول فيه : «انظروا من قامت عليه البيِّنة أ نّه يحب عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، واقطعوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به ، واهدموا داره ... »(10) .
تلك نماذج من سياسة معاوية مع أهل البيت (ع) وأتباعهم التي عاصرتها زينب (ع) وهي يومها تُلقّب بعقيلة (11) بني هاشـم ، وتقف إلى جنب أخيها الإمام الحسين (ع) تشاطره المحنة ، وتبادله الرأي ، فقد كانت موضع إجلال الإمام الحسين (ع) وتقديره الكبـير ، حتى يروى أ نّها دخـلت عليه يوماً وهو يقرأ القرآن فوضع القرآن وقام إجلالاً لها ..
وانقضى عهد معـاوية (عشرون عاماً) من الإرهاب والاضطهاد لآل البيت (ع) وأتباعهم فواجهوها بأعلى درجات الصبر والاحتساب .. فهم يسمعون سب علي (ع) من فوق منابر الجمعة التي شيّدها بجهاده ، ليذكر من فوقها اسم الله ، وتربى الأمّة بمواعظها على العدل والإحسان ، وتهدى إلى سواء السـبيل .. ويرون تقتيل وملاحقة واضطهاد من يحمل في نفسـه الحب والولاء لآل محمّد (ص) حتى عاد حبّهم جريمة يعاقب مقترفها بعد أن جعلها القرآن فريضـة يعاقَب تاركها : (قُل لا أسـألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى ) ، (ومَن يقترف حسـنة نَزِد لهُ فيها حسناً إنّ الله غفـور شكور ) .
ويصف الإمام محمّد بن علي الباقر (ع) تلك المحنة بقوله : «لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ونخاف ، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء ، وعمال السوء في كل بلدة ، فحدّثوهم بالأحاديث الموضـوعة المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقلـه وما لم نفعله ليبغّضونا إلى الناس ، وكان عظمُ ذلك وكُبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع) ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظِّنّة ، وكل مَن يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله أو هُدمت داره ...»(12).

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:17 PM
زينب (عليها السلام) في عهد يزيد بن معاوية

في النصف من رجب سنة(60)للهجرة مات معاوية ، وتولى السلطة من بعده ابنه يزيد .. تسلم السلطة من أبيه وراثة .. فمعاوية هو الذي حوّل الخلافة إلى وراثة ، وكان معاوية قد مهّد الأوضاع بالإرهاب والرشاوى لخلافة ابنه يزيد ، خلافاً للعهد الذي بينه وبين الإمام الحسن بن علي (ع) ، وكان أشد من يخشاه معاوية وابنه يزيد هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، شقيق زينب (ع) والأمين على العهد من بعد أخيه الإمام الحسن (ع) ، ويعرف يزيد أنّ صحابة الرسول والتابعين ووجوه المهاجرين والأنصار ، وأخيار الأمّة يرفضون تسـلّطه على شؤون الدولة والأمّـة،كما يعرف أن أتباع أهل البيت(ع)والتابعين سيجدون الفرصة للتخلص من الإرهاب الأموي الذي عانوا منه أشدّ المعاناة في عهد أبيه معاوية..
لذا سارع في الكـتابة إلى واليه على المدينة ، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، يأمره فيه بأخذ البيعـة من الحسين بن علي (ع) ومن عبدالله بن الزبير . وكان نصّ الكتاب : «إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي ، وعبدالله بن الزبير ، فخذهما بالبيعـة لي ، فان امتـنعا فاضرب أعناقهما ، وابعث لي برؤوسهما ، وخذ الناس بالبيعة ، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير ، والسلام»(13) .
تسلم الوليد هذه الرسالة المعبّرة عن طبيعة السياسة الأموية ، سياسة الدم والقهر والإرهاب والاستهانة بقيم الإسلام ومبادئه القائمة على أساس الحق والعدل واحترام إرادة الإنسان .. تسلمها ليلاً ، وما أن قرأها حتى أرسل إلى الحسين (ع) يستدعيه للحضور ..
أدرك الحسين بن عليّ ما يريده الوليد منه ، فاحتاط وتهيّأ للأمر ثمّ توجه إلى الاجتماع بالوليد بن عتبة .. تحدّث ابن الأثير عن وقائع هذا الموقف بين الحسين والوليد في المدينة المنوّرة فقال : «فلمّا عظم على الوليد هلاكه((14)) وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر ، استدعى مروان فلمّا قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحّم عليه ، واستشاره الوليد كيف يصنع قال : أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة ، فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنّهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلاّ أن يدفع إليه هذا الأمر عفواً .
فأرسل الوليد عبدالله بن عمرو بن عثمان ، وهو غلام حدث ، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما ، فوجدهما في المسجد وهما جالسان ، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال : أجيبا الأمير . فقالا : انصرف ، الآن نأتيه . وقال ابن الزبير للحسين : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟ فقال الحسين : أظن أنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعـة قبل أن يفشـو في الناس الخبر . فقال : وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟ قال الحسين : اجمع فتياني الساعة أمشي إليه وأجلسهم على الباب وادخل عليه . قال : فإنِّي أخافه عليك إذا دخلتَ . قال : لا آتيه إلاّ وأنا قادر على الامتناع .
فقام فجمع إليه أصـحابه وأهل بيـته ثمّ أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه : إنِّي داخلٌ فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليّ بأجمعكم وإلاّ فلا تبرحـوا حتى أخرج إليكم . ثمّ دخل فسلّم ، ومروان عنده ، فقال الحسين : الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، أصلح الله ذات بينكما ; وجلس ، فأقرأه الوليدُ الكتابَ ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة ، فاسترجع الحسين وترحّم على معاوية ((15)) وقال : أمّا البيعة فإن مثلي لا يبايع سرّاً ولا يُجتَزأُ بها منِّي سرّاً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتَهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً ، فقال له الوليد ، وكان يحبّ العافية : انصرف . فقال له مروان : لئن فارقك الساعة ولم يُبايع لا قدرتَ منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلاّ ضربتَ عنقه . فوثب عند ذلك الحسين وقال : ابنَ الزرقاء أ أنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمتَ ! ثمّ خرج حتى أتى منزله .
فقال مروان للوليد : عصيتَني، لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبداً ... (16)فقال الوليـد : ويح غيرك يا مروان ، والله ما أُحبّ أنّ لي ما طلعـت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنِّي قتلت الحسـين إن قال لا أبايع ، والله إنِّي لأظنّ أن امرأً يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة ، قال مروان : قد أصبت ، يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه»(17) .
وهـكذا كان الإمام الحسـين (ع) يُخطِّط لتضـييع الفرصـة على القرار الأموي ، وكسب مزيد من الوقت للتحرك والانطلاق في مشروعه الكبير الهادف إلى تحريك الأمّة لانقاذها من القبضة الأموية ، ومن سلطة يزيد بن معاوية .. وما أن انقضت تلك الليلة ، وبدأ يوم جديد بإرسال الوليد إلى الإمام الحسين (ع) في آخر النهار يطلب منه البيعة ، فقال لهم الحسين (ع) : «اصبحوا وترون ونرى ، فكفوا تلك الليلـة عنه ، فخرج ليلة الأحد ، متوجهاً نحو مكّة ، ومعه بنوه ، وبنو أخيه الحسن وإخوته ، وجلّ أهل بيته إلاّ محمّد بن الحنفية ، فإنّه لم يدر أين يتوجّه وشيّعه وودّعه ... »(18) .
سار الحسين (ع) باتجاه مكّة ، وراح يغذّ السير حتى وصلها في اليوم الثالث من شعبان سنة (60) من الهجرة ، استقر هناك وبدأت الاتصالات والمراسلات والمفاوضات مع الشخصيات الموالية لآل البيت في العراق ، وكانت الكوفة عاصمة الولاء آنذاك ومعسكر الأنصار لآل محمّد (ع) ، ولما رأى الحسـين (ع) إقبال الناس بعث مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ البيعة للإمام الحسين (ع) ويكون مركزاً فعلياً للقيادة ، ويهيِّئ الظروف والأوضاع لقدوم الحسين (ع) ..
إنطلق مسلم بن عقيل ووصل الكوفة واجتمع الناس من حوله فبايعه ثمانية عشر ألفاً ، فكتب إلى الحسين (ع) بذلك يطلب منه القدوم إلى الكوفة، وصل الطلب إلى الحسين (ع) وبدأ الحسين يتأهّب للرحيل والانطلاق نحو الكوفة ، وقرّر أن يكون يوم الثامن من ذي الحجّة هو يوم انطلاق من مكّة إلى الكوفة ، توجه في ذلك اليوم نحو الكوفـة مخافة أن يقتله الأمويون في حرم مكّة فيهتكوا حرمة البيت الحرام والأشهر الحـرام ، غير أنّ الكوفـة نكصت على أعقابها ، وتمكّن عبيدالله بن زياد والي الكوفـة من اختراق التكـتّل القائم من حول مسلم وتمزيقه وتشتيته حتى انفرد بمسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، من أبرز قادة المعارضة في الكوفة ، وقتلهما في أوائل ذي الحجّة .
ويذكر بعض المؤرِّخين أنّ الإمام الحسين (ع) بعد أن استقر في مكّة ، أرسل من يأتي بالنساء والأطفال من المدينة ، وكان في مقدّمة من التحق أخته المجاهدة زينب الكبرى (ع) .. سار الحسين (ع) مستجيباً لنداء الأمّة المضطهدة ، واستغاثة المظلومين ، وهو يعلن عن منهاج ثورته : «اللّهمّ إنّك تعلم انّه لم يكن الذي كان منّا منافسـة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ، وتُقام المعطّلة من حدودك ، ويأمن المظلومون من خلقك» .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:18 PM
إلى كربلاء

وسار الركب وسارت زينب (ع) وفي قلبها الآلام ، فقد عاشت التجربة السياسية الطويلة مع أبيها وأخيها الحسن ، وحنّكتها الأحداث والمواقف ، وها هي قد بلغت الخامسة والخمسين من عمرها المبارك .. ولم تكن صورة الأحداث ، ومواقف الكوفة والسلطة الأموية بغائبة عنها ، ولكنّها تعلم أنّ الإمام الحسين لم يكن لينطلق في هذه المهمّة الكبرى إلاّ كمنقذ ورائد ، وطليعة فداء للعقيدة ومبادئ الحق والعدل ، وانّه عزم على تحمل المسؤولية ، رغم ما يعلم ، فبين جنبيه سر لا يبوح به ..
وما انتهت إليه الأوضاع من الظلم والجور وغياب مبادئ الشريعة عن العمل والتطبيق ، وتداعي قوى المعارضة تتطلّب موقفاً كموقف الحسين (ع) لذا كان يعتذر عن الاستجابة لاقتراحات المشفقين والخائفين من نتائج المواجهة ، كعبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر ، زوج زينب (ع) وكثير غيرهما ..
كان يعتذر عن التراجع عن مشروعه الكبير والابتعاد عن مواجهة الظلم والطغيان .. وحين رأى عبدالله بن جعفر ، زوج زينب ، أنّ الحسين (ع) مصر على ما عزم عليه من المسير إلى العراق ، وها هو قد ركب الطريق وانطلق سائراً باتجاه الهدف الكبير .. عندما رأى عبدالله بن جعفر ذلك كتب إليه كتابه وبعث به مع ولديه ، أحدهما ابن زينب (ع) يطلب فيه من الحسين (ع) العدول عن رأيه .. جاء في الكتاب :
«أمّا بعد فإنِّي أسائلك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فإنِّي مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنّك علم الهدى ورجاء المؤمنين ، ولا تعجل بالمسير ، فإنِّي في أثر كتابي والسلام»(19) .
وبعد أن أرسل عبدالله بن جعفر كتابـه ، توجّه إلى أمير مكّة عمرو بن سعيد بن العاص ، وطلب منه أن يكتب للإمام الحسين كتاباً يضمنه الأمان ليرجع عن قرار الخروج إلى العراق .. استجاب عمرو بن سعيد بن العاص، وكتب الكتاب ، وحمل الكتاب عبدالله بن جعفر ، ومحمّد بن سـعيد ، أخو عمرو بن سعيد ، وانطلقا يحثّان السير نحو الحسين (ع) وهو في أوّل المسير ، فالتقياه وحدثاه طويلاً ، وطلبا منه العودة ، غير أنّ الحسين (ع) قال :
«إنِّي رأيت رسول الله (ص) في المنام ، وأمرني بما أنا ماض له ، قالا له : فما تلك الرؤيا ؟ فقال : ما حدّثت بها أحداً ، ولا أحدِّث حتى ألقى ربّي عزّ وجلّ ، فلمّا يئس عبدالله بن جعفر منه أمر ابنيـه : عوناً ومحمّداً بلزومه ، والسير معه والجهاد دونه ، ورجع هو ويحيى بن سعيد إلى مكّة ، وتوجه الحسين نحو العراق ... »(20) .
وهكذا انطلق الركب متوجهاً إلى كربلاء ، وفي الركب زينب (ع) وولدها عون وأخوه لأبيه محمّد بن الخوصاء إلى جنب الحسين في مسيره وأهدافه .. وتواصل المسير والحسين يتلقى الأخبار ، وما يحدث في الكوفة .. وكان أسوأ الأنباء وأشدّها ألماً ما بلغه من نكوص في الكوفة ، ونقض البيعة ، ومقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، من أبرز قادة المعارضة الموالين لأهل البيت (ع) على يد عبيدالله بن زياد والي الكوفة ..
وتواصل المسير والحسين (ع) يقرأ في أفق الأحداث والنتائج، ما ستؤول إليه الأمور .. فالأنباء تتوارد عليه سيِّئة لا تبعث على الأمل .. وعبيدالله بن زياد قد استولى على الكوفة عاصمة البيعة لآل محمّد (ع) .. فهو إذاً مقبل على غير ما كان الانطلاق يوحي به ، لذا خاطب من كان معه من أصحابه وأهل بيته ومن التحق به في الطريق .. خاطبهم بقوله :
«أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع:قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبدالله بن يقـطر(21)،وقد خذلنا شـيعتنا،فمَن أحـبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ، فليس عليه ذمام ، فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنّما فعل ذلك لأنّه(ع)علم أنّ الأعراب الذين اتبعوه إنّما اتّبعوه وهم يظنّون انّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه»(22).
انّه يريد أن يمحص الناس كما يريد أن يحقق الأهداف الإسلامية العليا آخذاً بنظر الاعتبار احتمالات المواقف العسكرية والسياسية ; لذا فهو لا يريد أن يدخل الآخرين معركة غير متكافئة عسكرياً .. أما هو (ع) فله شأن آخر في هذه الفترة من تأريخ الأمّة .. لقد أصبح الحسين(ع)على مقربة من كربلاء .. وها هو الحر بن يزيد الرياحي أحد قادة الجيش الأموي قادماً من القادسية يعترض طريق الحسين(ع)بألف فارس..ويضايقه في المسير لينفذ أوامر عبيدالله بن زياد بمضايقة الحسين(ع)ثمّ يدخله الكوفة،ويقوم بتسليمه إلى عبيدالله بن زياد.
لقد انتهر الحسين (ع) الحر وأبى الاسـتجابة للمضايقة ، وخاطبه بإباء وشموخ : «أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه،وهو يريد نصرة رسول الله(ص)فخوفه ابن عمّه،وقال : أين تذهب فإنّك مقتول ، فقال :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى***إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه***وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم أُلمْ***كفى بك ذُلاًّ أن تعيش وتُرغما» (23)
استمع الحر (24)إلى إصرار الحسين (ع) وقراره هذا فتنحى عنه ، وظل يسايره ويرقب مسيره فقد اُمر أن لا يفارقه . وسار الحسين بتلك العزيمة والإرادة التي لا يثنيها ترهيب ولا ترغيـب .. وتواصل سـيره حتى حطّ رحله في موضع يدعى بقصر بني مقاتل .. استراح الركب وتزوّد بالماء في هذا المكان ، ثمّ انطلق الحسـين (ع) ليلاً وسار ممتطياً صهوة جـواده ، وفي الطريق غشيته غفوة ، ثمّ انتبه وهو يقول :
«إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين ، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً ، فأقبل ابنه علي بن الحسين (ع) فقال : ممّ حمدت الله ربّ العالمين ، واسترجعت ؟ فقال : يا بني إنِّي خفقت خَفقة فعنّ لي فارس ، وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أ نّها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال له : يا أبه لا أراك الله سوءاً ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد ، قال : فإنّنا إذاً لا نبالي أن نموت محقِّين ، فقال له الحسين : جزاك الله من ولد خَيرَ ما جزى ولداً عن والده» (25) .
وتواصل المسـير والركب والأهداف والمنايا يجمعها القـدر من حول الحسين (ع) حتى أطلّ الصبح ، صبح اليوم الثاني من محرّم ، سنة (61) من الهجرة فحطّ الحسين (ع) رحله وأدّى صلاة الصبح ، ثمّ ارتحل الركب ، وسار آل محمّد (ع) ومن معهم من الأصحاب ، والحر ملازمهم في المسير . وعلى مقربة من قرى الفرات : نينوى والغاضرية وشفية ، تصل أوامر عبيدالله بن زياد إلى الحر : «أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلاّ بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء ، فقد أمرت رسـولي أن يلازمك ، ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام»(26) .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:19 PM
في كربلاء

حطّ الحسين(ع)رحله ، ونزل رجاله ، وضُربت الخيام ، واستقرّ من كان معهم من النساء والأطفال في ذلك المخيم الغريب ، وفيهم زينب سيِّدة الأسرة ، ورفيقة الحسين (ع) وابنها عون ومحمّد أخوه لأبيه . وعلى مقربة من مخيم الحسـين تجمّع الجيش الأموي .. قوّات الحر بن يزيد الرياحي ، وقوّات عمر بن سعد ، وعـددها أربعة آلاف مقاتل،وقوات الحصين بن نمير..ثمّ توالى إرسال القطعات العسكرية والأمراء،وهم يتسابقون لقتال الحسين(ع).
نظرت زينب (ع) إلى ما حولها فلم ترَ إلاّ امتداد الصحراء والوحشة ، ورايات الجيش الأموي ، وأسـنّة الغدر والعدوان تتربّص بآل محمّد (ع) وتتهيّأ للانقضاض على معسكر الحسين الذي لم يحو من الرجال غير ثمانية وسبعين رجلاً .. ورغم تكاثف الجيوش ، واستنفار السلطات وتلويحها بالقتال والعدوان وسفك الدماء .. رغم ذلك كلّه فانّ الحسين (ع) لم يكن ليترك الحوار ، وإقامة الحجّة ، وبيان أهدافه وتحمله لهموم الأمّة ، واهتمامه بإنقاذها من الظلم والفساد والاضطهاد ..
دعا الإمام الحسين (ع) قائد الجيش الأموي عمر بن سعد للحوار والتفاهم ، لعلّه يتوصل معه إلى ما يطفئ الفتنة ، أو يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفهم واتخاذ المواقف الموالية للحق .. تأثر عمر بن سعد بحديث الحسين (ع) وكتب إلى عبيدالله ابن زياد بما توصل إليه مع الإمام الحسين (ع) .
فلخّصه بقوله:أن يرجع الحسين(ع)إلى المدينة أو يتوجه إلى أي بلد آخر من البلدان الإسلامية أو يلتقي يزيد بن معاوية فيفاوضه في الأمر..تسلم عبيدالله بن زياد الكتاب واطلع على ما فيه فاستجاب في بادئ الأمر غير أن شمر بن ذي الجوشن كان جالساً في مجلس عبيدالله بن زياد وهاله أن تصلح الأمور،وتنتهي محنة أهل البيت(ع) فاعترض على ابن زياد وحرّضه على أن يكون تقرير مصير الإمام الحسين (ع) بيده ، فان استجاب وإلاّ فليقاتله ..
وما أسرع أن استجاب عبيدالله بن زياد لرأي شمر ، فسارع بالكتابة إلى عمر بن سـعد يؤنّبه على حواره مع الإمام الحسـين (ع) وما حملته رسالته ويأمره بأن يطلب من الإمام الحسين (ع) النزول على حكم عبيدالله بن زياد والاستسلام له ، وإلاّ فليقاتله ، وليمثِّل بجسده بعد القتل ، ثمّ سلّم الكتاب إلى شـمر بن ذي الجوشن ، وأمره بالتوجه إلى عمر بن سعد حيث يعسكر الجيش الأموي ، مطوقاً لمخيم الإمام الحسين (ع) .
وصل شمر إلى عمر بن سعد وهو يحمل كتاب الجريمة والعدوان والمذبحة لآل محمّد(ع) فسلّمه إليه،فلم يختر عمر بن سعد غير قتال الحسين(ع)فنادى في جيشه الآثم:«يا خيل الله اركبي».
تنادى جيش الجريمة والعدوان ، وراح يزحف باتجاه مخيم الحسين (ع) .. كان الحسين حينها جالساً أمام بيته ، محتبياً بسيفه ، إذ خفق برأسـه على ركبتيه(27) وزينب (ع) ترقب الموقف ، وترصد الأحداث ، وبين جنبيها هموم المخيم ومعاناة الحسين (ع) ، فرأت هجوم العسكر وزحفه باتجاههـم .. لقد هالها المنظر ، وتملكها الخوف على الحسين فدنت منه وقالت : «يا أخي أما تسمع الأصوات ؟ فرفع رأسه فقال : إنِّي رأيت رسول الله (ص) في المنام فقال لي : إنّك تروح إلينا»(28) .
استمعت زينب (ع) إلى كلمة الحسـين (ع) تلك فأيقنت أنّ الحسين شهيد ، فرؤياه حق .. وأن ما تشاهده من كثافة الجيوش ، وقعقعة الخيل ، وهجمات العدو من حولها لدليل على قرب وقوع الرؤيا .. تجمعت في نفسها الآهات والأحزان ، واستحضرت صورة المنظر الرهيب وقد غاب شخص الحسين (ع) وقتل أهل بيته وأصحابه ، ومخيمها يغرق في ظلمة الحقد والليل والغربة .. استولت تلك الصور والمشاهد على مشاعرها فلطمت وجهها ، ونادت متألمة مفجوعة..فردّ الحسين(ع)عليها:«ليس لك الويل يا اُخيّ،اسكتي رحمك الله»(29).
وفيما يتواصل الحديث بين الحسين وزينب (ع) ، إذ أقبل العباس (ع) بن عليّ بن أبي طالب مخاطباً أخاه الحسين : يا أخي قد جاءك القوم .. ألقى الحسين نظرة على جيش الغدر والعدوان ثمّ خاطب العباس : اذهب إليهم وكلّمهم ، واسـألهم عمّا بدا لهم .. اتّجـه العباس ومعـه عشرون فارساً من أصحاب الحسين (ع) وابتدأ الحديث معهم بسؤاله: ما بدا لكم، وما تريدون؟ أجابوا : لقد جاءنا أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه،أو نناجزكم..
استمع العباس (ع) إلى ما يريدون ، ثمّ عاد لمخيم الحسين لينقل إليه صورة الموقف .. استمع الحسين إلى مطاليبهم تلك فلم يسبق إلى نفسه شيء غير التزوّد من العبادة والثناء على الله سبحانه ، والصلاة له . فذلك شعور الحسين وروحه المتعلقة بعالم الغيب فهو يدري أ نّها الساعات الأخيرة من الحـياة .. ولا شيء أحبّ إليه من مـناجاة الربّ والثـناء عليه ، فالحسـين لا يفكر في الاستسلام ، ولا يريد الخضوع لإرادة الطغاة فتهزم إرادة الأمّة ، وقد تمثل بموقفه هذا تأريخها وآمالها .. وجه خطابه إلى أخيه العباس قائلاً : «ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غد ، أو تدفعهم عنّا العشية فافعل ; لعلّنا نصلِّي لربّنا الليلة ، وندعوه ، ونستغفره»(30) .
عاد العباس إلى عمر بن سعد ، وعرض عليه طلب الإمام الحسين ، وتأجّل الزحف إلى غد ، وسارت الشمس ثقيلة الخطى ، لتتوارى في حجب المغيـب .. كئيبة فزعـة من شروق الغـد ، والإطلال على مـيدان النزول ، والأسنّة تفترس أوداج الحسين ، وخيل الطغاة تطأ قلب محمد بين جنبيه .. اكتسح الليل ميدان المعركة ، والقمر في ليلته العاشرة يطل بنوره خجلاً من امتداده إلى معسكر الطغاة ، والخيل والحقد والأسنة تحيط بمخيم الحسين .لقد كانت كما أرادها الحسين،ليلة عبادة ومناجاة،وتلاوة لكتاب الله،ليلة وداع ووصايا ومواعظ.
تشخّص الموقف أمام الحسين فتوجّه بالخطاب إلى أصحابه وأهل بيته يدعوهم إلى الانصراف وتركه وحده .. فسلطات يزيد بن معاوية لا تريد غيره .. اعتذر الجمـيع عن الانـصراف ، وأصرّوا على الوفاء للحسين والمبادئ ، وأن يكتبوا ملحمة كربلاء بدم الخلود ، ولتبقى فصلاً مضيئاً في تأريخ الإنسان .. كان ممّن رفض الانسـحاب من المعركة إبنا عبدالله بن جعفر ، ابن زينب (ع) وأخوه لأبيه ، نقل التأريخ هذا المشهد الخالد كالآتي : « ... فقال له أخوه وأبناؤه وأبناء إخوانه وأبناء عبدالله بن جعفر : لم نفعل ذلك ، لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبداً»(31) .
أنهى الحسين خطابه هذا لأصحابه ، ثمّ عاد ليعتزل في خباء له ومعه جون أحد أصحابه يهيِّئ سيفه لقتال الغد .. وعلى مقربة منه زينب تمرّض ابن أخيها عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) فقد كان يعاني من ألم عضال حينها.. تفاعلت الصور والرؤى وأحداث الغد في نفس الحسين (ع) الصابرة، فراح يردد أبياتاً من الشعر مرّات عديدة وعليّ بن الحسين يسمع أباه وإلى جنبه زينب تسمع ترديد الحسين لتلك الأبيات .
نعى الحسين (ع) نفسه ، وشكا إلى الله سبحانه أمره في هذه الأبيات ، وعبّر عن تأفّفه من مسير الأحداث ، ومواقف الناس وانقلابها .. تلقت زينب تلك المشاعر بأسى وقلب فجيع ، وقد هالها منظر المأساة الذي صوره الحسين بأبيات الشعر تلك ، فانطلقت نحوه فزعة تشاطره مشاعر الحزن والأسى .
روى الإمام علي بن الحسين تلك الحادثة ، فقال : «إنِّي جالس في تلك العشـية التي قُتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينب (ع) تمرضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري ، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :
يا دهرُ أفٍّ لك من خليل***كم لك بالإشراقِ والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل***والدّهرُ لا يقنعُ بالبديل
وإنّما الأمرُ إلى الجليل***وكل حي سالكٌ سبيلي
فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتى فهمتها ، وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ، ولزمت السكوت ، وعلمت أنّ البلاء قد نزل ، وأمّا عمتي فإنّها سمعت ما سمعت ، وهي امرأة ومن شأن النِّساء الرقّة والجزع ، فلم تملك نفسها إذ وثبت تجرّ ثوبها ، وإنّها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت : وا ثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أمّي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن (ع) ، يا خليفة الماضـين ، وثمال الباقين ، فنظر إليها الحسين (ع) فقال لها : يا أخية ، لا يذهبن حلمك الشيطان ، وترقرقت عيناه بالدموع ، وقال (ع) : ( لو ترك القطا لنام) . فقالت : يا ويلتاه ، أفتغتصب نفسك اغتصاباً فذاك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي، ثمّ لطمت وجهها وهوت إلى جيبها فشقته ، وخرّت مغشيّاً عليها ، فقام إليها الحسين (ع) فصبّ على وجهها الماء ، وقال لها :
إيهاً يا أخـتاه ، اتّقي الله وتعزّي بعـزاء الله ، واعلـمي أنّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون ، وان كل شيء هالك إلاّ وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث الخلق ويعيدهم ، وهو فرد وحده . جدِّي خير منِّي ، وأبي خير منِّي ، وأمِّي خير منِّي ، وأخي خير منِّي ، ولي ولكل مسلم برسول الله (ص) أسوة ، فعزّاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا أخية ، إنِّي أقسمت عليك فأبري قسمي ، لا تشقِّي عليَّ جيباً ، ولا تخمشي عليَّ وجهاً ، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ، ثمّ جاء بها حتى أجلسها عنده ... »(32) .
ومرّت تلك الليلة كئيبة ثقيلة قضاها الحسين (ع) وأصحابه (رض) بالعبادة والمناجاة ، وتلاوة القرآن .. وأصبح المعسكران : معسكر الحسين الذي رفض أن يبدأ بقتال ومعسكر يزيد بن معاوية الذي أوقد للحرب ناراً .. ها قد حلّ يوم العاشر من محرّم الحرام سنة (61) من الهجرة ، وها هو الحسين (ع) يأبى إلاّ أن يحاورهم ويعظهم ، ويحكّم العقل والشريعة ، فخاطبهم وقدم الحجج والأدلة على دعوتهم إليه ، وطلبهم منه التوجه إلى الكوفة كمنقذ من الظلم وإمام حق يقيم العدل فيهم ، فلم يستمعوا لنداء العقل ، ولم يتقبّلوا منه النصح ، وأبوا إلاّ قتاله .. وزينب (ع) ومن حولها من نساء آل محمّد (ع) والأصحاب ، يستمعن إلى خطب الحسين وحواره معهم ، فارتفعت أصواتهن بالصراخ والبكاء .. فعزّ على الحسين (ع) أن يسمع تلك الأصوات المفجعة ، والعبرات الحَرة ، فأرسل أخاه العباس (ع) ليهدئهنّ ، ويعيد الطمأنينة إلى نفوسهنّ .
أعطى عمر بن سـعد أوامره إلى دريد مـولاه بالتقدّم براية الحرب ، وأطلق ابن سعد أوّل سهم على معسكر الحسين (ع) ثمّ قال : «اشهدوا أنِّي أوّل من رمى ... »(33) .
وبدأت المعركة وتشابكت السيوف والرماح ، ولم يكن بين المعسكرين من تكافؤ عسكري .. فمعسكر يزيد يحوي ثلاثين ألفاً من المقاتلين على ما قدرتـه بعض الروايات ، ولم يكن في معسكر الحسين غير اثنين وثمانين مقاتـلاً .. وصمد أصحاب الحسـين بشجاعة وبطـولة نادرة ، وراحوا يتساقطون الواحد تلو الآخر على مقربة من المخيم الذي تقيم فيه النِّساء والأطفال .. وكان الحسين (ع) قد وضع خطّة المعركة لتحقيق هدفين : أوّلهما ، حماية المخيم من الهجوم ، وثانيهما ، الدفاع ومقابلة العدو آخذاً بنظر الاعتبار قلّة عدد أصـحابه ، وكثافة معسكر العدو ، لذا أمر أصحابه أن يحفروا خندقاً من خلف البيوت ويوضع فيه الحطب وتوقد فيه النار ، ليوفر حماية خلفيّة لمخيمه .. وأمر المقاتلين أن يكونوا أمام المخيم .. وتواصلت المعركة والنِّساء والأطفال يشهدون وقائعها .. تساقُط القتلى والجرحى ، وضجيج الحرب ، وصولات القتال .. وأصوات الوعيد والتهديد..وألسنة النار ودخانها تطوق مخيمهم.
لقد دارت رحى الحرب ، واستشهد عون بن زينب (ع) وأخوه محمّد ( ابن الخوصاء ) ابنا عبدالله بن جعفر الطيار .. ولكن لم يسجل التأريخ موقف حزن متميزاً ، ولا صيحة خاصة من زينب (ع) على أبنائها ، فقد كان الحسين كل همّها .. وفي ذلك الجوّ الرهيب من الدماء وغابات السهام والرماح وحمحمة الخيل يسقط علي بن الحسين الأكبر صريعاً يسبح بفيض الدماء فيشعر الحسين بألم الفقد ومرارة المحنة .. وتحدّرت من عينيه دموع الحزن ، فعبّر عن ذلك بقوله : «على الدنيا بعدك العفا» .
سمعت زينب مقالة الحسين ، ورأت علياً الأكبر يسقط مضرجاً بدم الشهادة ، فانطلقت نحو علي القتيل فزعة مروعة .
نقل المؤرِّخون صورة ذلك المشهد المحزن الأليم بالقول « ... وخرجت زينب ، أخت الحسين (ع) مسرعة تنادي : يا أخاه ، وابن أخاه ، وجاءت حتى أكبّت عليه ، فأخذ الحسين برأسها فردّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه»(34) .
تلك زينب تحوم من حول الحسين بقلبها ومشاعرها ، وتشاطره هموم المعركـة ، وتشهد أحداثها المفزعة .. ويسجل التأريخ حوادث مروعة من ميدان القتال لزينب ومن حولها من النساء والأطفال .. لقد روعت النساء حين اشتد القتل بالرجال ، ولم يبق مع الحسين إلاّ القليل من أصحابه وأهل بيته ، فشعر بالخطر على من في المخيم من النِّساء والأطفال .. فرفع صوته بالنداء : « ... أما من مغيث يغيثنا ، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله (ص) ، فبكت النِّساء ، وكثر صراخهنّ»(35) .
ويتواصل زحف الجيش الأمـوي على مخيّم الحسـين (ع) ، حتى يصل إلى فسطاط الحسين (ع) فيطعنه شمر بالرمح وينادي : «عليَّ بالنار لأحرّقه على أهلـه ، فتصايحت النساء ، وخرجن من الفسـطاط ، وناداه الحسين : يا ابن ذي الجوشن ، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ، أحرقك الله بالنار ، وقال له شبث بن ربعي : أمرعباً للنساء صرت ؟ ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك ، وموقفاً أقبح من موقفك ، فاستحيى وانصرف ، وحمل على جماعته زهير بن القـين في عشرة من أصحابه حتى كشفوهم عن البيوت»(36) .
ويستبسل أصحاب الحسين (ع) بالدفاع والقتال ، ويوقعون في جيش البغي والعدوان خسائر فادحة .. فاندفع الجيش نحو المخيم ، وطوقوه من أطرافه ، ودخلوا المخـيم : «فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخلّلون البيوت ، فيشـدون على الرجل ، وهو يقوِّض وينتهب فيقتلونه ، ويرمونه من قريب فيعقرونه ، فقال ابن سعد : أحرقوها بالنار فأضرموا فيها النار ، فصاحت النساء ، ودهشت الأطفال ، فقال الحسين : دعوهم يحرقونها ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم ، فكان كما قال»(37) .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:19 PM
زينب (عليها السلام) تشهد مصرع العباس (عليه السلام)ويتواصل القتال والنزال وأصحاب الحسين وأهل بيتـه (ع) ، يكتبون أروع ملاحم البطولة والفداء ، وهم يتساقطون شهداء في ميدان الشرف والحرِّيّة ..
اشتدّ الخطب على آل محمّد (ع) في مخيّم النِّساء والأطفال : الرعب والعطش ، بعد أن حالوا بينهم وبين الماء ، ومنظر الدم والقتل ، وصهيل الخيل ، وقرع السيوف ، وضجيج العسكر ، وغبار المعركة يحجب وجه الشمس ، ويملأ أفق السماء .
نظر العباس بن عليّ (ع) (38) إلى ما حوله .. خيام تعبث بها النيران ، وصبية مذعورون ، عطشى يتعالى صراخهـم ، ونساء فاقدات ثاكلات ، يندبن قتلاهنّ ، وإلى جنبه عشرات الأجساد مقطعة الأوصال ، تسبح في برك الدماء .. نظر إلى وجه الحسين (ع) الذي لم تزده كثرة التضحيات إلاّ صبراً ، ورباطة جأش .. نظر إليه يستأذنه بالنزال .. لقد عزّ على الحسين أن يفارق أخاه الفارس والبطل وحامل اللـواء ، وحارس مخيّمه من هجمة الغوغاء ، أذن الحسين (ع) لأخيه العباس (ع) .. فاتّجه نحو الميدان بطلاً تهابه الفوارس .. وفارساً تفر من بين يديه الأبطال ، وكم هو معبّر تصوير الشاعر لميدان النزال ساعة اشتبك العباس مع معسكر الجريمة والطغيان .
صوّر الشاعر ذلك المشهد الخالد بقوله :
يوم أبو الفضل استجار به الهدى***والشمس من كدر العجاج لثامها
لقد ذكّر الناس بعلي أبيه يوم بدر وحنين ، وكلّما تكاثر الجيش الأموي من حوله فرَّقه ، ولم يصمد له أحد ، غير أنّ الغدر ـ والغدر سجية هذا الجيش المتواطئ على حرب الحسـين (ع) ـ هو الأداة الوحيدة لتوجيه الضربة إلى هذا البطل المقدام .. لقد كمن له اثنان خلف نخلة فضربه أحدهما فقطع يمينه ، ثمّ كمن له آخر خلف نخلة فقطع شماله .. تكاثرت الجموع على الفارس المقدام ، وهو مقطوع اليدين ، وقد اسـتقرّ السهم في عينيه حتى أصبح عاجزاً عن النهوض والقتال ، ملقى في ناحية من الميدان .. كل ذلك وزينب والحسين (ع) يرقبان هذا الحادث المفجع ..
انطلق الحسين كالسهم نحو العدو لينقذ العبّاس (ع) من هجمة الحقد والعدوان .. ولكن دون جدوى .. فهو في الرمق الأخير من الحياة ، وكل ما استطاع الحسين (ع) أن يدركه كلمات وداع وعبارات وفاء يناجي بها أخاه القتيل ، واللـقاء في عالم الخالدين في حياض البشـير محمّد (ص) .. رجع الحسين (ع) إلى مخيّمـه وهو يرسل عبرات الحزن ، ويكف دموع الفقد المروّع .. لم تكن ظروف المعركة لتفسح لزينب مجال اللقاء بأخيها الشهيد ، وإلقاء النظرة الأخـيرة ، وكلمـة الوداع والفراق .. فظلت تكتم جراحها ، صابرة محتسـبة كالجبل الأشم ، تقف إلى جنب الحسين (ع) الأخ الوحيد ، والإشفاق عليه يفترس قلبها ، والأسى يمزّق أعماقها ..
لقد استشهد إخوتها وأبناؤها وأبناء إخوتها ، في تلك الساعات المروعة تواردت الرؤى ، وتكاثفت صور المأساة في نفسها .. ما الموقف لو استشهد الحسين .. ؟ أليست هي وحدها سيِّدة البيت الهاشمي ، والمكلفة بتحمل إدارة الموقف ، ورعاية هذا الجمع من النِّساء الثكلى والأطفال واليتامى والفاقدين ، من يزيل عن نفوسهم هول الكارثة .. ؟
من يحميهم من هجمة أولئك الأوباش ؟ ماذا ستفعل في صحراء الغربة والوحشة .. ؟ انّه ليوم رهيب ، وساعات حاسمة .. نظر الحسين إلى ما حوله فلم يجد غير صراخ النِّساء والأطفال ، وغير أجساد الشهداء تتناثر في ميدان القتال من حوله ، وغير شآبيب الدم تنطلق من أجسامهم الطاهرة ، وغابات السهام والرماح ، وأمواج الحقد والجريمة تتّجه نحوه .
لقد عزَّ عليه ما يرى ، وعظم الخطب في نفسه ، غير أ نّه لم يضعف ولم يهن .. لقد كان جبلاً أشم ، وإرادة لا تقهر ، وقلب علي يربض بين جنبيه .. وصفه من حضر المعركة ، حميد بن مسلم بقوله : «فوالله ما رأيت مكثوراً قط ، قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ، ولا أمضى جناناً منه ، إذ كانت الرجالة لتشد عليه ، فيشد عليها بسيفه ، ويكشفهم عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا اشتدّ عليها الذئب»(39) .
وهكذا انطلق نحو الميدان ، انقضّ على أوباش الجريمة ، وعبيد الطغيان ، ففرّوا كما تفرّ المعزى من غارة الأسد .. وتواصلت المعركة والحسين (ع) فرد يقاتل الجموع ، وقد انطلقت آلاف السهام والرماح نحوه حتى غدا جسده الطاهر كما يصفه المؤرِّخـون ، كالقنفذ لكـثرة ما اسـتقرّ فيه من السهام .. فتكاثروا عليه وقد أعياه نزف الدم فخرَّ إلى الأرض مضرجاً بدمه ، وظل جالساً على الأرض لا يستطيع النهوض واستئناف القتال .. وزينب ترقب المشهد المفجع ، والكارثة الجلل .
لم يكن في مخيم الحسين من رجال تنصره ، فقد استشهد الجميع .. كان في مخيّمه غلام في الحادية عشر من عمره ، هو عبدالله بن الحسن السبط ، ابن أخي الحسين (ع) فهالته الفاجعة ، ودفعته الحمية فانطلق نحو الحسين (ع) .
نظرت زينب إلى عبدالله ابن أخيها الحسن (ع) وهو يريد الاتجاه إلى ميدان المعركة .. أيقنت انّه سيقتل ، وسيضيف إلى فاجعتها فاجعة أخرى ، انطلقت نحوه .. حاولت أن تمنعه فلم تستطع ، لقد افلت عبدالله من يدها ليقف إلى جنب عمّه السبط النازف بالدم ..
عبدالله هو غلام فجعته ضحايا المعركة ، ومنظر الدم والجراح في جسد عمّه الحسين (ع) غير أنّ جيش البغي لا يعرف معنى للرحمة ، ولا يفرّق بين صبي وامرأة ومقاتل .. لقد رأى عبدالله أحد المجرمين يرفع سيفه ليضرب الحسين (ع) به ، فصاح يابن الخبيثة أتضرب عمي ، فضربه فصد الغلام الضربة بيده فقطعها فعز على الحسين انّه لا يستطيع الدفاع عنه ، فاحتضنه لعلّه يحميه من عدوان الطغاة .. غير أن مشهد الحسين والغلام المفجع لم يمنعهم من قتله ، ظلّ الحسين طريحاً في ميدان القتال ، وجراحه تنزف لتخط على أرض كربلاء : أنّ الحسـين قتل من أجل الحق شهيداً .. لقد سقط الحسين من ظهر جواده .. تحرّك الجواد ودار وحمحم من حول الحسين (ع) ثمّ اتّجه نحو المخيم ، ليعود إلى أهله خالياً ..
نظرت زينب إلى جواد الحسين مجرداً فأدركت أنّ الحسين قد سقط في ميدان القتال .. لقد أثار هذا المنظر المفزع اللّوعة في نفوس نساء آل محمّد (ع)، فصاحت أمّ كلثوم أخت الحسين (ع) مستغيثة بجدّها وأبيها ، وبأسد الله حمزة ، وبذي الجناحين عمّها جعفر : «وا محمّداه ، وا أبتاه ، وا عليّاه ، وا جعفراه ، وا حمزتاه ، هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء»(40) .
تجاوبت زينب بالنـداء مع أختها أمّ كلثوم ، ونادت مسـتغيثة لما رأت هول ما حلّ بالحسين (ع) : «وا أخاه ، وا سيِّداه ، وا أهل بيتاه ، ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السّهل ... »(41) .
في تلك اللحظات كان قائد الجيش الأموي عمر بن سعد قد دنا من الحسين ، ومعه زمرة من جنده .. عرفت زينب عمر بن سعد ، وكانت واقفة أمام الفسطاط والحسين على مقربة منه ، فنادت : «ويلك،أي عمر،أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه،فصرف بوجهه عنها»(42).
وتعالى نداء زينب (ع) لإنقاذ الحسين ، وهو في الرمق الأخـير ، ولكن دون جدوى ، وليس من حولها إلاّ مشتبك الأسنة والرماح ، وأحقاد الطغاة العبيد ... خاطبت تلك الزمرة الباغية : «ويحكم : أما فيكم مسلم ، فلم يجبها أحد بشيء ... »(43) .
استحوذ الشيطان على ذلك الجيش المساق بالأحقاد وسلطة المعتدين الطغاة فأجهزوا على الحسين (ع) .. ذبحوه ، واحتز شمر بن ذي الجوشن رأسه الشريف ، وسلبوا الحسين سلاحه ولباسه ، وداست خيول الطغاة قلبه وجسده .
لقد شهدت كربلاء مذبحة الحرِّيّة ، ومحنة الضمير الذي انتصر للحق ، وثار بوجه الطغيان ، ونادى بمبادئ محمّد (ص) .. إنّها مذبحة الحسين وآل الحسين .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:20 PM
الهجوم على مخيّم الحسين (عليه السلام)


ويصور المؤرِّخون ذلك المشهد المفجع .. مشهد الهجوم على مخيم زينب، بعد مقتل الحسين ، وليس فيه إلاّ النسوة والصبية والصغار وعليّ بن الحسين (ع) (44) .
فلنقرأ تقرير الهجوم ، كما رواه حميد بن مسلم ، أحد عناصر الجيش الأموي : قال الشيخ المفيد راوياً ذلك التقرير : «وانتهبوا رحله ، وإبله وأثقاله ، وسلبوا نساءه .
قال حميد بن مسلم : والله لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه ، فنذهب به منها ، ثمّ انتهينا إلى علي بن الحسين (ع) وهو منبسط على فراشه مريض ، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا : نقتل هذا العليل ، فقلت : سبحان الله ، أنقتل الصبيان ؟ وهذا صبي ، وانّه لما به ، فلم أزل بهم حتى دفعتهم عنه .
وجاء عمر بن سعد فصاحت النِّساء في وجهه ، وبكين ، فقال لأصحابه : لا يدخل منكم أحد بيوت هؤلاء النِّساء ، ولا تتعرضوا لهذا الغلام المريض ، فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهنّ ليستترن به ، فقال : من أخذ من متاعهنّ شيئاً فليرده ، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً ، فوكل بالفسطاط ، وبيوت النِّساء وعلي بن الحسين جماعة ممّن كانوا معه ، فقال : احفظوهم لئلاّ يخرج منهم أحد ولا تسوؤن إليهم ... »(45) .
لنقف مع زينب ، بل لنقف مع النبيّ وعلي وفاطمة نشاطرهم الأسى ، ونواسي الرسول (ص) . لنقف أمام ذلك المنظر المروّع ، ولنتصور المشهد بكل أبعاده .. الحسين مجزر .. وإخوته وأبناؤه وأهل بيته مجزرون جزر الأضاحي ، يملأون الميدان على مقربة من المخيم .. منظر الدم وقعقعة الجيش وحمحمة الخيل ، ورعب ضجيجه . وهو يزحف بحقد ووحشية ليهاجم ما أبقت النار من المخيم ، وليس فيه إلاّ النساء والصبيان .. وزينب كبيرة البيت النبوي تواجه كل تلك الفاجعة ، وذلك الخطب الجلل .. الجيش الأموي يقتحم مخيم النساء .. يضرب ويسلب وينهب ويرعب ..
تلك صـورة الموقف الرهيب شـاهدها الشريف الرضي بعد أكثر من ثلاثة قرون فصورها لوحة شعرية خالدة ، لننقل منها بعض ما جادت به مشاعر هذا الشاعر الكبير ، فلعلّه كان مشاطراً لزينب بعض آلامها .. أنشد مصوراً يوم رسول الله بلوعة ومودّة :
كربلاء لا زلتِ كرباً وبَلا***ما لَقي عندك آل المصطفى
كم على تربك لمّا صرّعوا***من دم سالَ ومن دمع جرى
كم حَصان الذّيل يروي دمعها***خدّها عند قتيل بالظما
وتنوش الوحش من أجسادهم***أرجل السِّبقِ وأيمان النَّدى
يا رسول الله لو عاينتهم***وهم ما بين قتل وسِبا
لرأت عيناك منهم منظراً***للحشا شجواً وللعين قَذى
ليس هذا لرسول الله يا***أمة الطغيان والبَغي جَزى
غارس لم يألُ في الغرس لهم***أذاقوا أهله مرَّ الجنا
جزّروا جزر الأضاحي نسلَه***ثمّ ساقوا أهلَه سوقَ الإما
يا قتيلاً قوّضَ الدّهـر به***عمدَ الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد عِلم منهم***أ نّه خامس أصحاب العَبا
وا صريعاً عالج الموت بلا***شد لحيين ولا مدِّ ردى
حملوا رأساً يصلّون على***جدّه الأكرم طوعاً وإبا
ينادي بينهم لم ينقضوا***عمم الهام ولا حلوا الحبا
هَبّت ، تبكي له فاطمة***وأبوها وعليّ ذو العلا
لو رسول الله يحيا بعده***قعد اليوم عليه للعزى
ويتواصل فيض الأسى شعراً يتدفّق من قلب شاعر مُعنّىً بالأسى ولوعة الحزن فينشد :
هي الدار لا شوقي القديم بناقص***إليها ولا دمعي عليها بجامد
ولي كبد مقروحة لو أضاعها***من السقم غيري ما بغاها بناشد
تأوّبني داءٌ من الهمّ لم يزل***بقلبي حتى عادني منه عائدي
تذكرت يوم السبط من آل هاشم***وما يومنا من آل حرب بواحد
ويقف هذا الشاعر المتفاني في حب آل محمّد (ع) مرّة أخرى إلى جنب زينب يشاطرها اللوعة ، وهو يذوب أسى وعذاباً فينشد :
ظمآن سلّى نجيع الطعن غلته***عن بارد من عباب الماء مقرور
كأنّ بيض المواضي وهي تنهبه***نار تحكّم في جسم من النور
لله ملقىً على الرمضاء غص به***فم الرّدى بعد إقدام وتشمير
تحنو عليه الربى ظلاً وتستره***عن النواظر أذيال الأعاصير
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه***وقد أقام ثلاثاً غير مقبور
ما لي تعجّبت من همّي ونفرته***والحزن جرح بقلبي غير مَسبور
بأيّ طرف ارى العلياء إن نَضُبت***عيني ولَجلَجت عنها بالمـعاذير
ألقى الزمان بِكَلم غير مُندمِل***عمر الزمان وقلب غير مسرور
يا جدُّ لا زال لي همٌّ يُحرِّضني***على الدموع ووجد غير مقهور
الدمع تَخفرُه عينٌ مؤرقة***خفر الحنية عن نزع وتوتير
انّ السلو لمحظور على كبدي***وما السلو على قلب بمحظور

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:20 PM
وداعاً يا حسين

لم يكتف الطغاة بقتل الحسين ورضِّ جسده بحوافر الخيل،بل أمر عمر ابن سعد بقطع رأسه،وحمله إلى عبيدالله بن زياد،والي يزيد على الكوفة..حمل رأس الحسين بعيد ظهر يوم العاشر من محرّم(61)من الهجرة،بعد ساعات من مقتله..ثمّ قطعت رؤوس أصحابه وأهل بيته،فكانت ثمانية وسبعين رأساً .. وحملت مع رأس الحسين (ع) إلى الكوفة أيضاً .. كل تلك الفاجعة وزينب ومن حولها الجثث الطواهر الزواكي تتناثر أمام المخيم ، تناثر النجوم في أفق السماء ، تشهد زينب ذلك المنظر المروّع ، وتكابد ألم المحنة وفقد الأحبّة .. انتهى ذلك اليوم الرهيب .. وتواترت الشمس في حجاب الليل .. أشرق القمر في ليلته الحادية عشرة على ساحة المعركة خجلاً،يودُّ لو انّه لم يشرق على تلك الأرض،لئلاّ يشهد مجزرة الحسين(ع).
أمّا زينب ومن حولها من نسوة وصبية وأطفال والسجّاد (ع) (علي بن الحسين) فقد باتوا ليلتهم .. وما عسى أن توصف تلك الليلة .. وما عسى أن يتحدّث الواصف عمّا في قلب زينب من أسى ولوعة .. لقد طافت بها الذكريات ، وحلَّقت في نفسها الرؤى النيرة .. فلم يغب عن رؤاها محمّد وفاطمة وعلي وأخوها الحسن .. إنّها تندبهم أن يكونوا إلى جنبها في ليلة الوحشة والغربة وفقد الحسين (ع) ..
لقد باتوا ليلتهم صابرين محتسبين ، ينتظرون وداع الحسين (ع) .. مضت ساعات الليل ثقيلة مرعبة ، وأطلّ الصبح على مخيم الحسين حزيناً موحشاً .. وراحت ساعات النهار تمر وتنصرم مفزعة كئيبـة ، وجثث الشهداء لمّا تزل متناثر في ميدان القتال .
في ذلك اليوم ، اليوم الثاني من المأساة ، أمر عمر بن سعد بالرحيل بعد الظهر .. وحمل معه إلى الكوفة من كان في المخيم من نساء ، وهنّ عشرون امرأة ، وصبية وأطفال وعلي بن الحسين ، وكان في المخيم محمّد بن علي الباقر (ع) الذي كان عمره حوالي ثلاث سنوات .
وصف ابن الأثير انطلاقة الموكب ومرور النساء وعليّ بن الحسين على أجساد الشهداء،فقال:
«فأقام عمر بعد قتله يومين ثمّ ارتحل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ، ومن كان معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين مريض ، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاحت النساء ولطمن خدودهنّ ، وصاحت زينب أخته : يا محمّداه ، صلّى عليك مليك السماء ، هذا الحسين بالعراء ، مرمّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذرِّيّتك مقتّلة تسفي عليها الصّبا ! فأبكت كل عدو وصديق»(46) .
سار الركب وسارت زينب (ع) نحو الكوفة .. وصل الركب إلى الكوفة ، ودخلت زينب عاصمة أبيها علي (ع) ورأت الناس مجتمعين يرقبون أنباء المعركة ، ويتأملون في رؤوس الشهداء المحمولة على الرماح والسبايا .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:21 PM
المواجهة الإعلاميّة

أدركت السلطة الأموية الغاشمة عظم الجريمة التي أقدمت عليها ، فقد قتلت إماماً عظيماً من أئمة المسلمين ، وهو ابن بنت رسول الله (ص) وأ نّها اقترفت الجريمة على مقربة من الكوفة عاصمة أهل البيت ، وبلد الولاء لهم ، وكانوا قد بايعوا الحسين (ع) قبل شهور ..
شعر عبيدالله بن زياد بخطر الرأي العام الشعبي المكبوت الذي انطلق على شكل معارضة حادة في قصر الإمارة من صاحب رسول الله ، زيد بن أرقم ، ثمّ تحول إلى ثورات على امتداد العالم الإسـلامي .. بل لقد أسقط الحسين فيما بعد دولة الأمويين ، رغم بقائها عقوداً من الزمن بعد شهادته ، فقد انطلقت كلّ الثورات ضدّ الحكم الأموي باسم الحسين ، وباسم أهل البيت النبوي المضطهدين.. لقد تركت مأساة كربلاء جرحاً عميقاً في ضمير الأمّة لا يندمل .. شعر عبيدالله بن زياد انّه بحاجة إلى العمل الإعلامي المضاد للحسين ولثورة الحسين (ع) والتغطية على الجريمة التي ارتكبها هو وأسياده الطغاة ، كما شعر انّه بحاجة إلى مزيد من الإرهاب ونشر الذعر والخوف للسيطرة على الموقف ..
بدأت المواجهة في قصر الإمـارة عندما جلس عبيدالله بن زياد في مجلسه ، وأذن للناس إذناً عامّاً بدخول القصر ، ليشهدوا ما حسبه نصراً وغلبة ، ثمّ أحضر رأس الحسين وراح يتبسّم ، ويملأ نفسه الشريرة بالفرح ويعبِّر عن حقده بضرب ثنايا الحسين(ع)بقضيب كان بيده.
نظر زيد بن أرقم صاحب رسول الله(ص)إلى ما يفعل عبيدالله بن زياد برأس الحسين سبط النبيّ(ص)وهو جالس إلى جنبه فاستشاط غضباً،وزجره قائلاً:«ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين،فوالله الذي لا إله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله عليهما ما لا أحصيه ، ثمّ انتحب باكياً ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينك ، أتبكي لفتح الله ، ولولا انّك شيخ قد خرفت ، وذهب عقلك لضربت عنقك ، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله ... »(47) .
في هذه المرحلة بدأ دور زينب لإكمال رسالة الثورة التي قادها الحسين ، ووهبها دمه وروحه الطاهر لإنقاذ الأمّة والرسالة ، ولاستئصال جذور الردة والطغيان .. بدأ دور زينب (ع) الإعلامي في التعريف بالثورة وبمظلومية أهل البيت (ع) وإيقاظ الرأي العام وتحريكه ضدّ الطغاة المتسلطين .. لقد خرجت الكوفة عن بكرة أبيها لمشاهدة السبايا القادمين ، فلمّا عرف الناس أ نّهم سبايا أهل بيت محمّد (ع) ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب وندبوا الحسين وأهل الحسين .. نظرت زينب إلى هذا الجمع الهائل المحتشد فانبرت خطيبة فصيحة فصاحة أبيها علي (ع) ..
تحدّث الرّواة عن ذلك الموقف الخالد لزينب (ع) .. الموقف الذي جسّد دور المرأة المسلمة ، وبمستوى زينب سيِّدة أهل البيت النبوي يومها ، جسّد دور المراة في السياسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الطغيان والفساد .. وقفت زينب خطيبة في تلك الجموع الحاشدة بعد أن أومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا .. انطلقت في خطابها مقرِّعة الجبناء المتخاذلين عن نصرة الحسين (ع) معرّفة بمقام آل البيت فقالت :
«الحمد لله ، والصلاة على محمّد وآله الطيّبين الأخيار ، أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الخَتْل(48) والغدر ، أتبكون ؟ فلا رقأت الدّمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنمّا مثلكم(49) كمثلِ التي نقضَت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً (50) بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصّلف(51) والنطف والكذب(52)والشنف(53)، وملق الإماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة(54)، أو كفضّة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون .
أتبكون وتنتحبون ؟ إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيِّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجّتكم ، ومدره سنتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي ، وبُتّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبُؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة .
ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم ، وأي كريمة له أبرزتم ، وأي دم له سفكتم ، وأي حرمة له انتهكتم ؟ لقد جئتم بها صلعاء عنقاء ، سوداء فقماء ، خرقاء شوهاء ، كطلاع الأرض ، أو املاء السماء ، أفعجبتم أن أمطرت السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون ، فلا يستخفّنكم المهل ، فانّه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وانّ ربّكم لبالمرصاد .
قال الراوي : فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شـيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدمـوع ، وهو يقول : بأبي أنتم وأمّي كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النِّساء ، ونسلكم خير النسل ، لا يخزى ولا يبزى»(55) .
وسار موكب زينب(ع)حتى أدخلت ومن معها من عيال الحسين قصر الإمارة،انحازت زينب في جانب من القصر،وحولها لُمّة من نسائها..نظر ابن زياد إلى زينب(ع)فلم يعرفها ..
وجّه ابن زياد سؤاله نحو زينب قائلاً : «مَن هذه المرأة المنحازة في ناحية من القصر» . فلم تجبه زينب احتقاراً له ، واستهانة به ، ثمّ كرر السؤال ثانية فلم تجبه .. أجابت بعض نسائها الجالسات من حولها : «هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) » .
لقد استفز التعريف نفسه الشريرة ، فأراد أن يتشفّى من آل محمّد (ع) بكلمات الشماتة والعدوان ، فقال لها : «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأكذب اُحدوثتكم»(56) .
فقالت زينب (ع) : «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (ص) وطهّرنا من الرِّجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا ، والحمد لله»(57) .
لم يكتف ابن زياد بذلك بل أراد أن يتشفّى منها بنكء جراحها ، والشماتة بها ، فقال لها : «كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه ، وتختصمون عنده»(58) .
وقعت كلمات زينـب (ع) وقع الصاعقة على رأسه ، فاستشاط غضباً ، فقال لها ابن زياد : «قد شفى الله نفسي من طاغيتك ، والعُصاة من أهل بيتك ... »(59) .
رَقّت زينب وبكت ، وقالت له : « لعـمري ، لقد قتلـتَ كهلي ، وأبّرتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي ، واجتثثتَ أصلي ، فإن يشفك هذا فقد شفيت »(60) .
شعر ابن زياد بالهزيمة أمام زينب (ع) ولم يسـتطع النّـيل من صبرها ، وعزّة نفسها ، وصـلابة موقفها وتفوّق منطـقها ، فقال : «هذه سـجّاعة ، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً ...» ، لم تتركه زينب دون أن تسكته مرّة أخرى ، فقالت له : «ما للمرأة والسّجاعة ، إنّ لي عن السّجاعة لشغلاً ، ولكن صدري نفث لما قلت»(61) .
أسكتته زينب (ع) فتحول يسأل علي بن الحسين السجّاد (ع) ، بعد أن عُرض عليه ، فقال لعليّ بن الحسين : «مَن أنت ؟ » .
قال عليّ بن الحسين : «أنا عليّ بن الحسين» .
قال ابن زياد : «أولم يقتل الله عليّ بن الحسين» .
فقال السجّاد : «كان لي أخ يُسمّى عليّاً قتله الناس» .
فقال ابن زياد : «بل الله قتله» .
قال عليّ بن الحسين : « (اللهُ يَتوفّى الأنفُس حِينَ موتِها ) » .
غضب ابن زياد من ردّ عليّ (ع) عليه ، وإسقاط محاولاته المفضوحة للتغطية على الجريمة .
فقال لعليّ : «وبك جرأة لجوابي ، وفيك بقيّة للرّد عليَّ . اذهبوا فاضربوا عنقه ، فتعلقت به زينب عمّته ، وقالت : يا ابن زياد ، حسبك من دمائنا ، واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه ، فنظر ابن زياد إليها وإليه ، ثمّ قال : عجباً للرحم ، والله إنِّي لأظنّها ودّت أنِّي قتلتها معه . دعوه فإنِّي أراه لما به ... »(62) .
انتهت تلك المواجهة الإعلامية ، والمعركة الصاخبة بين زينب وعبيدالله ابن زياد في قصر الإمارة .. تجلّت فيها شجاعة زينب ، وتحديها للطاغوت ، ورفضها للجريمة البشعة التي أقدم الطغاة عليها ، ثمّ انّ ابن زياد انتقل إلى المسجد وصعد المنبر ، ونال من الحسين وأبي الحسين (ع) ، فقال : «الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته ... » .
سمع عبدالله بن عفيف الأزدي هذا العدوان على آل البيت النبوي فوثب إليه ، وكان ضريراً قد ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل مع علي ، والأخرى بصفين معه أيضاً ، وكان لا يفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف ، فلمّا سمع مقالة ابن زياد ، قال : يا ابن مرجانة ! إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولاّك وأبوه.. يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين ، وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ فقال : عليَّ به . فأخذوه ، فنادى بشعار الأزد : يا مبرور ! فوثب إليه فتيـة من الأزد فانتزعوه ، فأرسل إليه من أتاه به فقتله ، وأمر بصلبه في المسجد ، فصلب ، رحمه الله»(63) .
وانتهى ذلك اليوم والكوفة تموج بالندم والبكاء من عموم الناس وممّن يوالون أهل البيت (ع) وقد غلبوا على أمرهم ، كما كانت الأحقاد تتفجر في قلب عبيدالله بن زياد وحزبه على الحسين حتى بعد مقتله .. لقد أصبحت أجواء الكوفة ثورة إعلامية صاخبة على الحكم الأموي .. أدواتها الدموع والندم والسخط على الطغاة القتلة ، ولكي يزرع الحكم الأموي مزيداً من الرّعـب والإرهاب أمر عبـيدالله بن زياد بأن يُطاف برأس الحسـين (ع) ورؤوس أصحابه سكك الكوفة ، وهي مرفوعة فوق الرماح(64) .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:22 PM
إلى الشـام

ولم ينته حقد الأمويين والجلاوزة المنفذين لأوامرهم ، لم ينته حقدهم وجريمتهم ضدّ آل محمّد (ع); فقد أرسلوا برأس الحسين(ع) ورؤوس أصحابه وأهل بيته إلى الشام ليطلع عليها يزيد بن معاوية .. وتراكمت المأساة على آل محمّد (ع) وتسير زينب (ع) والنساء والصبية وعلي بن الحسين في هذا الموكب المرعب .. نسوة وأطفال سبايا يحيط بهم الجند وأمام الموكب تتقدّم رؤوس الآباء والأبناء والإخوة والأحبّة على أسنة الرماح ، وهم ينظرون إليها ، وعلي بن الحسين قد غلّت يداه إلى عنقه بغلّ من حديد(65) ، والجميع محمولون على الأقتاب .. أيّة مأساة في تأريخ الإنسان أفجع من تلك المأساة .. وأي موقف عظيم هذا الذي وقفه الحسين (ع) ضد تلك الزمرة الباغية .. لم تنتصر السيوف التي قطعت أوصال الحسين ، ولا الرماح التي حملت الرؤوس ، ولكن انتصر الحسين (ع) وتألق مجده وخلدت ثورته مشعلاً يضيء الدرب للسائرين ، ومعلماً للأجيال ، وثورة على الطغاة في كلّ زمان .
دخل موكب الرؤوس إلى الشام ، وفيه زينب وعلي بن الحسين ، ومن معهم من صـبية ونساء .. كان الناس في عيد وفرح ، مضـللين بالدعاية الأموية الآثمة التي صوّرت لهم نصراً حققه يزيد على خصومه الثائرين عليه ، أمّا من هم هؤلاء الخصوم فتلك مسألة عتمت على الرأي العام في دمشق .
وفي الطريق ، الموكب يسير في سكك العاصمة الأموية ، والناس يتجمهرون للنظر إلى الرؤوس المحمـولة على أسـنة الرماح والسبايا على أقتاب الإبل .. اكتشف الناس أنّ القتيل الشهيد هو سيِّد أهل البيت (ع) وأهله وأصحابه ، هؤلاء السبايا هم سبايا آل محمّد .. حدث هذا الإيضاح من خلال الحوار الذي جرى بين الإمام علي بن الحسين (ع) وبين شيخ كان يرقب هذا الموكب المفجع ، فقال :
«الحمد لله الذي قتلكم وأهلـككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنـين منكم ، فقال له علي بن الحسين (ع) : يا شيخ ، هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : فهل قرأت هذه الآية (قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى ) ؟
قال الشـيخ : نعم ، قد قرأت ذلك ، فقال علي (ع) له : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت في بني إسرائيل : (وآتِ ذا القُربى حقّه ) ؟ فقال الشيخ : قد قرأت ، فقال علي بن الحسين : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت هذه الآية: (واعلموا أ نّما غنمتُم مِن شيء فأنّ للهِ خُمسه وللرّسول ولذِي القُربى ) ؟ قال : نعم ، فقال له علي (ع) : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت هذه الآية : (إنّما يُرِيد الله ليُذهبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تَطهيراً ) ؟ قال الشيخ:قد قرأت ذلك،فقال علي(ع):فنحن أهل البيت الذين خصّنا الله بآية الطهارة يا شيخ .
قال الراوي : فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، وقال : بالله إنّكم هم ؟ فقال علي بن الحسـين (ع) : تالله إنّا لنحن هم ، من غير شك ، وحق جدّنا رسول الله (ص) إنّا لنحن هم ، فبكى الشيخ ورمى عمامته ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهمّ إنّا نبرأ إليك من عدوّ آل محمّد (ص) من جن وإنس ، ثمّ قال : هل لي توبة ؟ فقال له : نعم ، إن تبت تاب الله عليك ، وأنت معنا ، فقال : أنا تائب ، فبلغ يزيد بن مـعاوية حديث الشيخ فأمر به ، فقتل»(66) .
وانتهى الموكب في مسيره إلى مجلس يزيد بن معاوية ، فوضع رأس الحسين (ع) بين يديه ، وفي هذا المجلس الآثم حدثت المواجهة الإعلامية بين يزيد من جهة وبين زينب وعلي بن الحسين ، وبعض من انتصر للحسين (ع) من جهة أخرى .
تحدّث ابن الأثير عن وقائع هذا المشهد التأريخي المفجع ، فقال : «ثمّ دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه ، فسمعت الحديث هند بنت عبدالله بن عامر بن كريز، وكانت تحت يزيد فتقنعت بثوبها ، وخرجت فقالت : يا أمير المؤمنين ، أرأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) ؟ قال : نعم ، فاعولي وحدّي على ابن بنت رسول الله (ص) صريحة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله ، ثمّ أذن للناس إذناً فدخلوا عليه ، والرأس بين يديه ، ومعه قضيب ، وهو ينكث به ثغره ، ثمّ قال : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين به الحمام :
أبى قومُنا أن ينصفونا فأنصفت***قواضِبُ في أيماننا تقطر الدِّما
يفلقن هاماً من رجال أعزّة***علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
فقال له أبو برزة الأسلمي : أتنكث بقضيبك في ثغر الحسين ؟ .. أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (ص) يرشفه ، أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة ، وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمّد شفيعه ، ثمّ قام فولّى . ثمّ ادخلت نساء الحسين عليه،والرأس بين يديه فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا في الرأس،وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس فلمّا رأين الرأس صِحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية.
قالت فاطمة بنت الحسين (ع) : فلمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه الجارية ـ يعنيني ـ وكنت جارية وضيئة فارعدت وظننت انّ ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمّتي زينب وكانت تعلم انّ ذلك لا يكون ، فقالت عمّتي للشامي : كذبت والله ولؤمت والله ما ذلك لك ولا له ، فغضب يزيد وقال : كذبت انّ ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت ، قالت : كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك إلاّ أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها ، فاستطار يزيد غضباً وقال : إيّاي تستقبلين بهذا إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك ، قالت : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إن كنت مسلماً ، قال : كذبت يا عدوة الله ، قالت له : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك ، فكأ نّه استحيى وسكت فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية ، فقال له يزيد : اعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً ، ثمّ أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهنّ (67) أخوهنّ علي بن الحسـين (ع) فافرد لهم داراً تتصل بدار يزيد فأقاموا أياماً ..
ثمّ أمر بعلي بن الحسين فادخل مغلولاً فقال له يزيد : إيه يا علي بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت . فقال علي : (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسـير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) .
فقال يزيد : ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ... »(68) .
وهكذا تحوّل مجلس يزيد بن معاوية في المسجد الأموي إلى ساحة مواجهة بين يزيد بن معاوية وآل الرسول (ع) ومن وقف إلى جنبهم حتى نساء يزيد وبنات معاوية .. وهكذا أدّت زينب دورها الإعلامي ، وهي في مجلس يزيد أو في البيت الذي استقرت فيه مدّة إقامتهم في دمشق ممّا اضطرّ يزيد إلى التظاهر بالتنصل من قتل الحسين ، والقاء اللائمة على ابن زياد ، رياء ونفاقاً ، خوفاً من ردة الرأي العام ، والاحتجاج الذي انطلق في المسجد ، بل حتى من ساحة داره ..
سجّل المؤرِّخ الشهير ابن الأثير الانقلاب الكبـير في الرأي العام على يزيد بن معاوية ، فقال : «ولمّا وصل رأس الحسين بن علي إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده ، وزاده ووصله، وسرّه ما فعل ، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ، ولعنهم وسبّهم ، فندم على قتل الحسين ، فكان يقول : وما عليَّ لو احتملت الأذى، وأنزلت الحسين معي في داري ، وحكّمته فيما يريد ، وإن كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني ، حفظاً لرسول الله (ص) ورعاية لحقّه وقرابته ؟ لعن الله ابن مرجانة فانّه اضطرّه ، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق يثغر حتى يتوفّاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك فقتله ، فبغضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البرّ والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين ، ما لي ولابن مرجانة ، لعنه الله ، وغضب عليه .
ولمّا أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهِّزهم بما يصلحهم ، ويسيِّر معهم رجلاً أميناً من أهل الشام ، ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة ، ودعا علياً ليودِّعه ، وقال له : لعن الله ابن مرجانة ، أما والله لو أنِّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ما رأيت»(69) .
وما أروع وصف القرآن لهذه الحالة عندما صوّرها بقوله : (إذ تبرأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب )(70) .
وهكذا حاول يزيد التغطية على جريمته البشعة ، ولكن دون جدوى فقد باء بغضب من الله ، وبغضب من الأمّة التي دخلت مرحلة التهيؤ للثورة عليه .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:22 PM
العودة إلى المدينة

استقرّ آل محمّد(ع)أياماً في دمشق الشام،وهي تموج بأنباء الكارثة،ويزيد يسعى جهده للتنصل ممّا حدث،وتحميل ابن زياد أعباء الجريمة التي اشتركوا فيها جميعاً..فقرّر إعادتهم إلى وطن الرسول الأعظم محمّد(ص)وأهليهم وديارهم ، فأمر النعمان بن بشير أن يجهِّزهم ، ويبعث معهم رجلاً أميناً من أهل الشام ، ومعه حرس وخيل ليسير بهم إلى المدينة(71)..تجهز الركب وسارت زينب(ع)وعلي بن الحسين(ع)ومن معهم من آل الحسين(ع)..
لقد عادوا برفقة الحرس والنعمان والشخص الموكل بقيادة القافلة ، وراحوا يقطعون الفيافي والبيد من الشام إلى المدينة .. عادوا برفقة أولئك الغرباء ، بعد أن خرجوا من المدينة برفقة الحسين (ع) والإخوة والأبناء والأنصار .. لقد كانت عودة مضنية مليئة بالآلام والمحن .. ويصف المؤرِّخون وكتّاب السير ، كابن الأثير والشيخ المفيد وابن جرير .. يصفون الرحلة وموقف زينب وأختها فاطمة من الرجل الذي صاحب القافلة بإحسان .
لم تشأ فاطمة وزينب أن تتركا هذا الإحسان دون مقابلة بالإحسان والمكافأة ، رغم ما بهم من أسى ولوعة وعناء .. فالكرم والإحسان فيهم سجية .. قال ابن الأثير واصفاً العودة : «فخرج بهم فكان يسايرهم ليلاً فيكونون أمامـه بحـيث لا يفوتون طرفـه . فإذا نزلوا تنحّى عنهـم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس ، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة ، فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب : لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء ؟ فقالت : والله ما معنا ما نصله به إلاّ حلينا ، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا بهما إليه واعتذرتا ، فردّ الجميع وقال : لو كان الذي صنعتُ للدنيا لكان في هذا ما يُرضيني ، ولكن والله ما فعلته إلاّ لله ولقرابتكم من رسول الله (ص) »(72) .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:23 PM
وحلّت زينب (عليها السلام) في المدينة

وصل آل الرسول (ع) إلى المدينة المنورة ، وكان نبأ استشهاد الحسين (ع) قد انتشر في المدينة قبل وصولهم .. فقد أرسل عبيدالله بن زياد من يحمل النبأ ويبشر عمرو بن سعيد الوالي الأموي على المدينة ، عندما أرسل رأس الحسين إلى الشام ..
اسـتقبل عمرو بن سـعيد النبأ المروّع بفرح وسرور بما يؤلم رسول الله ويحزنه ، وأمر الشخص الذي حمل إليه النبأ أن ينادي في المدينة بقتل الحسين (ع) ، فلمّا سمع الناس النبأ المفزع اضطربت المدينة ، وفجعت بفقد إمامها العظيم .
وخرجت نساء بني هاشم .. خرجت أمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب ومعها أخواتها : أمّ هاني وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل ، تبكي وتندب الحسين ، وهي تقول :
ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي***منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم***أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
أمّا عبدالله بن جعفر بن أبي طالب زوج زينب بنت علي (ع) فقد بلغه النبأ المروع .. سمع والي الأمويين عمرو بن سعيد مناحة النساء ، وعويل الناس وبكاءهم على الحسين (ع) فقال متشفياً شامتاً بقتل سبط الرسول محمّد (ص) : «وهذه واعية بواعية عثمان» .
أمّا عبدالله بن جعفر زوج زينب ، وابن عمّ الحسين (ع) فحين بلغه النبأ اشتدّ به الحزن والأسى . ونعي إليه ابناه : عون ومحمّد اللذان استشهدا مع الحسين فاسترجع ، وشغله قتل الحسين (ع) عن فقد ولديه .
وكان أبو السلاسل أحد موالي عبدالله بن جعفر جالساً في المجلس فعلق على النبأ قائلاً : «هذا ما لقينا من الحسين» .
فاستشاط عبدالله بن جعفر غضباً فحذفه بنعله ، ثمّ قال : «يابن اللخناء ، أللحسين (ع) تقول هذا ؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى اقتل معه ، والله انّه لمما يسخّي نفسي عنهما ، ويعزي عن المصاب بهما ، أ نّهما اصيبا مع أخي وابن عمّي ، مواسيين له ، صابرين معه ، ثمّ أقبل على جلسائه فقال : الحمد لله الذي عزّ عليّ بمصرع الحسين (ع) أن لا أكون آسيت حسيناً بيدي ، فقد آساه ولداي»(73) .
أمّا ركب زينب والسجّاد فها هو يقترب من المدينة ، وقبل أن يدخلها أرسل السجّاد بشر بن حذلم لينعى الحسين (ع) لأهل المدينة ويستثير غضبهم ، فدخل بشر بن حذلم المدينة ونادى بأعلى صوته في سكك المدينة :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها***قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلا مضرج***والرّأس منه على القناة يدار
قال : ثمّ قلت هذا علي بن الحسين (ع) مع عمّاته وأخـواته ، قد حلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرِّفكم مكانه ، قال : فما بقيت في المدينـة مخدّرة ولا محجّـبة إلاّ برزن من خدورهنّ ، مكشوفة شعورهنّ ((74)) ، مخمشة وجوههنّ ، ضاربات خدودهنّ ، يدعين بالويل والثبور ، فلم أر باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه . وقال أبو مخنف في مقتله بعد نقله نظير ما نقل السيِّد (ره) : ثمّ قام السجّاد (ع) يمشي إلى أن دخل المدينة ، فلمّا دخلها زار جدّه رسول الله (ص) ، ثمّ دخل منزله .
وفي المنتخب : وأمّا أمّ كلثوم ، فحين توجّهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول :
مدينة جدّنا لا تقبلينا***فبالحسرات والأحزان جينا
قال : وأمّا زينـب (ع) ، فأخذت بعضـادتي باب المسجد ، ونادت : «يا جدّاه ، إنِّي ناعية إليك أخي الحسين»(75) .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:23 PM
زينب (عليها السلام) تواصل المهمّة الأساسيّة

وبعد كارثة الطف الأليمة انطوى قلب زينب على فواجع الحزن والأسى ، ولكنّها لم تستسلم لضغوط المحنة ، بل استمرت بحمل رسالتها الإعلامية وإحياء الأهداف الكبرى لثورة الحسين (ع) في المجتمع الإسلامي .. فراحت تعرّف بما حلّ بآل البيت النبوي في كربلاء .. والمدينة تتألب على يزيد بن معاوية وتغلي وتتهيّأ للإنفجار .
استمرت زينب تؤلب الناس على السلطة الأموية ، وتدعو إلى الثأر لدم الحسين ، وقد أصبحت المدينـة مرجلاً يغلي ، وتوشك على الإنفجار(76) .. ذكرت بعض الروايات التأريخية أن عمرو بن سعيد الوالي الأموي على المدينة ، قد خاف من انطلاق ثورة في المدينة ، نتيجة لما أحدثته زينب (ع) من تحريك الرأي العام ضدّ الجريمة الأمـوية البشعة ، وتعاطف كبير مع فاجعة آل البيت النبوي (ع) في كربلاء . فكتب تقريراً عن الوضع السياسي القائم في مدينة الرسول (ص) إلى الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ، والدور الخطير الذي تقوم به زينب ، في المدينة المنورة .. فأصدر إليه يزيد الأوامر بالتفريق بين زينب (ع) والناس .. فأمر الوالي الأموي بإخراج زينب من المدينة إلى أي بلد تختاره .
فرفضت الخروج وقالت : «قد علم الله ما صار بنا ، وسقنا كما تساق الأنعام ، وحملنا على الأقتاب ، فوالله لا أخرج ، وان أهرقت دماؤنا ، فقالت لها زينب بنت عقيل : يا ابنة عمّاه ، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوّأ منها حيث نشاء ، فطيبي نفساً ، وقرّي عيناً ، وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ؟!
ارحلي إلى بلد آمن ، ثمّ اجتمعت عليها نساء بني هاشم ، وتلطفن معها في الكلام ، فاختارت مصر ، وخرجت معها نساء بني هاشم فاطمة بنت الحسين وسكينة ، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة ، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه ، فأنزلها داره بالحمراء» .

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:24 PM
المرقد الخالد

ولم يطل العمر بزينب فقد توفّيت بعد سنة ونصف من فاجعة كربلاء .. فقد توفيت (ع) في الخامس عشر من رجب عام (62) من الهجرة واختلف المؤرِّخون في خروجها إلى مصر وفي الموضع الذي توفّيت ودفنت فيه (ع) .. فذهب بعضهم إلى أ نّها توفيت ودفنت في المدينة المنوّرة ، بعد رجوعها من الشام ، ويرفض البعض هذه الرواية ويحتجون بقولهم : لو كان قبرها في المدينة لعلم ، ولم تخف مراقد آل البيت الطاهرة كأخيها الحسن (ع) وعلي بن الحسـين (ع) وغـيرهما من الذرِّيّـة . وكما يشـكل البعـض من المؤرِّخين على دفنها في المدينة ذهب آخرون إلى أ نّها هاجرت مع زوجها عبدالله بن جعفر إلى الشـام في عام المجاعـة التي حلّت بالمدينـة المنـورة،ليقيموا هناك في أراض زراعية لعبدالله بن جعفر..
واختلفوا في ذلك ، فذهب بعضهم إلى أنّ تلك الهجرة حدثت في عهد يزيد بن معاوية ، وأنّ زينب (ع) امتنعت من الدخول إلى الشام ، وقالت : لا أدخل بلداً كنت قد دخلته مسـبية .. فأقاموا في قرية من قرى الشام فتوفيت فيها ، ودفنت هناك ، وهو موضع قبرها الذي يزار الآن .. احتجّ أصحاب هذا الرأي بأدلّة منها الأوقاف الموقوفة باسمها والمحيطة بالقـبر .. وتاريخها يعود إلى سنة (786) من الهجرة كما احتجوا أيضاً بأن ابن بطوطة الرحالة المعروف قد ذكر أنّ قبرها (ع) يقع في قرية (راوية) عند زيارته إلى دمشق .
ويروي أصحاب الرأي القائل بوفاة زينب (ع) في مصر قصّة ذهاب زينب (ع) إلى مصر فيعزونها إلى موقف المواجهة الذي تصاعد بين زينب والسلطة الأموية ، جاء في الرواية ما يلي : « ... فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة ، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه ، فأنزلها داره بالحـمراء ، أقامت به أحد عشر شهراً وبضعة عشر يوماً ، وتوفّيت عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة اثنتين وستِّين هجرية، وردت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى ، حيث بساتين عبدالله بن عبدالرحمن الزهري»(77) .
ويؤيِّد أصحاب هذا الرأي أدلّتهم بما نقله ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير وابن طولون الدمشقي في الرسالة الزينبية ورواية الرحالة الأندلسي : أبو عبدالله محمّد الكوهيتي الفاسي : روى دخوله القاهرة فقال : «دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيرة وهو في طرفها البحري يشرف على الخليج ، فنزلنا إليه بدرج ، وعاينا الضريح فوجدنا عليه دربوزاً ، قيل لنا : انّه من القماري ، فاستبعدنا ذلك ، لكن شممنا منه رائحة طيّبة ، ورأينا بأعلى الضريح قبّة بناؤها من الجص ، ورأينا في صدر الحجرة ثلاثة محاريب أطولها الذي في الوسـط ، وعلى ذلك كلّه نقـوش غاية في الإتقان ، ويعلو باب الحجرة زليجة قرأنا فيها بعد البسملة : (أنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله ، صلوات الله تعالى عليه ، وعلى آبائه الطاهرين ، وأبنائه المكرّمين ، أمر بعـمارة هذا المشهد على مقام السـيِّدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرّمين»(78) .
وهكذا تتعـدّد الروايات في مرقدها الخالد وتبقى زينب (ع) خالدة في قلوب السائرين على نهج محمّد (ص) فكل قلوب المحبين لها مرقد .
وبالرغم من الظلم العظيم الذي تعرّضت له زينـب وذرِّيّة الحسين (ع) ومساعي الحـكّام الظلمـة لمحو آثارهـم ، إلاّ انّ ملايين الناس يفـدون من مختلف بقاع العالم لزيارة مرقد السيِّدة زينب (ع) ، إعظاماً وتخليداً لذكرها ونهجها الخالد . فسلام على زينب وعلى العترة الطاهرة من آل الرسول (ع) شهداء الحق ، والدعاة إلى تحرير الأمّة من سـيطرة الطاغوت ، وعبودية الشيطان .
{الحمد لله رب العالمين}

عاشقة حيدر
06-22-2009, 12:25 PM
الهوامش

1 ـ الفصول المهمّة في تأليف الاُمّة ، عبدالحسين شرف الدين الموسوي ، الفصل السابع، ص 49 ، ط دار الزهراء ، بيروت ـ لبنان ، نقلاً عن الثعلبي في تفسيره الكبير بالاسناد إلى جرير بن عبدالله البجلي .
2 ـ ابن منظور : لسان العرب .
3 ـ جاء في تفسير قوله تعالى : (وما جعلنا الرّؤيا التي أريناكَ إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوِّفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً وكفراً ) ( الإسراء/ 60 ) : «ويؤيِّد جميع ما تقدّم ما ورد من طرق أهل السنّة، واتّفقت عليه أحاديث أئمة أهل البيت (ع)، أنّ المراد بالرؤيا في هذه الآية هي رؤيا رآها النبيّ (ص) في بني اُميّة ، والشجرة شجرتهم . جاء في الدرّ المنثور للسيوطي: أنّ عائشة قالت لمروان بن الحكم: سمعتُ رسول الله (ص) يقول لأبيكَ وجدّك : أ نّكم الشجرة الملعونة في القـرآن» ، يُراجع الطـباطبائي : تفسـير الميزان .
4 ـ أبو الفداء ابن كثير الدمشـقي ، البداية والنهاية ، ج 8 / ص 176 ، دار إحياء التراث العربي .
5 ـ اختلف المؤرِّخون في الفترة التي عاشتها فاطمة (ع) بعد أبيها (ص) ، فذهب بعضهم إلى أنّها عاشت خمسة وأربعين يوماً ، وذهب آخرون إلى أنّها (ع) عاشت خمسة وسبعين يوماً ، وذهب فريق ثالث إلى أنّها عاشت ثلاثة أشهر .
6 ـ أمامة بنت أبي العاص بن الربيـع ، واُمّها زينب بنت رسول الله بنت خديجة الكُبرى ، وأبو العاص بن الربيع هو ابن هالة بنت خويلد ، خالة فاطمة الزهراء .
7 ـ تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 115 .
8 ـ روى المفـيد عن سلسلة من الرواة : ( لمّا دخل شهر رمضـان ، كان أمير المؤمنـين (ع) يتعشّى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن جعفر ...) .
9 ـ تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 214 .
10 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج 11 ، ص 44 ـ 45 .
11 ـ العقيلة : كريمة الحي . وعقيلة كل شيء أكرمه . والدرّة : عقيلة البحر .
12 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 43 .
13 ـ تاريخ اليعقوبي : ج 2 ، ص 142 .
14 ـ هلاك معاوية .
15 ـ هذه العبارة تتناقض مع قول الحسين : أظنّ أنّ طاغيتهم قد هلك .
16 ـ الكامل في التاريخ ، ص 15 .
17 ـ ابن الأثير : الكامل في التاريخ ، ج 4 ، ص 15 ـ 16 .
18 ـ الطبرسي : إعلام الورى بأعلام الهدى ، ص 223 .
19 ـ الشيخ المفيد ، الإرشاد ، ص 219 .
20 ـ الطبرسي : إعلام الورى بأعلام الهدى ، ص 231 .
21 ـ عبدالله بن يقطر : هو أخو الإمام الحسين (ع) من الرضاعة .
22 ـ الطبرسي : إعلام الورى بأعلام الهدى ، ص 234 .
23 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 224 .
24 ـ لقد أدرك الحر الموقف الحق فانضم إلى معسكر الحسين يوم العاشر من محرم آسفاً نادماً على هذا الموقف ، وقاتل حتى استشهد مع الإمام الحسين (ع) .
25 ـ المصدر السابق ، ص 226 .
26 ـ المصدر نفسه .
27 ـ الطبرسي : إعلام الورى بأعلام الهدى ، ص 234 .
28 ـ المصدر نفسه .
29 ـ المصدر نفسه .
30 ـ المصدر نفسه .
31 ـ المصدر السابق ، ص 235 .
32 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 332 .
33 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 237 .
34 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 238 .
35 ـ ابن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ، ص 57 .
36 ـ تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 333 .
37 ـ ابن الأثير : الكامل في التأريخ ، ج 4 ، ص 28 ، تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 334 .
38 ـ أخو الحسين بن عليّ وأمّه أمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلبية ومعه إخوته لأمّه وأبيه : عبدالله وعثمان وجعفر وقد استشهدوا جميعاً يوم العاشر من محرّم (61 هـ ) .
39 ـ الطبرسي : إعلام الورى بأعلام الهدى ، ص 245 .
40 ـ المجلسي : بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 206 . مقتل الخوارزمي : ج 2 ، ص 27 .
41 ـ ابن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ، ص 54 .
42 ـ تاريخ الطبري : ج 4 .
43 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 242 .
44 ـ هو علي بن الحسين الملقّب بالسجّاد وزين العابدين وكان عمره 23 سنة ، وكان قد منعه المرض من المشاركة في القتال .
45 ـ الإرشاد : ص 242 .
46 ـ الكامل في التأريخ ، ج 4 ، ص 81 .
47 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 243 . ابن الأثير : الكامل في التأريخ ، ج 4 ، ص 81 .
48 ـ الختل ـ بالتحريك ـ : الغدر والخديعة ، أو أقبح الغدر .
49 ـ أي : لا تكونوا كالتي غزلت ثمّ نقضت غزلها ، يقال كانت أمة حمقاء تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ، ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن ، ولا يزال ذلك دأبها .
50 ـ أيمانكم خيانة ومكراً .
51 ـ الصلف : قليل الخير .
52 ـ النطف : التلطخ بالعيب .
53 ـ الشنف : المبغض .
54 ـ الدمنة : ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وفضلاتها .
55 ـ ابن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ، ص 65 .
56 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 244 .
57 ـ المصدر نفسه .
58 ـ المصدر نفسه .
59 ـ المصدر نفسه .
60 ـ المصدر نفسه .
61 ـ المصدر نفسه . ابن الأثير : الكامل في التأريخ ، ج 4 ، ص 82 .
62 ـ المصدر نفسه . تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 350 .
63 ـ ابن الأثير : الكامل في التأريخ ، ج 4 ، ص 83 .
64 ـ يراجع ابن الأثير ، ج 4 ، ص 83 .
65 ـ تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 325 .
66 ـ ابن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ، ص 76 ـ 77 .
67 ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ، ص 246 .
68 ـ المصدر نفسه .
69 ـ الكامل في التأريخ : ج 4 ، ص 87 .
70 ـ البقرة / 166 .
71 ـ قال الشيخ المفيد في الإرشاد : «ثمّ ندب النعمان بن بشير ، وقال له : تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة ... وأنفذ معهم في جملة ... النعمان بن بشير رسولاً ... » .
72 ـ الكامل في التأريخ : ج 4 ، ص 88 .
73 ـ المفيد : الإرشاد ، ص 248 .
74 ـ لعلّ العبارة من معهودات الوصف في مثل هذه الكارثة ، إذ ليس من المقبول أن تخرج نساء المدينة بمثل هذا المنظر المحرم شرعاً .
75 ـ الشيخ جعفر النقدي : زينب الكبرى ، ص 138 .
76 ـ وفعلاً انطلقت الثورة في المدينة ، قادها عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة سنة (63) من الهجرة وحدث ما سمِّي بواقعة الحرّة المروعة ، وأحدث الجيش الأموي كارثة بالمهاجرين والأنصار والتابعين ككارثة كربلاء .
77 ـ الشيخ جعفر النقدي : زينب الكبرى ، ص 122 .
78 ـ الشيخ جعفر النقدي : زينب الكبرى ، ص 124 .

أميرة القطيف
06-29-2009, 02:43 PM
مشكورة اختي عاشقة حيدر على الكتاب

يعطيكي العافية

تحياتي

عاشقة حيدر
06-30-2009, 10:03 PM
مشكورة اختي عاشقة حيدر على الكتاب

يعطيكي العافية

تحياتي

السلام عليكمـ

الله يعافيكي اميرة

مشكورة على المرور

تحياتي الحيدرية