مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الومضات
زلزال
02-06-2008, 06:57 PM
الومضات: (1 - 50)
الومضة رقم 1: أوثق عرى الإيمان
إن من أوثق عرى الإيمان هو ( الحـبّ ) الذي تبتـني عليه هذه العلاقة المقدسة بين العبد وربه ..ولا ينقدح هذا الحب في القلب إلا بعد انحسار جميع ( الحجب ) في النفس ، ولا تمنح هذه الجوهرة - التي لا أغلي منها في عالم الوجود - إلا للنفوس التي أحرزت أعلى درجات القابلية لتلقّي هذه الجوهرة النفيسة ..وإن هذا الحب بعد اكتمال مقدماته ، يستشعره القلب بين الفترة والفترة ، فيكون بمثابة النور الذي كلما أضاء للإنسان مشى في الطريق ..ويستمر العبد في سيره التكاملي - بمعونة الحق - إلى أن يستوعب ذلك الحب جميع ( أركان ) القلب ، فلا حب إلا لله أو لمن له فيه نصيب ..ولو أمضى العبد كل حياته - بالمجاهدة المضنية - ليمتلك هذه الجوهرة قبيل رحيله من الدنيا ، لكان ممن ختم حياته بالسعادة العظمى ، ولاستقبل المولى بثمرة الوجود ، وهدف الخلقة ، أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون أجرا ، لا ينصب لهم ديوان ولا كتاب.
الومضة رقم 2: التألُّم من الإدبار
إن التألم الشديد من ( مرارة ) البعد عن الحق ، وعدم استشعار لذة المواجهة في الصلاة وغيرها ، ومواصلة تقديم الشكوى من هذه الحالة للحق الودود ، والتحرز من موجبات إعراض الحق المتعال ، مما قد يوجب ( ارتفاع ) هذه المرارة أو تخفيفها ..وكلما طالت هذه الفترة من الادبار والتألم ، كلما كانت ثمرة الإقبال أجنى وأشهى ..فالمؤمن اللبيب لا ييأس لما هو فيه من الإدبار ، وإن كانت هذه الحالة - في حد نفسها - مرضا يخشى مع استمرارها موت القلب ..ولطالما اتفق أن أثمر هذا الادبار المتواصل إقبالا ( شديداً ) راسخا في القلب ، بعد سعي العبد في رفع موجباته التي هو أدرى بها من غيره.
الومضة رقم 3: النظرة إلى الخلق
لو اعتقد العبد اعتقادا راسخا أن الخلق ( عيال ) الله تعالى - ومنهم أهله وعياله - لانقلبت لديه موازين التعامل معهم رأسا على عقب ، فيمتلك بذلك قدرة ( مضاعفة ) على تحمّل الأذى منهم ، لعلمه أن ذلك كله بعين المولى تعالى الذي يرعى عياله بعد خلقه لهم ..بل يزداد ( حـبّه ) ورأفته لهم ، زائدا عن مقتضى العلاقة البشرية المتعارفة بين المخلوقين ..كما ( يبارك ) المولى فيمن يحيط به من عياله ، ويجعلهم قرة عين له كما ذكر القرآن الكريم ، إكراماً لقصده في إكرام من هم عيال الله تعالى ، وأحب الخلق إليه - كما روي - من نفع عيال الله ، أو أدخل على أهل بيت سروراً ..وقد روى عن النبي (ص) أنه قال : { أقربكم مني مجلساً يوم القيامة ، أحسنكم أخلاقاً وخيركم لأهله…وأنا ألطفكم بأهلي }البحار-ج71ص387.
الومضة رقم 4: سبل تسلط الشيطان
إن من موجبات تسلط الشيطان على العبد أمور منها:
- عدم الرؤية له ولقبيله كما يصرح القرآن الكريم .
- استغلال الضعف البشري إذ { خلق الإنسان ضعيفا }.
- الجهل بمداخله في النفس إذ هو أدرى من بني آدم بذلك .
- الغفلة عن التهيؤ للمواجهة في ساعات المجابهة .
والاعتصام بالمولى الحق رافع لتلك الموجبات ومبطل لها ، فهو ( الذي يرى ) الشيطان ولا يراه الشيطان فيبطل الأول ..وهو ( القوى العزيز ) الذي يرفع الضعف فيبطل الثاني ..وهو ( العليم الخبير ) الذي يرفع الجهل فيبطل الثالث ..وهو ( الحي القيوم ) الذي يرفع الغفلة فيبطل الرابع.
الومضة رقم 5: تزاحم الخواطر
إن من الملفت حقا تزاحم الخواطر بشكل كثيف حال الصلوات ، مما يكشف عن تكاتف قوى الشر من الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء ، في صرف المصلي عن مواجهة المولى جل ذكره ..وليعلم أن ما كان من الخواطر ( غير اختياري ) تقتحم النفس اقتحاما ، فذلك مما لا ( يخشى ) من إفساده ، وذلك كمن يصلي في السوق ويمر عليه في كل لحظة من يحرم النظر إليه ..فالموجب للإفساد هو متابعة الصور الذهنية الفاسدة ( بالاختيار ) ..ولطالما أمكن للمصلي قطع هذه الصور التي تصد عن ذكر الحق - ولو في أبعاض صلاته - ولكن يهمل أمرها طوعا ، فتكون صلاته ساحة لكل فكر وهمّ ، إلا محادثة المولى عز وجل ..ولهذا يصفه الحديث قائلا: { وإن منها لما تلف كما يلف الثوب الخَلِق ، فيضرب بها وجه صاحبها }البحارج84ص316.
الومضة رقم 6: واقع القرآن الكريم
إن مما يقطع به المتأمل هو أن واقع القرآن الكريم ، ليس ما نجريه على ألسنتنا طلبا لأجر التلاوة فحسب ، وان كانت ظواهر الألفاظ - في مقام الامتثال - حجة على صاحبها ..وذلك لأن المعاني التي أنزلهـا المولى على قلب نبيه (ص) بحقائقها ( الملكوتية ) ، لم يدركها إلا من خوطب بها وهم النبي وآله (عليهم السلام) ..وعليه فان استيعاب هذه المعاني - التي توجب تصدع الجبال لو أنزلت عليها - يحتاج إلى استمداد من الحق ، لتتحقق ( المسانخة ) التي تؤهل القلب لتلقّي مرتبة من تلك المعاني السامية ، وهي مرحلة ( انفتاح ) الأقفال التي يشير إليها القرآن الكريم ..ومن مقدمات هذا الانفتاح: التلاوة الكثيرة ، والتدبر العميق ، والعمل بالمضامين مهما أمكن.
الومضة رقم 7: جهاز الإرادة
إن الذي يوجّه الإنسان في ساحة الحياة ، هو ذلك الجهاز الذي ( تنبثق ) منه الإرادة ، و هذه الإرادة هي التي ( تصدر ) أوامرها لعضلات البدن ، فيتحرك نحو المراد خيرا كان أو شراً ..وليس من المهم أن نعلم - بعد ذلك - موقع هذا الجهاز أو آلـيّة عمله ..وليعلم أن للشياطين همها في الاستيلاء على هذا الجهاز المريد ، إذ كما أن الاستيلاء على المملكة يتوقف على التحكم في قصر السلطان بما فيه ، كذلك فإن جنود الشيطان تسعى لاحتلال مركز ( الإدارة والإرادة ) في مملكة الإنسان ، وذلك بالتآمر مع جنود الهوى في النفس ..ولكنه بالمقابل فإن جنود الرحمن أيضا تسعى لحكومة النفس ، مستعينة بدواعي العقل و الفطرة والهدى ..والمسيطر - في النهاية - على ذلك المركز الخطير في الوجود ، هو الذي يتحكم أخيرا في حركات العبد وسكناته ، وقد عبّـر الإمام الصادق (ع) عن ذلك الجهاز المسيطر بقوله: { به يعقل ويفقه ويفهم ، وهو أمير بدنه الذي لا يرد الجوارح ولا يصدر إلاّ عن رأيه وأمره }..فالمشتغل بتهذيب الظاهر مع إهمال الباطن ، كمن يريد إدارة الحكم و شؤون القصر بيد غيره ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) ما يصور هذه المعركة الكبرى القائمة بين هذين المعسكرين في عالم الوجود ، وذلك بقوله في دعاء الصباح: { وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان ، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان }.
الومضة رقم 8: تجليات التوجه للحق
إن التوجه إلى الحق سبحانه يتجلى في صور مختلفة ..فصورة منها تكون مقرونةً ( بالحنين ) شوقاً إلى لقائه ..وثانية مقرونةً ( بالبكاء ) حزناً على ما فرط في سالف أيامه ..وثالثة مقرونة ( بالبهت ) والتحير عند التأمل في عظمته وهيمنته على عالم الوجود ..ورابعة مقرونة ( بالخوف ) من مقام الربوبية ..وخامسة مقرونة ( بالمسكنة ) والرهبة عند ملاحظة افتقار كل ممكن حدوثا وبقاء إلى عنايته الممدة لفيض الوجود ..وسادسة مقرونةً ( بالمراقبة ) المتصلة وذلك للإلتذاذ بالنظر إلى وجهه الكريم ..وعندها تتحد الصور المختلفة للتجلي ، ليحل محلها أرقى صور الطمأنينة والسكون.
الومضة رقم 9: الحضور فرع الإحضار
إن حضور القلب في الصلاة فرع ( إحضاره ) ، وهو فرع سيطرة الإنسان على القلب بما فيه من هواجس وخواطر ..وهذا الأمر لا يحصل إلا بالرياضة والمجاهدة ، وحبس النفس - فكرا وإرادة وميلا - على ما يقتضه العقل المستسلم لإرادة الحق المتعال ..وليُعلم أن ضبط الخواطر والسيطرة عليها من أصعب الأمور ، لأنها تتوارد على القلب بغير حساب ..وطرد الخاطرة - وخاصة الملحّة منها - عسير بعد تمكنها في القلب ، ولطالما ترسخت الخواطر السيئة وصارت مادة ( لمـيل ) النفس ، ثم ( إرادة ) ما تقتضيه الخاطرة ، ثم ( سوق ) البدن لتحقيق تلك الخاطرة التي وردت على القلب من دون سابق تفكير ..وهذا سبيل من سبل خذلان العبد ، لسوء فعله المستوجب لذلك.
الومضة رقم 10: شدة التعبير
عندما يتأمل المتأمل في روايات المعصومين (ع) يجد أنهم يتطرقون إلى بعض الأمور بشيء من التأكيد ، يتجلى من خلال شدة التعبير وقوة التمثيل ، لردع أصحابها عن ارتكاب تلك الأمور ..فإننا نلاحظ غفلة معظم الخلق عن حقائق واضحة ، بها قوام سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وعليه فإن التذكير بهذه الحقائق الجامعة بين الوضوح والمصيرية في حياة العباد ، يحتاج إلى شيء من العنف والشدّة لتحريك هذا الوجدان ، بما يوجب انقلاباً في النفس يوقظها بعد طول سبات ..ومن هذه الروايات المعبّـرة عن شدة تأذي أولياء الحق من طبيعة علاقة العباد بربهم ، ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { ما أعرف أحداّ ، إلا وهو أحمق في ما بينه وبين ربه }البحار-ج78ص107.
الومضة رقم 11: ساعات الفراغ
تمر على الإنسان ساعات كثيرة من الفراغ الذي يتخلل النشاط اليومي ، ولو عُدّت هذه الساعات لمثلّت مساحة كبيرة من ساعات عمره ..فالمؤمن الفطن لا بد وان يكون لديه ما يملأ هذا الفراغ: إما بقراءة نافعة ، أو سير هادف في الآفاق ، أو قضاء حاجة لمؤمن مكروب ، أو ترويح للنفس حلال ..وإن من الأمور التي يحرم منها غير المؤمن ، هو العيش في عالم التفكر ( والتدبر ) الذي قد يستغرق ساعات عند أهله ، يناجي المولى فيها بقلبه ، كما قد يشير إليه الحديث الشريف: { وكلّمهم في ذات عقولهم }..فيسيح في تلك الساعة بقلبه ، سياحة تدرك لذتها ولا يوصف كنهها ..وهي سياحة لا تحتاج إلى بذل مال ولا صرف جهد ، ومتيسرة لصاحبها كلما أراد في ليل أو نهار بتيسير من الحق المتعال ..ومن مواطن هذه السياحة المقدسة ( أعقاب ) الصلوات و( جوف ) الليل ، وهي سياحة لا تدرك بالوصف بل تنال بالمعاينة.
الومضة رقم 12: وجه الرب
لو مال العبد بوجهه عن المولى ، لمال المولى بوجهه عنه ، كما ذكره السجاد (ع) عند ذكره لحقيقة الوقوف بين يدي الجبار ( البحار-ج46ص34 )..فلو استحضر العبد - هذه الحقيقة - في كل مراحل حياته ، لكان ذلك كافيا ( لردعه ) عن كثير من الأمور ، خوفا من الوقوع في جزاء ذلك الشرط وما أثقله من جزاء !..وإذا مال المولى بوجهه عن العبد ، فإن استرجاع التفاتة المولى مرة أخرى يحتاج إلى جهد جهيد ..فالأولى بذي اللب ( ترك ) ما يوجب ميل وجه المولى ، بدلا من ( طلب ) الالتفات بعد الميل ..ويترقى الإنسان في سلم التكامل إلى مرحلة يرى فيها جهدا مرهقا في أن يميل بوجهه إلى غير الحق تبارك وتعالى ، بل يصل الأمر في المعصوم إلى استحالة ذلك ، بما لا يتنافى مع الاختيار المصحح للمدح والجزاء.
الومضة رقم 13: ميل العبد بوجهه
تكررت عبارة ( وجه الرب ) في نصوص كثيرة ..فالذي لا يستشعر جمال هذا الوجه - ولو في لحظات من حياته - كيف يمكنه ابتغاء ذلك الوجه ؟!..إذ أن الإنسان لا يتوجه نحو جمال مجهول لديه ..ومن هنا صعب قصد القربة ( الواقعية ) الخالصة لغير العارفين بالله تعالى ، إذ كيف يقصد القربة إلى وجه لم يستشعر جماله و لو في أدنى مراتبه ؟!..وشتان بين قَصْد من ( شاهد ) الجمال المطلق ، وبين قصد من ( وطّن ) نفسه على هذا القصد في عالم النية والألفاظ فحسب.
الومضة رقم 14: لذة الأنس بالحق
إذا مُنح العبد - من قِبَل المولى - ساعة الأنس واللقاء ودرك الجمال المطلق الذي يترشح منه كل جمال في عالم الوجود ، لكان ذلك بمثابة زرع الهوى ( المقدس ) الذي يوجب حنين العبد لتلك الساعة ..ولكان علمه بان تلك الساعة حصيلة استقامة ومراقبة متواصلة قبلها ، ( مدعاة ) له للثبات على طريق الهدى عن رغبة وشوق ، لئلا يسلب لذة الوصال التي تهون دونها جميع لذائد عالم الوجود.
الومضة رقم 15: لذة مخالفة النفس
إن مخالفة النفس في كثير من المواطن وخاصة في موارد ( التحدي ) الشديد ، تفتح آفاقا واسعة أمام صاحبها لم يكتشفها من قبل ..هذا ( الفتح ) وما يستتبعه من التذاذ بكشف الآفاق الجديدة في نفسه ، مدعاة له لتيسير مخالفة الهوى ، لدرجة يصل العبد إلى مرحلة ( احتراف ) مخالفة النفس ، فلا يجد كثير عناء في ذلك توقعا للثمار ، إذ يصبر أياما قصاراً ، تعقبها راحة طويلة ..شأنه في ذلك شأن أبناء الدنيا في تحمّل بعض المشاق ، وترك بعض اللذائذ الدنيوية طلبا للذة أدوم وأعمق ، كالمتحمل للغربة جمعا للمال ، وكالتارك لبعض هواه تقربا لمن يهواه.
الومضة رقم 16: القلب السليم
إن إتيان المولى بالقلب السليم ، يعد أمنية الأمنيات وغاية الطاعات ..والذي يميّز القلب وهو مركز ( الميل ) عن الفكر وهو مركز ( الإدراك ) عن الجسد وهو آلة ( التنفيذ ): أن القلب يمثل مركزاً للتفاعل الذي ينقدح منه الانجذاب الشديد نحو ما هو مطلوب ومحبوب ، سواء كان حقا أو باطلا ..فلا الفكر ولا البدن يقاوم - عادة - رغبة القلب فيما تحقق منه الميل الشديد ..ولذا نرى هذا التفاني نحو المراد عند من يشتد ميلهم إليه ، ولا ينفع فيهم شيء من المواعظ والوصايا حتى الصادرة من رب العالمين ..وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في ذيل قوله تعالى {وسقاهم ربهم شرابا طهورا}: ( يطهرهم عن كل شيء سوى الله ..إذ لا طاهر من تدنس بشيء من الأكوان إلا الله ) مجمع البيان-ج 10 ص 623.
الومضة رقم 17: الجمع بين المقامين
إن مَثَل مَن يشتغل بحوائج الخلق و إرشادهم من دون التفات إلى ( العلاقة ) الخاصة بينه وبين ربه ، كمثل من يعمل في حضرة السلطان من دون التفات إليه ، وان اشتغل بقضاء حوائج عبيد ذلك السلطان ..فان مِثْل هذا العبد قد يكون مأجورا عند مولاه ( لاشتغال جوارحه ) ، إلا أنه محروم من العناية الخاصة المبذولة لذاكريه في كل آن ، وذلك ( لانشغال جوانحه ) ..فإن ما يُعطى في الذكر الدائم ، لا يُعطى في خدمة الخلق حال الذهول عن الحق المتعال ..والجمع بين المقامين يتجلى في قوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا }، فهو إطعام للخلق ولكنه لوجه الحق الذي لا يُتوقع معه شكرٌ ولا جزاء.
الومضة رقم 18: شياطين القلوب
إن الاعتقاد بأن الشياطين ( يحومون ) حول قلوب بني آدم ، وأن له سلطاناً على الذين يتولونهم ، يستلزم ( الحذر ) الشديد أثناء التعامل مع أي فرد - ولو كان صالحا - لاحتمال ( تجلّي ) كيد الشيطان من خلال فعله أو قوله ، ما دام الشيطان يوحي زخرف القول وينـزغ بين العباد كما ذكر القرآن الكريم ، وهذا الحذر من المخلوقين من لوازم انتفاء العصمة عنهم ..ومن ذلك يعلم ضرورة عدم الركون والارتياح التام لأي عبدٍ - وإن بلغ من العلم والعمل ما بلغ - كما يقتضيه الحديث القائل: { إياك أن تنصب رجلا دون الحجة ، فتصدقه في كل ما قال }البحار-ج73ص153.
الومضة رقم 19: مقام الدعوة إلى الله
إن الدعوة إلى الله تعالى منصب مرتبط بشأن من شؤون الحق المتعال ، ولهذا قال عن نبيه (ص): { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا }..فمالم يتحقق ( الإذن ) بالدعوة ، لكان الداعي ( متطفلا ) في دعوته ، غير مسدد في عمله ..فالقدرة على التأثير في نفوس الخلق ، هبة من رب العالمين ، ولا يتوقف كثيرا على إتقان القواعد الخطابية ، فضلا عن تكلف بعض المواقف التي يراد منها تحبيب قلوب الخلق ، وقد ورد في الحديث: { تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو ، خطيبا مصقعاً ، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم ، وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه ، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح }الكافي -ج2ص422..ولهذا عُـبّر عن بعضهم - من ذوي التأثير في القلوب - بأن لكلامه ( قبولاً ) في القلوب.
الومضة رقم 20: المسارعة في السير
إن من الأمور اللازمة للسائر إلى الحق ، ( المسارعة ) في السير بعد مرحلة ( اليقظة ) والعزم على الخروج عن أسر قيود الهوى والشهوات ..فإن بقاءه فترة طويلة في مراحل السير الأولى ، بمثابة حرب استنـزاف تهدر فيها طاقاته من دون أن يتقدم إلى المنازل العليا ، فيكون ذلك مدعاة له لليأس ، ومن ثَّم التراجع إلى الوراء كما يقع للكثيرين ..فالسائرون في بدايات الطريق لا يشاركون أهل ( الدنيا ) في لذائذهم الحسية ، لحرمتها أو لاعتقادهم بتفاهتها بالنسبة إلى اللذات العليا التي يطلبونها ، ولا يشاركون أهل ( العقبى ) في لذائذهم المعنوية ، لعجزهم عن استذواقها في بدايات الطريق ..فهذا التحير والتأرجح بين الفريقين قد يبعث أخيرا على الملل والعود إلى بداية الطريق ، ليكون بذلك في معرض انتقام الشياطين منه ، لأنه حاول الخروج عن سلطانهم من دون جدوى.
الومضة رقم 21: الاصطفاء الإلهي
إن السير إلى الحق المتعال يكون تارة: في ضمن أسلوب ( المجاهدة ) المستلزم للنجاح حينا وللفشل أحيانا أخرى ، ويكون تارة أخرى في ضمن ( الاصطفاء ) الإلهي أو ما يسمى بالجذب الرباني للعبد ..كما قد يشير إلى ذلك قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي }و{ لتصنع على عيني }و{ كفّلها زكريا }و{ ألقيت عليك محبة مني }و{ إن الله اصطفى آدم ونوحا }و{ الله يجتبي إليه من يشاء }..ومن المعلوم أن وقوع العبد في دائرة الاصطفاء والجذب ، يوفّر عليه كثيرا من المعاناة والتعثر في أثناء سيره إلى الحق المتعال ، ولكن الكلام هنا في ( موجبات ) هذا الاصطفاء الإلهي الذي يعد من أغلى أسرار الوجود ..ولاريب في أن المجاهدة المستمرة لفترة طويلة أو التضحية العظيمة ولو في فترة قصيرة ، وكذلك الالتجاء الدائم إلى الحق ، مما يرشح العبد لمرحلة الاصطفاء ..وقد قيل: { إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق }.
الومضة رقم 22: العلم صورة ذهنية
ما العلم إلا انعكاس صورة معلومة معينة في الذهن ..وهذا المقدار من التفاعل ( الطبيعي ) الذي يتم في جهاز الإدراك - والذي لا يعتبر في حد نفسه أمرا مقدسا يمدح عليه صاحبه - لا يلازم القيام بالعمل على وفق ما تقتضيه المعلومة ، إلا أن ( تختمر ) المعلومة في نفس صاحبها ، لتتحول إلى إيمان راسخ يقدح الميل الشديد في النفس للجري على وفقها ..ومن هنا علم أن بين المعلومة والعمل مسافة كبيرة ، لا تُطوى إلا بمركب الإيمان ..وإلا فكيف نفسر إقدام المعاندين على خلاف مقتضى العقل والفطرة ، بل على ما يعلم ضرره يقيناً كأغلب المحرمات ؟! ، وقد قال الحق تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم }..وهنا يأتي دور المولى الحق في تحبيب الإيمان في الصدور وتزيينه فيها ، ليمنح العلم النظري ( القدرة ) على تحريك العبد نحو ما علم نفعه ، ولولا هذه العناية الإلهية لبقي العلم عقيما لا ثمرة له ، بل كان وبالا على صاحبه.
الومضة رقم 23: الاستقامة مع المعاشرة
إن مَثَل من يرى في نفسه الاستقامة الخلقية - وهو في حالة العزلة عن الخلق - كمَثَل المرأة الجميلة المستورة في بيتها ، فلا يُعلم مدى ( استقامتها ) وعفافها ، إلا بعد خروجها إلى مواطن ( الانزلاق ) ..وكذلك النفس فإن قدرتها على الاستقامة في طريق الهدى ، والتفوّق على مقتضى الشهوات ، يُعلم من خلال ( التحديات ) المستمرة بين دواعي الغريزة ، ومقتضى إرادة المولى عز ذكره ..ولا ينبغي للعبد أن يغـترّ بما فيه من حالات السكينة والطمأنينة وهو في حالة العزلة عن الخلق ، إذ أن معاشرة الخلق تكشف دفائن الصفات التي أخفاها صاحبها ، أو خفيت عليه في حال عزلته.
الومضة رقم 24: فتنة الكمال
إن الكمال العلمي والعملي للنفس بمثابة ( الزينة) للمرأة ..والمرأة كلما زادت زينتها كلما أشرق جمالها ، وأصبحت مادة لان تفتتن هي بنفسها ، ويفتتن الآخرون بجمالها ..فصاحبة هذا الجمال تحتاج إلى مراقبة تامة ، لئلا تقع في المفاسد المترتبة على ذلك الجمال الظاهري ..والأمر كذلك في النفس ( العارية ) من مظاهر الجمال الباطني فانه قد يهون خطبها ، وأما ( الواجدة ) للجمال العلمي والعملي - وخاصة مع شهادة الآخرين بذلك - فإن صاحبها في معرض الفتنة المهلكة ، كما اتفق ذلك للكثير من أرباب الكمال.
الومضة رقم 25: الأنس بالحق لا بطاعته
إن الأنس ( بالله ) تعالى أمر يغاير الأنس ( بطاعته )..فقد يأنس الإنسان بلون من ألوان الطاعة قد تنافي رضا الحق في تلك الحالة ، كالاشتغال بالمندوب ، تاركا قضاء حاجة مؤمن مكروب ..فالمتعبد الملتفت لدقائق الأمور ( مراقب ) لمراد المولى في كل حال ، سواء طابق ذلك المراد مراده أو خالفه ..وبذلك يختارمن قائمة الواجبات والمندوبات ، ما يناسب تكليفه الفعلي ، بدلا من الجمود على طقوس عبادية ثابتة.
الومضة رقم 26: الحديث النفسي
يدور في داخل الإنسان حديث نفسيّ يصل إلى حد ( الثرثرة ) ، يختلط فيه الحق والباطل ، والجد والهزل ، بل قد ( يحاكم ) الإنسان شخصا في داخله ، ويصب عليه ( غضبه ) ، بل قد يفحش بالقول في ذلك الحديث النفسي ، بحيث تبدو علامات السخط على وجهه وكأنـّه مشتغل خارجاً بمواجهة الخصم ..وعليه فلا بد من مراقبة هذه المحادثات الباطنية والتنصت عليها - وخاصة وأنها غير تابعة للإرادة الشعورية - لئلا يتحول الحديث في عالم الخيال والتجريد ، إلى عالم الخارج والواقع ، فتترتب عليه حينئذ أحكام الواقع ، وما يستلزمه من سخط المولى الجليل.
الومضة رقم 27: اللسان كاشف لا موجد
إن حركة اللسان بالألفاظ ( كاشفـة ) عن المعاني وليست ( موجدة ) لـها ..وعليه فان الذكر اللساني الخالي من الذكر القلبي ، خال من استحداث المعاني التي تترتب عليها الآثار ، من تنوير الباطن وترتّب الأجر الكامل وغير ذلك ..فكما أنه لا قيمة لحركة اللسان الخالية من قصد المعاني في باب المعاملات ، فكذلك الأمر إلى حد كبير في باب العبادات ، وإن كانت مجزءة ظاهرا ..وإن هذا الإجزاء يكون ( رفقاً ) بحال المكلفين الذين يخلّون بهذا الشرط غالبا ، إما قصورا أو تقصيرا.
الومضة رقم 28: سرقة الجوهرة
إن إيمان العبد بمثابة الجوهرة القيّمة في يده ..وكلما ازدادت ( قيمتها ) كلما ازداد حرص الشياطين في ( سلب ) تلك الجوهرة من يد صاحبها ..ولهذا تزداد وحشة أهل اليقين عند ارتفاعهم في الإيمان درجة ، لوقوعهم في معرض هذا الخطر العظيم ، من جهة من اعتاد سرقة الجواهر من العباد ..ومن المعلوم أن هذا الشعور بالخوف ، لا يترك مجالا لعروض حالات العجب والرياء والتفاخر وغير ذلك ، لوجود الصارف الأقوى عن تلك المشاعر الباطلة.
الومضة رقم 29: الالتفات للمسبِّب لا للسبَّب
إن من الضروري - في السعي وراء الأسباب عند الاسترزاق أو الاستشفاء أو غير ذلك - الالتفات المستمر ( لمسبِّبية ) الحق للأسباب ، إذ أن الساعي في تلك الحالة - وخاصة عند الاضطراب أو الغفلة - قد يكون بعيدا عن مثل هذه الالتفاتة المقدسة ..ومن الواضح أن مثل هذا الالتفات مستلزم ( لعناية ) الحق في تحقيق المسبَّب الذي يريده الساعي جريا وراء الأسباب ..إضافة إلى خروجه من صفة الغفلة التي تكاد تطبق الجميع في مثل هذه الحالات ، وبذلك يجمع بين ( قضاء ) الحاجة و( الارتباط ) بمسبب الأسباب في آن واحد.
الومضة رقم 30: الإحساس بالمعيّـة الإلهية
لو تعمق في نفس الإنسان الإحساس بالمعـيّة الإلهية - المطردة في كل الحالات - لما انتابه شعور بالوحدة والوحشة أبدا ، بل ينعكس الأمر إلى أن يعيش الوحشة مع ما سوى الحق ، خوفا من صدهم إياه عن الأنس بالحق ..وهذا هو الدافع الخفي لاعتزال بعضهم عن الخلق ، وإن كان الأجدر بهم ( تاسيًا ) بمواليهم ، الاستقامة في عدم إلتفات الباطن إلى ما سوى الحق ، مع اشتغال الظاهر بهم ..وبما أن الإنسان يعيش الوحدة في بعض ساعات الدنيا ، وفي كل ساعات ما بعد الدنيا ، فالأجدر به أن يحقق في نفسه هذا الشعور ( بالمعية ) الإلهية ، لئلا يعيش الشعور بالوحدة القاتلة ، وخاصة فيما بعد الحياة الدنيا - الذي تعظم فيه الوحشة - إلى يوم لقاء الله تعالى.
الومضة رقم 31: فائدة العلوم الطبيعية
إن التعمق في العلوم الطبيعية يعين على معرفة عظمة الصانع ، وبالتالي يوجب مزيد الارتباط به ، سواء في ذلك العلم الباحث في المخلوق الصغير وهو ( الطب ) أو الباحث في المخلوق الكبير وهو ( الفلك ) ، وقد قال الحق جل ذكره: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم }..ومن الممكن للمتعمق في هذه العلوم ، أن يجـمع في نفسه بين آثار ( الانبهار ) بعظمة عالم التكوين و بين آثار ( التعـبد ) بعالم التشريع معا ، إذ أن صاحب الشريعة هو بنفسه صاحب الطبيعة ، والذي أمره بالصلاة هو الذي خلق الكون الفسيح بما فيه ..وبذلك ينظر مثل هذا المتعمق إلى الشرائع بتقديس واعتقاد ، وتعبد ممزوج بالتعقل والقبول ..ومما يلفت النظر في هذا المجال ، أن القرآن الكريم أمر بالعبادة بقوله: { اعبدوا ربكم الذي خلقكم }، عقيب قوله: { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } ، مما قد يستفاد منه أن الالتفات إلى النعم في عالم التكوين ، مما يهيّـأ نفس الملتفت للخضوع أمام المنعم الخالق.
الومضة رقم 32: مدبريّـة الحق
إذا اعتقد العبد بحقيقة ( مدبرية ) الحق لعالم التكوين ، وأن ( سببيّة ) الأسباب - فسخا وإبراماً - بيده ، وأن انسداد السبل إنما هو بالنظر القاصر للعبد لا بالنسبة إلى القدير المتعال ، كان هذا الاعتقاد موجبا ( لسكون ) العبد - في احلك الظروف - إلى لطفه القديم ، كما هو حال الخليل (ع) في النار ..ناهيك عما يوجبه هذا الاعتقاد من طمأنينة وثبات في نفس العبد ، سواء قبل البلاء أو حينه أو بعده.
الومضة رقم 33: اللقاء في جوف الليل
إن جوف الليل هو موعد اللقاء الخاص بين الأولياء وبين ربهم ..ولهذا ينتظرون تلك الساعة من الليل - وهم في جوف النهار - بتلهّف شديد ..بل إنهم يتحملون بعض أعباء النهار ومكدراتها ، لانتظارهم ساعة ( الصفاء ) التي يخرجون فيها عن كدر الدنيا وزحامها ..وهي الساعة التي تعينهم أيضا على تحمّل أعباء النهار في اليوم القادم ..وبذلك تتحول صلاة الليل ( المندوبة ) عندهم ، إلى موقف ( لا يجوز ) تفويت الفرصة عنده ، إذ كيف يمكن التفريط بمنـزلة المقام المحمود ؟!..ومن الملفت في هذا المجال أن النبيّ (ص) أوصي أمير المؤمنين بصلاة الليل ثلاثاً ، ثم عقّب ذلك بالقول: اللهم أعنه!.
الومضة رقم 34: شرف الانتساب إلى الحق
عندما يتحقق العمل القربى منتسباً إلى الله تعالى ، فإن شرف ( الانتساب ) إلى الحق أشرف وأجلّ من ( العمل ) نفسه ، سواء كان ذلك العمل كثيرا أو قليلا ..فالعبد الملتفت لمرادات المولى ، يجاهد في تحقيق أصل ( العُلقة ) ، ولا يهمه - بعد ذلك - حجم العمل ولا آثاره ..لأن العمل مهما بدا للعبد جليلا ، فهو حقير عند المولى الذي تصاغر عنده الوجود برمّـته ، بخلاف علقة الانتساب إليه ، فانه شريف لكونه من شؤونه تعالى.
الومضة رقم 35: مطابقة المزاج للطاعة
يصل العبد - بعد مرحلة عالية من صفاء الباطن - إلى درجة يتطابق فيها سلوكه مع مضامين بعض الأخبار الواردة عن المعصومين (ع) ، حتى مع عدم التفاته إلى تلك الأخبار تفصيلا ، لأنها حاكية عن الفطرة السليمة ..بل يصل الأمر به إلى أن يكون التقيّد بحدود الشريعة ( موافقاً ) لمزاجه الأوليّ ، وبالتالي لا يجد كثير معاناة في العمل بها ..وحينها يكون السير ( حثيثاً ) لا يقف إلا عند الوصول إلى ( لقائه ) ، و ذلك لازدياد درجة صفاء المزاج ، المستلزم لملائمة الطاعة - حتى الثقيلة - منها لذلك المزاج ..وعندها تتلاشى صعوبة المجاهدة والرياضة ، لما في الرياضة والمجاهدة من منافرة الطبع ، وهي منتفية عند ذلك المزاج.
الومضة رقم 36: بنيان الحق في الأرض
إن المؤمن بنيان الله تعالى في الأرض ، ولهذا صار بمثابة الكعبة بل هو أشرف منها ..إذ أنه وإن تحقق الانتساب إلى المولى تعالى في الحالتين ، إلا إن انتساب ( القلب ) الذي هو عرش الرحمن إلى الحق ، أشرف من انتساب ( الحجارة ) إليه ..فذاك انتساب ذي شعور ناطق ، بخلاف الفاقد للشعور الصامت ..وعليه فإن كل خدمة لهذا البنيان ، فإنما هو خدمة لصاحب ذلك البنيان ، وكل أذى له فهو أذى لصاحبه ..وقد ورد عن الإمام الرضا (ع) أنه قال : { من أسخط وليا من أوليائي ، دعوت الله ليعذبه في الدنيا أشد العذاب ، وكان في الآخرة من الخاسرين }البحار-ج74ص230.
الومضة رقم 37: العمل للقرب لا للأجر
لا يحسن بمن يروم الدرجات العالية من الكمال ، أن يتوقف أداؤه للعمل على مراجعة ثواب ذلك العمل ..بل إن جلب رضا المولى في التروك والأفعال ، لمن أعظم الدواعي التي تبعث العبد على الإقدام والإحجام ..وهذا الداعي هو الذي يؤثر على كمّ العمل ، وكيفه ، ودرجة إخلاصه ..فحيازة الأجر والثواب أمر يختص بالآخرة ، وتحقيق القرب من المولى له أثره في الدنيا والآخرة ..وشتان بين العبد الحر والعبد الأجير ، وبين من يطلب المولى ( للمولى ) لا ( للأولى ) ولا ( للأخرى ).
الومضة رقم 38: وجه القلب
كما إن في الكيان ( العضوي ) للإنسان وجها يمثل جهة اهتمامه بالأشياء والأشخاص ، إذ الإقبال على الأمور الخارجية والإعراض عنها يكون بالوجه ، فالأمر كذلك في الكيان ( النفسي ) للإنسان ، فإن له وجها بذلك الوجه يتجه حبا أو إعراضا نحو ما يتوجه إليه أو عنه ..فمن الممكن بعد المجاهدات المستمرة والمراقبات المتوالية ، الوصول إلى درجة تكون جهة القلب ( ثابتة ) نحو المبدأ ، وإن ( اشتغل ) البدن في أنشطة متباينة ، وتوزع وجهه الظاهري نحو أمور مختلفة.
الومضة رقم 39: الصلاة قمة اللقاء
إن ( أصل ) وجود علاقة العبودية و ( عمقها ) بين العبد وربه ، يمكن أن يستكشف من خلال الصلوات الواجبة والمستحبة ..فالصلاة هي قمة اللقاء بين العبد والرب ، ومدى ( حرارة ) هذا اللقاء ودوامها ، يعكس أصل العلاقة ودرجتها ..فالمؤمن العاقل لا يغره ثناء الآخرين - بل ولا سلوكه الحسن قبل الصلاة وبعدها - ما دام يرى الفتور والكسل أثناء حديثه مع رب العالمين ، فإنه سمة المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
الومضة رقم 40: العلم لا يلازم الاطمئنان
إن من الواضح أن عملية ( تخزين ) المعلومات النظرية - حتى النافعة منها فيما يتعلق بعالم الفكر والإدراك - عملية مغايرة لعملية ( تجذير ) موجبات الاطمئنان في القلب ..فقد يوجب العلم حالة الاطمئنان وقد لا يوجبها ، وان كانت المضامين الموجبة لسكون القلب ، لها دورها كإحدى المقدمات الواقعة في سلسلة العلل ..ومما يؤيد ذلك عدم وجود تلازم بين ( القراءات ) المتعلقة بالجانب الروحي - كالكتب الأخلاقية - وبين ( التفاعلات ) الروحية المستلزمة لحالة السكينة والاطمئنان.
الومضة رقم 41: اجتذاب قلوب الخلق
إن السيطرة على قلوب المخلوقين ولو لغرض راجح - كالهداية والإرشاد - تحتاج إلى ( تدخّل ) مقلب القلوب ومن يحول بين المرء وقلبه ..وعليه فلا داعي لاصطناع الحركات الموجبة لجلب القلوب كالتودد المصطنع ، أو حسن الخلق المتكلَّف ..فما ( قيمة ) السيطرة على القلوب أولاً ؟!..وما ( ضمان ) دوام السيطرة الكاذبة ثانياً ؟!..وحالات انتكاس علاقات الخلق مع بعضهم - بدواع واهية - خير دليل على ذلك.
الومضة رقم 42: تلذذ الغني والفقير
طالما اشترك الغني والفقير في الالتذاذ ( الفعلي ) بملذات الحياة الدنيا ..وإنما افترقا في إحساس الأول بامتلاك الوسائل الكافية لتأمين الالتذاذ ( المستقبلي ) دون الآخر ..وليس هذا الفارق مما يستحق معه الوقوع في المهالك ، وخاصة أن ساعة المستقبل تنقلب إلى ساعة الحاضر في كل لحظة ، فيجد فيها الفقير أيضا ما يحقق له أدنى درجات الالتذاذ بحسبه ، من دون الوقوع في ( المعاناة ) والحرص الذي يصاحب جمع المال عـادة.
الومضة رقم 43: التأثر الشخصي بالمصاب
من الضروري أن نجعل تأثرنا بمصائب أهل البيت (ع) بمثابة تأثر على مصاب ( شخصي ) كالمفجوع بعزيز لديه ، كما يشير إليه التعبير في زيارة عاشوراء: { وعظم مصابي بك }..فمن عظمت مصيبته بمن يحب ، لا يتوقع ( أجراً ) مقابل ذلك التأثر ، ولا يجعل ذلك ( ذريعة ) للحصول على عاجل الحطام ، كما نلاحظ ذلك فيمن يتوسل بهم توصلا إلى الحوائج الفانية ..وليعلم في هذا المجال أن التأثر بمصائبهم التي حلّت بهم صلوات الله عليهم ، كامن في أعماق النفوس المستعدة ، فلا يحتاج إلى كثير إثارة من الغير ، كما روي من{ أن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا }..أضف إلى أن هذا التأثر العميق ، مما يدعو العبد إلى الولاء العملي والمتابعة الصادقة ، وهو المهم في المقام.
الومضة رقم 44: شهر الضيافة
إن شهر رمضان شهر ضيافة - حقيقة لا مجازا - ومن هنا سهل على الضيف أن ( يحوز ) على عطايا من المضيف ، لا يمكن الحصول عليها منه خارج دائرة الضيافة ..وليعلم أن هذه العطايا مبذولة من غير سؤال كما هو مقتضى الضيافة من الكريم ، فكيف بمن ( يسأل ) ذلك ؟!.. وكيف بمن ( يلح ) في السؤال ؟!..ومن هنا صارت ليلة العيد ليلة الجوائز العظمى ، ولطالما غفل عنها الغافلون.
الومضة رقم 45: الجمع بين الوحشة والمودة
إن من خصائص العامل في المجتمع ، هو الجمع بين حالة ( الوحشة) من الخلق ، لعدم تحقق الملكات الصالحة فيهم والتي هي الملاك للارتياح والأنس ، وبين حالة ( المودة ) والألفة والمداراة التي أمر بها الشارع جل شأنه ..فالمستفاد من مجموع الأخبار ضرورة الرفق بالناس على أنهم أيتام آل محمد (ع) ، وإن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ..فالجامع في نفسه بين هاتين الخصلتين ، أقرب ( للنجاح ) في إرشاد الخلق ، ( وللاحتراز ) عن مقتضى طباعهم الفاسدة المتمثلة في الانشغال بالباطل ، والغفلة عن الحق في الغالب.
الومضة رقم 46: سياسة النفس
إن مجاهدة النفس وسياستها يحتاج إلى خبرة وإطلاع بمداخلها ومخارجها ، وسبل الالتفاف حولها ..فلا ينبغي تحميلها فوق طاقتها ، وإلا حرنت وتمردت حتى فيما لامشقة فيه ..بل لابد من إقناعها بالحقائق المحركة لها ، والموجبة لاستسهال بعض الصعاب ، ومنها : ( العلم ) بضرورة سلوك هذا السبيل الذي ينتهي إلى الحق الذي إليه مرجع العباد ، وأن ( مراد ) المولى لا يتحصل - غالباً - إلا بهذه المخالفة المستمرة ، بالإضافة إلى ( التذكير ) باللذات المعنوية البديلة ، مع الاحتفاظ بما يحلّ ويجمل من اللذائذ الحسية.
الومضة رقم 47: تسويل النفس
كثيرا ما ننبعث في حياتنا من ( محركية ) الذات ومحوريتها ، حتى في الأمور التي يفترض فيها محو الذات ، واستذكار القربة الخالصة لله رب العالمين ، كدعوة العباد إلى الله تعالى ..ولطالما ( تسوّل ) النفس لصاحبها ( فيبطّن ) محورية ذاته بأمور أخرى عارضة ، كالثأر للكرامة أو إثبات العزة الإيمانية ، أو الدفاع عن العنوان ، أو دعوى العناوين الثانوية ، مما لا تخفى على العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ..وليعلم في مثل هذه الحالات ، أن الإحجام عن العمل خير من القيام به من تلك المنطلقات المبطّنة.
الومضة رقم 48: حذر المصلحين
إن المصلح الذي يروم إخراج العباد من الظلمات إلى النور في معرض ( عداء ) الشياطين له ، بل إثارة أحقادهم المستلزم ( للانتقام ) منه ، لأنه يروم تحرير الآخرين من سيطرة الطاغوت ، وهذا بدوره يعتبر تحديا له ولجنوده ..ومن هنا كان الأولياء يعيشون حالة الإشفاق والخوف من وقوعهم في إحدى شراك الشيطان المنصوبة لهم في جميع مراحل حياتهم ..فلم يأمنوا سوء العاقبة إلا بفضله تعالى ، وخاصة في مواطن ( الامتحان ) العسير في المال أو الجاه أو الدين ، فيما لو تزامن أيضا مع الضعف ، والغفلة ، وتكالب الشرور.
الومضة رقم 49: الاستعاذة بالحق
لو اعتقد الإنسان بحقيقة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق ، وأنه أقسم صادقا على إغواء الجميع ، وخاصة مع التجربة العريقة في هذا المجال من لدن آدم إلى يومنا هذا ، ( لأعاد ) النظر في كثير من أموره ..فما من حركة ولا سكنة إلا وهو في معرض هذا التأثير الشيطاني ..فالمعايِش لهذه الحقيقة يتّهم نفسه في كل حركة - ما دام في معرض هذا الاحتمال - فإن هذا الاحتمال وإن كان ضعيفا إلا أن المحتمل قوي ، يستحق معه مثل هذا القلق ..و( ثـمرة ) هذا الخوف الصادق هو ( الالتجاء ) الدائم إلى المولى المتعال ، كما تقتضيه الاستعاذة التي أمرنا بها حتى عند الطاعة ، كتلاوة القرآن الكريم.
الومضة رقم 50: العبودية ضمن المجاهدة
ليس من المهم تحقيق العبودية الكاملة من دون ( منافرة ) للشهوات والأهواء ..فمن يمكنه سفك الدماء والإفساد في الأرض - بما أوتي من شهوة وغضب - ثم ( يتعالى ) عن تلك المقتضيات ، ويلتزم جادة الحق والصواب ، هو الجدير بخلافة الله تعالى في الأرض ..وكلما ( اشتد ) الصراع والنجاح ، كلما عظمت درجة العبودية ..وقد كان الأمر كذلك بالنسبة إلى إبراهيم (ع) في تعامله مع نفسه وأهله وقومه ، إذ لم يصل إلى درجة الإمامة ، إلا بعد اجتيازه مراحل الابتلاء كما ذكره القرآن الكريم.
زلزال
02-06-2008, 10:55 PM
الومضات: (51 - 100)
الومضة رقم 51: أمارة التسديد
من أمارات الصلاح في الطريق الذين يسلكه العبد ، هو إحساسه ( بالارتياح ) وانشراح الصدر ، مع استشعاره للرعاية الإلهية المواكبة لسيره في ذلك الطريق ، وقلب المؤمن خير دليل له في ذلك ..وحالات ( الانتكاس ) والتعثر والفشل ، والإحساس ( بالمـلل ) والثقل الروحي مع الفرد الذي يتعامل معه أو النشاط الذي يزاوله ، قد يكون إشارة على مرجوحية الأمر ..ولكنه مع ذلك كله ، فإن على العبد أن يتعامل مع هذه العلامة بحذر ، لئلا يقع في تلبيس الشيطان .
الومضة رقم 52: اختيار الأقرب للرضا
لا ينبغي للمؤمن أن يختار لنفسه المسلك المحببّ إلى نفسه حتى في مجال الطاعة والعبادة ، فمن يرتاح ( للخلوة ) يميل عادة للطاعات الفردية المنسجمة ( مع الاعتزال ) ، ومن يرتاح ( للخلق ) يميل للطاعات الاجتماعية الموجبة للأنس ( بالمخلوقين ) ..بل المتعين على المستأنس برضا الرب ، أن ينظر في كل مرحلة من حياته ، إلى ( طبيعة ) العبادة التي يريدها المولى تعالى منه ، فترى النبي (ص) عاكفا على العبادة والخلوة في غار حراء ، وعلى دعوة الناس إلى الحق في مكة ، وعلى خوض غمار الحروب في المدينة تارة أخرى ، وهكذا الأمر في الأوصياء من بعده .
الومضة رقم 53: كالخرقة البالية
تنتاب الإنسان حالة من إدبار القلب ، بحيث لا يجد في قلبه خيرا ولا شرا ، فيكون قلبه ( كالخرقة ) البالية كما ورد في بعض الروايات ..ففي مثل هذه الحالة يبحث المهتم بأمر نفسه عن سببٍ لذلك الإدبار ، فان اكتشف سببا ( ظاهرا ) ، من فعل معصية أو ترك راجح أو ارتكاب مرجوح ، حاول الخروج عن تلك الحالة بترك موجب الادبار ..وإن لم يعلم ( سبباً ) ظاهرا ترك الأمر بحاله ، فلعل ضيقه بما هو فيه ، تكفير عن سيئة سابقة أو رفع لدرجة حاضرة أو دفع للعجب عنه.
الومضة رقم 54: لحظات الشروق والغروب
إن لحظات الغروب والشروق مما اهتم بها الشارع من خلال نصوص كثيرة ..إذ أنها بدء مرحلة وختم مرحلة ، وصعود للملائكة بكسب العبد خيرا كان أو شرا ، وهو الذي يتحول إلى طائر يلزم عنق الإنسان كما يعبر عنه القرآن الكريم ..فهي فرصة جيدة لتصحيح قائمة الأعمال قبل تثبيتها ( استغفارا ) منها أو تكفيراً عنها ..وللعبد في هذه اللحظة وظيفتان ، الأولى: ( استذكار ) نشاطه في اليوم الذي مضى ، ومدى مطابقته لمرضاة الرب ..والثانية : ( التفكير ) فيما سيعمله في اليوم الذي سيستقبله ..ولو استمر العبد على هذه الشاكلة - مستعينا بأدعية وآداب الوقتين - لأحدث تغييرا في مسيرة حياته ، تحقيقا لخير أو تجنيبا من شر .
الومضة رقم 55: الصفات الكامنة
إن من شؤون المراقبة اللازمة لصلاح القلب ، ملاحظة الصفات ( القلبية ) المهلكة كالحسد والحقد والحرص وغير ذلك ..فان أثر هذه الصفات الكامنة في النفس - وان لم ينعكس خارجا - إلا أنه قد لا يقل أثرا من بعض الذنوب الخارجية في ( ظلمة ) القلب ..وليعلم أنه مع عدم استئصال أصل هذه الصفة في النفس ، فان صاحب هذه الصفة قد ( يتورّط ) في المعصية المناسبة لها في ساعة الغفلة ، أو عند هيجان تلك الحالة الباطنية ، كالماء الذي أثير عكره المترسب .
الومضة رقم 56: برمجة اليوم
إن على العبد أن ( يبرمج ) ساعات اليوم من أول اليوم إلى آخره فيما يرضي المولى جل ذكره ، مَثَله في ذلك كمَثَل ( الأجير ) الذي لا بد وأن يُرضي صاحبه من أول الوقت إلى آخره فيما أراده منه ..فإذا أحس العبد بعمق هذه ( المملوكية ) ، لاعتبر تفويت أية فرصة من عمره ، بمثابة إخلال الأجير بشروط هذه الأجرة المستلزم للعقاب أو العتاب ..وبمراجعة ما كتب في أعمال اليوم والليلة - كمفتاح الفلاح وغيره - تتبين لنا رغبة المولى في ذكر عبده له في جميع تقلباته ، حتى وكأن الأصل في الحياة هو ذكر الحق ، إلا ما خرج لضرورة قاهرة أو لسهو غالب .
الومضة رقم 57: خلود المنتسب إلى الحق
إن مما يوجب الخلود والأبديّة للأعمال الفانية ، هو ( انتسابها ) للحق المتصف بالخلود والبقاء ..فمن يريد تخليد عمله وسعيه ، فلا بد له من تحقيق مثل هذا الانتماء الموجب للخلود ..فلم تكتسب الكعبة - وهي الحجارة السوداء - صفة الخلود كبيت لله تعالى في الأرض إلا بعد أن انتسب للحق ..ولم يكتب الخلود لأعمال إيراهيم وإسماعيل في بناء بيته الحرام ، إلا بعد أن قبل الحق منهما ذلك ، وهكذا الأمر في باقي معالم الحج التي يتجلى فيها تخليد ذكرى إبراهيم الخليل (ع) ..والأعمال ( العظيمة ) بظاهرها والخالية من هذا الانتساب حقيرة فانية ،كالصادرة من الظلمة وأعوانهم ، سواء في مجال عمارة المدن ، أو فتح البلاد ، أو بث العلم ، أو بناء المساجد أو غير ذلك .
الومضة رقم 58: قوارع القرآن
كثيرا ما يخشى الإنسان على نفسه الحوادث غير ( المترقبة ) في نفسه وأهله وماله ..فيحتاج دائما إلى ترس يحميه من الحوادث قبل وقوعها ، ومن هنا تتأكد الحاجة لالتزام المؤمن بأدعية الأحراز الواقية من المهالك ، وهي قوارع القرآن التي من قرأها ( أمِـنَ ) من شياطين الجن والإنس : كآية الكرسي والمعوذات وآية الشهادة والسخرة والملك ..فإن دفع البلاء قبل إبرامه وتحقـقه ، أيسر من رفعه بعد ذلك ..وقد ورد: { أنه ليس من عبد إلا وله من الله حافظ وواقية ، يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر ، فإذا نزل القضاء خلـيّا بينه وبين كل شيئ }البحار-ج5ص105 .
الومضة رقم 59: الهيئة الجماعية للطاعة
نقرأ في دعاء شهر رمضان المبارك في الليلة الأولى منه : { أنا ومن لم يعصك سكان أرضك ، فكن علينا بالفضل جوادا }..فالعبد في هذا الدعاء يخلط نفسه بالطائعين ، بدعوى أنه ( يجمعه ) وإياهم سكنى الأرض الواحدة ، ليستنـزل الرحمة الإلهية العائدة للجميع ..وبذلك يتحايل العبد ليجد وصفا يجمعه مع المطيعين ، ولو كان السكنى في مكان واحد ..وكذلك الأمر عند الاجتماع في مكان واحد ، وزمان واحد في أداء الطاعة ، كالحج وصلاة الجماعة والجهاد ومجالس إحياء ذكر أهل البيت (ع) ، فان الهيئة ( الجماعية ) للطاعة من موجبات ( تعميم ) الرحمة ..وقد ورد في الحديث: { إن الملائكة يمرون على حلق الذكر ، فيقومون على رؤسهم ويبكون لبكائهم ، ويؤمّنون على دعائهم…فيقول الله سبحانه :إني قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون ، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك ، فيقول الله تعالى: قد غفرت له بمجالسته لهم ، فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم }البحار-ج75ص468 .
الومضة رقم 60: الأدب الباطني للأكل
إن للأكل آدابا كثيرة مذكورة في محلها ، إلا أن من أهم آدابه شعور الإنسان العميق ( برازقية ) المنعم الذي أخرج صنوفا شتى من أرض تسقى بماء واحد ..فمن اللازم أن ينتابه شعور بالخجل والاستحياء من تواتر هذا الإفضال ، رغم عدم القيام بما يكون شكرا لهذه النعم المتواترة ..ومن الغريب أن الإنسان يحس عادة بلزوم الشكر والثناء تجاه المنعم الظاهري - وهو صاحب الطعام - رغم علمه بأنه واسطة في جلب ذلك الطعام ليس إلاّ..أولا يجب انقداح مثل هذا الشعور - بل أضعافه بما لا يقاس - بالنسبة إلى من أبدع خلق ( الطعام ) ، بل خلق من أعده من ( المخلوقين ) ؟!.
الومضة رقم 61: الرغبة الجامحة
إن الميل والرغبة الجامحة في الشيء من دواعي النجاح في أي مجال: دنيويا كان أو أخرويا ..وهذا الميل قد يكون ( طبعيا ) ، كما في موارد الهوى والشهوة ، ولهذا يسترسل أصحابها وراء مقتضياتها من دون معاناة ..وقد يكون ( اكتسابيا ) كما لو حاول العبد مطابقة هواه مع هوى مولاه فيما يحب ويبغض ..وليُعلم أنه مع عدم انقداح مثل هذا الحب والميل في نفس العبد ، فإن سعيه في مجال الطاعة لا يخلو من تكلف و معاناة ..فالأساس الأول للتحليق في عالم العبودية ، هو ( استشعار ) مثل هذا الحب تجاه المولى وما يريد ، إذ أن{ الذين آمنوا أشد حبا لله }.
الومضة رقم 62: سوء الظن
كثيرا ما يحس الإنسان بإحساس غير حسن تجاه أخيه المؤمن ، وليس لذلك - في كثير من الأحيان - منشأ عقلائي إلا ( وسوسة ) الشيطان ، و ( استيلاء ) الوهم علي القلب القابل لتلقّي الأوهام ..وللشيطان رغبة جامحة في إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، معتمدا على ذلك ( الوهم ) الذي لا أساس له ..ومن هنا جاءت النصوص الشريفة التي تحث على وضع فعل المؤمن على أحسنه ، وألا نقول إلا التي هي احسن ، وان ندفع السيئة بالحسنة ، وأن نعطي من حرمنا ونصل من قطعنا ، ونعفو عمن ظلمنا ، وغير ذلك من النصوص الكثيرة في هذا المجال .
الومضة رقم 63: وظيفة الداعي
ليس المهم في دعوة العباد إلى الله تعالى ، كسب العدد والتفاف الأفراد حول الداعي ..وإنما المهم أن يرى المولى عبده ساعياً مجاهداً في هذا المجال ..وكلما اشتدت ( المقارعة ) مع العباد ، كلما اشتد ( قرب ) العبد من الحق ، وإن لم يثمر عمله شيئا في تحقيق الهدى في القلوب ..فهذا نوح (ع) من الرسل أولي العزم ، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فما آمن معه إلا قليل ، بل من الممكن القول بأن دعوة الأنبياء والأوصياء لم تؤت ثمارها الكاملة كما ارادها الله تعالى لهم ، وهو ما نلاحظه جلياً في دعوة النبي وآله (ع) للأمة ، إذ كان الثابتون على حقهم هم أقل القليل ..فالمهم في الداعي إلى سبيل الحق ( عرض ) بضاعة رابحة ولا يهمه من المشتري ؟!..وما قيمة البضاعة الفاسدة وإن كثر مشتروها ؟!..أضف إلى كل ذلك أن أجر الدعوة ودرجات القرب من الحق المتعال ، لا يتوقف على التأثير الفعلي في العباد .
الومضة رقم 64: هدر العمر بالنوم
إن النوم من الروافد الأصلية التي ( تستنـزف ) نبع الحياة ..ومن هنا ينبغي السيطرة على هذا الرافد ، لئلا يهدر رأسمال العبد فيما لا ضرورة له ..ولذا ينبغي التحكم في أول النوم وآخره ، ووقته المناسب ، وتحاشي ما يوجب ثقله ..والملفت في هذا المجال أن الإنسان كثيرا ما يسترسل في نومه الكاذب ، إذ حاجة بدنه الحقيقية للنوم اقل من نومه الفعلي ..فلو ( غالب ) نفسه وطرد عن نفسه الكسل ، وهجر الفراش كما يعبر القران الكريم: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }، فانه سيوفّر على نفسه - ساعات كثيرة - فيما هو خير له و أبقى ..وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { من كثر في ليله نومه ، فاته من العمل ما لا يستدركه في يومه}و{ بئس الغريم النوم ، يفني قصير العمر ، ويفوّت كثير الأجر }.
الومضة رقم 65: الفراق والوصل
إن في الفراق رجاء ( الوصل ) ، وخاصة إذا اشتد ألم الفراق وطال زمان الهجران ، وفي الوصل خوف ( الفراق ) ، وخاصة مع عدم مراعاة آداب الوصل بكاملها ، ومن هنا كانت حالة الفراق لديهم - في بعض الحالات - أرجى من حالة الوصل ..إذ عند الوصل تعطى الجائزة ( المقدرة ) ، بينما عند الفراق يعظم السؤال فيرتفع قدر الجائزة فوق المقدر ..وعند الوصل حيث الإحساس بالوصول إلى شاطئ الأمان ( يسكن ) القلب ويقل الطلب ، وعند الاضطراب في بحر الفراق يشتد التضرع والأنين ..وعليه فليسلم العبد فصله ووصله للحكيم ، الذي يحكم بعدله في قلوب العباد ما يشاء و كيف يشاء .
الومضة رقم 66: العداء المتأصل
إن القرآن الكريم يدعونا لاتخاذ موقع العداء من الشياطين ..وليس المطلوب هو العداء ( التعبدي ) فحسب ، بل العداء ( الواعي ) الذي منشأه الشعور بكيد العدو وتربّصه الفرص للقضاء على العبد ، خصوصا مع الحقد الذي يكنّه تجاه آدم وذريته ، إذ كان خلقه بما صاحبه من تكليف بالسجود مبدأ لشقائه الأبدي ، وكأنه بكيده لبنيه يريد أن ( يشفي ) الغليل مما وقع فيه ..وشأن العبد الذي يعيش هذا العداء المتأصل ، شأن من يعيش في بلد هدر فيها دمـه ..فكم يبلغ مدي خوفه وحذره ممن يطلب دمه بعد هدره له ؟!.
الومضة رقم 67: مؤشر درجة العبد
لو اعتبرنا أن هناك ثمة مؤشر يشير إلى حالات تذبذب الروح تعاليا وتسافلاً ، فإن المؤشر الذي يشير إلى درجة الهبوط الأدنى للروح ، هو الذي يحدد المستوى الطبيعي للعبد في درجاته الروحية ..فدرجة العبد هي الحد ( الأدنى ) للهبوط لا الحد ( الأعلى ) في الصعود ، إذ أن الدرجة الطبيعية للعبد تابعة لأخس المقدمات لا لأعلاها ..فإن التعالي استثناء لا يقاس عليه ، بينما الهبوط موافق لطبيعة النفس الميالة للّعب واللهو ..فهذه هي القاعدة التي يستكشف بها العبد درجته ومقدار قربه من الحق تعالى ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { من أحب أن يعلم ما له عند الله ، فليعلم ما لله عنده }البحارج73ص40..وبذلك يدرك مدى الضعف الذي يعيشه ، وهذا الإحساس بالضعف بدوره مانع من حصول العجب والتفاخر ، بل مدعاة له للخروج منه ، إلى حيث القدرة الثابتة المطردة .
الومضة رقم 68: مجالس اللهو والحرام
إن بعض المجالس التي يرتادها العبد ، يكون في مظان اللهو أو الوقوع في الحرام ، كالأعراس والأسواق والجلوس مع أهل المعاصي ..ومن هنا لزم على المؤمن أن ( يهيئ ) نفسه لتحاشي المزالق قبل ( التورط ) فيما لو اضطر إلى الدخول فيها ..وليُعلم أن الجالس مع قوم إنما يبذل لهم ما هو أهم من المال - وهي اللحظات التي لا تثمن من حياته - فكما يبخل الإنسان بماله ، فالأجدر به أن يبخل ببذل ساعات من عمره للآخرين من دون عوض ..وتعظم ( المصيبة ) عندما يكون ذلك العوض هو ( تعريض ) نفسه لسخط المولى جل ذكره ، فكان كمن بذل ماله في شراء ما فيه هلاكه ..وأشد الناس حسرة يوم القيامة من باع دينه بدنيا غيره .
الومضة رقم 69: التفكير في الشهوات
إن التفكير في الشهوات - بإحضار صورها الذهنية - قد تظهر آثاره على البدن ، فيكون كمن مارس الشهوة فعلا يصل إلى حد الجنابة أحيانا ..فإذا كان الأمر كذلك في الأمور ( السافلة ) ، فكيف بالتفكير المعمق فيما يختص بالأمور ( العالية ) من المبدأ والمعاد ؟..أولا يُرجى بسببه عروج صاحبه - في عالم الواقع لا الخيال - ليظهر آثار هذا التفكير حتى على البدن ..وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض هذه الآثار بقوله: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثمَّ تلين }و{تولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } ، أضف إلى وجل القلوب وخشوعها ..بل يصل الأمر إلى حالة الصعق الذي انتاب موسى (ع) عند التجلّي ، وكان لإبراهيم أزيز كأزيز المرجل ، ناهيك عن حالات الرسول (ص) عند نزول الوحي ، وحالات وصيه (ع) أثناء القيام بين يدي المولى جل ذكره .
الومضة رقم 70: منبّهية الآلام الروحية
كما أن الآلام ( العضوية ) منبهة على وجود العارض في البدن ، فكذلك الآلام ( الروحية ) الموجبة لضيق الصدر ، منبّهة على وجود عارض البعد عن الحق ..إذ كما انه بذكر الله تعالى ( تطمئن ) القلوب ، فكذلك بالإعراض عنه ( تضيق ) القلوب بما يوجب الضنك في العيش ، فيكون صاحبه كأنما يصّـعد في السماء ، والمتحسس لهذا الألم أقرب إلى العلاج قبل الاستفحال ..والذي لا يكتوي بنار البعد عن الحق - كما هو شان الكثيرين - يكاد يستحيل في حقه الشفاء ، إلا في مرحلة: { فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ، وعندئذ لا تنفعه هذه البصيرة المتأخرة عن وقت الحاجة .
الومضة رقم 71: آيات لأولي الألباب
إن التأثر ( بآيـتيّة ) الآيات متوقفة على وجود ( اللّب ) المدرك لها ..فالآية علامة لذي العلامة ، والذي لا يعرف لغة العلامة كيف يتعرّف على ذي العلامة ؟!..فمَثَل الباحثين في الطبيعة والغافلين عن الحق ، كمَثَل من يحلل اللوحة الجميلة إلى أخشاب وألوان ..فتراهم يرهقون أنفسهم في البحث عن مادة اللوحة وألوانها ، ولا يدركون شيئا من جمال نفس اللوحة ولا جمال مصورها ، وليس ذلك إلا لانتفاء اللبّ فيهم إذ{ ان في ذلك لآيات لأولي الألباب }..فعيونهم المبصرة والآلة الصماء التي يتم بها الكشف والاختراع على حد سواء ، في انهما لا يبصران من جمال المبدع شيئا .
الومضة رقم 72: التسمية نوع استئذان
إن التسمية قبل الفعل - من الأكل وغيره - نوع ( استئذان ) من العبد في التصرف فيما يملكه الحق ، وإن كان الأمر حقيرا عند العبد ، فالأمر في جوهره وعند أهله المستشعرين للطائف العبودية ، يتجاوز مرحلة الاستحباب ..وهكذا الأمر في جميع الحركات المستلزمة للتصرف في ملك من أمـلاك المولى جل ذكره ..ولهذا فإن كل عمل غير مبدوء بـ ( بسم الله) فهو أبتر ، إذ كيف يبارك المولى في عبد لا ينسب عمله إليه ، ولا يصدر منطلقا من رضاه ، بل يتصرف في ملكه من دون ( إحراز ) رضاه ؟!.
الومضة رقم 73: الإعراض بعد الإدبار
لابد من المراقبة الشديدة للنفس بعد حالات الإقبال - وخاصة - الشديدة منها ..وذلك لأن ( الإعراض ) المفاجئ باختيار العبد - بعد ذلك الإقبال - يُـعد نوع ( سوء ) أدب مع المولى الذي منّ على عبده بالإقبال وهو الغني عن العالمين ..ولطالما يتفق مثل هذا الإقبال - في ملأ من الناس - بعد ذكر لله تعالى ، أو التجاء إلى أوليائه (ع) ، وعند الفراغ من ذلك يسترسل العبد في الإقبال على الخلق ، فيما لا يرضي الحق: من لغو في قول ، أو ممقوت من مزاح ، أو وقوع في عرض مؤمن أو غير ذلك ..ومثل هذا الإدبار الاختياري قد ( يحرم ) العبد نعمة إقبال الحق عليه مرة أخرى ، وهي عقوبة قاسية لو تعقّلها العبد ..نعم قد يتفق الإدبار المفاجئ - مع عدم اختيار العبد - دفعا للعجب عنه ، وتذكيرا له بتصريف المولى جل ذكره لقلب عبده المؤمن كيفما شاء .
الومضة رقم 74: مؤلفات المنحرفين
إن مما ينبغي الحذر منه ، هو ما وصل إلينا من مؤلفات المنحرفين عن خط أهل البيت (ع) - قصورا كان الانحراف أو تقصيرا - وخاصة فيما كان في مجال الأخلاق والاعتقاد ..فمن الدواعـي الخفـية التي جعلت البعض منهم يتخذ لنفسه اتجاهاً أخلاقيا متميزا ليجـذب به قلوب المريدين ، هو ( منافسة ) خط أئمة أهل البيت (ع) في ذلك ، و ( استلاب ) القلوب المتعطشة للمعارف الإلهية ..وخاصة أن الأئمة (ع) لهم منهجهم المستقل في مجال تهذيب السلوك الإنساني المتمثل في: ( الاستقامة ) على طريق الشرع أولا ، و( الاعتدال ) في السير ثانيا ، و( الجامعية ) لكل جهات التكليف ثالثا ..وقد درّبوا خواصهم على هذا المنهج الذي افرز الكثير ممن يتأسى بهم في هذا المجال ..وينبغي الالتفات إلى أن حث عامة الناس على الرجوع إليهم قد يؤدي - من دون قصد - إلى صرف الناس عن خط أئمتهم (ع) ، أو على الأقل عدم استنكار البنية العقائدية لمخالفيهم .
الومضة رقم 75: القلب حرم الله تعالى
إن اشتغال القلب بغير الله تعالى مذموم حتى عند الاشتغال ( بالصالحات ) من الأعمال كقضاء حوائج الخلق وأشباهه ..فقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { القلب حرم الله تعالى ، فلا تُدخل حرم الله غير الله}البحار-ج70ص25..فالمطلوب من العبد أن لا يذهل عن ذكر مولاه ، وإن اشتغلت الجوارح بعمل قربي لله فيه رضاً ..فإن ( حسن ) اشتغال الجارحة بالعبادة لا ( يجبر ) قبح خلو الجانحة من ذكر الحق ، فلكل من الجوانح والجوارح وظائفهما اللائقة بهما ..وحساب كل منهما بحسبه ، فقد يثاب احداهما ويعاقب الأخرى كما يشير إليه الحديث: { إن الله يحب عبدا ويبغض عمله ، و يبغض العبد ويحب عمله}البحار-ج46ص233..والخلط بينهـما مزلق للأولياء عظيم ..وهذا الأمر وإن بدا الجمع بينهما صعبا ، إلا إنه مع المزاولة والمصابرة يتم الجمع بين المقامين ،كما كان الأمر كذلك عندهم صلوات الله عليهم أجمعين .
الومضة رقم 76: استغلال أية فرصة
إن من الأمور المهمة التي قد يغفل عنها العبد هو استغلال ساعة ( الإقبال ) على المولى في أي ظرف كان صاحبه ..فقد تأتي هذه المنحة الإلهية على حين ( غفلة ) من صاحبها ، وفي حالة ( يجلّ ) الإنسان ربه في أن يذكره في تلك الحالة كالأماكن المستقذرة ، كما يشير إليه ما روي عن موسى (ع) إذ سأل ربه فقال : إني أكون في حال أجلك أن أذكرك فيها ، فجاءه الجواب: { يا موسى اذكرني على كل حال }البحار-ج3ص329 ..فليس للعبد أن يُعرض - حتى في تلك الساعة - عن ربه مع إقبال الحق عليه ، فان ذلك مدعاة لتعريض هذه النعمة الكبرى للزوال ..وقد يتفق الإقبال في المواطن المناسبة لذلك ، فيرق القلب من دون مجاهدة تذكر كمجالس رثاء أهل البيت (ع) ، فما أحرى بأصحابها أن يستغلّوا حالة الرقة التي تنتاب حتى غير الصالحين منهم في تلك المجالس ، وذلك بالتوجه إلى الله تعالى وخاصة بعد الفراغ من المجلس ، فإنها من المظان الكبرى لاستجابة الدعاء .
الومضة رقم 77: تصريف الحق للأمور
كما يتولى الحق تعالى تصريف ( جزئيات ) عالم الخلق ، إذ ما تسقط من ورقة إلا بعلمه ، ولولا الإذن لما تحقق السقوط الذي تعلق به العلم ، فكذلك الأمر فيمن ( شملته ) يد العناية الإلهية ، فيتولى الحق تعالى تصريف شؤونه في كل صغيرة وكبيرة ..ومن هنا أُمر موسى(ع) بالرجوع إلى الحق ، حتى في ملح عجينه وعلف دابته ..ومن المعلوم أن هذا الإحساس ( يعمّق ) الود بين العبد وربه ، ناهيك عما يضفيه هذا الشعور من سكينة واطمئنان على مجمل حركته في الحياة ..ومن هنا ينسب الحق أمور النبي (ص) من الطلاق والزواج إلى نفسه فيقول: { عسى ربه إن طلقكن } و{ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها }.
الومضة رقم 78: الأجر الجزيل على القليل
قد يستغرب البعض من ترتب بعض ما روي من ( عظيم ) الثواب على اليسير من العبادة ..ولو كان هذا الاستغراب بمثابة عارض أوّلى لا قرار له في النفس لهان الأمر ، ولكن الجاد في استغرابه ، فإنما هو قاصر: إمّا في إدراك ( قدرة ) المولى على استحداث ما لم يخطر على قلب بشر بمقتضى إرادته التكوينية المنبعثة من الكاف والنون ، أو في إدراك مدى ( كرمه ) وسعة تفضله الذي استقامت به السموات والأرض ..فمن يجمع بين القدرة القاهرة و العطاء بلا حساب ، فإنه لا يعجزه الأجر الذي لا يقاس إلى العمل ..إذ الثواب المبذول إنما هو اقرب للعطايا منه إلى الأجور ..وليعلم أخيرا أن نسبة قدرة الحق المتعال إلى الأمر - الحقير والجليل - على حد سواء ..فلماذا العجب بعد ذلك ؟!.
الومضة رقم 79: ملكوت الصلاة
إن الصلاة مركب اعتباري ركب أجزاءه العالم بمواقع النجوم ..فالحكيم الذي وضع الأفلاك في مسارها هو الذي وضع أجزاء هذا المركّب في مواقعها ، ولهذا كان ( الإخلال ) العمدي بظاهرها مما يوجب عدم سقوط التكليف ، لعدم تحقق المركب بانتفاء بعض أجزائه ..وليعلم أن بموازاة هذا لمركب الاعتباري ( الظاهري ) ، هنالك مركب اعتباري ( معنوي ) يجمعه ملكوت كل جزء من أجزاء الصلاة ..فالذي يأتي بالظاهر خاليا من الباطن ، فقد أخل بالمركب الاعتباري الآخر بكله أو ببعضه ..ومن هنا صرحت الروايات بحقيقة: { أنه ما لك من صلاتك إلا ما أقبلت فيها بقلبك }البحار- ج81 ص260 .
الومضة رقم 80: الطهارة الظاهرية والباطنية
أكد المشرع الحكيم على طهارة البدن والساتر والأرض في حال الصلاة ، التي هي أرقى صور العبودية للحق المتعال ،كما يفهم من خلال جعلها عمودا للدين ومعراجا للمؤمن ..ولعل الأقرب إلى تحقيق روح الصلاة ، هو الاهتمام بتحقيق الطهارة ( الداخلية ) في جميع أبعاد الوجود ، بل هجران الرجز لا تركه فحسب لقوله تعالى: { والرجز فاهجر }..فالهجران نوع قطيعة مترتبة على بغض المهجور المنافر لطبع المقاطع له ..فالمتدنس ( بباطنه ) لا يستحق مواجهة الحق وان تطهّر بظاهره ، حيث أن المتدنس - جهلا وقصورا - لا يؤذن له باللقاء وان اُعذر في فعله ..كما أن المتدنس ( بظاهره ) لا يؤذن له بمواجهة السلطان ، وإن كان جاهلا بقذارته .
الومضة رقم 81: الصورة الذهنية الكاذبة
إن ما يدفع الإنسان نحو الملذات واقتناء أنواع المتاع ، هو الصورة ( الذهنية ) المضخمة - التي لا تطابق الواقع غالبا - لتلك اللـذة ..والسر في ذلك كما يذكر القرآن الكريم ، هو تزيين الشيطان ما في الأرض للإنسان بحيث لايرى الأشياء كما هي ، ومن هنا أمرنا بالدعاء قائلين: { اللهم أرنا الأشياء كما هي }..ولطالما يصاب صاحبها بخيبة أمل شديدة عندما يصل إلى لذته ، فلا يجد فيها تلك الحلاوة الموهومة ، وبالتالي لا يجد ما يبرر شوقه السابق ، كالأحلام الكاذبة التي يراها الشاب قبل زواجه ..ويكون ( تكرّر ) هذا الإحباط مدعاة ( للملل ) من الدنيا وما فيها ..وهذا هو السر في استحداث أهل الهوى وسائل غريبة للاستمتاع يصل إلى حد الجنون !..أما النفوس المطمئنة - بحقيقة فناء اللذات وعدم مطابقة الواقعية منها لما تخيلها صاحبها ، بل وجود لذائد أخري ما وراء الحس لا تقاس بلذائذ عالم الحس - ففي غنى عن تجارب المعاناة والإحباط ، لاكتشافهم الجديد الباقي حتى في عالم اللذات ، إذ أن كل نعيم دون الجنة مملول .
الومضة رقم 82: الخسارة الدائمة
إن الإنسان يعيش حالة خسارة دائمة ، إذ أن كل نَفَس من أنفاسه ( قطعة ) من عمره ، فلو لم يتحول إلى شحنة طاعة ، لذهب ( سدىً ) بل أورث حسرة وندامة ..ولو عاش العبد حقيقة هذه الخسارة لانتابته حالة من الدهشة القاتلة!..فكيف يرضى العبد أن يهدر في كل آن ، ما به يمكن أن يكتسب الخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر ؟!..وقد ورد في الحديث: { خسر من ذهبت حياته وعمره ، فيما يباعده من الله عز وجل }البحار-ج10ص110..والملفت حقا في هذا المجال أن كل آن من آناء عمره ، حصيلة تفاعلات كبرى في عالم الأنفس والآفاق ، إذ أن هذا النظم المتقن في كل عوالم الوجود - كقوانين السلامة في البدن و تعادل التجاذب في الكون - هو الذي أفرز السلامة والعافية للعبد كي يعمل ، فما العذر بعد ذلك ؟!..وإيقاف الخسارة في أية مرحلة من العمر - ربح في حد نفسه - لا ينبغي تفويته ، فلا ينبغي ( التقاعس ) بدعوى فوات الأوان ، ومجمل القول: أن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما .
الومضة رقم 83: أدنى الحظوظ وأعلاها
لكل من القلب والعقل والبدن حظّه من العبادة ، نظرا لتفاعله الخاص به ، فللأول ( المشاعر ) ، وللثاني ( الإدراك ) ، وللثالث ( الحركة ) الخارجية ..وأدنى الحظوظ إنما هو للبدن ، لأنها أبعد الأقمار عن شمس الحقيقة الإنسانية ..وقد انعكس الأمر عند عامة الخلق ، فصرفوا جُلّ اهتمامهم في العبادة إلى حظ البدن ، وصل بهم إلى حد الوسوسة المخرجة لهم عن روح العبادة التي أرادها المولى منهم ، مهملين بذلك أمر اللطيفة الربانية المودعة فيهم ..ومن هنا لا نجد لعباداتهم كثير أثر يذكر غير الإجراء وعدم لزوم القضاء ..ومن المعلوم أن هذا الأُنس الظاهري بالعبادة ، متأثر بطبيعة النفس التي تتعامل مع الحقائق من خلال مظاهرها المادية ، وليست لها القدرة - من دون مجاهدة - على شهود الحقائق بواقعيتها ، ومن هنا عُلم منـزلة إبراهيم الخليل (ع) الذي أراه الحق ملكوت السماوات والأرض .
الومضة رقم 84: مخالفة النفس فيما تهوى
إن مخالفة النفس فيما تهوى وتكره لمن أهم أسس التزكية ، وخاصة عند ( إصرار ) النفس على رغبة جامحة في مأكل ، أو ملبس ، أو غير ذلك ..فان الوقوف أمام النفس - ولو في بعض الحالات - ضروري لتعويد النفس على التنازل عن هواها لحكم العقل ، ولإشعارها أن للعقل دوره الفعّال في إدارة شؤون النفس ، بتنصيب من المولى الذي جعل العقل رسولاً باطنياً ، وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { إذا صعبت عليك نفسك ، فاصعب لها تذلّ لك }البحارج78ص119..ومن الملحوظ إحساس العبد ( بهالة ) من السمو والعزة ، عند مخالفة شهوة من الشهوات ، وهذه الحالة جائزة معجلة في الدنيا قبل الآخرة ، إذ يجد حلاوة الإيمان في قلبه ..هذه الحلاوة تجبر حرمان النفس من الشهوة العاجلة ، بل يصل الأمر إلى أن يعيش الإنسان حالة التلذذ في ترك اللذائذ ، لما فيها من السمو والتعالي عن مقتضيات الطبع ، بل يصل الأمر عند - الكمّلين - إلى مرحلة يتلذذون فيها ( برضا ) الحق عنهم حين تلذذهم بالمباحات ، أكثر من تلذذهم ( باللذة ) نفسها ..فمثلا يرون أن لذة رضا المولى على عبده بالزواج ، ألذ لديهم من عملية المعاشرة نفسها ، وهذا معنىً لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم .
الومضة رقم 85: التجلي في الآفاق والأنفس
لقد تجلّى الحق في عالم ( الآفاق ) ، فأوجد هذا النظام المتقن الذي أذهل أرباب العقول على مر العصور ..فكيف إذا أراد الحق أن يتجلى لعبده في عالم ( الأنفس ) فيمن أراد سياسته وتقويمه ؟!..ولئن كانت العجائب لا تعد في عالم الآفاق ، فان العجائب لا تدرك في عالم الأنفس!!..ولا عجب في ذلك ، فإن المبدع في عالم الآفاق هو بنفسه المبدع في عالم الأنفس ، بل اكثر تجليـّا فيها ، لأنها ( عرش ) تجليه الأعظم ..فالمهم في العبد أن يعّرض نفسه لهذه النفحات ، حتى يصل إلى مرحلة: { عبدي أطعني تكن مَثَلي ، أقول للشيء كن فيكون ، وتقول للشيء كن فيكون }.
الومضة رقم 86: المال آلة اللذائذ
إن المال آلة لكسب اللذائذ ، فالذي لا تأسره لذائد المادة ، لا يجد في نفسه مبررا للحرص والولع في جمعه ، كما هو الغالب على أهل اللذائذ ، لأن لذائذهم لا تشترى إلا بالمال كلذة البطن والفرج ، وهو المتعالي عن تلك اللذائذ ..وبهذا ( التعالي ) النفسي يكون قد خرج من أسر عظيم وقع فيه أهل الدنيا ..وأما الذي ( ترقّى ) عن عالم اللذائذ الحسية ، فإن له شغل شاغل عن جمع المال بل عن الالتفات إليه ، إذ أن من لا تغريه اللذة ، لا تغريه مادتها أي ( المال )..وهذه هي المرحلة التي لا يجد فيها العبد كثير معاناة في دفع شهوة المال عن نفسه ، إذ اللذائذ أسيرة له ، لا هو أسير لهـا .
الومضة رقم 87: اللقاء في الأسحار
إن القيام في الأسحار بمثابة لقاء المولى مع خواص عبيده ، ولهذا لا ( تتسنى ) هذه الدعوة إلا لمن نظر إليه المولى بعين ( اللطف ) والرضا ، وهي الساعة التي يكاد يطبق فيها نوم الغفلة حتى البهائم ..ومن المعلوم أن نفس قيام الليل - مع قطع النظر عن حالة الإقبال - مكسب عظيم ، لما فيه من الخروج على سلطان النوم القاهر ، فكيف إذا اقترن ذلك بحالة الالتجاء والتضرّع ؟!..ومن هنا جعل المولى جل ذكره ( ابتعاث ) النبي (ص) المقام المحمود مرتبطا بتهجده في الأسحار ، رغم حيازته للملكات العظيمة الأخرى ..ويمكن القول - باطمئنان - أن قيام الليل هو القاسم المشترك بين جميع الأولياء والصلحاء ، الذين يشتد شوقهم إلى الليل ترقّباً للذائذ الأسحار ..وقد روي عن الإمام العسكري (ع) أنه قال : { الوصول إلى الله ، سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل }البحار-ج78ص379.
الومضة رقم 88: التشويش الباطني
إن من الضروري لمن يريد الثبات في السير إلى الله تعالى ، أن يستبعد عن طريقه كل موجبات القلق والاضطراب ، فإن التشويش الباطني بمثابة تحريك العصا في الماء العكر ، الذي يُخرجه عن صفة المرآتية للصور الجميلة والحالة تلك!..وإن استبعاد موجبات القلق يكون: بدفعها وعدم التعرض لها ( كعدم ) الاستدانة مع العجز عن السداد ..ويكون برفعها وإزالة الموجب لهـا ( كأداء ) الدين مع القدرة على أدائها ..ويكون بالتعالي وصرف الذهن عنها مع العجز التام عن الدفع والرفع ( كالعاجز ) عن السداد بعد الاستدانة ..وتفويض الأمر في كل المراحل - خصوصا الأخيرة - إلى مسبِّب الأسباب من غير سبب .
الومضة رقم 89: دواعي الهدى والهوى
إن الإخلاد إلى الأرض والركون إلى الشهوات البهيمية مما يوافق دواعي الهوى ، وبذلك تكون حركة الإنسان نحوها سريعة للغاية لو استرسل في شهواته ولم يغالبها ، وفي هذا السياق يبدي أمير المؤمنين (ع) تعجبه بقوله: { كيف يستطيع الهدى من يغلبه الهوى ؟ }..ولكنه في الوقت نفسه فإن التعالي والسمو إلى درجات القرب من الحق أيضا مما يوافق دواعي الهدى ، وهي إرادة الحق ورغبته ، بل دعوته الأكيدة للناس إليه بقوله: { ففروا إلى الله }..فكما أن الهوى في عالم التكوين سائق لصاحبه إلى الهاوية ، فإن ( مشيئة ) الحق ، وارداته ( التشريعية ) لطهارة العبيد كذلك ( تيسّر ) سبيل الوصول لمن تعرض لنفحات تلك الإرادة التي عبّر عنها الحق بقوله: { ولكن يريد ليطهركم }.
الومضة رقم 90: البلاء المعوض
إن البلاء الذي يصيب المؤمن الذي اخلص حياته لله رب العالمين ، بمثابة البلاء الذي يصيب العامل أثناء العمل مع من ضمن له الخسارة في نفسه وبدنه ..فمع علمه بأن كل بلاء يصيبه فهو ( مضمون ) العوض ، فإنه لا ( يستوحش ) لتوارد البلاء مهما كان شديدا ..بل قد يفرح - في قرارة نفسه - لو علم بالعوض المضاعف الذي لا يتناسب مع حجم الخسارة ، وهذا خلافا لمن يصيبه البلاء وهو لا يعلم انه رفع لدرجة أو كفارة لسيئة ، فيستوحش من أدنى البلاء يصيبه ، لما يرى فيه من تفويتٍ للّذائذ من دون تعويض .
الومضة رقم 91: العبثية في السلوك
إن الخوض فيما لايعني مصداق لحالة العبثية و ( اللاجدية ) في سلوك الإنسان ، وهو من موجبات قساوة القلب ..إذ القلب المشتغل بأمر لا يحتمل الاشتغال بأمر آخر ، ولو كان اللاحق أنفع من سابقه ..فليتأمل في مضمون هذا الحديث القدسي: { يا ابن آدم إذا وجدت قساوة في قلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصا في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم انك قد تكلمت فيما لا يعنيك }..فإذا كان الخوض فيما لا يعني - ولو كان حلالاً - مما تترتب عليه هذه الآثار المهلكة ، فكيف بالخوض في ( الحرام ) ؟!.
الومضة رقم 92: هندسة التكامل
إن الذي يريد أن يحقق مستوى من التكامل الروحي في حياته ، عليه أن يمتلك خطة مدروسة: لها ( مراحلها ) المتدرجة ، ولها ( تقسيمها ) الزمني لكل مرحلة ، وفيها ( دراسة ) لنقاط ضعفه وقوته ، وفيها ( ملاحظة ) لتجارب الآخرين ، وفيها ( معرفة ) للعوارض التي تنتاب مجمل السائرين في الطريق: كالقبض والبسط ، وإعراض الخلق ، وضيق الصدر ، وهجوم الوساوس ..هذا المخطط ببعديه النظري والعملي ، ينبغي أن يكون واضحا دائما للسائرين إلى الله تعالى ، وإلا كان صاحبها كمن يحتطب ليلا ..إذ كما أن هندسة البناء المادي - وإن طال البحث فيها - أساس لنجاح البناء خارجاً ، فكذلك الأمر في البناء المعنوي ، فإن وضوح الخطـة وإتقانها ، وهندسة مراحلها ، مدعاة للسير على هدى واطمئنان ، وهذا بخلاف السائر على غير ( هدى ) ، فإنه لا تزيده كثرة السير إلا بعداً .
الومضة رقم 93: الصلاة موعد اللقاء
إن من اللازم أن نتعامل مع ( وقت ) الصلاة على أنه موعد اللقاء مع من بيده مقاليد الأمور كلها ..ومع ( الأذان ) على انه إذن رسمي بالتشريف ..ومع ( الساتر ) بزينته على انه الزيّ الرسمي للّقاء ..ومع ( المسجد ) على أنه قاعة السلطان الكبرى ..ومع ( القراءة ) على أنه حديث الرب مع العبد ..ومع ( الدعاء ) على أنه حديث العبد مع الرب ..ومع ( التسليم ) على أنه إنهاء لهذا اللقاء المبارك ، والذي يفترض فيه أن تنتاب الإنسان عنده حـالة من ألم الفراق والتوديع ..ومن هنا تهيّب الأولياء من الدخول في الصلاة ، وأسفوا للخروج منها .
الومضة رقم 94: فرق الحال عن المقام
إن هناك فرقا واضحا بين الحالات الروحية ( المتقطعة ) التي تعطى للعبد - بحسب قابليته - بين فترة وأخرى ، وبين المقامات الروحية ( الثابتة ) التي لا تفارق صاحبها أبدا ..واستبدال الحال بالمقام يفتقر إلى رؤية واضحة للحالتين ، ومعرفة بموجباتهما ، وتجربة خاصة للعبد المراقب لنفسه ..ومجمل القول: أن استمرار الحالات الروحية المتقطعة ، وتحاشي موجبات الإدبار ، والالتزام العملي الدقيق بما يرضي المولى تبارك وتعالى ، والالتجاء الدائم إليه بالتوسل بمن لديهم أرقى درجات الزلفى لديه ..كل هذه الأمور دخيلة في تحويل الحالات المتناوبة إلى مقامات ثابتة ، ولكن بعد فترة من الصمود والاستقامة فيما ذكر.
الومضة رقم 95: مرحلة الاصطفاء
قد يصل العبد بعد مرحلة طويلة من ( المجاهدة ) في طريق الحق إلى مرحلة ( الاصطفاء ) الإلهي له..ومن مميزات هذه المرحلة أن العبد يعيش فيها حالة القرب الثابت من الحق - حتى مع عدم بذل جهد مرهق - في هذا المجال ..فهو يعيش حالة حضور ( دائم ) بين يدي المولى سبحانه ، إذ العالم كله محضر قدسه ، بكل ما في هذا الحضور من آداب الضيافة الربوبية ، التي لم تتم لولا دعوة الحق المتعال عبده إلى نفسه اكراما وحبـّا له ..وقد روي أن موسى (ع) سأل ربه: يارب وددت أن أعلم من تحب من عبادك فأحبه ، فأجابه: { إذا رأيت عبدي يكثر ذكري ، فأنا أذنت له في ذلك وأنا أحبه }البحار-ج93ص160..والتأمل في هذا المضمون النادر ، يفتح آفاقاً للذاكر وخاصة في بداية الطريق .
الومضة رقم 96: ساعات الجد الواقعي
إن كل نشاط وحركة ( جـدّ ) في الحياة ، لهو أقرب إلى ( اللهو ) والبطالة ، إن لم يكن في سبيل مرضاته تعالى ..فما يمنّي به بعضهم نفسه بأنه مشغول طول وقته بالبحث العلمي ، أو التجارة ، أو عمران البلاد ، أو سياسة العباد ، أشبه بسراب يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وذلك فيما لو إنتفى قصد القربة الذي يضفي الجدية على كل سلوك ..وقد ذكر القرآن الكريم الأخسرين أعمالاً بقوله: { الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا } .. ورأس ساعات الجد هو ساعة ( الإقبال ) على المولى بكل أركان الوجود وذلك في الصلاة وغيرها ، ومن ساعة الجد هذه يترشح الجد على الساعات الأخرى من الحياة ..وقد بيّن أمير المؤمنين (ع) في كتابه إلى واليه على مصر مالك الأشتر موقع الصلاة من الاعمال بقوله: { واعلم أن كل شئ من عملك تابع لصلاتك ، واعلم أنه من ضيع الصلاة ، فإنه لغير الصلاة من شرائع الإسلام أضيع }تحف العقول-ص126.
الومضة رقم 97: التعالي قاصم للظهر
إن من الواضحات التي ينبغي الالتفات إليها دوما ضرورة تحاشي الإحساس ( بالعلوّ ) على المخلوقين ..فهذا الترفع ولو كان في - باطن النفس - لمن قواصم الظهر ،كما قصم من قبل ظهر إبليس ، مع سابقته قليلة النظير في عبادة الحق ..وطرد هذا الشعور يتوقف على الاعتقاد بأن بواطن الخلق محجوبة إلا عن رب العالمين ، فكيف جاز لنا قياس ( المعلوم ) من حالاتنا ، إلى المجهول من حالات الآخرين ، بل قياس ( المجهول ) من حالاتنا إلى المجهول من حالاتهم ، ثم الحكـم بالتفاضل ؟!..أضف إلى جهالة الإنسان بخواتيم الأعمال وهو مدار الحساب والعقاب ..ومن هنا أشفق المشفقون من الأولياء من سوء الخاتمة ، لتظافر جهود الشياطين على سلب العاقبة المحمودة للسائرين على درب الهدى ، ولو في ختام الحلبة ، إذ أنها ساعة الحسم ، ولطالما افلحوا في ذلك .
الومضة رقم 98: انحراف المدعين للمقامات
يتحير بعضهم في تفسير انحراف من أوتي نصيبا من العلم - حتى الإلهي منه - إذ تراهم يحلّقون في دعوى الحب الإلهي ، وكشف حقائق عالم الوجود كما يدعونها في منظوماتهم ومنثوراتهم ..ومن الأمثلة القرآنية على ذلك ( بلعم ) الذي أوتي الاسم الأعظم ، وقد وصفه القرآن بأنه أوتي الآيات ، فأسند المولى الإيتاء إلى نفسه فقال : {آتيناه}، ومن ثم جمع ما آتاه فقال : {آياتنا}..وقد روي عن الباقر (ع) أنه قال : { الأصل في ذلك بلعم ، ثم ضرب الله مثلاً لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة }مجمع البيان-ج2ص499..ولا غرابة في هذا الأمر ، إذ أن العبد في كل مرحلة هو في شأن ، و( الاستقامة ) في العبودية من جانب العبد ، فرع ( الحصانة ) الربوبية من جانب الرب ..هذه الحصانة التي لو رفعت عن العبد - بجريرة ارتكبها - لهوت به الريح في مكان سحيق ..ولـيُعلم في هذا المجال أن الحديث عن منازل الكمال وأسرار الطريق ، يتوقف على نوع معرفة يكتسبها صاحبها: بالتأمل ، أو الرياضة النفسية ، أو الاكتساب من الغير ..وهذا المقدار من المعرفة النظرية لا دلالة فيها على كمال صاحبها بالضرورة ، فهو علم لا يستلزم الكمال بمجرده ..كما قد يتفق ذلك كثيرا لأرباب العلوم الأخرى كالطب والحكمة ، فتجد الطبيب سقيما والحكيم يرتكب ما هو أقرب إلى السفه .
الومضة رقم 99: الأوقات المباركة
إن ( قصر ) فترة الحياة الدنيا - قياسا إلى الفترة اللامتناهية - من الحياة العقبى ، يجعل الإنسان ( محدوداً ) في كسبه ، وخاصة أنه يريد بكسبه المحدود تقرير مصيره الأبدي سعادةً أو شقاء ، إذ الدنيا مزرعة الآخرة ..ولهذا منح الرب الكريم بعض الأوقات وبعض الأعمال من البركات والآثار ، ( تعويضا ) لقصر الدنيا بما يذهل الألباب!!..فليلة القدر خير من ألف شهر ، وتفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ، وقضاء حاجة مؤمن أفضل من عتق ألف رقبة لوجه الله ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر ، إلى غير ذلك من النماذج الكثيرة في روايات ثواب الأعمال .
الومضة رقم 100: حالة المصلي في المسجد
إن على العبد - عند دخول المسجد - أن يستحضر ( مالكية ) المولى لذلك المكان و ( انتسابه ) إليه كبيت من بيوته ، فيعظم توقيره لذلك المكان ويزداد أنسه به ، إذ الميل إلى المحبوب يستلزم الميل إلى ( متعلقاته ) ومنها الأمكنة المنتسبة إليه ..ويكون لصلاته في ذلك البيت المنتسب للرب تعالى ، وقع متميز في نفسه ، فيعظم معها أمله بالإجابة ..كما يحنو بقلبه على المصطفين معه في صفوف الطاعة لله تعالى ، إذ يجمعه بهم جامع التوقير له والوقوف بين يديه ..كل هذه المشاعر المباركة وغيرها ، فرع تحقق الحالة الوجدانية التي ذكرناها ..ومن هنا يعلم السر في مباركة الحق في جمع المصلين في بيوته بما لا يخطر على الأذهان ، بل قد ورد أن الشيطان لا يمنع شيئا من العبادات كمنعه للجماعة ( العروة الوثقى-احكام الجماعة ) .
زلزال
02-06-2008, 11:00 PM
الومضات: (101 - 150)
الومضة رقم 101: معرفة سلامة القلب
إن من مقاييس معرفة سلامة القلب ، هو البحث عن ( محور ) اهتمام القلب ومصب اهتمامه ، وما هو الغالب على همه ..فإن كان المحور هو الحق صار القلب إلهـيّا تبعا لمحوره ، وإلا استحال القلب إلى ما هو محور اهتمامه ، ولو كان أمراً تافها ، كما ذكر أمير المؤمنين لنوف قائلاً: { من أحبنا كان معنا يوم القيامة ، ولو أن رجلاً أحب حجراً لحشره الله معه }البحار-ج77ص384..وقد ورد في الحديث القدسي ما يمكن استفادة هذا المعنى منه: { إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي ، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي ، فإذا كان عندي كذلك ، فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو }البحار-ج93ص162..وقد سمي القلب قلباً لشدة تقلبه ، ومن هنا لزم ( تعهّد ) محور القلب في كل وقت ، تحاشيا ( لانقلابه ) عن محوره ، متأثراً باهتمام قلبه فيما يفسده ويغيّر من جهة ميله .
الومضة رقم 102: شهوة الشهرة
إن من الشهوات التي تستهوي الخواص من العباد هو حب الشهرة ، فيبذلون لأجلها الكثير ، فضلاً عن إيقاع أنفسهم في موجبات الردى ، وارتكاب ما لا يمكن التكفير عنه ..والحال أن واقع الشهرة هو ميل الإنسان لانطباع صورته الحسنة في قلوب الآخرين ..فالأجدر به أن يسأل نفسه: أنه ما قيمة ( رضا ) القلوب قياسا إلى رضا رب القلوب ، فضلا عن ذلك ( الاعتبار ) النفسي فيها ؟! وهل ( يمتلك ) هذه الصور الذهنية لتكون جزء من كيانه يلتذ بوجدانها ؟! وهل ( يضمن ) بقاء هذه الصور المحسَّنة في قلوب العامة الذين تتجاذبهم الأهواء ، فلا ضمان لقرارهم ولا ثبات لمواقفهم ؟!..والحل الجامع هو الالتفات إلى حقيقة فناء ما هو دون الحق ، وبقاء وجه الرب الذي ببقائه يبقى ما هو منتسب إليه ، مصداقا لقوله تعالى: { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام }.
الومضة رقم 103: موطن المعاني هو القلب
إن الكثير من المعاني التي تستوطن ( القلب ) نحبسها في سجن عالم ( الألفاظ ) ..وكأنّ تلك المعاني تتحقق بإمرار مضامينها على اللسان لقلقة لا تدبر فيها ..فمن هذه المعاني : الاستعاذة ، والشكر ، والاستغفار ، والدعاء ، والرهبة ، وغير ذلك مما بنبغي صدورها من القلب ، تحقيقا لماهيتها الواقعية لا الإدعائية ..فالخوف المستلزم للاستعاذة ، والندم المستلزم للاستغفار ، والخجل المستلزم للشكر ، والافتقار المستلزم للدعاء ، كلها معانٍ ( منقدحة ) في القلب ..والألفاظ إنما تشير إلى هذه المعاني المتحققة في رتبة سابقة أو مقارنة ، فالحق :
إن الكلام لفي الفؤاد وانما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
الومضة رقم 104: سعة مجال الإستجابة
إن من دواعي ( الانصراف ) عن الدعاء ، هو ( اليأس ) من الاستجابة في كثير من المواطن ..ولو أعتقد العبد اعتقادا يقينيا بامتداد ساحة حياته ، لتشمل حياة ما بعد الموت إلى الخلود في القيامة ، لرأى أن مجال الاستجابة يستوعب هذه الفترة كلها ، بل إنه أحوج ما يكون للاستجابة في تلك المراحل العصيبة من مـواقف القيامة ..ولهذا يتمنى العبد أنه لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا ، ومن هنا ورد في الدعاء : { ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي ، لعلمك بعاقبة الأُمور }..إن وعي هذه الأمور يجعل الداعي ( مصراً ) في دعائه ، غير مكترث بالاستجابة العاجلة ، يضاف إلى كل ذلك تلذذه بنفس الحديث مع رب العالمين ، إذ أذن له في مناجاته ومسألته .
الومضة رقم 105: اللوامة والأمارة
إن من المعلوم إيداع المولى في نفوس عباده ما يردعهم عن الفاحشة ، وهو ما يعبر عنه بنداء الفطرة أو حكم العقل أو النفس اللوامة ..إلا أن ( تراكم ) الذنوب وعدم الاكتراث بتلك النداءات - بل العمل بخلافها - مما ( يطفئ ) ذلك الوميض الإلهي ، فلا يجد الإنسان بعدها رادعا في باطنه ، بل تنقلب النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء ، تدعو إلى ارتكاب بوائق الأمور إذ: { زين لهم الشيطان أعمالهم }..ولهذا يستعيذ أمير المؤمنين (ع) قائلا : { أعوذ بالله من سبات العقل }البحار-ج41ص162..( فسبات ) العقل يلازم ( استيقاظ ) الأهواء والشهوات ، إلى درجة يموت معه العقل بعد السبات .
الومضة رقم 106: الجن والشياطين
اعتاد البعض على الخوف من قضايا الجن ، وإيذائهم لبني آدم مع ما ينسجونه في هذا المجال من أنواع الخيال والأساطير ..والأجدر بهم أن ينتابهم الخوف من حقيقة أشد ملامسة لواقع البشر وأخطر على مسيرته وهي قضية إبليس ..فانه قد أقسم على إغواء البشر بشتى صنوفه ، لا يستثنى منهم أحدا إلا عباد الله المخلصين ..وهذا الخوف من الخوف ( المحمود ) بخلاف الخوف الأول ، لما يستلزمه من الحذر لئلا يقع في حباله ..والمشكلة في هذا العدو أنه لا يترك الإنسان حتى لو تركه ، وكف عن عداوته ، بل يزداد ( التصاقا ) بالعبد كلما ( أهمله ) أو داهنه .
الومضة رقم 107: الرفق بالمبتدئين
إن نفوس المبتدئين في عالم تكامل ( الأرواح ) ، بمثابة نفوس الناشئة في عالم تكامل ( الأبدان ) الذين لا يجدي معهم أساليب القهر والتعسف ..بل لابد من ( الرّفق ) بهم أولا ، وإتّباع ( المرحلية ) في تربيتهم ثانيا ، والدخول إليهم من المداخل ( المحببة ) إليهم ثالثاً ..وهكذا الأمر في النفوس ، فإنها جموحة غير سلسة القياد ، فلا نكلفها فوق طاقتها ، إذ في الحديث الشريف: { إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق }..ولا نكلفها المراحل العليا ، إلا بعد استيفاء المراحل قبلها ، وينبغي ( التحايل ) عليها فنعطيها اليسير من الحلال لتمكّننا في الكثير من الطاعة ، ونرفع عنها كلفة النوافل عند الإدبار لئلا تدبر عند الفرائض ، ونرغّبها في العظيم من اللذائذ الآجلة ، لتزهد في المهالك من اللذائذ العاجلة ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { خادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها ، وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة ، فإنه لا بد لك من قضائها }- البحارج33ص508 .
الومضة رقم 108: النمو المتصل والمنفصل
للإنسان نوعان من النمو ، الأول: وهو النمو في نطاق ذاته - وما به قوام إنسانيته - كالنمو في الجانب العلمي والعملي ، وهو النمو ( المتصل ) ..والثاني: وهو النمو خارج دائرة ذاته كالنماء في ماله وما شاكله من متاع الدنيا ، وهو النمو ( المنفصل ) ..هذه الزيادات الخارجة عن دائرة ذاته لا تعطيه قيمة ( ذاتـيّة ) توجب له الترفع على الذوات الأخرى ، فالذات الواجدة والفاقدة - لما هو خارج عن دائرة الذات - تكونان على حد سواء ..فلا تفاضل بين ذات الواجد والفاقد للمال والجاه وغيرهما ، إلا بالنمو الذاتي الذي أشرنا إليه أولاً ، وأما التفاضل الاعتباري فلا وزن له ..وتتجلى هذه الحقيقة المرّة عند الموت ، حيث يتعرى الإنسان من كل هذه الزيادات المنفصلة الخادعة ، فيقول الحق محذرا: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } .
الومضة رقم 109: النسبية فيما يعني
يلزم الالتفات إلى ( النسبية ) في قضية ما يعني وما لايعني ..فإن الأمر قد يكون الدخول فيه نافعاً بالنسبة إلى فرد دون آخر ، وعليه فلا يكتفي العبد - في مقام العبودية - بالنفع العام أو النفع الخاص للآخرين ، بل لابد من ملاحظة النفع الخاص بالنسبة إليه ، وهو ما يعنيه بالخصوص ..فالذي يخوض في الخلافات بين العباد - من دون وجود تأثير في خوضه لا علماً ولا عملاً - لهو من الخائضين في الباطل ، وتترتب عليه الآثار من ( قساوة ) القلب ، و( زلل ) القول والفعل ، مما يكون العاقل في غنىً عنه ..وقس عليه باقي موارد النسبية فيما لا يعني العبد .
الومضة رقم 110: الجو الجماعي للطاعة
عندما يقع العبد في الأجواء العبادية المحفزة - لوجود الجو الجماعي - كالحج وشهر رمضان ، يجد في نفسه قدرة ( مضاعفة ) على العبادة ، لم يعهدها من نفسه ، بل لم يتوقعها منها ..وهذا بدوره يدل على وجود طاقات ( كامنة ) في نفسه ، لم يستخرجها بل لم يود إخراجها ، مما يشكل حجة على العبد يوم القيامة توجب له الحسرة الدائمة ..وعليه فلابد من ( استغلال ) ساعات هطول الغيث الإلهي ، ليستفيد منها في ساعات الجدب ، فيكون كمن زرع بذرة ونمّاها في مشتله ، ثم إذا اشتد عودها زرعها في مزرعته ، ليجني ثمارها ولو بعد حين ..فتلك الأجواء العبادية المحفزة ، بمثابة المشتل الذي يزرع فيه الإنسان بذور الخير ، ليستنبتها عند العودة إلى بيئته التي تتلاشى فيها تلك الأجواء المقدسة .
الومضة رقم 111: إدامة حالة الرقة
قد تنتاب الإنسان ساعة إقبال وهو في حالة معينة من قيام أو قعود أو خلوة ..فيستحسن ( البقاء ) في تلك الهيئة الخاصة لئلا ( يرتفع ) حضوره و إقباله ..وذلك كمن أدركته الرقة وهو في حال القنوت ، فعليه الإطالة في تلك الحالة ، لئلا تزول في الركوع مثلا ..أو كمن أقبل على ربه في المسجد ، فعليه ألاّ يستعجل الخروج ، حذراً من زوال تلك الحالة ، أو كمن كان له أنس في ( خلوة ) ، فعليه ألا يسارع في الانتقال إلى جلوات الآخرين .
الومضة رقم 112: الذكر في الغافلين
يتأكد على العبد ( الإكثار ) من ذكر الله تعالى في البقاع التي لا ( يتعارف ) فيها ذكره كبلاد الكفر ، أو مواطن المعصية ، أو مواطن الغفلة كالأسواق ، أو مجالس البطالين فقد ورد: { أكثروا ذكر الله إذا دخلتم الأسواق وعند اشتغال الناس }البحار-ج93ص154..فإن في الذكر- عند الغافلين - من عطاء الحق ومباركته ، ما ليس في الذكر عند الذاكرين ، وقد وُصف في الأخبار بأنه كالمقاتل بين الهاربين ..ومِثْل هذا العبد ممن يُباهى به الملائكة ، لأنه كان في ( مظان ) الغفلة وخرج عنها بإرادته ، منتصراً على دواعي الغفلة ..وقد ورد في الخبر: {ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار ، ثم تفرقوا على غير ذكر الله ، إلا كان ذلك حسرة عليهم يوم القيامة }البحار-ج75 ص468 .
الومضة رقم 113: الدعاء المناسب للحالة
إن أدعية الأئمة (ع) - ومنها المناجاة الخمسة عشر - تتناسب مع الحالات المختلفة للعبد ..فينبغي اختيار الدعاء المناسب لتلك الحالة الخاصة ، وهذا بدوره يحتاج إلى تذوّق خاص لكلماتهم يحصل بالممارسة ..فحالة ( المقصّر ) يناسبها دعاء التائبين أو الشاكين ، وحالة ( المنبسط ) في الطاعة يناسبها دعاء المحبين أو المريدين ، وحالة ( الوَجِل ) يناسبها دعاء الخائفين أو الراجين ، وحالة ( المستغرق ) في النعم يناسبها دعاء الشاكرين ، وهكذا الأمر في باقي الأدعية ..وعليه فإنه من المناسب استقراء أدعيتهم - وخاصة في المناجاة - لاستخلاص ما يناسب الحالة الموافقة لهـا .
الومضة رقم 114: التزاحم في الواجب والمستحب
إن قانون التزاحم سار في المستحبات والواجبات معاً ..فكم من مستحب يمارسه العبد ينبغي تركه ، نظراً لمزاحمته لمستحب أهم ..ولو التفت العبد إلى هذه القاعدة لأعاد النظر في تقييم الواجبات والمستحبات المتزاحمة ..ومثال ذلك: ( الذّكر ) باللسان تاركاً ( الاستماع ) لموعظة قد تغير مجرى حياته ، أو الالتزام ( بالصمت ) تاركا إدخال ( سرور ) على قلب جليس مؤمن أو تفريج كربة عنه ، أو الانشغال بالأبعدين تاركاً القيام بحقوق الأقربين ..كل ذلك من صور الخلل بهذا القانون ، ولو استفهم العبد ربه في هذا المجال ، لدلّه على ما هو الأرضى ، إذ من استفهم الله تعالى يفهمه .
الومضة رقم 115: شكورية الحق
يتجلى في الحج شكورية الحق المتعال ، بما لا يتناسب مع فعل العبد ..إذ هو الذي وعد الزيادة مع الشكر ، ولاشك أن زيادته من الفضل الذي لا حساب له ..فإن عمل إبراهيم وإسماعيل (ع) وهاجر مهما بدا عظيما ، إلا أنه فعل ( تصرّم ) في وقته ، بل إن بعضه كان في مرحلة العزم ولم يتحقق خارجا كذبح إسماعيل ، ومع ذلك خُلِّدت آثار أعمالهم كما نلاحظها في السعي والهرولة تخليداً ( لبحث ) هاجر عن الماء ، والمقام تخليداً ( لبنائهم ) للكعبة ، ورمي الجمرات تخليداً ( لمجاهدتهم ) للشيطان ، وبئر زمزم تخليداً ( لتحملّهم ) العطش في مرضاته ، ومسجد الخيف تخليداً ( لامتثال ) إبراهيم أمر الحق في إسماعيل ، والحِجْر تخليداً ( لمضاجعهم ) المباركة بجوار بيته الحرام .
الومضة رقم 116: الحسرة على الخيرات
قد يتحسر بعضهم - وخاصة من الذين لا يملكون القدرة على تحقيق الخيرات المحسوسة كالقناطر والمساجد - على حرمانهم مثل هذا التوفيق ..ولكنه يمكن إزالة هذه الحسرة بالالتفات إلى أن العبد - بفضله تعالى - يؤجر على ( نيّـته ) إذا كان حقا صادقاً في نيته ، فإن أمير المؤمنين (ع) يعدّ من كان هواه معه في الحرب كمن شهد معه الحرب ، قائلا: {فقد شهدنا ، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان }البحار-ج100ص96..وقد خلّد الحق ذكر الذين تولوا من عند النبي (ص) وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ، إذ لم يجد ما يحملهم إلى الجهاد ، وقد قيل أن البكائين طلبوا نعلا يلبسونها ..وليعلم أخيراً أن العمدة في الجزاء هو ( القلب السليم ) المتنـزه عن كل آفات القلوب ، واكتسابه مما لا يحتاج إلى مال ولا متاع ..فأين القلب السليم الذي هو ( عرش الرحمن ) ، من البناء الذي هو مظهر من مظاهر العمران ؟!.
الومضة رقم 117: السفر الهادف
إن في السفر مجالاً خصباً للتدبر وتقويم مسيرة العبد وتقييمها ، وذلك لما فيه من ( الانقطاع ) عن البيئة المألوفة ، و( الخروج ) عن أسر القيود المتعارفة ، أضف إلى ( الراحة ) النفسية التي يوفّرها السفر ، وبالتالي سكون النفس إلى ما ينبغي العيش فيه من المعاني التي لا يمكن استحضارها في زحمة الحياة ..وهذه الراحة بدورها عامل مساعد لانطلاقة النفس بشكل أيسر وأسهل في استكشاف أغوارها ، ونقاط ضعفها ، بدلا من التفرج على مظاهر العمران في البلاد فحسب ..فإن الأمر بالسير في الأرض ، قد تعقّـبه الأمر بالنظر في العواقب ، إذ قال سبحانه: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين }..ومن المعلوم أن المرء يكتشف قدر نفسه والآخرين ، في السفر والجوار والمعاملة .
الومضة رقم 118: حب التوابين
إن ( الاشمئزاز ) الذي ينتاب العبد بعد المعصية ، قد يكون - في بعض الحالات - من دواعي ( القرب ) إلى الحق ..ومن هنا كان الحق يحب التوابين ، وهو الملفت حقا في هذا المجال ، إذ قد علمنا أن الحب إنما هو للمطيعين ، فكيف صار للتوابين ؟! ، وخاصة مع ما يوحيه هذا التعبير من تكرر وقوع ما يوجب التوبة ، إذ التّواب هو كثير الرجوع عما ينبغي الرجوع عنه ..ومن هنا نجد حالات ( الطفرة ) في القرب عند بعض ذوي المعاصي ، الذين هجروا السيئات إلى الحسنات هجرة لا عودة فيها ..والتاريخ يروي قصص الكثيرين منهم ، مما يبعث الأمل في القلوب اليائسة .
الومضة رقم 119: طلب الكمال الأعلى
ورد في الدعاء بعد زيارة الإمام الهادي (ع): { وصفني واصطفني ، وخلصني واستخلصني ، واصنعني واصطنعني }مشيرا إلى مرحلة الاصطفاء والاستخلاص والاصطناع ، وهي من المراحل ( العالية ) من مدارج التكامل التي منحت لأمثال موسى (ع) ..ولا ينافي ذلك أن يطلب العبد شيئا من هذه الدرجات العالية ولو بمستوياتها ( الدانية ) المتيسرة لغير المعصومين (ع) ..وإن من الملفت في هذا المجال ذكر الاصطفاء بعد الصفاء ، والاستخلاص بعد الخلاص أو الخلوص ، والاصطناع بعد الصنع .
الومضة رقم 120: الفزع إلى الصلاة
إن من الصور الجميلة للعبودية أن يفزع العبد إلى الصلاة المستحبة ، كلما ( دهمه ) أمر ، أو ( انتابته ) نائبة ، أو كلما أحس ( بميل ) للمثول بين يديه تبارك وتعال حبا لا طمعا ..بل قد يصل الأمر - عند من توغل في رتب العبودية - إلى درجة ( الالتذاذ ) الواقعي بخصوص الصلاة ، بحيث تذهله عن حوائجه التي ربما صلى من أجلها ، بل عن البيئة المحيطة به ، لما فيها من المعراجية التي تنقل العبد من مرحلة التثاقل إلى الأرض - بما فيها من اضطراب وتشويش - إلى الآفاق الواسعة ، التي لا يكدرها شئ من أكدار أهل الأرض .
الومضة رقم 121: المعصومون من شؤون الحق
إن النبي والأئمة المعصومين (ع) من شؤون الحق المتعال ، فالتوجه إليهم بالصلوات والزيارة والتوسل وغيره ، مدعاة للقرب من الحق لما فيه من التوقير لشأن من شؤونه تعالى ..فالأمر يعود إليه تبارك وتعالى - بدء وختاماً - من دون أن يكون في ذلك أيـّة صورة من صور الشرك الذي قد يظنه الجاهل ..فالعبد كلما زاد تعظيمه ( لشؤون ) الحق ، كلما زاد تعظيمه ( للحق ) نفسه ..ولهذا لا يتأذى الأب من زيادة تعظيم الآخرين لابنه ، إذا علم أن ذلك لبنوّتـه ، وفي طول التعظيم لنفسه ..وقد ورد عن الصادق (ع): { إن لنا رباً يكلؤنا بالليل والنهار نعبده..قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين }البحار-ج25ص289..ومن الواضح أن المراد ( بقولوا ) ، هو القول الحق الذي لا يصطدم مع أي أصل من الأصول الثابتة .
الومضة رقم 122: منبهية البلاء
إن من الواضح أن بعض البلاءات ، فيها خاصية ( الـتّنبيه ) على الواقع المنحرف الذي يعيشه المؤمن ، كحالة عامة أو كذنب محدد ..فالمطلوب - قبل التبرم من البلاء والدعاء لرفعه - هو ( التفكير ) في الذنوب المحتملة التي أوجبت ذلك البلاء ، ومن ثم ( الاستغفار ) منها ، ولا يكون همّـه التخلص من ذلك البلاء طلبا للراحة فحسب ..وإن من المعلوم أن أثر الذنب قد يتجاوز الفرد ، من قساوة القلب إلى موت الفجأة وغيره ، ليشمل الطبيعة كمنع قطر السماء وجدب الأرض وإفساد الهواء ..وقد نصّت الروايات على سلسلة من الذنوب الموجبة لعقوبات مرتبطة بتلك الذنوب ، يحسن بالعبد مراجعتها ، ليحترز من موجبات العقوبة قبل التورط فيها .
الومضة رقم 123: قوام الإنسانية
إن قوام إنسانية الإنسان إنما هو بجهازي الفكر والقلب ، إذ بالأول ( يستحضر ) الصور ، ويرتب القضايا الموجبة للتصديق أو الإنكار ، وبالثاني ( يتوجّه ) ميلا أو نفورا تجاه الملائم والمنافر ..فلا بد من السائر إلى الحق أن يتحكم في هذين الجهازين ، وذلك بالذكر الكثير - إن لم يكن الغالب - فيستوعب أركان ( فكره ) ، وبالحب الشديد فيستوعب أركان ( قلبه ) ..ومن دون السيطرة على هذين الجهازين ، لا يكاد يستقيم له سير في هذه الحياة .
الومضة رقم 124: لوازم الهبات الروحية
طالما يتمنى العبد بعض الهبات الروحية المتميزة:كالانقطاع إلى الحق ، أو الحب المتيّـم ، أو بعض الكرامات المبذولة للسالكين ، ولايجد استجابة مع الإصرار الشديد على ما يريد ..والسبب في ذلك عدم قدرة العبد على الالتزام ( بلوازم ) هذه الحالات ، إذ أن الإعراض عن الحق بعد الإقبال الشديد ، يعرّض العبد لعقوبات قاسية ، كما هدد الحق به الحواريين ، عندما طلبوا كرامة المائدة السماوية فقال : { فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين }، فتـزوى عن العبد هذه الدرجات رأفة به ، لعدم ( قابلية) العبد لتلقي تلك الدرجات العالية ، لا بخلا من جهة ( فيّاضية ) الرب .
الومضة رقم 125: الوحشة الشديدة
لو استشعر الإنسان حقيقة الوحدة التي يعيشها ، لانتابه شعور بالوحشة شديد ..فقد كان ( وحيداً ) قبل نفث الروح في الأبدان ، وسيكون ( وحيداً ) في برزخه إلى يوم يبعثون ، ويأتي ربه ( وحيداً ) كما خلقه أول مرة ، وهو ( وحيد ) في الدنيا في ساعات نومه وكثير من ساعات يقظته ..فتبقى الساعات التي يعاشر فيها الخلق ، وهي ساعة لقاء الأبدان بالأبدان بحواسها المادية ، فلم تمتزج الأرواح بالأرواح لترتفع الوحدة حقيقة ..وعليه فإن الوحدة لا ترتفع إلا عند الارتياح إلى مرّوح الأرواح ، إذ: { بك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا }.
الومضة رقم 126: خلاّقية الحق
إن من الممكن تقريب كيفية تصريف الحق لعالم الوجود الواقع بين ( الكاف والنون ) ، وذلك بالنظر إلى قدرة الأذهان في ابتداع الصور العظيمة - كملء الوجود ذهباً - بمجرد الإرادة والتخيّل ..فإن هذه الإرادة الخلاّقة تتساوى عندها الصور العظيمة والحقيرة ..ومن هذا التشبيه أيضا علم أن الجزاء ( الاستحقاقي ) و ( التفضّلي ) من جهة القدرة عند الحق المتعال على حد سواء ..وبذلك يرتفع الاندهاش من الثواب العظيم على العمل القليل ، وذلك لانتفاء الكلفة والمؤونة - في كل صور الجزاء - عند الحق المتعال .
الومضة رقم 127: داعي الذكر الدائم
إن من دواعي الالتزام بالذكر الدائم أموراً ، الأول منها: هو الالتفات التفصيلي إلى ( مراقبة ) الحق لعبده دائما ، فكيف يحق للعبد الإعراض عمن لا يغفل عنه طرفة عين ؟! ..الثاني: وهو الالتفات إلى ( افتقار ) العبد الموجب للولع بذكر الحق تعالى استنـزالاً لرحمته ..الثالث:وهو الالتفات إلى عظمة ( الجزاء ) الذي وعد به الحق نفسه - ولا خُلْف لوعده - وذلك من خلال التدبر في قوله تعالى: { اذكروني أذكركم }..فإن آثار ذكر الحق للعبد مما لايمكن إدراكه ، لاتساع دائرة تلك الآثار لتشمل الدنيا والآخرة بما ليس في الحسبان ، وقد ورد في الحديث القدسي كما ذكره الإمام الصادق (ع) بقوله: { أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: إذا أطعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية ، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ، ولعنتي تبلغ السابع من الوراء }البحار-ج14ص459..إذ كيف يحيط العبد - علماً - بكيفية ذكر الله تعالى له ، وهو المالك للأسباب جميعا ؟! .
الومضة رقم 128: الانقطاع بالنوم
إن النوم انقطاع عن الحق تعالى ، وذلك لانتفاء الذكر بكل صوره ، سواء بالقلب أو باللسان ، ولهذا يدع الرجل - كما روي - فقيراً يوم القيامة ..ولهذا لا يحسن النوم إلا عند الحاجة إليـه ، وبالمقدار الذي به قوام البدن ، كما لم يحسن التقلب في الفراش الذي هو حرمان لفوائد النوم واليقظة معا ..وقد سأل موسى (ع) ربه عن أبغض الخلق إليه ، فأوحى إليه: { جيفة بالليل وبطال بالنهار }البحار-ج13ص354..ومن هنا كثرت الأدعية الواردة قبل النوم ، لتذكّر العبد بحقيقة أن هذه العملية الشبيهة ( بالموت ) ، إنما هي وسيلة لاستعادة ( نشاط ) الحياة من أجل عبودية أفضل .
الومضة رقم 129: الانبهار والتفاعل
تنتاب الإنسان حالة من الإعجاب عند رؤيته لمشاهد من دقة الصنع في الخلق ، وينتهي الأمر عند هذا الحد ، والمطلوب من العبد تجاوز حالة الانبهار الذهني من ( دقّـة ) المخلوق ، إلى حالة التفاعل النفسي مع ( عظمة ) الخالق ..هذا التفاعل بدوره يفيض على الإنسان حالة من ( الاطمئنان ) في حاضره ومستقبل أموره ، لما يرى من أن نواصي الخلق طراً بيد ذلك المدبر للكون المترامي الأطراف ..ومن ( الخشوع ) لما يرى من أن من يقف بين يديه ، هو صاحب هذا الملك الواسع المتقن .
الومضة رقم 130: تحريك إرادة الحق
قد يتعجب المؤمن من قضاء المولى لحـوائجه العـظام بطلب يسير منه ، يتمثل بدعاء قصير يتوجه به إليه - وقد يخلو من إصرار وتأكيد - والحال انه لاعجب في ذلك ، فيما لو التفت العبد إلى أن الدعاء وإن كان ( صادرا ) من العبد ، إلا أنه مؤثر في ( تحريك ) إرادة المولى لتحقيق حاجته ..ومن المعلوم أنه إذا تحركت إرادة المولى لتحقيق الحاجة ، فإنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ..فالعَجَب إنما هو في نسبة دعاء العبد إلى حاجته ، لا في نسبة إرادة المولى إلى مراده ، إذ يستحيل تخلف مراد الحق عن إرادته ، فهي مستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته .
الومضة رقم 131: البعد بعد الامتلاء
إن العبد يحس بحالة من ( البعد ) الواضح عن الحق عند ( امتلائه ) بالطعام والشراب ، فلا يكاد يجد إقبالا على الحق - في تلك الحالة - للتثاقل الطبعي الذي يسببه الامتلاء ..فقد روي أنه: { ما ملأ إبن آدم وعاء شرا من جوفه }..أضف إلى أن العبد يحمل في جوفه ( أداة ) الجريمة ، وهو الزائد من الطعام ، الذي تصرف فيه بلا إذن من مالكه ، بل مع نهيه عنه ، إذ هو القائل: { كلوا واشربوا ولا تسرفوا }، فكيف يستجاب دعاء عبد متلبس بأداة من أدوات الجريمة ، وإن عفا عنه من أجرم بحقه ؟!.
الومضة رقم 132: الفرص النادرة
لاشك في وجود بقاع مقدسة وأزمـنة مباركة يحب المولى أن يدعى فيها ..فعلى العبد أن ( يتحيّن ) تلك الفرص ، بمعرفة مناسبات الشهـور قبل قدومها ، وفضل البقاع قبل الذهاب إليها ، وذلك بمراجعة كتب الأدعية كمؤلفات السيد ابن طاووس (قده) وغيره ، فلطالما تفوت الفـرص النادرة والعبد في غفلة عنها ..ولعل الغفلة عن وظائف العبودية في تلك المناسبات من صور الخذلان ، وذلك لتراكم ( الذنوب ) من دون استغفار ، أو ( للإعراض ) الاختياري عن تلك المناسبات ..والحرمان من الأرباح العظيمة خسارة عظيمة ، لمن تعقّل حقيقة الربح والخسارة .
الومضة رقم 133: الطائع والتائب
قد ورد أن ( التائب ) من الذنب كمن لا ذنب له ، لكـن ذلك لا يعني المساواة في جميع الجهات لمن ( لم يذنب ) أصلا مع التعرض لمثيرات الذنوب ، وخاصة بعد طول مجاهـدة في عدم الوقوع في منـزلقاتها ..وعليه فـلابد من التفات العبد إلى أن بعض الدرجات ( التفضّلية ) ، قد يُحرمها العبد بعد ممارسة الذنب وان قبلت توبته .
الومضة رقم 134: ساعات القوة والضعف
قد يتعرض العبد للمغريات - في ساعة قوته - فيتجاوز المخـاطر بسلام ، فيظن أن تلك الاستقامة قوة ( ثابتة ) في نفسه ، وحالة مطردة في حياته ..وبالتالي قد ( يتهاون ) في ساعة ضعفه - التي يمر بها كل فرد - فيقترب من حدود الحرام ، واقـعا في شباك الشيطان الذي ينتقم منه ، ليصادر نجاحه الأول ..وقد ورد: { إن من حام حول الحمى ، أوشك أن يقع فيه }.
الومضة رقم 135: عمدة الشهوات
إن عمدة الشهوات التي تكتنف الرجال - وخاصة في مقتبل العمر - هي شهوة النساء ، بل قد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذة أكبر من لذة النساء }-الميزان ج3ص118..ومن هنا حدّد الشارع الحدود الصارمة في علاقته معهن ، بما يوجب السيطرة على الحواس الخمس ..فأمره بغض ( البصر ) ، ومنعه من التلذذ ( بالسمع ) والقول ، ومن ( المصافحة ) والخلوة ، ومن ( الجلوس ) في موضع يحس بحرارة بدنها وغير ذلك من القيود ..ومجمل مذاق الشارع - في هذا المجال - يفهم من قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب }و{ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض }و{ يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين }و{ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم }و{ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى }..وعليه فلا يحتاج العبد في الفتن المستحدثة إلى نص بالخصوص ، بعد إطلاعه على التوجه العام المفهوم من النصوص السابقة .
الومضة رقم 136: ساعات الذهول
إن من أصعب الساعات التي تمر على المرء ، هي تلك الساعة التي لا يجد عندها - في نفسه - خيرا ولا شرا ..بل يجدها في حالة من الشرود والذهول ، مما يجعل الساعات تمـر على العبد ، من دون أن يحصد فيها خيرا لدنياه أو لآخرته ..فمن الجـدير بالعبد تجنب هذه الساعات بتجنب مناشـئها ومنها : ( اللاّهدفية ) في الحياة ، و( الانشغال ) المستغرق بلهو القول والفعل ، وعدم حمل ( طموحات ) كبرى في الحياة ، و( انتفاء ) النظم في أمر المعيشة والمعاد ..فالواجب على العاقل هو الخروج من هذا العبث الهادر للعمر ، وذلك ( بالتفكير ) في محدودية عمر الإنسان ، وعدم قبول دعوته للرجوع إلى الدنيا لتدارك الفائت بالعمل الصالح ، و( استحضار ) المعـيّة الإلهية المتحققة من جانب الرب تعالى - وان لم يستحضرها العبد - وهي التي تدعوه إلى الانشغال بما يرضي الحق في كل مرحلة من مراحل حياته ، توقيراً لتلك المعية المستلزمة للمراقبة الدقيقة .
الومضة رقم 137: المتفرج على الأحداث
يصل العبد - بعد اجتياز مرحلة التفويض ، وايكال الأمر لمدبر الأمور - إلى درجة يرى نفسه فيها ( كالمتفرّج ) لسير الأحداث المرسومة بيد الحكيم ..فلا يهش فرحا للمفرح منها ، كما لا يأسى على المحزن منها ، وذلك لأنه لا يرى نفسه معنيّا بالأمر اكثر مما أمر به ، فهو يسعى بما هو لازم فعل العبد وهو ( التدبير ) ، ويوكل الأمر بعد ذلك إلى ما هو لازم فعل المولى وهو ( التقدير ) ، والعبد يريد والمولى يريد ، ولا يكون إلا ما يريده المولى ..وأين رتبة التدبير من رتبة التقدير ؟! ، فالأولى في رتبة الأسباب ، والثانية في رتبة الأسباب والنتائج معا ..ومن المعلوم أن هذا الإحساس لو تعمّق في نفس العبد ، لأوجب له شعورا بالرضا و ( الاطمئنان ) في أشد المراحل تقلبا ..ومن هنا كلما اشتد البلاء على سيد الشهداء (ع) ، كلما اشرق لونه -كما ورد في المقاتل - لأنه يرى صنع الله تعالى فيه وفي أهل بيته ، وهو لا يكون إلا جميلا ، كما صرحت به أخته (ع) في مجلس الطاغية .
الومضة رقم 138: الذاكر الغافل
إن مَثَل الذاكر بلسانه مع عدم مواطأة قلبه للذكر باللسان ،كمَثَل من ( يتظاهر ) بالإصغاء إلى جليسه وهو ( شارد ) عنه ، فلو اطلع الجليس على شروده لأعرض عنه ، بل لعاقبه على سوء أدبه معه ..فهذا الذاكر بلسانه يجعل نفسه في موضع المتحدث مع الحق ، فلو أعرض بقلبه لكان عمله نوع استهتار و نفاق يستحق معه العتاب ..وعليه لو أثاب المولى - المطلع على الضمائر - عبده على هذا الذكر المقترن بالشرود والذهول ، لعُدّ ذلك ( تفضّلا ) منه وكرما ، يستحق عليه الشكر المشوب بالخجل ، لعدم قيام العبد بحق العبودية كما يليق بوجهه الكريم ..وقد وصف أمير المؤمنين (ع) الملائكة - على مكانتهم من الحق وكثرة طاعتهم له - بقوله: { لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك ، لحقّـروا أعمالهم..ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق طاعتك }البحار-ج7ص200 .
الومضة رقم 139: لكل ساعة تكليفها
إن للعبد تكليفه ( المستقل ) تجاه مولاه في كل يوم و ليلة من حياته ، ومن هنا أحتسب لكل يوم وليلة ربحه وخسارته ، مفصولا عما قبله من الليالي والأيام ..وبذلك لا ( يجبر ) خسارة اليوم الحاضر ( بربح ) اليوم الذي سبقه أو يليه ، وتوفيق العبد في يومه ، لا يوجب له الاسترخاء فيما يليه من الأيام ، تعويلا على كسب ذلك اليوم ، كما نلحظه كثيرا بعد مواسم الطاعة كالحج أو شهر رمضان المبارك ، فيركن العبد إلى ما وُفّق له في تلك المواسم ، والحال أنه مكلف - بعد الموسم - بتكليف جديد ..وعليه فلابد أن يكون العبد حريصا على قطف ثمار اليوم الذي لا يعود إليه أبداً .
الومضة رقم 140: استيلاء شهوة البطن
إن عملية الأكل - في حد نفسها - مظهر لإحدى الشهوات المودعة في وجود الإنسان ، شأنها شأن باقي الشهوات التي أودعت لحكمة في وجوده ..ولكن العبد يذهل - خلالها بل قبلها وبعدها - عن القيام بوظائف العبودية من المستحبات المأثورة في هذا المجال ، وذلك لاستيلاء هذه الشهوة على وجوده عند تلـبّسه بتلك الشهوة ..فترى المجتمعين على الطعام بنهم وحرص - بداعي الشهوة المحضة - كالأكَلَة على فريستها ، وهكذا الأمر في الشهوات الأخرى ..ولعل الحكمة في الآداب الواردة - عند ممارسة شهوة البطن والفرج - هي التخفيف من ( استيلاء ) هذه الشهوة على صاحبها ، وتذكيره بالمالك على الإطلاق الموجب لاتزان العبد في حركته ، حتى في مجال استيفائه للشهوات التي أبيحت له ، بشرط عدم ( الاسترسال ) المذهل عن حق العبودية .
الومضة رقم 141: عدم الميل للحرام
إن من الاختبارات الدقيقة الكاشفة عن درجة عبودية العبد ، هو عدم ( ميله ) للحرام فضلا عن عدم ( ارتكابه ) له ..فإرادته حبّـا وبغضا تابعة لميل المولى وإرادته ، وهذا هو السر في كرامة يوسف الصديق (ع) على الله تعالى ، إذ كان السجن أحب إليه مما يدعونه إليه ..وهذه هي المنحة التي يمنحها الحق لعبده بعد مرحلة متقدمة من المجاهدة في العبودية ، إذ يحبّب إليه الإيمان ، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان ..فعندها تخـفّ معاناة العبد في رفضه للشهوات ، ليتفرّغ لمراحل أعلى في القرب ، يغلب عليه ( التلذذ ) بدلا من المعاناة ، و( العطاء ) من الحق ، بدلا من الحرمان من النفس .
الومضة رقم 142: مراحل الاستيلاء
إن للشيطان مراحل في الاستيلاء على ممـلكة الإنسان ، الأولى: وهي مرحلة ( الدعوة ) المجردة ، نفـثا في الصدور ، وتحريكا للشهوات من خلال أعوانه ، وقد قال تعالى: { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي }..فإذا رأى تكررا في الاستجابة ، انتقل إلى المرحلة الثانية: وهي مرحلة ( الولاية ) ، وقد قال سبحانه: { أولياؤهم الطاغوت}..وأخيراً يصـل الأمر إلى حيث يفقد العبد سيطرته على نفسه في المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ( التحكّم ) المطلق ، إذ{ يتخبطه الشيطان من المس }.
الومضة رقم 143: القرب بالمصيبة والمراقبة
إن سرعة الوصول إلى الدرجات العالية من التكامل ، يتحقق غالبا إما: بالوقوع في ( المصائب ) - ولو في برهة من الزمن - واما ( بالمراقبة ) الشديدة للحق ..والسبب في ذلك أن العبد لا يستغني عن مدد المولى في كل مراحل سيره ، هذا المدد المتمثل بالرحمة الإلهية تأتي لذوي المصائب ، كما يشعر به قوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة }..كما تأتي لذوي الذكر الدائم ، كما يشعر به قوله تعالى: { اذكروني أذكركم }..ومما ذكر يعلم خطورة موقف ( الغافل ) و ( المعافى ) من البلاء ، فهو أبعد ما يكون من هذه ( الرحمة ) بشقّيها .
الومضة رقم 144: الإجراء غير القبول
إن العناوين التي منحها الشارع للصلاة: كالمعراج ، وعمود الدين ، وقربان كل تقي ، لا تنسجم مع واقع صلواتنا - بما فيها من تشاغل عن الحق - إذ أن المأتيّ به لا يسانخ المأمور به أبدا ..ومن هنا لو أتى العبد بكل مقومات ( الإجراء ) الظاهري من دون تحقيق شيء من تلك العناوين ، لعلم أنه لم يحقق ( المراد ) الواقعي للشارع ، والذي ( تكشف ) عنه العناوين المذكورة ..وعليه فقد يواجه العبد ربه يوم القيامة ، ولم يمتثل له أمرا واحدا بالصلاة كما أرادها الحق منه ، على شدة تأكيده له .
الومضة رقم 145: علاقة المولوية والحب
إن العلاقة الأولية للعبد مع ربه - وان كان يغلب عليها - علاقة ( المولوّية ) القائمة على الأمر والامتثال ، إلا أنها قد ( تترقى ) بعد اجتياز مرحلة التعبد المحض إلى ما هي أرق من تلك العلاقة ، فيضاف إلى هذه العلاقة علاقة ( الأنس ) والمجالسة: { يا خير من خلا به جليس }، والجوار: { يا جاري اللصيق }، والرفقة: { يا شفيق يا رفيق }، والخـلّة: { واتخذ الله إبراهيم خليلا }، والحب الشديد: { والذين آمنوا أشد حبا لله}..فإذا كانت علاقة الحق معهم - كذلك - في هذه الحياة الدنيا ، فكيف تتجلى تلك العلاقة في معاملة الحق معهم يوم العرض الأكبر ، إذ يكشف الغطاء ويرفع الحجاب بين العبد وربه ؟! .
الومضة رقم 146: الأنس تبعا للحق
إن الأنس بالزمان ، أو المكان ، أو الأشخاص ، أو البلاد ، ينبغي أن يكون مرتبطا بمدى تأثير تلك الأمور في قرب العبد من الحق ..فكل عنصر يؤثر تأثيرا إيجابيا في تقريب العبد إلى ربه ، لهو عنصر ( محبوب ) في واقعه ، وإن استثقله العبد بحسب ميله الذي لا صلة له بالواقع ..ومن هنا قال سبحانه: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم }، فخير ( البلاد ) ليس ما استوطنه العبد وإنما ما أعان على الطاعة ، وخير ( الأشخاص ) ليس هو الصديق وإنما من يذّكر بالله رؤيته ، وخير ( الأزمان ) ليس هو ساعة التلذذ وإنما ما وقع فيها من طاعة ..إن تحكيم هذا الملاك يغيّر كثيرا من الرغبات داخل النفس ، ومن التصرفات خارجها ، لتغيّر المنطلقات التي ينطلق منها العبد ، في تعامله مع الفرد والزمان والمكان .
الومضة رقم 147: الوحشة من أولياء الشيطان
لو اعتقد العبد - يقينا - بإحاطة الشياطين ( لقلوب ) الذين يتولونه ، و( لأماكن ) المعصية ، لاشتد وحشته من هؤلاء الأشخاص ولو كانوا اقرب الناس إليه ، ومن الأماكن ولو كانت آلف البلاد لديه ، لعلمه أن الاقتراب من تلك الأماكن والقلوب ، إنما هو دخول في حيّـز مرمى الشياطين ..ومن هنا يُعـلم حذر أهل اللب من أبناء زمانهم ، لأنهم لا ينظرون إلى ( ذواتهم ) المجردة ، وإنما إلى من ( يسوقهم ) في حركاتهم وسكناتهم ، من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء .
الومضة رقم 148: معاملة الوصاية لا السيادة
ينـبغي أن تكون معاملة الأب مع أبنائه معامـلة ( الوصيّ ) مع الموصى عليهم ، لا معاملة ( السّـيد ) مع عبيده ..فارتباط البنوّة منشأه ظرفية الأم لنمو الجنين المنعقد من نطفة الأب ..وأين نسبة علقة ( الظرفـيةّ ) - وان عظّم الشارع حرمتها خصوصا في الأم - من علـقة ( الإيجاد ) المختص بالمبدع المتعال ؟!..فالمتصرف في شؤون الخلق بدء وختماً ، هو صاحب الولاية على المخلوقين ، فينبغي على العبد العمل بمقتـضى رضا المالك ، حتى مع تـفويض الولاية المحـدودة إليه - في هذه النشأة الدنيا - و ذلك ضمن شروط محددة أيضاً . والامر كذلك فى علاقة الابوة والزوجية والرقية والوصاية والحكومة والحضانة والكفالة وغير ذلك .
الومضة رقم 149: كتمان الغضب
إن الغضب من الصفات المتأصلة في النفس ... والسبب في ذلك ان الإنسان موجود ناطق ذو شعور ، لا يرضى بكثير من الاقول والافعال ، فيكون من الطبيعي انقداح حالة في النفس ، فليس الحل هو( منع ) تحقق هذه الحالة في النفس ، اذ انها قهرية مترتبة على مواجهة النفس لما ينافر طبعها .. وانما الحل هو عدم ( تسرية ) هذه الحالة الى الخارج ، وهو ما يعبر عنه بكظم الغيظ ، فليست المشكلة في اصل وجود الغضب وانما في عدم كظمه ، وقد روي : { ان من كظم غيظا ، ملأ الله جوفه إيماناً } البحار -ج69ص382 .. وليعلم ان اصل الغضب قد يكون ما يبرره شرعاً ، ولكن المشكلة في الدواعي وراء ذلك ، فقد لا يكون الداعي إلهيا ، بل يكون هو ( التشفي ) كما يحصل مع من ينبغي تأديبه كالأطفال ، وان كان النأديب حقاً .. وقد يكون الداعي إلهيا الا ان صاحبه قد (يتجاوز) حدوده الشرعية ، فيغضب اكثر مما غضب الله تعالى لنفسه .. وليعلم ايضا ان (المستعجل ) في انفاذ غضبه كالمستعجل في كسر جرة لا يمكن جبرها بعد كسرها ، بخلاف المتأني في انفاذه ، فان بامكانه كسر الجرة متى شاء ، كما ان بأمكانه العدول عن قرار كسره .
الومضة رقم 150: تزاوج النفوس والأبدان
إن عملية الزواج كما يصفه القرآن الكريم بقوله:{خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها }، تزاوج بين النفوس لابين الأبدان ، كما هو المستفاد من كلمة ( أنفسكم )..والواقع أن كثيرا من الأزواج لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة ، ومن هنا يُصَب اهتمامهم في ( عوارض البدن ) من الجمال وإلإلتذاذ البدني وغيره ..ومن المعلوم أن الذي يحقق الأنس هو التزاوج النفسي الذي لا ينقطع مع تقادم العمر ، خلافا للتزاوج البدني الذي يفقد بريقه الكاذب في الشهور الأولى منه ..ومن الملفت في هذا السياق أيضا أن القرآن جعل الغاية هي السكون والمودة والرحمة ..كل ذلك من بركات تلاقح النفوس إذ أن السكون والمودة معان مرتبطة بعالم النفوس ، خلافا للمعاشرة والتناسل الذي هو من عوارض الأبدان ..
زلزال
02-06-2008, 11:02 PM
الومضات: (151 - 200)
الومضة رقم 151: الضيق المجهول
قد تنتاب الإنسان حالة من الضيق المفاجئ ، ولا يعلم لذلك سببا واضحا ..فالأمر قد يكون بدواعي ( طبعيّـة ) كالمرض والإرهاق وغيره ، وقد يكون بسبب ( ارتباط ) الأرواح المؤمنة ، فينعكس على الأرواح المتجانسة ، بمقتضى وحدة الجسد الإيماني ..ولا شك أن لتأثر ( قلب ) عالم الوجود - صاحب العصر (ع) - تأثيراً بالغاً في تأثر قلوب المحبين ، وهو ما نلحظه بشكل واضح قبيل غروب الجمعة ، لارتباط ذلك اليوم بوجوده الشريف ..فانقضاء ذلك اليوم المتوقع فيه الظهور من دون فرج ، مما يعكس الحزن والكآبة التي قد تمتد آثارها حتى في عالم الطبيعة .
الومضة رقم 152: مَظهرية المعصوم لصفات الحق
روي عن الإمام الصادق (ع) في ذيل قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم }: ( إن الله لا يأسف كأسفنا ، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مدَّبرون )الميزان-ج18ص118 ..فالمستفاد من هذا الحديث وغيره من الأحاديث في هذا المجال ، أن المعصوم (ع) مظهر لحالة الرضا والغضب وغير ذلك من الصفات المنتسبة إلى الرب المتعال ، رغم أنه مخلوق مدبَّـر كما في الحديث الشريف ..ومن هنا تتأكد أهمية نيل رضا صاحب الأمر (ع) - وهو الإمام لأهل هذا الزمان - لأن رضاه ( كاشف ) عن رضا الرب بل ( ملازم ) له ..وقد وردت عبارة بليغة في زيارة الحسين (ع) التي أوصى بها الإمام الصادق (ع) وهى: { إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم }البحار-ج101ص151.
الومضة رقم 153: المعرفة الإكتسابية والإشراقية
إن العلم بموقع الأئمة (ع) من ( الحق ) وموقعهم في ( الخلق ) ، يتحقق بمراجعة الأحاديث الواردة منهم كالزيارة الجامعة وغيرها من روافد المعرفة ( الإكتسابية ) ..إلا أن هناك طريقاً آخر للمعرفة يتمثل بالمعرفة ( الإشراقية ) التي تمنح للسائرين في طريق تقوى الله تعالى والتوسل بأوليائه (ع) ..ومن هنا نرى النماذج المتميزة من أصحابهم الذين تفانوا في حبهم ، كعابس بن شبيب الذي صاح قائلا: حب الحسين أجنّـني ، ممن لم يملك المعرفة النظرية المستقاة من الكتب ، بالشكل الذي قد نطلع نحن عليه ، من خلال انتشار تراثـهم في هذه العصور .
الومضة رقم 154: الأنوار المحدقة بالعرش
ينبغي استذكار حالة ( المـنّة ) الإلهية لأهل الأرض ، وذلك ( بإهباط ) الأنوار المحدقة بعرشه إلى أرضه ..ومن المعلوم أن هذه الأنوار المستمتعة بجوار الرب ، عانت الكثير من أهل الأرض قتلا وسبيا وتشريدا ، حتى أن النبي (ص) يصف نفسه بأنه لم يؤذ أحد مثلما أوذي ..هذا الإحساس يُشعِر صاحبه بالخجل وبالشكر المتواصل ، عندما يقف أمامهم زائرا من قرب أو متوسلا من بعد ..وهذه هي إحدى الروافد التي أعطتهم هذا القرب المتميز من الحق ، لأن ذلك كله كان بأمره وفي سبيل رضاه .
الومضة رقم 155: مأساة الحسين (ع)
إن لمأساة الحسين (ع) وقعاً متميزاً ، سواء في حياة الأنبياء السلف ، أو بالنسبة إلى خاتم الأنبياء وذريته ..ومقارنة إجمالية بين حالة الإمام (ع) في يوم عرفة ( بدعائه ) المتميز ، وبين حالته في يوم عاشوراء ( بأحداثه ) الثقيلة ، تبين شيئا من عظمة الكارثة ، وكيف أنه عزّ على رب العالمين ، أن يعامل أعرف أهل زمانه بالله عز وجل ، هذه المعاملة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً !..ومن هنا كان ( الارتباط ) به من خلال إحياء ذكره ، والتأثر بمصابه ، من أعظم سبل ( نيـل ) رضا الرب بما لا يخطر على العقول ، إذ أن عظمة المأساة مما لم تخطر على الأذهان .
الومضة رقم 156: مبدأ التعويض
إن مبدأ التعويض سار حتى في معاملة الحق للمعصومين (ع) ..فقد عُوّض الحسين (ع) بقتله: أن جُعل الشفاء في تربته ، والإجابة تحت قبته ، والأئمة من نسله ..ومن المعلوم أن الاعتقاد بمبدأ التعويض يخفف على العبد معاناة فقدان بعض النعم ..ولا شك أن عظمة التعويض متناسبة مع شدة البلاء ، فالمتيقّن بمبدأ ( التعويض ) من الحكيم القدير ، تطيب نفسه ( بسلب ) المعوّض ما دام العوض عظيما .
الومضة رقم 157: انتظار الفرج
إن انتظار الفرج حقيقة ، يلازم الاستعداد النفسي للمشاركة في بسط العدل الشامل عند ظهور الفرج ..وإلا تحوّل الأمر إلى مجرد ( أمنية ) في نفس صاحبها - قد يؤجر عليها - ولكنه لايعد ( منتظراً ) ، كما هو الحال في انتظار الضيف الذي له متطلباته ..فالإنسان يتمنى قدوم الضيف منذ برهة ولا يسمى منتظراً له ، إلا - قبيل قدومه - عند توفير تلك المتطلبات ..هذه الحالة تعكسها الفقرة التالية من زيارته (ع): { فلو تطاولت الدهور وتمادت الأعصار ،لم أزدد فيك إلا يقينا ولك إلا حبا..فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك..فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك }0
الومضة رقم 158: سلب المحبة
لاشك في أن محبة أهل البيت (ع) وولايتهم من ذرائع النجاة ..وهي قيمة مستقلة في حد نفسها وان لم تقترن بالعمل ، خلافا لمن لا يراها إلا ضمن العمل ..ولكن تراكم الذنوب - وخاصة الكبيرة منها - قد يسلب المحب هذه الجوهرة ، كما حصل للبعض طول التأريخ كالشلمغاني في زمان الغيبة ، الذي خرج التوقيع من الناحية المقدسة بلعنه والبراءة منه وممن يتولاه ورضي بقوله ..ويمكن استفادة هذه الحقيقة من قوله تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءا أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون }..فالسوء من مقولة ( الفعل ) ، والتكذيب يعود إلى الموقف ( الإعتقادي ) والنفسي لهؤلاء المكذبين .
الومضة رقم 159: حقيقة الزيارة
إن زيارة المعصوم (ع) تعني - حقيقة - وجدان الزائر نفسه بين يدي المزور ..فيراعي أدب المكان ، ويستحضر حالة الخطاب ، كما لو كان مع الحي بمقتضى القول: { أشهد أنك تسمع كلامي ، وترد سلامي }..ولو خليت الزيارة من هذه الحقائق ، لكانت الزيارة زيارة ( البدن لحرم المعصوم ) ، لازيارة ( المحب لنفس المعصوم ) ، ومن المعلوم أن الآثار الكاملة للزيارة مترتبة على الثاني دون الأول ..وهذا هو السر في أن زيارات المعصومين (ع) لا تستتبع تحوّلاً جوهرياً في سلوك العبد ، وذلك لانتفاء المواجهة المتفاعلة وإن حصل الأجر الأخروي .
الومضة رقم 160: إشراف المعصوم
إن استشراف المعصومين (ع) لعالم الشهود - مع كونهم في عالم الغيب - مما لا ينكر عقلا ونصا ..فالأول ( بمقتضى ) حياتهم المستمرة بعد الممات الظاهري ، مع الاحتفاظ بجميع ملكاتهم ، ومنها مظهريتهم لوصف الرب المتعال ..واما الثاني ( فكالنص ) الصحيح الوارد في المنع عن الجمع بين فاطميتين ، معللا بأن ذلك يبلغ الزهراء (ع) فيشق عليها ذلك ثم يحلف الإمام (ع) بقوله : إي والله ، عند تعجب الراوي ( البحار-ج104ص27 ) ..فلو تحقق مثل هذا الإشراف - من قِبَـلهم - بالنسبة إلى أحد من أوليائهم ، لكان ذلك بمثابة ( تبـنّي ) اليتيم الذي لو ترك وشأنه ، لهوى مع الهاوين ..وقد ورد عنهم ما يؤيد هذا المعنى بشقّيه: { إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالـزم طريقتنا ، فإنه من لزمنا لزمناه ، ومن فارقنا فارقناه }البحار-ج2ص115 .
الومضة رقم 161: توقير الذرية
إن ذرية الرسول (ص) هم التركة المحسوسة والحيّة فينا ..ومن هنا كان توقيرهم توقيرا لأجدادهم ، وهو ما يستفاد من الأخبار والتزام السلف الصالح به ..وهذه السنة أيضا مطابقة للفطرة وسنة الأمم ، إذ المرء يحفظ في ولده ، وهذا ( التوقير ) من السبل المهمة لجلب ( عنايتهم ) ، كما تشهد به الحوادث الكثيرة على مر العصور .
الومضة رقم 162: آثار الأولياء
إن وجود البركة والتأثير في الآثار المنتسبة إلى أولياء الله تعالى ، مما يؤكده القرآن الكريم أيضاً ، إضافة للسنة والواقع المشهود في حياة الأمم السابقة ..فقد ارتد يعقوب (ع) بصيرا عندما ألقى البشير ( القميص ) على وجهه ..وقد جعل السكينة في التابوت وهو ( الصندوق ) الذي وضع فيه موسى (ع) عند إلقائه في النيل ، ولشرافته حملته الملائكة ، وقد قال الحق تعالى: { ياتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة }.. بل أن السامري أخذ ( قبضة ) من أثر الرسول ، فكان له من الأثر ما كان ..فما المانع من شرافة القبور التي تضم أجداث خواص خلق الله سبحانه ؟! ، بل إن البركة فيها أوضح ، إذ التابوت حوى بدن نبي - لفترة قصيرة - وهو رضيع لم يبلغ الحلم ، خلافا لمضاجعهم الطاهرة التي صارت مختلفاً للملائكة صعودا وعروجاً كما تشهد به النصوص ، ومركزاً للكرامات الباهرة كما تشهد به الوقائع جيلا بعد جيل .
الومضة رقم 163: إهداء الأعمال للمعصومين
إن من الأمور المناسبة هو الالتزام بإهداء بعض الأعمال للمعصومين (ع) ، فإنه محاولة للقيام بشيء من حقوقهم ، ولاشك في أنهم يردّون ( الهـدية ) بأضعافها كردّهم ( الّسّلام ) بأحسن منها ، كما هو مقتضى كرمهم الذي عرف عنهم ..وخاصة إذا قلنا بانتفاعهم بأعمالنا ، كما قيل في أن الصلاة على النبي وآله يوجب رفع درجاتهم ، بمقتضى الدعاء برفع درجتهم في التشهد وغيره ، وإلا كان الدعاء لغواً .
الومضة رقم 164: الإرادة الطولية
إذا اعتقدنا أن ( إرادة ) الأئمة للشفاعة وللخارق من الأمور ، إنما هي في ( طول ) إرادة الله تعالى وبإذن منه ، فلا تبقى أيّـة غرابة فيما روى عنهم ، أو رؤى منهم من أنواع الكرامة ..فالقرآن تارة يسند قبض الأرواح - وهو من مهام الأمور - إلى ( الحق ) نفسه ، فيقول تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها }..وتارة إلى ( مَلَك ) الموت فيقول : { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم }..ومن المعلوم أنه كلما تعاظم قدر الوكيل ، كلما تعاظم قدر الموكِّل نفسه .
الومضة رقم 165: طلب الحقائق
يغلب على طلبنا من المعصومين (ع) الجانب المادي: من شفاء مرض ، أو أداء دَين ، أو ما شابه ذلك ..إذ قلما نتوجه إليهم بطلب ( المعارف ) والحقائق فيما يتعلق بمعرفة الرب المتعال وسبل الوصول إليه ، والحال انهم ( أميل ) لقضاء مثل هذه الحوائج التي بعثوا من أجلها ، ولا شك في صلاحها للعبد ..وقصص السلف الصالح يكشف عن نماذج مذهلة ممن اغترف من فيض جودهم ، ففتحت لهم أبواب واسعة من المعارف الحقة ، والآيات البيّنة التي جعلتهم يعيشون على نور من ربهم في هذه النشأة ، ليمتد أثره حتى بعد انتقالهم من هذه النشأة الدنيا ، بل ليسعى بين أيديهم في النشأة الآخرة .
الومضة رقم 166: شكر نعمة الولاية
يتوجب على الذين شُـرّفوا بشرف الولاية لأئمة الحق (ع) ، أن يبالغوا في شكر هذه النعمة ، لأنهم خُصّصوا ( بأشرف ) الأديان و ( بالمذهب ) القويم ..وهذه نعمة خالدة لا تعادلها نعمة في عالم الوجود ، لخلود هذه النعمة و فناء النعم الأخرى ..وأفضل أنواع الشكر هو ( الإتّـباع ) ، مصداقا لقوله تعالى: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }، و( العمل ) لقوله تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا }.
الومضة رقم 167: أحاديث الرجعة
إن أحاديث الرجعة على - كثرتها - مطابقة لمقتضى الحكمة الإلهية ..فإن من اللطف أن يحقق المولى لوليه آماله التي لم يحققها في حياته ، وخاصة مع ملاحظة قصر حياة بعضهم كالأئمة من نسل الإمام الرضا (ع) ، إذ لم يدع ولاة الجور فرصة لأداء رسالتهم كما أرادوه ، فكأنهم أرسلوا إلى هذه الحياة لمهمة لم تكتمل ، نظراً للظروف التي اكتنفتهم من ظلم الحكام وإعراض الخلق عنهم ، فيكون من الطبيعي إعطاؤهم فرصة أخرى لاستكمال تلك المهمة ، بعد اكتمال قابليّـات الخلق - بلوغا علميا وعمليا - وذلك عند قيام قائمهم (ع) ، الذي يضع يده على رؤوس العباد ، فيجمع بها عقولهم ، ويكمل به أحلامهم .
الومضة رقم 168: الاستئناس بكلمات المعصومين
ينبغي لحملة لواء الإرشاد في كل عصر الاستئناس بكلمات المعصومين (ع) المتطرّقـة لمختلف حقول الحكمة ..فإن الأنس بالنصوص يشكل حاجزا - ببركتهم - من ( الاجتهادات ) المنحرفة ، أو ( المشارب ) الباطلة ، أو ( التقوّل ) في الدين بمالم يقم عليه برهان ..أضف إلى أن الغور المتواصل في أحاديثهم ، يفتح أبواب الحـكمة الأخرى لتجري من القلب على اللسان ، كما يهب صاحبها ( حسّـا ) خاصا في تمييز مالم يصح عنهم .
الومضة رقم 169: الدعوة بالحجج البالغة
من السبل الكبرى لجلب عناياتهم عليهم السلام ، هو ( التصدي ) للدعوة إلى سبيلهم في أي موقع كان صاحبه - وان لم يكن في زي أهل الدعوة والتبليغ - وذلك بذكر محاسن كلماتهم ، واختيار الحجج الواضحة - وما أكثرها - في إثبات عقائدهم المستقاة من نمير الوحي ، والدعوة إلى التمسك بهديهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وخاصة عند ذوي القلوب ( المستعدة ) ..وخاصة أن هناك طبقة من الخلق لا يصل إليها رجال الدين ، فلزم وجود ( الوسيط ) بينهم وبين هذه الطبقة ، إذ بهم تكتمل مهمة دعاة الحق والخير ..وقد خاطب النبي (ص) عليا (ع) بقوله: { لئن يهدي الله على يديك عبداً من عباد الله ، خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها }البحار-ج1ص215.
الومضة رقم 170: إعجاز استمرار خط أهل البيت
إن المتأمل المنصف في التأريخ ، لا يمكن أن يصف توالي الأئمة من دون ( انقطاع ) في البين و بهذا ( التجانس ) في الأقوال والأفعال من باب الاتفاق ..فنرى الأول ينص على الآخر وحديث الآخر يسانخ حديث الأول ، وذلك خلال قرنين ونصف ، على ما فيه من تغيير للحكام والثقافات والـُبنى الاجتماعية ، حتى لانكاد نميز الإمام القائل لما روي عنه لو تعمدنا عدم ذكره ، وذلك لوحدة النهج الإلهي الذي ساروا عليه جميعاً ..فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ، خبر الصادق المصدق (ص) الذي بشّر باثني عشر خليفة كلهم من قريش ، كما رواه البخاري وذكره مسلم في كتاب الإمارة عن جابر بن سمرة إذ قال : { سمعت رسول الله يقول : لايزال الإسلام عزيزا إلى إثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ..فقلت لأبي ما قال ؟ ، فقال : كلهم من قريش } .
الومضة رقم 171: آجال الأمم
كثيرا ما تنتاب الإنسان حالة من القلق لما تجري في الأمة من النكبات توصله إلى حد اليأس ..والحال أن الحق المتعال كما خلق الأرض وقدّر فيها ( أقواتها ) من الأرزاق ، كذلك قدّر فيها ( مقدراتها ) من الآجال المكتوبة للأمم غير المكتوبة للأفراد ، وقد ورد في الخبر: { إذا أراد الله أمراً سلب العباد عقولهم ، فأنفذ أمره وتمت أرادته ، فإذا نفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله ، فيقول كيف ذا ومن أين ذا ؟! }البحار-ج78ص335..وأحاديث عرض الأعمال على ولي كل عصر - في ليالي القدر وغيرها - تدل على أن الأحداث الصغيرة والكبيرة تجري على مسمع من أذن الله الواعية ، ومرأى من عين الله الناظرة ..وعليه فالمطلوب من العبد أن يقدم الشكوى إلى أولياء الأمر دائماً ، فهم ( المعنيّون ) بمقدرات هذه الأمة قبل غيرهم ، مصداقا للدعاء: { اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحضوره }..إذ أن الغمة التي بليت بها الأمة إنما هي من آثار الغيبة ، فكان من الطبيعي انكشاف تلك الغمة الموحشة ، بالحضور المبارك الرافع لتلك الغمة .
الومضة رقم 172: الحصانة الإلهية
قد يتعمد الحق رفع ( الحصانة ) عن عبده في بعض الحالات ، فيقع فيما ( يستغرب ) من صدوره من مثله من الأعمال التي لا تليق به ..ولعل في ذلك لفت نظر إلى ( ضعفه ) أولاً ، ودعوة له ( للاستجارة ) بالحق في كل أحواله ثانياً ..ويتجلّى فضله العظيم من خلال التدبر في قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا }و{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }و{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا }.
الومضة رقم 173: الخطورات القبيحة
قد يتألم العبد من بعض الخطورات القبيحة ( أثناء ) الصلاة ، ولا ضير في ذلك بشرط عدم ( متابعة ) تلك الصور ..فمَثَله كمثل الجالس بين يدي السلطان ، وأعداؤه يمرون بين يديه ، فما دام مشغولا بمحادثة السلطان فلا يعد ذلك المرور العابر إخلالاً بأدب الحضور ، بل قد ( يتعمّد ) السلطان الجلوس في مثل ذلك الموقع لاختبار جليسه ، ومدى إقباله عليه مع وجود الصوارف ..وهذا بخلاف ما لو استرسل معهم وتابعهم بنظراته ، فضلا عما إذا تحدث معهم بما لا يرضى منه السلطان ! .
الومضة رقم 174: مجاهدة الجنس لا الفرد
إن الميل إلى النساء من الشهوات المتأصلة في طينة العباد ،كما يشير إليه قوله تعالى في مقدم الشهوات الأخرى: { زين للناس حب الشهوات من النساء }، فكيف إذا تدخل الشيطان في تزيينها للعبد بمقتضى تهديده في قوله تعالى: { لأزينن لهم في الأرض }..وهي بحق على رأس شهوات الدنيا ، لأنه التذاذ بذي شعور خلافا لشهوة البطن المتعلقة بالمأكول الذي لا حياة فيه ..وعليه فليس الحل الأساسي هو مجاهدة كل ( فرد ) من أفرادهن عند الابتلاء بهن ، بل السعي لامتلاك حالة من التعالي على ( جنس ) النساء بكل أفراد ذلك الجنس ، خرج من ذلك خصوص الفرد المعـنيّ به العبد من الزوجة والمحارم ..وإلا فما قيمة باقي الأفراد - التي لاعلاقة للفرد بهن - ليشغل حيّـزا من نفسه ، بل ليسلب شيئا من إرادته ؟!..وقد ورد في الخبر: { لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك ، فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك ، فإن قدرت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة فافعل }تنبيه الخواطر- ص50..فإذا نجح العبد في مرحلة التعالي عن الجنس برمّته ، صار التجاوز عن الفرد الخاص مما لا مؤونة فيه ، لأنه مندرج في الجنس الذي تعالى عليه ، وهكذا الأمر في باقي الشهوات ..أما الذي يعيش عالم ( النساء ) حبّـا والتذاذا ، فمن الطبيعي أن ( يتفاعل ) مع كل فرد منهن لميله إلى أصل الجنس المنعكس على أفراده ، وإن أدى ذلك للوقوع في الحرام ، ثم التوبة بعدها ليعود الابتلاء بفرد آخر منهن ، ويستمر به الأمر كذلك ، إلى أن يخرج من حد العبودية والتوبة فيرى المنكر معروفاً ، كما نراه في هذا الواقع المرير .
الومضة رقم 175: عدم الانشغال بالأسباب
إن التوجه إلى المخلوقين - بجعلهم سببا لتحقق الخيرات - من دون الالتفات إلى ( مسبِّبية ) المولى للأسباب ، لمن موجبات ( احتجاب ) الحق تعالى عن العبد ، إذ أن الخير بيده يصيب به من يشاء من عباده ، بسبب من يشاء ، وبما يشاء ، وكيفما يشاء ..وعليه فإن كل ( جهة ) يتوجه إليها العبد بما يذهله عن الله تعالى ، لهي ( صنم ) يعبد من دونه ، وإن كان ذلك التوجه المذموم مقدمة لعمل صالح ..ولـهذا قبّح القرآن الكريم عمل المشركين ، وإن ادعوا هدفا راجحا: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }، فدعوى الزلفى لديه من غير السبيل الذي أمر به الحق تعالى ، لهي دعوى باطلة من أيّ كان ، مشركاً كان فاعله أو موحداً ..وقد يكون سعي العبد الغافل عن هذه الحقيقة - حتى في سبيل الخير - موجبا للغفلة عن الحق المتعال ..و علامة ذلك وقوع صاحبه فيما لا يرضى منه الحق أثناء سعيه في سبيل الخير ، والذي يفترض فيه أن يكون مقربا إلى المولى جل ذكره .
الومضة رقم 176: أرقى اللذائذ
إن اللذائذ الحسية التي تستهوي أهل الدنيا في حياتهم - كشهوة النساء وغيرها - لا تعدو كونها كنموذج من عالم اللذائذ المحسوسة الأخرى و المختلفة شدة وضعفا ، مما أودعها المولى جل ذكره في عناصر عالم الوجود ، يذيقها من يشاء من عباده ..ولا شك أن هذه اللذائذ المذكورة لاتمثل - حتى في عالم الدنيا - أرقى ما عند الله تعالى من اللذائذ ..ومن هنا يعيش الأولياء عالما من اللذائذ ( العليا ) ، والتي لا يمكن أن يتعقّلها أهل اللذائذ ( الدنيا ) للاختلاف الجوهري بين العالمَـيَن ، وهذه هي إحدى أسباب إعراض أولياء الحق عن الانهماك في الشهوات ، من دون معاناة ومجاهدة ..وهذا الاختلاف في طبقات اللذائذ موجود في الجنة أيضا ، فلا يعقل أن يلتذّ المقربون من الحق المتعال بلذائذ عامة أهل الجنة ، إذ أن هناك رتبة ( النظرة ) يشير إليها قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }، و رتبة ( الرضوان ) كما يشير إليها قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر } .
الومضة رقم 177: مملكة الحق والطاغوت
إن نسبة عالم عبودية الحق إلى عبودية الطاغوت ، كنسبة مملكتين متخاصمتين ..فمن ( وطّن ) نفسه للعيش في إحدى المملكتين ، عليه أن لا يفكّر للخروج إلى المملكة الأخرى ولو في بعض أيام حياته ، لأن ذلك يعد إخلالا بلوازم الإقامة في تلك المملكة ..وعليه فإن على البصير بصلاح نفسه ، أن يحسم أمره في أول الطريق ليختار العيش في إحدى المملكتين ، ( متحمّلا ) و ( محتملا ) لكل تبعات تلك الإقامة ، محققا لمصداق الفرار إلى الله تعالى ..وقد ورد في الدعاء: { وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك ، عزم إرادة وصادق طوية }البحار-ج86ص318..وبهذه النظرة يتخلص من حالة التذبذب والتأرجح ، إذ يكون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ..ومن المعلوم أن هذا التردد في البقاء في مملكة الحق بلوازمها ، قد يوجب إعراض الحق عنه بوجهه ، وقد يصل إلى مرحلة الختم على القلوب ، المستلزمة لعدم الإذن له بالعود إلى تلك المملكة أبداً .
الومضة رقم 178: مقدم الوفد
ينبغي على إمام الجماعة - وهو مقدم الوفد إلى الله تعالى - أن يلتفت إلى قصده في التقدم أمام الوفد الذي يواجه رب العزة والجلال ، فهو وإن كان إماما في صلاته ، إلا أن عليه أن لا يلحظ المأمومين في إمامته ، وذلك بعدم الاكتراث بكثرتهم ، وعدم الاعتناء بمتابعتهم له ، بل يفترض نفسه وحيدا في صلاته ، منفردا ( حكماً ) وإن كان إماماً ( موضوعاً ) ..ومن المعلوم أن مجموع هذه المشاعر ، أدعى إلى تحقق قصد القربة منه .
الومضة رقم 179: أنوار الليل والنهار
كما أن الطبيعة متغيرة بحسب التغير في الأنوار ( الحسية ) إلى أوقات متفاوتة من ليل إلى نهار ..فإنها متغيرة كذلك بحسب التغير في الأنوار ( المعنوية ) ..فنجد لأول النهار جوا متميزا عن آخره ، ولبدء الليل جوا متميزا عن منتصفه ، ويتجلى الفرق واضحا - لأهله - في ساعة السحر ، فإنها ساعة لا تشبهها ساعة من ليل أو نهار - حتى الساعة التي هي بين الطلوعين - فإنها ( الغاية ) في انفتاح أبواب السماء ، إذ عندها هدأت الأصوات ، وسكنت الحركات ، وخلا كل حبيب بحبيبه ..فسهل السبيل لمن أراد الولوج منها ، ليعطى الفضل في الرزق مادة ومعنىً ، وهذا هو العمدة في استغلال تلك الساعة المباركة .
الومضة رقم 180: الإرشاد من سبل القرب
إن دعوة العباد إلى الحق ، لمن اعظم سبل وصول الداعي نفسه إلى الله تعالى ، سواء وجد الاستجابة من الخلق أم لم يجد ..ولهذا يحس ( بنـفحة ) خاصة ترافقه أثناء دعوته ، لا يجدها عند الاشتغال بأمور عبادية أخرى ..ولاشك أن لإخلاصه الأثر البليغ في إدخال الحق الهدى في قلب من يريد ، إذ أن تزيين الإيمان في القلوب من شؤون المولى جل ذكره كما نسبها إلى نفسه في كتابه الكريم ، وهو لا يترتب على مجرد ( الوعظ ) وإن كان جامعا لشرائطه ، إذا لم يتدخل مقلّب القلوب في ( سوق ) القلوب إلى الجهة التي يريدها العبد في دعوته إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 181: إمساك الطير والقلوب
يشير القرآن الكريم إلى حقيقة إمساك الحق للطير عندما تقبض في الهواء بقوله: { ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن }..فإذا كان الحق يرعىجزئيات عالم الوجود - كمسك الطير بعد قبضها في السماء - ويسندها إلى نفسه ، كما أشار في آيات أخرى إلى الذباب والبعوض ، فكيف لا يرعى العباد وجزئيات شؤونهم ، وهم أقرب إليه من الطير وغيره ؟!..وليعلم أن من يمسك ( الطير ) في الهواء - رأفة بها - هو الذي يمسك ( قلب ) عبده المؤمن من السقوط ، وذلك فيما لو ( أمسك ) عن الطيران بعد التحليق ، اعتمادا على قدرته ، غافلاً عن رعاية الرحمـن للقلب عند الهـُوِيّ ، كرعايته للطير في الهواء عند السقوط .
الومضة رقم 182: التعصب للحق
قد يكون المتعصب للحق مذموما على تعصبه فيما لو اقترن بالجهل ..لأن المتعصب الجاهل قد يخطئ سلوك السبيل الشرعي في الترويج لحقه ، وبالتالي قد يسيء للفكرة نفسها بدلا من ترويجها ، ولكنه يبقى ( ممدوحا ) على شدة ( تعلّقه ) بالحق الذي أصابه في أصله ، وإن أخطأ في تعصبه ، ومن هنا لزم تنبيهه ليعمل على وفق الحق الذي آمن به وتعصّب له ..وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال : { فليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه } البحار- ج33ص434 .
الومضة رقم 183: الإثنينية في التعامل
إن من الممكن لمن يعيش أجواء متوترة - في المنـزل أو العمل - أن يعيش حالة من الإثنينية النافعة ، بمعنى مواجهة الأزمات بشخصه ( الظاهر ) للناس ، وهو الذي يعيش على الأرض بهمومها ومشاكلها ..وهذا الشخص الظاهر للعيان هو الذي قد يهان أو يعاقب ، إلا أن هناك شخصية أخرى لاتطالها يد البشر أبدا وهي شخصيته ( الروحية ) ، لأنها ليست من عالم المادة لتخضع للتهديد أو العقاب ، فالأمر كما وصفه أمير المؤمنين بقوله: { صحبوا الدنيا بأبدان ، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى }البحار-ج1ص188..وعليه فليس العبد ملزماً بأن يواجه الآخرين بهذه الشخصية ، وينـزّلها من عالمها الآمن ، ليكّدر صفوها بكدر أهل الدنيا ..فالإيذاء القولي والفعلي إنما هو متوجه لذلك الوجود المادي ، لا لهذه ( اللطيفة ) الربانية ..والذي يواجه الأزمات الأرضية هو ( شخصـه ) لا شخصيته ، إلا إذا تعمد هو بسوء اختياره في زجّها فيما لا يحمد عقباه .
الومضة رقم 184: برد الرضا
قد لا يستوعب البعض حقيقة أن للرضا الإلهي برداً ( يحسه ) القلب النابض بالحياة الروحية ، مع أن العباد يعيشون هذه الحقيقة بالنسبة إلى بعضهم البعض ..فللرضا بين الزوج والزوجة ، والأب وولده ، والصديق وصديقه ، والراعي ورعيته ، ( بـرد ) يحسه كل طرف وخاصة بعد خصومة تلتها ألفة ، وهذا الإحساس وجداني لا يختص بفرد دون آخر ..ويصل الأمر مداه حتى ينعكس آثار برد الرضا على البدن ، من الإحساس ( بالسّكون ) تارة ، و( بالقشعريرة ) تارة أخرى ..فكيف يستشعر الإنسان هذا الشعور تجاه من هو فـانٍ ولاقيمة لبرد رضاه ، ولا يستشعره مع الحـي القيوم الذي بيده ملكوت كل شئ ؟!.
الومضة رقم 185: الترقية المؤقتة
قد يمنح العبد في بعض الحالات - كمواسم الطاعة - بعض الترقيات الاستثنائية ، ( إكراماً ) لوقوع العبد في دائرة الضيافة الخاصة ..فَمَثـله في ذلك كمثل الطالب الذي ينقل من رتبته إلى رتبة أرقى بكثير من مرحلته - لساعات معدودة - لمناسبة تقتضي مثل هذا النقل ، وعندها قد ينخدع هذا الطالب بهذا النقل العارض ، ويظن أنه قد ( ترقىّ ) فعلا في دراسته ، إلا أنه يفاجأ بإرجاعه إلى رتبته السابقة ، ليعلم أنه لا زال يراوح في مكانه من دون سير إلى الكمال ..فعليه أن لا يغفل عن حقيقة: أن الرتب العالية أمر ( ذو مراحل ) ، والاستقرار فيها يحتاج إلى اجتياز تلك المراحل بنجاح ، وهو السلوك الطبيعي الذي سلكه الواصلون مع اختلاف رتبهم .
الومضة رقم 186: خدمة القلوب
إن من أعظم سبل إرضاء الحق هو العمل الذي ينعكس أثره على ( القلوب ) ، إذ أنها محل معرفته ، ومستودع حـبّه ..فتفريج الكرب عنها ، أو إدخال السرور عليها ، أو دلالتها على الهدى ، أو تخليصها من الهـمّ والغم ، كل ذلك مما يوجب سرور الحق وأوليائه كما تشهد به الروايات ..وكلما ( قرب ) هذا القلب من الحق ، كلما ( عُظم ) ذلك السرور عند الحق المتعال ، وبالتالي عظمت الآثار المترتبة على ذلك السرور من الجزاء الذي لا يعلمه غيره ، لأنه من العطاء بغير حساب ..بل يستفاد من بعض الأخبار ، ترتّب الآثار حتى على إدخال السرور على كل ذي كبد رطبة - ولو من البهائم - بإرواء عطشه ، فكيف الأمر بقلوب الصالحين من عباده ؟! .
الومضة رقم 187: الذكر اليونسي
إن من النافع أن يتخذ العبد لنفسه ذكراً - يأنس به - في ساعات خلوته أو جلوته مع الناس ..فإن ( المداومة ) على ذكر خاص مما ( يركّـز ) من آثاره ..ومن الأذكار المؤثرة في تغيير مسير العبد ، هو ذلك الذكر الذي حوّل مسيرة نبي من الأنبياء ، وهو يونس (ع) بقوله: { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }..فهو ذكر جامع ( للتوحيد ) ، و( التنـزيه ) ، و( الاعتراف ) بالخطيئة ، والملفت في هذه الآية ، أن الحق وعد بهذا النداء الاستجابة والنجاة من الغم له وللمؤمنين جميعا ، وهو ما يقتضيه التعبير بكلمة ( وكذلك )..والمقدار المتيقن من الأثر إنما هو لمن أتى به متشبهاً بالحالة التي كان عليها يونس (ع) من الانقطاع والالتجاء الصادق ، لفرط الشدة التي كان فيها في ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت .
الومضة رقم 188: إصلاح ذات البين
ندب الشارع المقدس إلى بعض الأمور بشدة ، ومنها إصلاح ذات البين ، وذلك لأن المتخاصِمَين يصعب عليهما إصلاح الأمر بنفسهما ، لاحتياج الأمر إلى ( نكران ) للذات - منهما أو من أحدهما - قد لا يوفق له عامة الخلق الذين يصعب عليهم نكران الذات وتجاوزها ..ولهذا قد تستمر دوامة الخصومة تلف المتخاصمين إلى آخر الحياة ، بما فيها من ارتكاب للمعاصي العظام: كالغيبة ، والنميمة ، والقذف ، والقتل وغير ذلك ، وتعظم المصيبة عندما يجمعهما رحم قريب ..فالمصلح ( يخلّص ) المتخاصمين من هذه المهالك الكبرى ، بيسير من القول أو الفعل ، قد ( يمتد ) أثره إلى أجيال المتخاصمين ..ومن هنا يعلم السر في أن إصلاح ذات البين ، أفضل من عامة الصلاة والصيام .
الومضة رقم 189: هداية السبل بالمجاهدة
قد ذكر القرآن بصريح القول ، أن هداية السبل مترتبة على الجهاد في الله تعالى ، فالذي لا يعيش في حياته شيئا من المجاهدة : في نفسه ، أو ماله ، أو بدنه ، كيف يتوقع الاهتداء إلى تلك السبل الخاصة ؟!..ومن هنا قد يعوّض الحق تقاعس عبده في المجاهدة ، وذلك بتعريضه لأنواع البلاء ، رأفة به ولرفع آثار قعوده عن الجهاد ، المتمثل بحجبه عن السبل ..ولو ( كلّف ) نفسه شيئا من المجاهدة ، ( لاندفع ) عنه بعض البلاء ..وبذلك يكون - بتثاقله إلى الأرض - قد خسر ( العافية ) ، و ( بركات ) المجاهدة المباشرة التي قد لا يعوّضها البلاء تماما .
الومضة رقم 190: الاستغراق في المعاني
قد يعيش العبد شيئا من حالات الاستغراق في مشاهدة جلال الله تعالى وجماله ، بحيث ( تثقل ) عليه متابعة تلك المعاني ( مقيدة ) بالألفاظ ..فلا ضير على العبد - في مثل هذه الحالة - من إمرار تلك المعاني على قلبه ، من دون استعمال للألفاظ الموازية لها ، ( ليواكب ) المعاني التي تتوارد عليه في تلك الحالة ، والتي هي أسرع تواردا إذا قيست إلى سرعة توارد الألفاظ ..وقد يعيش بعـض صور المناجاة التي يحب أن ينطلق فيها بالدعاء - الذي تمليه عليه حالته - من دون تقيد بنص خاص ، بل من دون تقيد بالألفاظ ، وهي مناجاة القلب التي هي من أرقى صور المناجاة ، إذ قد يستثقل العبد كل شيئ - عند محادثة المحبوب - حتى الألفاظ المعبرة عن حبه .
الومضة رقم 191: الغافل عن آداب السير
قد يعيش الغافل عن آداب القرب من الحق المتعال ، حالة من ( التعالي ) على الخلق عندما ( يمنح ) حالة روحية متميزة عن الآخرين - وخاصة إذا وهب هذه المنحة وهو في وسط غافل - فيظن انه قد تميز عنهم مطلقا ، والحال أنه سيعود إلى عالمهم بعد قليل ..فإن مَثَل هذا الغافل كمَثَل الجسم المتجه إلى فوق كحركة ( قسرية ) سرعان ما يعود إلى موضعه الذي كان هو فيه ..فلنتساءل: ما هو افتراق هذا الجسم - بعد هبوطه - عن باقي الأجسام الأرضية الأخرى ، التي لم يقدّرلها الصعود ولا الهبوط ؟! .
الومضة رقم 192: مواجهة الحقائق بالقلب
إن المواجهة للحقائق العالية إنما تكون ( بالقلب ) لا بالوجه الظاهري ..ولهذا قد يتفق للعبد مواجهة الكعبة المشرفة - وهو في جو متميز - إلا أنه لا يعيش أدنى درجات التفاعل بما هو فيه ، والسبب في ذلك أنه ( أغمض ) عين الباطن التي بها يبصر الحقائق المحجوبة عن عالم المادة ..بل قد يصل الأمر إلى انتفاء القابلية رأسا فيصاب ( بالعمى ) ، وعندها لا يرى شيئا من الحقائق الإلهية ولو كان في جوف الكعبة ، فقد قال الحق المتعال: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }، ويستمر هذا العمى إلى يوم القيامة حيث الحاجة الشديدة للإبصار في المهالك العظام ، فيقول الحق سبحانه: { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا }..ومن ثَـمَّ فإن من الجدير بالعبد ، عند التـعرض لتلك المواطن - التي تتطلب منه اليقظة الروحية - أن يستعد لها في مرحلة سابقة ، لئلا يذهله ( هول ) المفاجأة عن التزود في تلك المرحلة الخصبة من حياته ، والتي لا تتاح إلا بعد الفينة والفينة .
الومضة رقم 193: كعبة الأرض والعرش
إن كان ولابد من استحضار صورة حسية في الصلاة ، فإن من أفـضل الصور هي الكعبة المشرفة ..فإنها توازي تلك الكعبة المنصوبة في العرش والتي تطوف حولها الملائكة ..وإن في توجيه ( الوجوه ) الظاهرية إلى الكعبة ، تنبيه على توجيه ( البواطن ) إلى الجهة التي تتوجه إليها الملائكة في عرشه ، ولكن ( المستغرق ) في صلاته ، قد لا يحتاج لمثل هذه الصور ، وذلك لانشغاله بصور أرقى - لا تخطر ببال عامة المصلين - متمثلة بكسوة الجلال التي تغشى المصلي في صلاته ..وقد ورد في الخبر: { لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله ، ما سرّه أن يرفع رأسه من سجوده }البحار-ج10ص110 .
الومضة رقم 194: التوفيقات تصعيد للعبد
إن التوفيقات الكبرى الممنوحة للعبد - في مثل ليالي القدر والحج - بمثابة دفع الطائرة إلى الأجواء العليا ، إذ الصعود خلاف مقتضى الطبع ( الأوّلي ) في عالم المادة والمعنى معا ..ومع استقرار الطائرة في مسيرها بعد التحليق ، لا يجد القائد لها كثير معاناة في توجيهها إلى الجهة التي يريدها ..فالتوفيقات المتتالية بمثابة التعجيل في إيصال العبد إلى مرحلة الاستقرار والتحليق الثابت في أجواء العبادة ، بعيدا عن جاذبية الشهوات الأرضية ..وليعلم أن الكارثة تقع عند الارتطام بعد الصعود والتحليق ، وهكذا الحال في ( هويّ ) العبد لأسفل الدرجات ، عند ( الصدود ) عن الحق بعد ما منح التوفيق والتحليق في أجواء العبودية العليا .
الومضة رقم 195: للأكل حيثيتان
إن لتناول الطعام حيثيتين ، الأولى: وهي إمرار الطعام على اللسان ، ( ليستذوق ) حلاوة ما يؤكل ، والثاني: وهي إدخال الطعام في الجوف ، ( ليتحول ) إلى قوت يعينه على إدامة الحياة من أجل القيام بوظائف العبودية للحق ..ولاشك أن الحيثية الثانية هي المطلوبة للمؤمن ، وإن تحققت الأولى مقدمة من دون قصد ..والاعتقاد بهذه الفكرة ، يجعل صاحبها حريصا في أن لا يدخل في جوفه ، إلا بالمقدار الذي يعينه على ما ذكر ، لا لمجرد الاستمتاع وإشباع الشهوة البهيمية لديه .
الومضة رقم 196: المتشرفون باللقاء
إن الذين تشرفوا بلقاء صاحب الأمر (ع) هم من الذين وقعوا في ( شدّة ) أوجبت لهم الانقطاع إلى الحق وأوليائه ، أو من الذين ( اشتد ) شوقهم إلى لقائه كعلي بن مهزيار وأمثاله من مشتاقي لقاء خليفة الله تعالى في الأرض ..وليعلم في هذا السياق أن الرغبة الجامحة للقائه - شوقا لا حاجة - متفرعة على نوع تشبّه بالمعصوم في إتباع الشريعة بكل حدودها ، ليتحقق شئ من المسانخة بين الزائر والمزور ، وخاصة مع انغلاق أبواب اللقاء في زمان الغيبة ..ولا تتـأتي هذه الرغبة المقدسة - اعتباطا أو تكلفّا - لمجرد أمنيّة لم يبذل لهـا صاحبها موجبات تحققه .
الومضة رقم 197: الطلب يلازم الوصول
لقد ورد في بعض الأدعية ما هو كالمفتاح لمغاليق القرب من الحق كقوله: { ولا يفوته من طلبه }..وهي حقيقة لا يلتفت إليها الغافلون ، فإن طلب الحق - على حقيقته - قلّما يتحـقق في جنس البشر على كثرتهم ..و ( الطلب ) نوع معنىً يغاير ( السؤال ) ، فقد يسأل الإنسان شيئا ولكنه لا يطلبه ، لما في الطلب من نوع إصرار لا ينفك عنه صاحبه ، كما نشاهده في الذين وقعوا في الغرام الباطل ..فإذا وصل العبد إلى هذه المرحلة ( الأكيدة ) من طلب الحق ، ( تفـضّل ) عليه الحق بتحقيق مطلوبه ، وهو معايشته لحقيقة العبودية ، والتي هي الغاية من الخلقة والوجود .
الومضة رقم 198: السنن في التكوين و والأنفس
كما أن السنن في عالم ( التكوين ) لا تنخرم إلا عند الحاجة والضرورة كما في موارد المعاجز والكرامة ، فكذلك للحق سننه في عالم ( الأنفس ) ..فإن السير التكاملي للحق محكوم بسلسلة من القواعد والسنن ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ..وأما ( الطفرة ) والإعجاز والإعفاء من بعض السنن ، يغاير الأصل الأوّلي فلا يعول عليه اللبيب في سيره إلى الله تعالى ، وقد قال الحق المتعال: { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } ، فجَعَل مقام الإمامة في الهداية - وهي من أجلّ المقامات - مترتبة على الصبر ، تنبيها على هذه الحقيقة ..وهذه هي السنة العامة في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تحويلا .
الومضة رقم 199: المشغول عن الحق المتعال
ليس من المهم اشتغال العبد بالمهام من الأمور ، عندما ( يحتجب ) عن ربه لغفلة أو لمعصية ..فالمشغول عن الحق تعالى متنـزل إلى رتبة ( الغافلين ) التي لا يعتدّ بالتفاضل في درجاتها ، إذ أن أهمية ما هو مشغول فيه من تجارة أو علم ، لا تخرجه عن تلك المرتبة النازلة التي يشترك فيها الغافلون جميعاً ، على اختلاف درجات اهتمامهم ..فالساقط من السماء يعيش على الأرض ولو كان في أجوائها العليا ، فلا حق لمن كان ولو في أعالي الجبال ، أن يقيس نفسه إلى من هو أعالي السماء .
الومضة رقم 200: خلود الذكر
قد يكتب الخلود - من حيث الآثار - لبعض العباد ، فيُخلّد ذكرهم في ضمن صدقة جارية ، أو أثر نافع ، أو تربيـة لجيل من العلماء أو الصالحين وغير ذلك ..ومن المعلوم أن الدلالة على السبيل - الذي يوجب مثل هذا الخلود - إنما هو ( تفضّل ) من الحق ، ( بالإيحاء ) لمن يريد أولاً ، و( بتسهيل ) السبل لذلك ثانياً ، إذ هو الذي يسند ذلك إلى نفسه بقوله: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات }..وشتان بين الخير الذي يراه العبد خيرا بنظره القاصر ، وبين الخير الذي يقذفه الحق في قلب من أراد به خيراً .
زلزال
01-24-2009, 03:28 PM
الومضة رقم 201: التفويض إلى البصير بالعباد
يختم الحق قوله في: { وأفوض أمري إلى الله } بذكر ( العباد ) ..ومن ذلك يستشعر أن الحق المتعال ( يصرّف ) شؤون الفرد المفوض للأمر إليه ، من خلال ( سيطرته ) على العباد ، بمقتضى مولويته المطلق و إحاطته بشؤون الخلق أجمعين ..فالحق - الذي فوض إليه العبد أمر الرزق مثلا - هو البصير بكل العباد ، فيختار منهم من يكون سببا لسوق الرزق إلى ذلك المفوّض ..وهكذا الأمر في التزويج وغير ذلك من شؤون الحياة ، الجليلة منها والحقيرة .
الومضة رقم 202: الذهول عما سواه
أشار القرآن الكريم إلى حالة الذهول المستغرق الذي انتاب النسوة اللاتي قطّعن أيديهن عندما رأين جمال يوسف (ع) ..فعلم من ذلك أن توجّـه النفس إلى جهة واحدة ، يوجب ( انصراف ) النفس عما عداها في تلك الحالة ..وبناء على ذلك فان العبد لو أمكنه ( استجماع ) المتفرق من خيوط نفسه المتشعبة نحو الهوى ، وتوجيهها نحو كعبة الهدى الإلهي ، لتحقق منه ( الذهول ) عما سوى الحق بما لا يقاس به ذهول نسوة يوسف عمن سواه ..فأين جمال الخلق من جمال الخالق المستجمع لكل صفات الجلال والكمال ؟!..إن الاعتقاد بهذه الدرجات العليا من السمو الروحي ، يوجب ( ارتفاع ) همّـة العبد ، وإن كان يائسا - فعلا - من الوصول إلى شيء من تلك الدرجات ، لنقصٍ في المقتضيات أو وجودٍ للموانع .
الومضة رقم 203: الهوة بين المادة والمعنى
إن هذه الهوة العميقة القائمة بين عالم المادة والمعنى ، يجعل الجمع بينهما من أصعب الأمور ..فإذا توجّه العبد إلى أحدهما غاب الآخر عن قلبه ، ومن هنا عُـبّر عنهما ( بالضرتين ) بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، كما ورد في الخبر: { مَـَثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان ، إن أرضى إحداهما أسخطت الأخرى }البحار-ج73ص120..وهذه هي الأزمة الكبرى للسائرين في أول طريق العبودية ، بل إن أصحاب النبي (ص) اشتكوا أيضا من تبدل حالاتهم بالقول: { إذا دخلنا هذه البيوت ، وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والمال ، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك ، فأجابهم النبي (ص) :لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها ، وانتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها ، لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء }البحار-ج70ص56..والحل الجامع لهذه المفارقة أن ( يتجلّى ) الحضور الإلهي عند العبد إلى درجة قريبة من حضور المحسوسات عنده ، ثم ( تنمية ) هذا الحضور أكثر فأكثر، إلى مرحلة ( اندكاك ) حضور المحسوسات لديه في ذلك الحضور المقدس ..فيؤول الأمر إلى أن لا يرى إلا لونا واحدا في عالم الوجود ، فيكون كمن مسح لونا باهتا بآخر فاقعٍ ، فلا يكون البريق الخاطف للأنظار إلا للثاني الناسخ لما قبله ..وهذه هي الحالة التي يعكسها مضمون ما روي عن أمير المؤمنين (ع): { ما رأيت شيئا ، إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه }.
الومضة رقم 204: دعوة العبد بالأذان
إن نداء المؤذن للصلاة دعوة صريحة ومؤكدة من الحق ( للمثول ) بين يديه ، وذلك بالنظر إلى تكرر الفقرات في الأذان ، أضف إلى استعمال كلمة ( حيّ ) المشعرة بالتعجيل ..وعليه فعدم ( الاستجابة ) للنداء مع الفراغ من الموانع ، يُعدّ نوع عدم اكتراث بدعوة الحق الغني عن العباد ..ولاشك أن تكرّر هذه الحالة من الإعراض ، يعرّض العبد لعقوبة المدبرين - ولو من غير قصد - كمعيشة الضنك التي قد تشمل مثل هذا المعرض عن الذكر ..وقد قال الحق تعالى : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا }.
الومضة رقم 205: وجل الطائعين
إن من الملفت حقا ذكر الحق لحالة ( الوَجَل ) التي يعيشها المنفق ، إذ يقول سبحانه: { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة }..و ( الخوف ) الذي يعيشه الموفي بنذره ، فيقول عز وجل: { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا }، والحال أن حال الطاعة من الانفاق والوفاء بالنذر ، يناسبه الرجاء والارتياح ..والسبب في ذلك قد يفهم من ذيل الآية الأولى: {أنهم إلى ربهم راجعون} ، إذ أن رجوعهم إلى الحق يعني المساءلة التي لو عمل فيها بمقتضى - العدل لا الفضل - لرُدّ العمل إلى صاحبه ، إما ( لخلل ) في حلية المال المُنفق ، أو ( لصرفه ) في غير موضعه ، أو ( لإبطاله ) بالمنّ والأذى ، أو ( لصرف ) ثواب الإنفاق في مصالحة حقوق العباد ، وقس عليه باقي موارد الطاعة .
الومضة رقم 206: الطموح في الدرجات العالية
إن من الطموح المحمود أن يطلب العبد الدرجات ( العليا ) في العبودية التي يتفضل بها الرب المتعال على عبده ، غير الدرجات ( العادية ) المتمثلة بامتثال الأوامر والنواهي ..ومن أمثلة ذلك ما ورد في دعاء كميل: { واجعلني من احسن عبيدك نصيبا عندك ، وأقربهم منزلة منك ، وأخصهم زلفة لديك }، ثم يعقّب ذلك بقوله: { فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك }، وكأنه دفعٌ للاستغراب من طلب هذه المقامات التي لا تمنح إلا للأوحديّ من العباد ..و لو لم يمنح الحق هذه الرتب ( العالية ) للعبد - لعدم وجود ما يوجب هذا اللطف - فإن المرتبة ( النازلة ) من ذلك سيكون عظيما ، يستحق معه الطلب الأكيد وإن طال المدى ..ومن هنا تتجلى أهمية الدعاء في استجلاب العطاءات الكبرى التي ليست في الحسبان ، لأنها من الرازق بغير حساب .
الومضة رقم 207: الرزق الأعم
ورد في دعاء يوم المباهله: { وأسألك من رزقك بأعمه }..فالرزق المذكور - في سياق بعض الآيات والروايات - ليس محصورا بنوع خاص من الرزق المتبادر في أذهان العامة والمتمثل ( بالمال ) ، بل هو رزق عام كما في الدعاء المذكور يشمل: المال ، والعافية ، والعلم النافع ، والولد الصالح ، والصدقة الجارية ، وغير ذلك مما يسترزقه العبد ، وقد يجمعها تعالى لأقوام أراد بهم اللطف الأعم ، والرزق الأشمل .
الومضة رقم 208: قواعد القبض والبسط
إن القبض والبسط من الحالات المتواردة على قلب العبد ، ولهما بعض القواعد التي يحسن الالتفات إليها: فمن ذلك أن القبض والبسط ( بـيد ) القابض والباسط يجريهـما على قلب عبده بمقتضى حكمته الغالبة ..ومنها إنه لا يمكن إطلاق القول بأن الإقبال خير من الإدبار ، لأن بالثاني يدفع حالة ( العُجْب ) المهلكة ، فإن أنـين المذنبين قد يكون أحب إليه من تسبيح المسبحين ..ومنها أن الإدبار قد يجتمع مع قرب منـزلة العبد من ربه حتى في حالة الإدبار ، فيُعطى الرتبـة ( التقديرية ) من دون تحسيس له بذلك ، لمصلحة يراها الرب الحكيم ..ومنها أن القبض يعـارض ( هوى ) النفس ، وفي ذلك تكـفير لسيئاته وخاصة مع تأذي صاحبه من طول فترة الإدبـار ..ومنها أن القبض والبسط من حالات العـبد وخصوصياته ، فلا ينبغي أن يشغل نفسه ( بما يخصه ) عما ( يخص الحق ) وهو القيام بوظائف العبودية ..ومن مجموع ما ذكر يعلم أن على العبد أن يقوم مقام العبد ، سواء أورث ذلك إقبالا أو إدبارا ، إذ ليس الإقبال بغية مستقلة للعبد ، وإلا صارت عبادته طلباً للحظوظ النفسانية التي تخل بالإخلاص عند الدقة والتأمل ..وليعلم أخيرا أن هنالك بعض الذنوب الموجبة للقبض ، بل بعض المباحات المعبر عنها بمثيرات الهموم ، التي نهى النبي (ص) عن استعمالها كما ورد في: البحارج76-ص232 .
الومضة رقم 209: فتح الشهية قبل الإطعام
إن عمل المبلغ في هداية الخلق يتمثل أولاً في ( فتح ) شهيّتهم لتقبّل الهدى الإلهي ، وإقناعهم بضرورة الإصغاء لما يتلى عليهم من آيات الله تعالى ..فما فائدة تقديم الطعام لمن لا يرغب فيه ، إما لعدم ( ميله ) إلى ذلك الطعام ، أو لعدم ( إحساسه ) بالجوع أصلاً ؟!..ومن هنا جَعَل الحق تأثير إنذار النبي (ص) - بما أوتي من مدد الهي وخلق عظيم - منوطاً بالإتباع والخشية ، فقال : { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب }..فمن ليس في مقام ( الإتباع ) - وهو الرغبة في سلوك طريق الحق - كيف يتحقق منه السلوك عملا ؟.
الومضة رقم 210: ارتباط الأبدان بالقلوب
إن هناك ارتباطا واضحا بين عالم الأبدان والأرواح ، والدليل على ذلك في عالم ( التكوين ) ، حمرة الخجل وصفرة الوجل كما يمثل في محله ..والأمر كذلك في عالم ( التشريع ) ، فإن للمحرمات والمكروهات والواجبات والمستحبات المرتبطة بالأبدان - ككيفية الأكل والنوم والمعاشرة الزوجية وغير ذلك - آثارها البالغة في السلوك الروحي ..وقد ربطت الروايات المختلفة مثلا بين السلوك ( الروحي ) والأكل ، في مثل ما روي محذرا: { إياكم وفضول المطعم ، فإنه يسم القلب بالفضلة ، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة ، ويصمّ الهمم عن سماع الموعظة }البحار-ج72ص199..أو{ فإنه أصلح لمعدتك وبدنك ، وأزكى لعقلك }أو{ من إقتصد في أكله كثرت صحته ، وصلحت فكرته }..أو ( كالطهارة ) الروحية والاغسال الواجبة ، إذ مُـنع المجنب من بعض الصور العبادية ، ولعله لأجل الحـزازة التي لا ترتفع إلا بالاغتسال .
الومضة رقم 211: هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك
إن من الممكن القول أن الأئمة (ع) يشتركون مع سليمان (ع) في هذه المقولة: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب }..( فالملك ) المعنوي - الذي لا ينبغي لأحد من بعدهم - ( عطاء ) من الحق بغير حساب ، فإمساكهم للعطاء أو بذله لا يؤثر في ملكه تعالى ..وعليه فما المانع في سياق هذا العطاء من إعمال الشفاعة في ( أقصى ) درجاتها الممكنة ، في ( أدنى ) القابليات الموجودة في العصاة من المخلوقين ؟..وقد ورد عن الباقر (ع) أن أرجى آية في القرآن قوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }..ثم قال : الشفاعة ، والله الشفاعة ، والله الشفاعة ..وقد فسر الصادق (ع) رضا النبي (ص) في الآية نفسها بقوله: { رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد }نور الثقلين-ج5ص594.
الومضة رقم 212: التنـزل إلى عالم الغافلين
إن للغافلين عن الحق عوالمَ خاصة ، لا ينبغي التنـزل إليها من قِبَـل الذاكرين لله تعالى ..فإن عوالمهم شبيهة جدا بعالم الطفولة ، فتراهم يأنسون بما يعترفون أنه لعب فيذهبون إلى ( الملعب ) ، وبما يعترفون أنه لهو فيذهبون إلى ( الملهى ) ..فأداة اللهو لديهم يكبر حجماً قياسا إلى ما يلهو به الطفل ، وطريقة اللعب تبدو اكثر جدية قياسا إلى الطريقة الساذجة التي يلعب بها الطفل ..والتنـزل إلى عوالمهم يكون إما ( بالأنس ) بهم مطلقا ، أو ( بالمشاركة ) في لهوهم ولعبهم ..وهناك سبيل آخر للتنـزل يتمثل في ( الغضب ) والدخول في الخصومة معهم ، تجعل صاحبها يتعامل - شاء أم أبى - بأسلوب تخاصم الغافلين ..وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { ما تسابّ اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل }البحار-ج78ص335 .
الومضة رقم 213: مودة ذوي القربى
عندما يراجع المتأمل آيات أجر الرسالة ، يلاحظ أنها مذيلة بأمور ثلاثة..الأول: أن أجر الرسالة يتمثل بمودة ذوي القربى لقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى }، الثاني :أن ثمرة أجر الرسالة إنما تعود للمرسل إليهم لقوله تعالى: { ما سألتكم من أجر فهو لكم }، الثالث:أن سؤال الأجر إنما هو ممن يريد اتخاذ السبيل إلى الله تعالى لقوله تعالى: { ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا }..فيستفاد من مجموع ذلك: أن مودّة ذوي القربى بدرجة من الأهمية جُعلت ( أجرًا ) للرسالة ، وذلك لأنها مقدمة لفهم الرسالة وللعمل بها ، وأن الفائدة - بذلك - إنما ( تعود ) إلى أهل المودة ، وأن ذوي القربى هم ( السبيل ) إليه تعالى .
الومضة رقم 214: الحركة ثم البركة
إن الحق أمر مريم (ع) بهزّ جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجنيّ ..ومن ذلك يُعلم أنه لابد للعبد من ( الحركة ) ليتحقق من الحق ( البركة ) ..فرغم أن مريم (ع) كانت في ضيافة الحق ورعايته - مع ما فيها من عوارض الحمل والوضع - إلا أنها مأمورة أيضا ببذل ما في وسعها ، وإن كان بمقدار هز الجذع على سهولته .
الومضة رقم 215: الحقيقتان المتمايزتان
عندما يترقى العبد في سلم التكامل ، يصل إلى درجة لا يرى في الوجود إلا حقيقتين متمايزتين وهو وجود ( الحق ) وما يرتبط به ، ووجود ( الأغيار ) وما يتعلق بهم ..وكل ما سوى الحق له لون واحد متسم بالبطلان ، وإن لم يكن كذلك في النـظر القاصر ، إذ أن كل شيء ما خلا الله باطل ، وهي الحقيقة التي توصل إليها من كان في الجاهلية ، واستحسنها النبي (ص) منه إذ قال : { وإنها اصدق كلمة قالته العرب }البحارج7ص294..فمثلا الالتفات إلى ( الـذات ) وإلى ملكاتهـا الفاضلة ، وإلى ( العبادات ) الصادرة منها ، يُـعدّ التفاتا إلى ما سوى الملك الحق المبين ، شأنه في ذلك شأن الالتفات إلى باقي أفراد المتاع الباطل ، إذ أن كل ما ذكر من الأغيار ، أفراد لحقيقة واحدة ، في مقابل الحق المتعال ..فالالتفات إلى غير الحق له أثر واحد ثابت ، ويترتب عليه أثر الإعراض عن الحق بدرجة من درجات الإعراض عن الحق ، وإن كان المُلتَفَت إليه حسنا في حد نفسه ، كالصالحات من الأعمال والزاكيات من الأفعال .
الومضة رقم 216: وجدان حالة العبودية
إن من أعظم رتب العبودية ، أن يجد الإنسان نفسه عبدا لله تعالى - بكل ما تحمله كلمة العبودية من معنى - كإحساسه بباقي صفاته الوجدانية كالأبوة والزوجية وغيرها ..وهذه حالة وجدانية لا نظرية ، قد لا تعتري حتى المعتقد ( بعبوديته ) للحق طوال حياته مرة واحدة ..فإذا كان العبيد بين يدي الخلق لهم إحساس باطني متميز عن الأحرار - هو الذي يحركهم للقيام بوظائف العبودية تجاه مواليهم - فكيف إذا أحس العبد بهذا الشعور ، بالنسبة إلى من الوجود ( منه وبه وله وإليه ) ؟!..عندئذ يتحول وجوده إلى وجود متعبد بين يدي الحق بظاهره وباطنه ، تعكسه هذه الفقرة من الطلب في دعاء كميل: { اللهم اجعل لساني بذكرك لهجا ، وقلبي بحبك متيّما }.
الومضة رقم 217: الإحتفاف بالشهوات والشبهات
كما أن عالم القلب محفوف ( بالشهوات ) التي تخيّم على القلب فتسلبه إرادته ، فكذلك عالم الفكر محفوف ( بالشبهات ) التي تحوم حول الفكر فتسلبه بصيرته ..وللشيطان دور في العالمين معاً ، فيزيّن الشهوات للقلب بمقتضى ما ورد في قوله تعالى: { لأزينن لهم في الأرض } ، كما يزين زخرف القول للفكر بمقتضى قوله تعالى: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا }..ولا يبعد أن تكون بعض المذاهب الفكرية التي حّرفت أجيالا بشرية على مر العصور كالشيوعية مثلاً ، وليدة مثل هذا الإيحاء الشيطاني لقادة هذه الأفكار الباطلة ، بل لأتباعهم المتفانين في نصرة تلك المذاهب ..والقرآن الكريم يشير إلى حقيقة هذا الإيحاء عند مجادلة المؤمنين بقوله: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم }..وإلا فكيف نفسر ( نشوء ) مذاهب بمبادئها وقادتها وأنصارها واستمرارها قرونا طوالا ، وكأن هناك يداً ( واحدة ) هي المسيطرة على مجرى الأحداث ؟!..ومن هنا يعلم أيضاً ضرورة الاستعاذة الجادة بالحق ، سواء في مجال دفع الشهوات عن القلب ، أو دفع الشبهات عن الفكر ، لئلا يتحول العبد ياتباع خطوات الشياطين ، إلى إمام من الأئمة الذين يدعون إلى النار .
الومضة رقم 218: التفاعل الموجب للحزن
كثيرا ما تتفاعل أنفسنا مع بعض الذكريات المحزّنة ، أو الخواطر المشوّشة ، وبالتالي نوقع أنفسنا ( باختيارنا ) في دائرة التوتر والقلق ..فعلى العاقل أن يضع جهاز مراقبة في نفسه ، لمنع توارد مثل هذه الخواطر المقلقة ، أو بالأحرى منع استقرارها في النفس ..فإن الخواطر قد تتوارد على القلب من دون اختيار ، وليس في ذلك ضير - وخاصة في أول الطريق - بل البأس كل البأس في التفاعل مع ( الهاجس ) على أنه حقيقة ، ومع ( المستقبل ) على أنه حاضر ، ومع ( الموهوم ) على أنه متيقن .
الومضة رقم 219: اجتياز المشاعر الباطلة
إن العبد قد يعيش بعض المشاعر الباطلة في نفسه كالحسد والحقد وغير ذلك ، فيوجب له ( اليأس ) والتذمر لما آل إليه أمره ، ( فيترك ) بسبب ذلك السير التكاملي نحو الحق ، والحال أن مثل تلك المشاعر قد ( تتوارد ) على النفس وتتجول في جنباتها من دون استقرار وثبات ، فيكون مثلها كمثل الأجنبية التي ترد الدار من دون أن تستقر أو تتفاعل مع صاحبها ، فلا يذم صاحب الدار على مجرد هذا الاجتياز ، الذي لم يستتبع أية صورة من صور الفساد .
الومضة رقم 220: تمني الخلاص
إن الذي ( يتمنىّ ) الحياة خارج السجن ، لابد وأن ( يعمل ) ما يوجب له الخروج من السجن ..فإن مجرد ( معرفته ) بما هو فيه لا توجب له ( الخلاص ) ، وإن كانت هذه المعرفة - في حد ذاتها - من معدات الخلاص ، وهذا خلافا للجاهل بحقيقة مسجونيته ، وذلك كمن يولد في السجن ، فلا يكاد يصدق بمكان أرحب منه ..وعليه فإن المؤمن العالم بحقيقة الدنيا وضيقها ، يسعى جاهدا للخروج منها بروحه ، وإن بقي فيها ببدنه ، مصداقا لقوله (ع): { صحبوا الدنيا بأبدان ، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى }..ومن المعلوم أن هذا الإحساس يجعل صاحبه يعيش عوالم رحبة وإن ضاقت به الأرض ، إذ كيف تضيق الأرض بمن يعيش بروحه في الملأ الأعلى ؟!..ومن هنا يعلم أيضاً السر في أن المؤمن لا تنتابه حالات الانهيار التي تصيب أهل اللذائذ ، وإن كان في أشق الظروف وأمرّها .
الومضة رقم 221: روح العبادة
إن روح العبادة هي ( الالتفات ) إلى الغير بشتى صور الالتفات ، وإن لم نعتقد ( ربوبية ) الملتَفَت إليه ، ومن هنا أعتبر الإصغاء للناطق كالعابد له ، لأنه في مظان الطاعة له لاحقاً ، فإن روح العبادة هي الطاعة قوة أو فعلاً ..وقد حذّر القرآن الكريم من الشرك بكل صوره وأشكاله ، واعتبر الهوى إلها متخذا من دون الله تعالى ، وذلك لالتفات العبد إلى هواه وطاعته له ..وإلا فَمَن الذي يعبد الهوى بالمعنى الظاهري للعبادة كعبادة الأوثان والأصنام ؟!..وبناء على ما ذكر فما القيمة الكبرى لعبادة من ( نعتقد ) بربوبيته ، مع عدم ( الالتفات ) إليه لا إجمالاً ولا تفصيلاً ؟!..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { أما يخاف الذي يحوّل وجهه في الصلاة ، أن يحوّل الله وجهه وجه حمار }البحار-ج75ص468..فإذا كان تحويل الوجه الظاهري عن المولى في معرض هذه العقوبة القاسية ، فكيف بتحويل الباطن عنه ؟! .
الومضة رقم 222: الإحساس بالتقصير العظيم
إن من الضروري الإحساس - ولو بين فترة وأخرى - بالتقصير العظيم في حق المولى الكريم ، كما يشير إليه تعالى بقوله: { وما قدروا الله حق قدره }..فكل لحظة يلهو فيها العبد عن ذكر ربه ، لهي لحظة سوء أدب بين يديه ، إذ كيف ( يلهو ) العبد والله تعالى ( مراقبه ) ، أم كيف ( يسهو ) وهو ( ذاكره ) ؟!..فلو ترادفت لحظات الغفلة في حياة العبد - كما هو الغالب - لوجب أن يتعاظم شعوره بالتقصير ، ويشتد حياؤه منه.
الومضة رقم 223: تقديم القربان
تتوقف ( حيازة ) بعض درجات القرب العالية من الحق ، على ( تقديم ) قربان يتمثل في شيء من الخوف والجوع ، ونقص في الأموال والأنفس والثمرات ..فالعبد - الذي تولى الحق تربيته - يجد في نفسه حالة من التكامل والرقي بعد كل وجبة بلاء ، تزول محنته ويبقى أثره ، وهذا ما نلحظه في حياة الأنبياء (ع) ، فلكل نبي بلاء مختص به: كأيوب وإبراهيم ويعقوب (عليهم السلام ) ..وتصل قمة البلاء في النبي (ص) الذي أوذي بما لم يؤذ أحد قبله ، كما تتمثل قمة العطاء في تقديم القربان - عن طواعية واختيار - كما كان الأمر كذلك في سيد الشهداء (ع) ..وعليه فإن على المؤمن السالك إلى الحق ، أن يستعد لصنوف البلاء ، أسوة بمن مضى قبله ممن هم أفضل منه ، ولو كان الإعفاء من البلاء لطفا ، لكان الأنبياء أولى بهذا اللطف .
الومضة رقم 224: الطُّعم لصيد أكبر
إن من الضروري أن نعلم أن بعض المحرمات - على بساطتها - بمثابة طعم لصيد أكبر ..فالسمكة الكبيرة تصطاد بدودة صغيرة ، والعبد قد يدخل السجن الكبير من الباب الصغير ..فالنظرة المحرمة إلى المرأة وأشباه ذلك من الذنوب التي نستصغرها ، بمثابة الدودة الصغيرة التي توقع آكله في الشباك ، فينتقل من بيئته الآمنة ، إلى حيث الهلاك الذي لا نجاة منه ..ومن هنا عُـبّر عن بعض الذنوب أنه سهم من سهام إبليس ، وما السهم إلا عود دقيق يوجب الهلاك العظيم .
الومضة رقم 225: حجب النور
وردت في بعض الأدعية عبارة حجب النوركما في المناجاة الشعبانية ..فكيف يكون النور حجابا وبالنور تكشف الحجب ؟!..والجواب عن ذلك هو أن التأمل في ( النور ) قد يشغل الإنسان عن ( منوّر النور ) ..والحال أن النور ليس إلا أثرا من آثار المنور ، كما ورد في ذيل دعاء عرفة فإن{ التردد في الآثار يوجب بعد المزار }..فالمطلوب من العبد هو التفاعل مع النور بمقدار ما يوصله إلى منوّر النور ، لا ( الوقوف ) عند النور والانشغال ببريقه ، وإن كان هو خيرا من الظلمة ..هذا إذا كانت الإضافة بيانية كما هو الظاهر في أحاديث الإسراء ، وأما لو كانت لامية فإن في ذلك إشارة إلى ما يحجب عن النور من موجبات الظلمة .
الومضة رقم 226: الضيافة في العبادة
إن هناك وجهُ شبهٍ أكيدٍ بين الحج والجهاد والصيام ..فالعبد في تلك المواسم الثلاث ، في حال عبادة ( مستمرة ) وممتدة ، خلافا لعبادات أخرى واقعة في ( برهة ) من الزمان كالصلاة والزكاة ..ومن هنا كان العبد في ضيافة المولى في الحالات المذكورة كلها وبامتداد أوقاتها ، وتبعاً لذلك كان مأجورا في كل تقلباته ، كالأكل والنوم حتى النَفَس الذي ورد أنه تسبيح حال الصيام ..فالكريم كل الكريم هو الذي يكرم ضيفه في كل أوقاته ، بالضيافة اللائقة بذلك الوقت .
الومضة رقم 227: تكريم حجر وتقديس حجة
إن الطواف حول البيت ، فيه تكريم لأحجار منتسبة إلى الحق المتعال ، وكل ( تقديس ) بأمره فهو طاعة له يترتب عليه الأجر العظيم ..وزيارة قبور المعصومين (ع) فيها تقديس لحجج منتسبة إلى الحق ..وشتان بين تكريم ( حجر ) و تقديس ( حجة ) ، كالبون الشاسع بين كتاب للهٍ صامتٍ وآخرَ ناطق ..ولعله من أجل ذلك ، دلّت الروايات على أن الحق ينظر يوم عرفة إلى زوار قبر الحسين (ع) ، قبل النظر إلى زوار بيته الحرام .
الومضة رقم 228: الوجل بعد الذكر
إن وَجَل القلب عند ذكر الحق لا يلازم ( الخوف ) والرهبة فحسب ، بل قد يقترن ( بالإجلال ) والتعظيم وخاصة بعد الغفلة ، ولهذا وقع بعد الذكر الرافع لتلك الغفلة ..مَثَل ذلك مَثَل من كان في ضيافة عظيم تشاغل عنه الضيف ، وفجأة أطلّ ذلك العظيم عليه - وهو في غفلة عنه - فإن شعوراً بالوجل سينتاب الضيف ، لا لخوفه منه - إذ هو آمن من سخطه في ضيافته - بل لأجل التقصير في إجلاله وتعظيمه ..فالعبد قد يعيش حالة رتيبة من الغفلة ، يقطعها الذكر ( المفاجئ ) عند تلاوة آياته ، فينقلب إلى عبد وَجِل ، مصداقا لقوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }.
الومضة رقم 229: التفاعل غير المجاورة
إن التفاعل الروحي مع الفعل ( كالدعاء ) أو المكان ( كالمسجد ) أو الزمان ( كشهر ) رمضان أو الحالة ( كالحج ) ، يحتاج إلى نوع امتزاج واندماج مع ما ينبغي التفاعل معه ، كتفاعل سائلين في قارورتين إذا صبتا في قارورة واحدة ..أما مجرد مجاورة قارورة لأخرى ، لا يكفي لإحداث مثل هذا التفاعل ..والذي يحصل مع عامة الخلق هو الحالة الثانية ، فإنهم يجاورون الطاعات مجاورةً لا تفاعلاً ، فتراه في جوف الكعبة ببدنه وكأنه في عقر داره بقلبه ..فمَثَله كمَثَل من وضع قارورة داخلَ أخرى ، بمالا يستتبع أي تفاعل أو اندماج ، وإن تمت المجاورة الموهمة للتفاعل الكاذب .
الومضة رقم 230: نعيم الآخرة في الدنيا
إن من أهم صور النعيم في الآخرة هو ما يصفه القرآن بقوله: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }..وذلك نظرا لما يلازمه من أنواع ( التجلّيات ) الجلالية والكمالية ، و( كشف ) الحجب ، وبذل ( الألطاف ) الخاصة ..وليعلم أن حقيقة النظر إلى الحق المتعال ، أمرٌ لا تستوعبها النفوس الساذجة ، وذلك لأنها تحتاج إلى بلوغ روحي خاص قلّ من يصل إليه ..وعليه فلو أمكن للعبد أن يصل إلى هذه المرحلة من التلذذ بالنظر إلى الرب المتعال - وهو في الحياة الدنيا - فإنه يحوز على ألذ متع الآخرة ، قبل أن ينتقل إليها ، إذ أن جوهر الجنة مرتبة الرضوان وما يستلزمه من الدرجات ، وما دام العبد واجداً للجوهر ، فلا ضير من تأخر العوارض الأخرى إلى أجل معلوم ..فهو في حالة التذاذ دائم - دنياً وبرزخاً وعقبًى - وإن اختلفت درجة الالتذاذ بحسب المرحلة التي هو فيها ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
الومضة رقم 231: بلاء عالم التفكير
إن الإبتلاءات التي تعرض للمؤمن في عالم الذهن والتفكير لمن ( أعظم ) أنواع البلاء ، وذلك لشدة حاجته إلى صفاء في ذهنه ، ليتفرّغ للتفكير فيما يعنيه من أمر آخرته ودنياه ..فإذا ( كدّر ) الفكر شيء من مكدرات الأذهان: كالوسوسة ، والتفكير القهري ، والتوجس من الأوهام ، والقلق من المجهول ، ( افتقد ) العبد سيطرته على النفس المتلاطمة بأمواج ما ذكر ..وهذا بخلاف الإبتلاءات المتعلقة بعالم الأبدان - كالمرض والفقر - فإنها قد لا تشوّش العبد المراقب لقلبه ، وذلك لأن البلاء متوجه ( للبدن ) ومراقبة الحق إنما هو ( بالقلب ) ..فمثل ذلك كالبصر السليم في البدن السقيم ، وسقم البدن لا يمنع الإبصار مع سلامة البصر .
الومضة رقم 232: العبادة في الراحة
قد يستفاد من قوله تعالى: { فلما تولى إلى الظل قال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير }، أن الراحة و ( هدوء ) البال - حال الدعاء - لمن دواعي التوجه في الدعاء ..فإن موسى (ع) آثر الدعاء في الظل تحت الشجرة - كما في الحديث - حيث التخلص من حرارة الشمس ، أو زحمة الخلق ، أو غير ذلك من المقارنات ..فلا ضير على المؤمن في مثل الحج أو غيره ، أن يريح نفسه من بعض ( المشاق ) المانعة له من التوجه إلى الحق المتعال ، ولهذا لم يرجُح الصيام لمن يُضعفه عن الدعاء في يوم عرفة ..ومن ذلك يفهم ضرورة ترتيب سلم الأولويات في الواجبات والمستحبات معاً ، لئلا يبطل المهم أثر الأهم ..ومعرفة هذا الترتيب تتوقف على قابلية الاستلهام ، الرافع للإبهام في كل مراحل السير إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 233: الرزق المادي والمعنوي
كما أن الأرزاق ( المادية ) بيد الحق يصرّفها كيفما شاء وأينما أراد ، فكذلك الأرزاق ( المعنوية ) المتمثلة بميل القلوب إلى الخير ونفورها من الشر ، من الهبات الإلهية العظمى التي يختص بها من يشاء من عباده ..والعبد المرزوق هو الذي وهب الثاني وإن حرم الأول ، إذ به يحقق الهدف من الخلقة وهو عبودية الواحد القهار ..وقد أشار الحق للرزقين معاً في قوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات } ، مقدما هويّ القلوب وهو الرزق المعنوي ، على رزق الثمرات وهو الرزق المادي ..ومن الملفت أن هذا الرزق المعنوي الخاص الذي طلبه إبراهيم الخليل (ع) ، قد ( شمل ) الكثيرين ببركة دعوته ، وهو ما يتجلى لنا في توجُّه الخلق بشتى صنوفهم - من الطائعين والعاصين - إلى بيته الحرام منذ زمانه إلى يومنا هذا ..وكأن هناك من يتصرف في قلوبهم ، فتجعلها تهوي إليه ولو من شقة بعيدة .
الومضة رقم 234: علاج الشرود الذهني
يقول الشهيد الثاني في أسرار الصلاة لعلاج ( الشرود الذهني ): لكن الضعيف لا بد أن يتفرق فكره بقليل ما يسمع أو يرى ..فعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره ، أو يصلي في بيت مظلم ، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ، أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ، ويحترز من الصلاة على الشوارع ، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة ، وعلى الفرش المزينة ..ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم ، سعته بمقدار ما تمكن الصلاة فيه ، ليكون ذلك أجمع للهمّ .
الومضة رقم 235: أثر التحليق الروحي
إن من ( آثار ) التحليق الروحي - عند تحققه - هو أن يرى ( صغر ) ما دون الحق في عينه ..فمَثَله كمثل الطير الذي حلّـق في أجواء عليا ، فيرى كل عناصر الأرض وهي أصغر بكثير من حجمها وهو ينظر إليها عندما يدبّ على الأرض ..وعليه فإن صِغَـر الدنيا في عين صاحبها ، ( علامة ) صادقة لتحليق روح صاحبها في أجوائه العليا ، وأما الذي يدعي التحليق ، أو يتوهّم حصول مثل هذه الحالة في نفسه - وهو مُعجب بشيء من المتاع - فليعلم أنه قد ضلّ سعيه ، وغلب عليه وهَـمُه ، ولا زال متثاقلاً إلى الأرض لا محلّـقاً في السماء .
الومضة رقم 236: حقيقة الخلوة والاعتزال
إن حقيقة الخلوة والاعتزال ليست ( بالهجرة ) من المكان ، أو ( الهجران ) للخلق ، بل الخلوة بالحق تتحقق بترك الأغيار طرًّا حتى النفس ، والتي هي من أكبر الأغيار ..فالمشغول برغبات نفسه - حتى في جلب المنافع الباقية لها - غافل عن الحق ، فضلا عن تحقيق الخلوة معه ، ولو تحققت منه هذه الخلوة الحقيقية في العمر مرة واحدة ، لأحدث قفزة كبرى في الطريق ، جابرا بذلك تخلفه عن ركب السائرين إليه ..ومن أفضل مواضع الخلوة هذه ، هو السجود الذي يمثّل الذروة في ترك الأغيار ( حساً ) إذ لايرى أحدا في حالة السجود ، ( ومعنىً ) لأنه أقرب ما يكون إلى ربه ..وهذه هي الحركة التي اختارها الحق المتعال ، عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم (ع) في بدء الخلق البشري ، ومنها انشقت مسيرة السعادة والشقاء .
الومضة رقم 237: إنكار المقامات الروحية
إن من الخطأ بمكان أن ينكر الإنسان المقامات الروحية العالية ، التي يمكن أن يصل إليها العبد بتسديد من ربه ..هذا ( الإنكار ) لو اقترن أيضا باستصغار قدر أهل المعرفة ، قد ( يعرّض ) العبد لسخط المولى الجليل ، وبالتالي ( حجبه ) عن الدرجات التي كان من الممكن أن يصل إليها ، لولا ما صدر منه من سوء الأدب بحق أولياء الحق ، لأن الاستخفاف بأولياء الحق يعود إلى الحق نفسه ، لأنهم من شؤونه .
الومضة رقم 238: الخير الكثير
أطلق الحق تعالى وصف الخير الكثير ، على الحكمة التي أعطيت للقمان الحكيم ..وهي تحتاج إلى قلب ( مطهّر ) من الدنس ، لتتلقى تلك الجوهرة القيّمة ، إذ من الحكمة أيضا لحاظ السنخية بين الظرف والمظروف ، فإن المظروف المطهّر لا يستقر إلا في الظروف الطاهرة ..ومن الموانع لتلقي هذه الحكمة: الشرك في العمل ، وعدم العمل بما يقتضيه العلم ، وتوارد الخواطر والأوهام بكثافة في النفس بما يفقدها السلامة والاستقرار ، فتكون مرتعا ( للشياطين ) المانعة من إلهامات ( الملائكة ) الموكلة بذلك ..ومجمل القول أن على العبد أن يعمل بما يوجب اختيار الحق له أهلاً لتلّقي حكمته ، فيُمنح مثل هذه الهبات العظمى ، وقد ورد في الخبر: { وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهم العلم إلهاماً }البحار-ج25ص127.
الومضة رقم 239: الحذر من زوال النعم
ينبغي التأمل في مضمون الدعاء الوارد: { اللهم ارزقني عقلا كاملا ، وعزماً ثاقبا ، ولبا راجحا ، وقلبا زكيا ، وعلما كثيرا ، وأدباً بارعاً ، واجعل ذلك كله لي ، ولا تجعله عليّ }البحار-ج87ص325..ففيه تحذير بأن هذه النعم - على جلالتها - ليست في صالح العبد دائما ، وذلك نظرا إلى: ( إمكان ) سلبها فتكون الحجة على العبد أبلغ ، أو( تعريض ) صاحبها للعجب والغرور ، أو عدم ( شكر ) تلك النعم بما يناسبها ، أو ( استعمال ) ذلك فيما من شأنه أن يبعده عن ربه ..وغير ذلك من آفات النعم التي ينبغي أن يحسن جوارها ، إذ أنها وحشية تنسل عند الغفلة عنها .
الومضة رقم 240: الاختبار الدقيق للقلب
إن من الاختبارات الدقيقة للقلب ، هو إرساله في ما يهواه من دون تكلف ، ليعلم ( محطات ) هبوطه ..( فاختيار ) القلب لمواقع الهوى الذي يلائمه ، هو الذي ( يعكس ) توجّه القلب ، ومستوى ارتفاعه أو انحطاطه ، وإن بلغ صاحبه من العلم النظري ما بلغ ..فالقلب المـُغرم بالشهوات - عند إرساله من دون تدخل العقل في إقناعه بخلاف ميله - لهو قلب بعيد عن مدارج الكمال ، لأن هذا الانتخاب التلقائي للقلب يدل على قبلته الطبيعية ، وهي التي تحدد تلقائيا مسار العمل بالجوارح ، وإن تكلف صاحبها خلاف ذلك ..ولو ترك القلب على رسله فيما يهوى ويكره ، لقاد بالعبد إلى الهاوية ، فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق .
الومضة رقم 241: ظلم من لا ناصر له
إن من أسباب الإرباك الشديد والمفاجئ في حياة بعضهم ، هو ( ظلمهم ) لمن هو دونهم ، وعلى الأخص الذين لاناصر لهم إلا الله تعالى ..بل إن من صور البلاء هو الابتلاء بضعفاء الخلق ، فكما أنهم ( آلـة ) للتسخير والاستثمار وقضاء المآرب ، فكذلك هم من موارد ( تحمّل ) الظلامة ..فليكن الحذر من الجهة الثانية ، غالباً على الركون إلى الجهة الأولى ، لفناء المنافع في الأول وبقاء التبعات في الثاني .
الومضة رقم 242: المتعة بلا لذة الحس
كثيرا ما يجد الناس متعة كبرى في الجلوس مع من يهوون ، وإن لم يتخلل ذلك أية لذة ( حسيّة ) من مأكل أو مشرب أو غير ذلك ، كسكون الأم إلى ولدها بعد طول غياب ، وكارتياح عشاق الهوى إلى بعضهم يصل إلى حد الجنون كما هو مدون في تاريخ الأمم المختلفة ..فيا تُرى ما هو حال العبد الذي ترقّى في عالم العبودية بما جعله يأنس بمصاحبة الحق ؟!..ومن العجب أن ينكر المعتقدون بالحق لذة ( المصاحبة ) هذه ، وهم يرون ما يشبه ذلك في حياة البشر مع بعضهم البعض كالنماذج التي ذكرناها أولاً ، غافلين عن هذه الحقيقة الواضحة: وهي أنه لو تحققت اللذائذ النفسية في عالم ( الحس ) ، فكيف لا تتحقق في عالم ( المعنى ) مع أنها أوفق به لكونها من سنخه ؟!..إذ أن مجرد الارتياح والسكون إلى من يهواه القلب ، لمن أعظم روافد التلذذ الذي يفوق حتى التلذذ الحسي..وقد ذكرنا آنفا لذة عشاق الهوى ، بمجرد الجلوس المجرد من أية متعة أخرى .
الومضة رقم 243: الإحساس بالطرد
يصل العبد بعد مرحلة من ( تراكم ) الذنوب إلى مرحلة الإحساس بالطرد - ولو المرحلي - من ساحة قدسه ، وعلامة ذلك ما ذكر في مناجاة الإمام السجاد (ع): من إلقاء النعاس عند الصلاة ، وسلب المناجاة عند إرادة المناجاة ، وإزالة القدم عن مجالس التوابين ..فعلى العبد أن ( يستقصي ) أسباب ذلك بوسوسة وقلق شديدين ..ويذكر الإمام (ع) في الدعاء نفسه بعض الأسباب: كالاستخفاف بحقه تعالى ، والإعراض عنه ، والدخول في مقام الكاذبين ، وانتفاء الشكر ، والفقدان من مجالس العلماء ، والدخول مع الغافلين ، والألفة مع البطّالين ، وقلة الحياء من الحق .
الومضة رقم 244: الطمع في مودة القلوب
إن الذي يطلب توجّـه القلوب إليه - طمعا في مودة القلوب لا مقدمة لسوقها إلى الحق - ينازع المولى في أعزّ ممتلكاته ..فما دام القلب ( حرم ) الحق وعرشه ، فليس من الأدب أبدا أن يسعى العبد ( لاجتذاب ) أزمّـة القلوب ، منافسةً للحق في سلطانه ..فهذا نوع غصب وسرقة قد تكون أشد ضررا من سرقة الأموال وغصبها ، إذ أنها تحـدّ فيما يختص به الجبار الذي لا يقوم لغضبه شئ في الأرض ولا في السماء .
الومضة رقم 245: معاملة الناطق
ينبغي معاملة بعض الأمور ( الصامتة ) ظاهرا معاملة الموجودات ( الناطقة ) واقعا ، وكأنها حية تستشعر ما يقال لهـا ..كما وردفي خطاب الإمام السجاد (ع) لشهر رمضان: { السلام عليك يا أكرم مصحوب }و{ السلام عليك من أليف آنس مقبلا }وللهلال في كل شهر: { أيها الخلق المطيع الدائب }وكخطاب الكعبة: { الحمد لله الذي عظمك وشرفك وكرمك }..والقرآن الكريم مما ينبغي أيضا معاملته بهذه المعاملة أيضا ، فيحدثّه العبد - إذا أحس بتقصير في تلاوته - معتذرا من عدم الوفاء بحقه ، ليتجنب بذلك شكوى القرآن يوم القيامة ، إذا كان في بيت تهمل فيه قراءته .
الومضة رقم 246: البلاء بعد التوفيق
ليتوقع العبد شيئا من البلاء بعد كل توفيق ، كما يتوقع شيئا من التوفيق بعد كل بلاء ، كموسم الحج ، أو شهر رمضان ، أو طاعة مقترنة بمجاهدة ..والسر في هذا التعثر والسقوط الذي يعقب بعض التوفيق هو: إما ( غيظ ) الشياطين وإرادتهم الانتقام منه حسدا لبني آدم فبكيدون له المكائد بعد كل توفيق ، أو ( إرادة ) الحق لاختبار صدق العبد في الوفاء بعهد العبودية ..فإن العبد في تلك المواسم يعاهد ربه على أمور كثيرة ثم لا يجد المولى له عزماً ، رغم كل النفحات التي أرسلها على عبده من دون استحقاق يذكر !!..وبذلك يدرك العبد أن ما طلبه من الحق في تلك الحالات ، إنما هو مجرد أمانيّ لم يشفعها ( بالطلب ) حقيقة ، فإن التمنّي حقيقة تغاير الطلب كما هو واضح .
الومضة رقم 247: الأمور العلمية المذهلة
إن الانشغال بالأمور العلمية الذي يوجب الذهول عن الحق ، إنما هو ( حجاب ) للعبد وإن كان فيما يخص الحق كالعلوم المرتبطة بالدين ..فمَثَل هذا العبد كمَثَل من وفد على السلطان ، وانشغل بقراءة ما كتب عنه في مكتبته ، تاركا الأنس به في ساعة لقائه ..نعم لابأس بذلك في الساعات التي لم تخصص للقاء السلطان ، أو لم يؤذن له بذلك ، فيكون الوافد عليه ساعيا بين مكتبته وقاعة ضيافته ، وهذه هي من أفضل برامج الاستزادة منه ..ومن هنا عُلم أن أفضل ما يكون فيه العبد :إما ( عبادة ) بين يدي المولى ، أو ( طلب ) علمٍ نافعٍ يقرّب إليه ، أو ( قضاء ) حاجةِ من أمر المولى بصلته .
الومضة رقم 248: المحاكمة عند الفرح
ينبغي للمراقب أن يحاكم نفسه في ساعة ( الإنبساط ) التي لا يخلو منها أحد ..فإذا كان ذلك ( لإقبال ) دنياً ، أو ( تيسير ) شهوةٍ ، فلا ينبغي الاسترسال في ذلك السرور ، مصداقا لقوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }.
الومضة رقم 249: انتهاء موسم القرب
يتأثر البعض كثيرا عند انتهاء موسم الضيافة الإلهية كشهر رمضان والحج ، لإحساسهم بالخروج من دائرة الضيافة ..والحال أن المقربين قد لا تشتدّ وحشتهم بتلك المثابة ، لأنهم وإن خرجوا من دائرة ( الضيافة ( العامة ) ، إلا أنهم باقون في دائرة الضيافة ( الخاصة ) ، وذلك لوجود العلاقة المتميزة لهم مع الحق المتعال قبل موسم الضيافة وبعده ..ولهذا ينادون ربهم في كل ليلة: { ولك في هذا الليل نفحات وجوائز وعطايا ومواهب ، تمنّ بها على من تشاء من عبادك } ..ومن هنا يُعلم حقيقةَ أن السالك إلى الحق ، لا يتأثر سلوكه كثيرا بحسب الزمان والمكان ، خلافا لعامة الخلق الذين يعيشون حالاتِ ( تذبذبٍ ) عاليةٍ ، بحسب عوارض الزمان والمكان ، بما يسوقهم إلى الخير تارة وإلى الشر تارة أخرى .
الومضة رقم 250: أشد أنواع العذاب
إن من أشد أنواع العذاب على المستأنس بألطاف الحق ، هو( الإدبار ) القلبي ، الذي طالما يعرض على قلب المؤمن ، فيعيش عندها حقيقة الوحدة والوحشة التي تنتاب السجين عادة ..هذا الإحساس يجعله يتحاشى بحذر شديد ( موجبات ) الإدبار ، كالهارب من الحريق بعد اكتوائه بناره ..كما يعيش السرور الذي لا يوصف عند خروجه من سجن المحجوبية عن الحق المتعال ، ومن هنا يسعى مثل هذا العبد - جاهدا - في العمل بحذافير الشريعة بأحكامها الأربعة ، لا طلبا للأجر فحسب ، وإنما تحاشيا لما أسميناه بسجن ( المحجوبية ) عن الحق .
زلزال
01-24-2009, 03:30 PM
الومضة رقم 251: المنح الموهوبة
إن من المتعارف بين الخلق ( منح ) جائزة كبرى ، بعد ( تراكم ) الموجبات الجزئية لهـا ..كالمنح الدراسية الموهوبه في آخر الفصل لمن أحرز الدرجات العالية في كل فصول سنته ..والأمر في معاملة المولى لعبيده يشبه ذلك ، فبعد الطاعات الجزئية المتواصلة في كل مناسبات الشهور ، يمنح الحق عبده ( رتبة ) عالية من رتب القرب ، كمقام الرضا والسكون إلى الحق ، أو ( مقدمة ) من مقدمات تلك الرتب ، كاستضافته إلى بيته الحرام ، أو إلى مشاهد أحد أوليائه العظام ، مما يفتح له أفقاً جديدا للسير الحثيث نحو الحق المتعال ..ومن طرائف الأثر في مجال إستضافة الحق لأوليائه ، ما روي - في الاحتجاج - عن الإمام السجاد (ع) عندما دخل مكة ، وقد اشتد بالناس العطش وقال لمن هناك من العبّـاد: أما فيكم أحد يحبه الرحمن ؟!.. فقالوا: علينا الدعاء وعليه الإجابة ، فقال (ع): ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه..ثم أتى الكعبة فخر ساجداً ، فسُمع يقول في سجوده: { سيدي بحبك لي ، إلا سقيتهم الغيث }..فما استتم كلامه حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، فقيل له: من أين علمت أنه يحبك ؟!.. فقال (ع) : { لولم يحبني لم يستزرني ، فلما استزارني علمت أنه يحبني ، فسألته بحبه لي فأجابني }، وأنشأ يقول:
من عرف الرب فلم تُـغنه معرفة الرب فذاك الشقي
الومضة رقم 252: المعاملة بما يناسب المرحلة
كما أن معاملة الأب لأولاده يختلف بحسب سنيّ العمر ، فأولها الدلال وآخرها الهيبة والاحترام ، ويجمعهما المحبة والوداد ..فكذلك الأمر مع الرب الودود ، فتارة يتقرب إلى عبده بما يشعر معه ( الدلال ) والإنبساط ، وتارة يحتجب عنه بما يشعر معه ( الوحشة ) والانقباض ، وتارة يتجلى له بوصف العظمة والجلال بما يشعر معه ( الهيبة ) والإشفاق ..وهكذا يتعامل الحق مع - من يصنعه على عينه - بما يناسب مقتضى مرحلته ، وهو الخبير البصير بعباده .
الومضة رقم 253: مجمل شهوات الدنيا
إن شهوات الدنيا قد أجملها الحكيم المتعال في النساء والبنين والأموال بأقسامها من المنقول وغيره ، ويجمع ذلك كله: الاستمتاع ( بالاعتبارات ) كوجاهة البنين والعشيرة ، ( والواقعيات ) كالاستمتاع بالنساء والأموال ..وهذا مما يعين العاقل على مواجهة الشهوات بما يناسبها ، لأنها بتنوعها تندرج تحت قائمة واحدة ، وتصطبغ بصبغة واحدة وهي ملاءمتها لمقتضى الميل البشري ( السفلي ) ..فلو تصّرف العبد في طبيعة ميله ، وجعلها تتوجه إلى قائمة أخرى من مقتضيات الميل البشري ( العلوي ) ، لزال البريق الكاذب للقائمة الأولى ، لتحل محلها قائمة أخرى من الشهوات العالية ، وقد قال الحق المتعال عن هؤلاء : { والذين آمنوا أشد حبا لله }.
الومضة رقم 254: ترك التسافل
إن الوظيفة الأساسية للعبد أن ( يترك ) التسافل والإخلاد إلى الأرض ، بترك موجبات ذلك ، ولا يحمل بعد ذلك ( هـمّ ) التعالي والعروج ، إذ المولى أدرى بكيفية الصعود بعبده ، إلى ما لا يخطر بباله من الدرجات التي لا تتناهى ..إذ هو الذي يرفع عمله الصالح - على تفسيرٍ - لقوله تعالى: { والعمل الصالح يرفعه }، وبارتفاع ( العمل ) يرتفع ( العبد ) أيضا ، لأنه القائم بذلك العمل الصالح ، وقد عبّر في موضع آخر بقوله تعالى: { ورفعناه مكانا عليا } .
الومضة رقم 255: مادة الافتتان
ينبغي معاملة الدنيا معاملة المرأة التي ( ترافق ) العبد وهي في غاية الجمال مع عدم ( الإذن ) له بالزواج منها ..فلو انفصلت عنه لشعر صاحبها بالسرور والارتياح ، لارتفاع مادة ( الافتتان ) التي لا يُؤمن معها الزلل في ساعة من ساعات الغفلة ، بل اعتبرت بعض الروايات أن مثل هذا الحرمان كالحمية ، كما يحمي الطبيب المريض ..ولهذا يفرح المؤمن حقيقة ، بتخفيف زهرة الحياة الدنيا لديه - وإن رآه البعض فقداً وخسراناً - لما فيه من الجمع بين زوال الفتنة ، والتعويض عما سلب منه ..ومن هنا طلب الأولياء الكفاف من العيش ، إذ قد ورد: { فإن ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى }-البحارج58ص165.
الومضة رقم 256: ملاك النظر إلى الأجنبية
إن من المعلوم كون النظر إلى الأجنبية من موجبات ظلمة الفؤاد كما نلاحظ أثر ذلك بالوجدان ، كالنار التي لا تحرق الدار ولكن تسوّد جنباتها ..ولكن هناك أشياء أخري فيها ( الملاك ) نفسه ، وإن لم يكن ( حراماً ) بالمعني الفقهي للحرمة ، وذلك كمد البصر إلى ما مُتـّع به الآخرون من متاع الدنيا ، وتحديق النظر إليها ، والسؤال عن مظانـّها ، والحسرة على ما زُوي عن العبد منها ، كمن يمشي في السوق لينظر بحسرة إلى كل ما يراه ، ( فيُشغل ) فؤاده بما تراه عيناه ..وقد حذر القرآن من هذه الحالة بوضوح إذ قال : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه }.
الومضة رقم 257: أصناف أزواج الدنيا
إن علاقة الناس بالدنيا إما :زواج دائم ، أو زواج منقطع ، أو طلاق رجعي ، أو طلاق بائن ، أو عدم زواج أصلا ..فالأول: لأهل الدنيا ( المستغرقين ) في متاعها ..والثاني: ( للمستمتعين ) بها من غير استغراق ، فيقدمون رجلا ويؤخرون أخرى ..والثالث: لمن هجر الدنيا بعد أن انكشفت له حقيقة حالهـا ، ثم يعود إليها بمقتضى ضعفه ووهن إرادته ..والرابع: لمن ( هجرها ) بعد طول معاناة ، بما لا يفكر معها بالرجوع أبدا ..والخامس للكمّلين الذين ( لم يتصلوا ) بمتاعها - دواما وانقطاعا - لينفصلوا عنها طلاقاً رجعياً أو بائناً ، وقليلٌ ما هم .
الومضة رقم 258: الجيفة المجمدة
مثل بعض الصفات الرذيلة الكامنة في النفس ، والتي لم يُظهرها العبد - إما ( خوفـاً ) من الله تعالى كما عند أهل التقوى ، أو ( تعالـياً ) عن رذائل الأمور ، كما عند أهل الإرادة والرياضة - كمثل الجيفة المجمدة التي تنتظر الفرصة المناسبة ليظهر نتنها بما يزكم منه الأنوف ..فطريق الخلاص هو ( دفنها ) في التراب لتتحلل وتستحيل إلى مادة أخرى لا تنطبق عليها وصف الجيفة ..فصاحب القلب السليم هو الذي تخلص من رذائل نفسه ( بقطع ) مادتها ، إذ خلي باطنه من الجيفة بكل أشكالها .
الومضة رقم 259: إحسان من أسلم وجهه
قد يستفاد من قوله تعالى{ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن }:أن الإحسان من حالات المسلِّم وجهه لله تعالى ..فموضوع الآية في الدرجة الأولى هو العبد الذي أصلح ( وجهة ) قلبه وأسلمها للحق وأعرض بها عمن سواه ، ومن ثَمَّ صدر منه ( الصالحات ) من الأعمال ، كشأن من شؤون ذلك الموضوع ..ومن المعلوم أن رتبة الموضوع سابقة لرتبة الحالات الطارئة عليه ، وعليه فلا يؤتي الإحسان ثماره إذا لم تصلُح وجهة القلب هذه ..ومن هنا لم يقبل الحق قربان قابيل ، لأنه صدر من موضوعٍ لم تتحقق فيه قابلية الإحسان ، إذ قال تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين }.
الومضة رقم 260: كالسائر على طرف حائط
إن مَثَل السائر إلى الحق ، كَمَثل من يمشي على طرف حائط عالٍ ، يرى منه جمال الأفق بألوانها الآخذة بمجامع القلوب ، فلا يحتاج إلى ( الحـثّ ) للنظر إلى فوق ، لأنه مستمتع بنفسه ومستغرق بمشاهدة ألوان الجمال ، كما لا يحتاج إلى ( الزجر ) عن النظر إلى تحت ، لأنه بنفسه يخاف السقوط وما يستتبعه من حرمان للجمال وسقوط في الهاوية ، فالمهم في السائر إلى الحق أن يرى تلك الصور الجمالية التي تستتبع بنفسها الزجر من الإعراض عن ذلك الجمال ، والحث على الإقبال عليه.. وعندها ينتظم السير ويتباعد صاحبها من الزلل ، ويزداد الهدف وضوحاً والطريق إشراقاً .
الومضة رقم 261: إجتثاث الرذيلة الباطنية
أسند الحق الشح في آية: {ومن يوق شح نفسه} إلى النفس ، إذ من المعلوم أن الحركات الخارجية تابعة لحركات الباطن ..والشحّ الذي هو أشد من البخل - والذي يتجلى خارجا في منع المال - منشأه حالة في الباطن ..ومن دون علاج هذا الشح ( الباطني ) ، يبقى الأثر ( الخارجي ) للشح باقيا ، وإن تكلّف صاحبه في دفعه - خوفا أو حياء - كما نراه عند بعض متكلفي الإنفاق ..وهكذا الأمر في باقي موارد الرذائل ، كمتكلفي التواضع والرفق وحسن الخلق ..فاللبيب هو الذي ( يجتثها ) من جذورها الضاربة في أعماق النفس ، بدلا من ( تشذيب ) سيقانها المتفرعة على الجوارح .
الومضة رقم 262: من أرجى آيات القرآن
إن من أرجى الآيات قوله تعالى: { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }..والسر في ذلك أنها نازلة بحق اليهود وقبائحهم من عبادة العجل ، وكفران النعم ، وقتل الأنبياء ، ونقض الميثاق ، مع ما رفع فوقهم من جبل الطور تخويفا لهم ، كما ذكر في صدر الآية: { ورفعنا فوقكم الطور.. .ثم توليتم من بعد ذلك } ..فإذا استعمل الحق الودود ( أناتـه ) مع هؤلاء القوم ، فكيف لا يستعملها مع عصاة الأمة المرحومة ( بشفاعة ) نبيها (ص) ، وهم دون ما ذكر من قبائح بني إسرائيل بكثير ؟!.
الومضة رقم 263: التحايل في الحكم الشرعي
يستفاد من شدة عذاب بني إسرائيل عندما اعتدوا في السبت ، وتحايلوا في العمل بالحكم الشرعي ، أن الحق تعالى لا يحب ( تفويت ) مراده باحتيال العبد والتفافه حول حكم مولاه ، فإن كمال العبودية هو تحصيل ( مراد ) الحق ، إذا علم به العبد كيفما كان .
الومضة رقم 264: الاعتقاد بالبداء عند الدعاء
إن من الأمور المشجّعة على الإلحاح في الدعاء ، هو الاعتقاد ( بالبداء ) ..فإن الأمر بيد المولى الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ، وهو القادر على تغيير المفاسد في الحوائج ، إلى ( المصالح ) التي بحسبها يتغير ملاك الاستجابة نفياً وإثباتاً ..وعليه فما المانع من استقامة العبد في مطالبة الرب القدير بقضاء الحوائج العظمى كتغيير مقدرات الأمم ، فضلا عن تغيير مقدراته الفردية من الشقاء إلى السعادة ؟!..ومن أمثلة الاستجابة في الحوائج العظمى ، هو إعمال البداء في توقيت فرج وليه (ع) الذي ورد في حقه: { أن الله يصلح أمره في ليلة ، كما أصلح أمر كليمه موسى (ع) ليقتبس لأهله ناراً ، فرجع وهو رسول نبي }البحار-ج51ص156 .
الومضة رقم 265: القعود على الصراط المستقيم
ينحصر طلب الداعي في سورة الفاتحة - بعد مقدمات الحمد والثناء - في ( الاستقامة ) على الصراط ، كما انحصر تهديد الشيطان من قبلُ ، ( بالقعود ) على الصراط المستقيم نفسه ..ومن مجموع الأمرين يُعلم أن معركة الحق والباطل إنما هي في هذا الموضع ، والناس صرعى على طرفيها ، وقد قلّ الثابتون على ذلك الصراط المستقيم ..ومن هنا تأكدت الحاجة للدعاء بالاستقامة في كل فريضة ونافلة ..وليُعلم ان الذي خرج عن ذلك الصراط: إما بسبب ( عناده ) وإصراره في الخروج عن الصراط باختياره وهو المغضوب عليه ، وإما بسبب ( عماه ) عن السبيل وهو الضال .
الومضة رقم 266: الحق أولى بحسنات العبد
إن الله تعالى أولى بحسنات العبد من نفسه ، لأن كل الآثار الصادرة من العبد إنما هو من بركات ( وجود ) العبد نفسه ، والحال أن وجوده إنما هو ( فيض ) من الحق المتعال حدوثا وبقاء ..أضف إلى أن ( مادة ) الحسنة التي يستعملها العبد في تحقيق الحسنات ، ينتسب إلى الحق نفسه بنسبة الإيجاد والخلق ..فيتجلى لنا - بالنظر المنصف - أن دور العبد في تحقيق الحسنة ، دور باهتٌ قياسا إلى دور الحق في ذلك ..فلـيُقس دور مؤتي الزكاة من الزرع ، إلى دور محيي الأرض بعد موتها ، وما تمر فيها من المراحل المذهلة التي مكّنت المعطي من زكاته ، والتي هي أشبه بالأعجاز لولا اعتيادنا لها بتكررها..ومن هنا أسند الحق الزرع إلى نفسه ، رغم أن الحرث من العبد ، فقال : { أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } .
الومضة رقم 267: التدريب على تعظيم المخلوق
لا يبعد أن يكون ( الأمر ) بالسجود لآدم (ع) ، ( تدريباً ) للخلق على تعظيم المخلوق بأعلى صور التعظيم ، المتمثل بالسجود الذي لا يجوز لغيره تعالى ، وذلك فيما لو كان ذلك التعظيم بأمر من الحق نفسه ..ويظهر أثر ذلك في تعاملنا مع المعصومين (ع) ، فنوطّن أنفسنا على أعظم درجات الخضوع والتعظيم ، ما دام ذلك ( بأمـر ) من المولى وبرغبة أكيدة منه ، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ..وقد عمل بذلك آدم نفسه - عندما توسل بهم في بدء الخليقة - عند تلقّي الكلمات من ربه ، المتمثلة بالنبي وآله عليهم السلام ، كما رواه الكليني والصدوق والعياشي .
الومضة رقم 268: عبادة الحق كما يريد
طلب إبليس من الحق أن يعفيه من السجود لآدم (ع) ، مقابل عبادة لم يعبدها ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فكان جواب الحق كما روي عن الصادق (ع): { لا حاجة لي في عبادتك ، إنما عبادتي من حيث أريد ، لا من حيث تريد }البحار-ج11ص141..وفي ذلك بيان لقاعدة عامة ، وهي أن العبادة المطلوبة للحق هي ما طابقت إرادة ( المعبود ) لا رغبة ( العابد ) ..ومن هنا يكتشف العبد ضلالة سعيه إذا لم يكن مطلوبا للحق ، وإن وجد العبد سعيه حسناً ، مصداقا لقوله تعالى: { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً }.
الومضة رقم 269: القشر واللب
إن لعالم الوجود قشراً ولبـّا ، قد عبر القرآن عن الأول بظاهر الحياة الدنيا ، بما يفهم منه أن له باطنا أيضا وهو اللب ..فإذا أعمل الحق المتعال خلاّقيته بما يُذهل الألباب في الظاهر، فقال تعالى: { تبارك الله أحسن الخالقين }و{ بديع السموات والأرض }و{ أعطى كل شئ خلقه ثم هدى }و{ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح }..فكيف بآثار خلاقيته في عالم الألباب ؟! ، وهي الأرواح التي نسبها الحق إلى نفسه فقال : { قل الروح من أمر ربي }و{ ونفخت فيه من روحي }..ومن هنا يعلم شدة تقصير العبد في ( تزيين ) أكثر المخلوقات قابلية للجمال والكمال ، وهي ( نفسه ) التي بين جنبيه .
الومضة رقم 270: انقطاع تسبيح الثوب
أمر رسول الله (ص) عائشة بغسل برديه فقالت: بالأمس غسلتهما ، فقال لهـا: { أما علمت أن الثوب يسبح ، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه }الدر المنثورج4ص185..فالمستفاد من هذه الرواية أن القذارة ( الظاهرية ) مانعة من التسبيح ( التكويني ) ..وهنا نتساءل:كيف لا تكون القذارة ( الباطنية ) مانعة من التسبيح ( الاختياري ) ؟!..ومن صور الظلم أن يسبب العبد ما يوجب انقطاع تسبيح خلق من خلقه .
الومضة رقم 271: العقوبة في الطبيعة
أشار الحق في سياق العقوبات التي حلت ببني إسرائيل ، أن ماءهم تحول إلى دمٍ ، فقال : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم }.. فما المانع من حلول ( الغضب ) بعد مقتل الحسين (ع) ، بنفس الأسلوب من العقوبة كما ورد من وجود الدم ( العبيط ) تحت الحجارة في بيت المقدس ؟!..وكقول زينب (ع): { أفعجبتم أن قطرت السماء دما ؟! } .
الومضة رقم 272: المعية العامة والخاصة
إن هناك فرقا شاسعا بين المعيّـة الخاصة للحق المتمثلة بقوله: { إن الله مع الذين اتقوا } ، وبين المعيّة العامة المتمثلة بقوله: { وهو معكم أينما كنتم }..ففي الأول معيـّة ( النصر ) والتأييد ، وفي الثاني معيـّة ( الإشراف ) التكويني المستلزم للرزق والحفظ وغيره ..والفرق بين المعيّـتين كالفرق بين إطلالة الشمس على الغصن الرطب واليابس ، ففي الأول معـية التربية والتنمية ، وفي الثاني المعيـة التي لا ثمرة لها غير المصاحبة المجردة .
الومضة رقم 273: القلبان في جوف واحد
نفى الحق المتعال أن يكون لرجل ( قلبان ) في جوفه ، وقد روي عن الصادق (ع) أنه قال : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، يحب بهذا قوما ويحب بهذا أعدائهم }التبيان-ج9ص313..فإن للعبد ( وجهة ) غالبة في حياته ، وهـمّ واحد ، يدفعه لتحقيق آماله وأمانيه ، وتلك الوجهة هي التي تعطي القلب وصفا لائقا به ، فإذا كان إلهيـّا استحال القلب إلهيـّا وكذلك في عكسه ..فإذا اتخذ العبد وجهته ( الثابتة ) في الحياة ، لم تؤثر الحالات ( العارضة ) المخالفة في سلب العنوان الذي يتعنون به القلب .
الومضة رقم 274: التدبر فيما وراء الفقه
روي عن الصادق (ع) : { إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت ملكا عظيما ، لا يطأ بساطه إلا المطهرون ، ولا يؤذن لمجالسته إلا الصديقون } البحارج80ص373..وهذا الخبر يعطي درسا بليغا في تعامل العبد مع كل صور الطاعة ..فالمطلوب من العبد دائما أن يترجم لغة ( الفقه ) إلى لغة التدبر فيما ( وراء الفقه ) ، و ينتقل من ( لسان ) الحكم الشرعي إلى البحث عما وراءه من ( الملاكات ) المرادة لصاحبها ، ويترقى من حالة التعبد ( الحرفي ) بالأوامر والنواهي ، إلى التفاعل ( الشعوري ) مع الآمر والناهي ..فإذا طالب الحق عبده بمثل هذه المشاعر العالية عند بلوغ المسجد ، فكيف بالواجبات المهمة في حياة العبد ، عند بلوغه ساحة الحياة بكل تفاصيلها ؟! .
الومضة رقم 275: الصبغة الواحدة
إن الكون - على ترامي أطرافه وتنوّع مخلوقاته - متصف بلون واحد وصبغة ثابتة ، وهي صبغة العبادة التكوينية التي لا يتخلف عنها موجود أبدا ..والموجود المتميز بصبغة أخرى زائدة غير العبادة ( التكوينية ) هو الإنسان نفسه ، فهو الوحيد الذي وهبه الحق منحة العبادة ( الاختيارية )..وبذلك صار المؤمن وجودا ( متميزا ) من خلال هذا الوجود المتميز أيضا ، لأنه يمثل العنصر الممتاز الذي طابقت إرادته إرادة المولى حبا وبغضا ..ولذلك يباهي الحق - فيمن يباهي فيهم من حملة عرشه والطائفين به - بوجود مثل هذا العنصر النادر في عالم الوجود ..والسر في ذلك أن الحق تعالى مكنّه من تحقيق إرادته مع ما جعل فيه من دواعي الانحراف كالشهوة والغضب ، وقد ورد: { أن طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات ، أعني لكم الحلال والحرام .. فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة ، فالقى الله في همة أولئك الملائكة اللذات والشهوات ، فلما أحسوا بذلك عجّـوا إلى الله من ذلك ، فقالوا ربنا عفوك عفوك ، ردّنا إلى ما خلقتنا له فإنا نخاف أن نصير في أمر مريج }البحار-ج8ص141 .
الومضة رقم 276: لو فرض مَحالاً
لو افترض محالا أن الخلق كلهم عبيد لأحدنا ، وافترض أن عباداتهم إنما هي بحقنا ، ( لاستصغرنا ) ذلك منهم ، وتوقعنا منهم أكثر من ذلك بكثير ، بل لانتابنا شعور بالسخط ولزوم التأديب ، لما نراه من حقارة تعظيمهم إيانا قياسا إلى عظيم حقنا عليهم ..ومن هنا تتجلى ( أنـاة ) الحق في إحتمال عباده ، الذين يغلب - حتى على الصالحين منهم - ( الغفلة ) عنه في أكثر آناء الحياة ..ومن ذلك يعلم أيضا العفو العظيم من الرب الكريم ، الموجب لإعفاء الخلق من كثير من العقوبات مصداقا لقوله تعالى: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }و{ لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } .
الومضة رقم 277: القدرة المستمدة من الحق
إن الالتفات إلى ( عظمة ) الحق في عظمة خلقه ، وإلى ( سعة ) سلطانه في ترامي ملكه ، وإلى ( قهر ) قدرته في إرادته الملازمة لمراده ، كل ذلك يضفي على المرتبط به - برابط العبودية - شعورا بالعزة والقدرة المستمدة منه ..ولهذا يقول علي (ع): { الهي كفى بي عزا أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً }البحار-ج77ص402..هذا الإحساس لو تعمّق في نفس العبد ، لجعله يعيش حالة من الاستعلاء ، بل اللامبالاة بأعتى القوى على وجه الأرض - فضلاً عن عامة الخلق الذين يحيطون به - لعلمه بتفاهة قوى الخلق أجمع ، أمام تلك القدرة اللامتناهية لرب الأرباب وخالق السلاطين .
الومضة رقم 278: عظمة الخالق في النفس
قد ورد في وصف المتقين أنه قد: { عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم }..فلنتصور عبدا وصل إلى هذه الرتبة المستلزمة لصغر ما سوى الحق في عينيه ، كيف يتعامل مع كل مفردات هذا الوجود ؟!..فإن صغر ما سوى الحق عنده ، يجعله لا ( يفرح ) بإقبال شئ عليه ، كما لا يأسى على فوات شئ منه ، كما لا ( يستهويه ) شئ من لذائذها ، ما دام ذلك كله صغيرا لا يستجلب نظره ، كالبالغ الذي يمر على ما يتسلى به الصغار غير مكترث بشيء من ذلك ..وفي المقابل فإن من صغُر الحق في نفسه ، فإنه ( يكبر ) كل شئ في عينه ، فاللذة العابرة يراها كاللذة الباقية ، والمتاع الصغير وكأنه منتهى الأماني لديه ، والخطب اليسير في ماله وبدنه كأنه بلاء عظيم لا زوال له ، وهكذا يعيش الضنك في العيش الذي ذكره القرآن الكريم ..وليعلم في هذا المجال أن كبر الدنيا في عين العبد ، تدل بالالتزام على صغر الحق المتعال في نفسه ، وفي ذلك دلالة على ( خطورة ) ما فيه العبد وإن ظن بنفسه خيرا .
الومضة رقم 279: الحركة حول محور واحد
إن في عالم الطبيعة حركةً دائبةً حول محور واحد لا تتخلف أبدا ، كحركة النواة والمجرّات والمجموعات الشمسية حول محاورها ..فالمطلوب من العبد المخـتار أيضا أن ينسجم مع هذه الحركة ( الكونية ) ، فتكون له حركته الدائبة والثابتة حول محور واحد في الوجود بلا انقطاع ..وقد طالب الحق المتعال عباده بهذه الحركة المادية أيضا و( المشابهة )لحركة الطبيعة ، وذلك بالأمر بالطواف حول محور بيته الحرام ..ومن الملفت في هذا المجال أن جهة الطواف - بعكس حركة الساعة - تشابه الحركة الدائرية ( للتكوينيات ) وفي الاتجاه نفسه ، والتي يغلب على مداراتها عدد السبعة أيضا .
الومضة رقم 280: الإخلاد إلى الأرض
إن كلمة اثّـاقلتم في قوله تعالى: { اثاقلتم إلى الأرض } تشعر بأن الإخلاد إلى الأرض ، كسقوط الأثقال إلى الأسفل ، في أنها حركة ( طبيعية ) لا تحتاج إلى كثير مؤونة ، بخلاف الحركة إلى الأعلى ، فإنها حركة ( قسرية ) تحتاج إلى بذل جهد ومعاكسة للحركة الطبيعية تلك ..ولهذا ورد التعبير ( بالنفر ) في قوله تعالى: { إنفروا في سبيل الله }..و( الفرار ) في قوله تعالى: { فروا إلى الله }..و( المسارعة ) في قوله تعالى: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم }، مما يدل جميعا على أن الوصول إلى الحق ، يحتاج إلى نفر وفرار ومسارعة ..وفي كل ذلك مخالفة لمقتضى الطبع البشري ، الميال إلى الدعة والاستقرار والتباطؤ .
الومضة رقم 281: التعالي عن عامة الخلق
إن مثل المتعالي عما يشتغل به عامة الناس ، كمثل من أرغم على الاشتراك مع من هم دون سن البلوغ في لهوهم ولعبهم ..فيجد كثير ( معاناة ) في هذه المعاشرة ، لعدم وجود ( الأنس ) مع من لا تربطه بهم صلة في علم و لا عمل ..فعلى المؤمن - المبتلى بمثل هذه الحالة - أن يعاشر الخلق ببدنه لا بروحه ، ليتخلص من تبعات عدم التوافق الذي ينغص عيشه ..ومن الضروري في مثل هذه الحالة ، كتمان حالات الضيق التي تنتابه معهم ، إذ أن في ذلك ( انتقاص ) غير محمود ، قد يعرّض نعمة العلو الروحي للزوال ، كما ينبغي الالتفات الدقيق إلى عدم الوقوع في دائرة العجب المهلكة ، عندما يرى في نفسه من الكمال ما لا يراه في عامة الخلق ، لأن المعجب الواجد للكمال أقرب للهلاك من الفاقد له .
الومضة رقم 282: صراحة أمير المؤمنين (ع)
يكتب أمير المؤمنين (ع) كتابا إلى واليه يقول فيه: { تعمر دنياك بخراب آخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ، ولئن كان ما بلغني عنك حقا ، فبعير أهلك وشسع نعلك خير منك ومن كان بصفتك }البحار-ج33ص506.. فتبلغ صراحة أمير المؤمنين (ع) ، وتنمّره في ذات الله تعالى مبلغا يجعل شسع النعل ، خيرا ممن ينحرف عن طريق الحق ..لوضوح أن شسع النعل لا ( غضاضة ) في وجوده ، إذ أنه ( مسبح ) للحق بلسان حاله أو مقاله ، كباقي موجودات هذا الكون الفسيح ، خلافا لمن ( حـاد ) عن جادة الحق فهو دون البعير وشسع النعل بل أضل سبيلا .
الومضة رقم 283: الاشتغال بالفسيح
إن مواجهة القلب مواجهة متفاعلة مع أمور الدنيا - وخاصة المقلق منها - مما ( تضيّق ) القلب ..إذ أن القلب يبقى منشرحا إذا اشتغل ( بالفسيح ) من الأمور التي تتصل بالمبدأ والمعاد ..والقلب الذي يشتغل بالسفاسف من الأمور ، يتسانخ مع ما يشتغل به ، فيضيق تبعا لضيق ما اشتغل به ..والحل - لمن لابد له من التعامل مع الدنيا - أن يرسل إليها ( حواسه ) وفكره القريب إلى حواسه ..وأما ( القلب ) والفكر القريب إلى قلبه ، فيبقى في عالمه العلوي الذي لا يدنّـسه شئ ..فمَثَل القلب كمَثَل السلطان الذي يبعث أحد رعاياه لفك الخصومات وغيرها ، ولا يباشرها بنفسه لئلا تزول هيبة سلطانه .
الومضة رقم 284: صنوف الكمال
يمكن القول أن جميع صنوف الكمال مجتمعة في قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى }..فإن فيه كمال ( معرفة الرب ) ، لأنه لولا هذه المعرفة لما عرف مقام الرب ، وبالتالي لم يتحقق منه الخوف من صاحب ذلك المقام ..وفيه كمال مرتبة ( القلب السليم ) لأن الخوف من مقام الرب لا ينقدح إلا من القلب السليم ، الذي خلي من الشوائب بما يؤهله لنيل تلك المرتبة من الخوف ..وفيه كمال مرتبة ( العمل الصالح ) الذي يلازم نهي النفس عن الهوى ، إذ أن الذي يصد عن العمل الصالح ، هو الميل إلى الهوى الذي لا يدع مجالا لتوجه القلب إلى العمل الصالح .
الومضة رقم 285: كثرة الهموم
إن كثرة الهموم والغموم تنشأ من تعدد مطالب العبد في الحياة الدنيا ، فكلما ( يـأس ) من تحقيق مأرب من مآربه ( انتابه ) همّ الفشل ، فإذا تعددت موارد الفشل تعددت موجبات الهموم ، وتبعاً لذلك تتكاثف الهموم على القلب بما تسلبه السلامة والاستقامة ..فلو نفى العبد عن قلبه الطموحات الزائفة ، وتضيّقت عنده دائرة المحبوبات ، واقتصرت همّته على ما يحسن الطمع فيه والطموح إليه ، ( قلّت ) عنده فرص الفشل ، وبالتالي نضبت روافد الهموم إلى قلبه ..وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى هذه الحقيقة بقوله: { قد تخلّـى من الهموم إلا هما واحداً }البحار-ج2ص56..ومن هنا يعيش الأولياء حالة من ( النشاط ) والانبساط الذي يفقده - حتى المترفون - من أهل الدنيا ، وذلك لانصرافهم عما لا ينال ، وتوجّههم إلى ما يمكن أن ينال في كل آن ، وهو النظر إلى وجهه الكريم .
الومضة رقم 286: السعة المذهلة للوجود
ورد في الحديث: { ما السموات السبع والأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة ، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في الفلاة }البحار-ج58ص2..إن استشعار هذه الحالة - وخاصة - عند مواجهة الحق في الصلوات والدعوات ، يجعل العبد يعيش حالة ( التذلّل ) والانبهار أمام هذه القدرة التي لا تتناهى ، والسلطان الذي لا يدرك كنهه ..فمن موجبات ( تعميق ) محبة المحبوب هو الالتفات التفصيلي لما عند المحبوب من صفات وقدرة ، ولما يتمتع به من جمال وجلال ..والأمر عند عشاق الهوى كذلك ، إذ أنهم يختارون من يجتمع فيهم الجمال والاقتدار ..فالأول عنصر ( اجتذاب ) يوجب دوام محبة المحبوب ..والثاني عنصر ( ارتياح ) يوجب قضاء مآرب الحبيب .
الومضة رقم 287: حقيقة الاسترجاع
إن حقيقة آية الاسترجاع: { إنا لله وإنا إليه راجعون }لو تعقلها العبد بكل وجوده ، لأزال عنه الهمّ الذي ينتابه عند المصيبة ..والسر في ذلك أن الآية تذكّره بمملوكية ( ذاتـه ) للحق ، فضلا عن ( عوارض ) وجوده ..وهذا الإحساس بدوره مانع من تحسّر العبد على تصرف المالك في ملكه - وإن كان بخلاف ميل ذلك العبد - إذ أنه أجنبي عن الملك قياسا إلى مالكه الحقيقي ..كما تذكره ( بحتميّة ) الرجوع إليه المستلزم ( للتعويض ) عما سلب منه وهو مقتضى كرمه وفضله ، وإن ذكرنا آنفا أن سلب الملك من شؤون المالك لا دخل لأحدٍ فيه ، كما يقال في الدعاء: { لاتضادّ في حكمك ولا تنازع في ملكك }..كل هذه الآثار مترتبة على وجدان هذه المعاني ، لا التلفظ بها مجردة عما ذكر .
الومضة رقم 288: روح الدعاء
رأى الإمام الحسن (ع) رجلا يركب دابةً ويقول: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين }فقال (ع) أبهذا أمرتم؟ ، فقال بم أمرنا؟ ، فقال (ع): ( أن تذكروا نعمة ربكم ) ..ومن ذلك يعلم أن حقيقة الأدعية المأثورة تتحقق بالالتفات الشعوري إلى مضامينها ..إذ أن الدعاء حالة من حالات القلب ، ومع عدم تحرك القلب نحو المدعو وهو ( الـحق ) والمدعو به وهي ( الحاجة ) ، لا يتحقق معنىً للدعاء ..وبذلك يرتفع الاستغراب من عدم استجابة كثير من الأدعية ، رغم الوعد الأكيد بالاستجابة ، وذلك لعدم تحقق الموضوع وهو ( الدعاء ) بالمعني الحقيقي الذي تترتب عليه الآثار .
الومضة رقم 289: الملَكَة أشرف من العمل
إن رتبة ملكة التقوى أشرف من رتبة العمل الصالح لجهات: منها أن صاحب الملكة متصف بتلك الملكة وإن ( انقطع ) عن العمل ، فالكريم كريم وإن لم يكن متلبساً بالإكرام الفعلي ..ومنها أن العمل الصالح قد تشوبه ( شوائب ) العمل من الرياء وغيره ، والحال أن الملكة حالة راسخة في الباطن ، فلا مجال لإبدائها بنفسها في الظاهر لجلب رضا المخلوقين ، وإن بدت آثارها في الخارج ..ومنها أن العمل الصالح قد ( يفارق ) العبد ولا يعود إليه لوجود ما يزاحم تحققه ، ولكن الملكة صفة لازمة للنفس ..ومنها أن الملكة قائمة بالروح ( الباقية ) بعد الموت أيضا ، والعمل الصالح قائم بالبدن ، ولهذا ينقطع بانقطاع الحياة ..ومنها أن العمل من ( آثار ) الملكة التي منها يترشح العمل المنسجم مع تلك الملكة ، ورتبة ما هو كالسبب ، أشرف من رتبة ما هو كالمسبَّب .
الومضة رقم 290: الحسنة في الدنيا والآخرة
إن من يهوى الدنيا ، يطلبها بكل متعها ، من دون ( تقييدها ) بكونها حسنا عند الحق المتعال ..وذلك لأن كل ما فيها - مما يطابق الهوى - مطلوب لديه ..وهذا بخلاف المؤمن الذي لا يريد من الدنيا والآخرة ، إلا ما كان ( حسناً ) عند مولاه ..ولهذا يوكل أمر آخرته ودنياه إليه ، لأنه الأدرى بالحسن الذي يلائمه بالخصوص ..وقد روي عن الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة }أنه قال : ( رضوان الله والجنة في الآخرة ، والسعة في الرزق ، وحسن الخلق في الدنيا ) .
الومضة رقم 291: التركيز في غير الصلاة
يتذرع الكثيرون الذين لا يملكون القدرة على التركيز - في الصلاة والدعاء - بذرائع واهية من عدم القدرة على مثل ذلك ، بما يوهم سقوط التكليف بالصلاة الخاشعة ..والحال أن هؤلاء أنفسهم يملكون أعلى صور التركيز في مجال عملهم ، بل في مجال العلوم التي تتطلب منهم التركيز الذهني المتواصل ..والسر في ذلك واضح وهو رغبتهم ( الأكيدة ) في مثل هذا التركيز فيما يحبون ، طمعا لما وراءه من المنافع ..ولو تحققت فيهم مثل هذه ( الرغبة ) في التركيز - عند الصلاة والدعاء - طلبا لعظيم المنافع فيهما ، ( لأمكنهم ) مثل هذا التركيز أيضا بل أشد من ذلك ..وتتجلّى ضرورة مثل هذا التركيز ، بالتأمل فيما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { من كان قلبه متعلقاً في صلاته بشيء دون الله ، فهو قريب من ذلك الشيء ، بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته }تفسير الصافي-ج4ص161 .
الومضة رقم 292: سكر الشهوة والغضب
كما أن ( المسكرات ) سالبة للعقل ، فكذلك ( الشهوة ) و ( الغضب ) تسلبان الإرادة من صاحبهما حتى يوصلاه إلى ما يقرب من السكر بل الجنون!!..فالمردود السلوكي متشابه في كل من المسكر والشهوة والغضب ..فعلى المؤمن - الذي لا بد وأن يمارس شهوته في فترات من حياته - أن لا يسترسل أثناء ممارسته لتلك الشهوة بما يفقده حالة الاعتدال ..ومن هنا أحاط الشارع الحكيم ( معاشرة ) النساء بأحكام وجوبيه وإستحبابية - حتى في الليلة الأولى منها - لئلا يعيش العبد حالة من الذهول المطلق عن مولاه عند فوران شهوته ..وقد وصف أمير المؤمنين (ع) بوصف بليغ تلك الحالة بقوله: { حياء يرتفع ، وعورات تجتمع ، أشبه شيء بالجنون !! ، الإصرار عليه هرم ، والإفاقة منه ندم } - غرر الحكم .
الومضة رقم 293: السياحة اللاهادفة
إن على المؤمن أن يحترز عن السياحة ( اللاهادفة ) التي لا يتأتّى فيها قصد ( القربة ) إلى الحق ..فإن جميع حركات العبد وسكناته ، ينبغي أن تكون مقرونة ( بالنـّية ) التي تربطه بالعلة الغائية في أصل وجوده ..وإلا فإن مجرد التنقل من بلد إلى بلد لا قيمة له في حد نفسه ، سوى ما يستوجبه شيئا من الاسترخاء والارتياح ، الذي يزول مع العودة إلى البيئة التي كان فيها العبد ، ليعاني فيها - مرة أخرى - مشاكله التي غفل عنها في سفره ..وهذا خلافا للسياحة التي ترتبط بهدف مقدس: كمواطن الطاعة والارتباط بالحق أو بأوليائه ، أو كالمواطن التي تعينه على استرجاع النشاط ، لمواصلة سبيل العبودية بجد واجتهاد ..فإن أثرها متسمٌ بالبقاء والخلود ، لأنه مصداق لما عند الله تعالى ..وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) بعد تقسيم الساعات لمناجاة الله تعالى ولأمر المعاش ولمعاشرة الإخوان : { وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرم ، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات }البحار-ج78ص321 .
الومضة رقم 294: الاستلقاء بعد التثاقل
يستحسن في بعض الحالات التي يعيش فيها العبد حالة ( التثاقل ) الروحي أن يستلقي في جوّ هادئ ، ليعيش شيئا من ( التركيز ) الذهني فيما يحسن التفكير فيه ..وهذا الإستلقاء بمثابة إعادةٍ لحالة ( التوازن ) النفسي الذي يخـتل في زحمة الحياة ، سواء في دائرة مشاكله الخاصة أو العامة ..ومن هنا نلاحظ التركيز الكثير من الشارع على أدعية ما قبل النوم ، ليستذكر العبد ما نسيه في معترك التعامل مع ما سوى الحق المتعال .
الومضة رقم 295: روح الصلاة
إن على العبد أن يسعى للوصول إلى مرحلة يعيش فيها ( روح ) الصلاة طوال ليله ونهاره ..فإن روح الصلاة هي التوجه للحق ، وما الصلاة إلا قمّـة ذلك ( التوجه ) العام ، وهي موعد اللقاء الذي أذن به الحق المتعال لجميع العباد ..ومن هنا كان الذاهل عن ربه - في ليله ونهاره - عاجزا عن الإتيان بالصلاة التي أرادها منه ، إذ أنه وصفها بقوله: { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين }..و هذه هي من صور الإعجاز ، لأن الصلاة على خفّـتها على البدن ، يستشعر ثقلها غير ( الخاشعين ) ، بما يفوق ثقل بعض الأعمال البدنية الأخرى .
الومضة رقم 296: عدم الذهول عند الخطاب
يحسن بالداعي أن يعيش ولو أدنى درجات ( التوجّـه ) والجديّـة في الخطاب ، عند حديثه مع الرب بقوله: { اللهمّ }..فإن خطاب العظيم مع الذهول عنه - عند ندائه - لمن صور سوء الأدب الذي قد يوجب عدم التفات ذلك العظيم إلى ما يقوله المتكلم بعد ذلك ..فلا يحسن بالداعي أن يهمل صدر الخطاب وهو ( نداء ) الرب الكريم ، ويتوجه بقلبه في ذيله وهو ( طلب ) الحوائج ..إذ يتجلى بذلك حالة النفعية والطمع ، مع الإخلال ( بالأدب ) عند مخاطبة العظيم .
الومضة رقم 297: الحيران في الأرض
يصوّر الحق - فيما يصور - حالة العبد الضّـال المتحير في هذه الحياة ، المبتعد باختياره عن جادة الهدى ، فيقول: { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى }..فهو إنسان حائر وكأنه على مفترق طرق عديدة ، لا يعلم طريق الخلاص منها ، والشياطين تحيط به تطلب هواه ، بمعنى أنها تطلب منه أن يهوى ما فيه ( هلاكه ) ، أو بمعنى أنها تطلب منه ( الحب ) والهوى لنفس الشياطين ، وذلك بحبّ ما تدعو الشياطين إليه ..فتكون الصورة الثانية أبلغ في تجسيد هذا الخذلان ، لأنها تمثل الشياطين وكأنها امرأة تطلب هوى الغريم ، وتسعى لإيقاعه في عشقها ، ومن ثَمَّ الفتك بهذا العاشق البائس بعد ( ارتمائه ) في أحضانهـا .
الومضة رقم 298: التصرف في الحس
ذكر الحق في كتابه الكريم: { إذ يغشيكم النعاس أمَـَنة منه }، وقال أيضا: { وإذ يريكموهم في أعينكم قليلا } ، مما يستفاد من ذلك أن الحق يتصرف حتى في ( حواس ) العباد ، لمصلحة يراها بحكمته ، إضافة إلى تصرفاته في ( النفوس ) ، كقوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب }..هذا الاعتقاد اليقيني ( بهيمنة) الحق على شؤون العباد ، وكونهم جميعا في قبضته ، يبعث المؤمن على الارتياح التام إلى نصرة الحق ، ولو استلزم التصرف في عالم الأبدان ، فضلا عن عالم النفوس .
الومضة رقم 299: صرف الكيد
ذكر الحق في كتابه مستجيبا لدعاء نبيه يوسف (ع) فقال : { فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن }، مما يدل على أن الحق رغم أنه أعطى العبد الاختيار في الأفعال - فله أن يختار المعصية أو الطاعة - إلا أنه في الوقت نفسه ، حريص على استقامة عبده الذي ( استخلصه ) لنفسه ، وجعله في دائرة رعايته الخاصة ، فيصرف عنه موارد الكيد والفتنة ، كما طلبها يوسف (ع) من ربه ..وهذا من مصاديق ( التوفيق ) الذي يتجلى في تيسير سبيل الطاعة للعبد تارة ، وإبعاده عن سبيل المخالفة تارة أخرى ، خلافا ( للخذلان ) الذي ينعكس فيه الأمر ..ومن هنا تأكّدت الحاجة للدعاء دائما بالتوفيق وتجنيب الخذلان ، ومن دون هذا التوفيق ، كيف يستقيم العبد في سيره إلى الحق ، مع وجود العقبات الكبرى في الطريق ؟!..ولهذا يدعو أمير المؤمنين كما روي عنه بقوله: { إلهي إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق ، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق ؟! }.
الومضة رقم 300: كالالتفات إلى العورة
إن العبد الذي غَـلَب على وجوده ( هوى ) المولى ، يرى أن الالتفات إلى نفسه ( إرضاء ) لهـا وإعجابا منها بدلا من الالتفات إلى مولاه الحق ، كالنظر إلى ما يقبح النظر إليه كالعورة مثلا ..فكما قبح الثاني عند عامة الخلق ، فكذلك يقبح الأول عند الخواص من ذوي المعرفة بالحق ، فينتابهم شعور بالخجل عند الارتياح إلى ذواتهم ، وإشباع رغباتهم ، كمن بَـدَت عورته على حين غفلة ..ولعل هناك ارتباطاً بين أكل الشجرة المنهيّـة ، وبين بدوّ العورة في قوله تعالى: { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة }.
زلزال
01-24-2009, 03:32 PM
الومضة رقم 301: جعل الود من الرحمن
إن قوله سبحانه : { سيجعل لهم الرحمن ودا } تشير إلى حقيقة هامة ، وهي أن الود من ( مجعولات ) الرحمن يجعلها حيث يشاء ، ولا خلف لجعله كما لا خلف لوعده ..فمن يتمنى هذه المودة المجعولة من جانب الحق ، عليه أن يرتبط بالرحمن برابط الود..فإذا تحقق هذا الودّ بين العبد وربه ، نشر الحق وده في قلوب الخلق بل - كما روي - في قلوب الملائكة المقربين ..وهذا هو السر في محبوبية أهل ( وداد ) الحق ، رغم انتفاء الأسباب المادية الظاهرية لمثل ذلك ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { من أقبل على الله تعالى بقلبه ، جعل الله قلوب العباد منقادةً إليه بالودّ والرحمة }- البحار ج77ص177.
الومضة رقم 302: زيّ العبودية
كثيرا ما يرى العبد أنه الفعال لما يريد في هذه الحياة ، لتمكّنه من علاقة السببية القائمة بين أفعاله والنتائج ، فيشرب الدواء ليتسبب منه الشفاء وهكذا في كل موارد التسبيب ..ومن الضروري في هذا المجال الالتفات إلى أن طرفي النسبة وهو - الدواء والشفاء - منتسبان إلى الحق مباشرة ، وإن تسبّب العبد في إيجاد الربط بينهما ..فهو ( الخالق ) للدواء والمبدع ( لسَببّيته ) في الشفاء ، كما أنه المؤثر في ( قابلية ) البدن للشفاء بذلك الدواء ، وهو الذي بمشيئته يرفع السببية بين الطرفين - لو شاء في مورد - وإن أعمل العبد جهده في إيجاد الربط بينهما ..كما أنه بمشيئته أيضا قد يحقق المسبَّب من دون وجود سبب عادي من عبده ، كما في موارد الكرامة والإعجاز ..وبذلك لزم على العبد الالتفات إلى كل ذلك ، لئلا يخرج من زي العبودية للحق المتعال ، أثناء تعامله مع عالم الأسباب .
الومضة رقم 303: من أشق الرياضات
إن من الرياضات الشاقة وعظيمة الأثر في مسيرة العبد هو الذكر ( الدائم ) للحق ..وإلا فإن الرياضات التي يستعملها أهل الرياضات الشاقة - في المذاهب المنحرفة - لها صفة ( التوقيت ) ، ويتعلق ( بالأبدان ) غالبا ، والحال أن استغراق أكثر الوقت بذكر الحق المنعكس على الأبدان والقلوب معا ، مما لا يتيسر إلا للنفوس التي بلغت أعلى درجات القدرة على ترويض النفس ، وحبْسها على التوجّـه الدائم إلى جهة واحدة ، رغم وجود الصوارف القاهرة التي لا يطيقها حتى أهل الرياضات البدنية الشاقة فضلا عن غيرهم ..والسبب في ذلك أن انقياد ( النفس ) للإرادة أشق من انقياد ( البدن ) للإرادة نفسها ..فإن البدن أطوع قيادا للإرادة قياسا إلى النفس ، إذ أن الإرادة أشد إحاطة بالبدن مقارنة بالنفس الجموحة ، وخاصة في مجال نفي الخواطر الذهنية ، وصرف الدواعي النفسانية .
الومضة رقم 304: الصور الجميلة الفانية
إن الأحداث التي تمر على الإنسان - حلوُها ومرّها - ما هو إلا تبدّل مستمر لما هو واقع في ( الخارج ) إلى ما هي ( الصورة ) في الذهن ، وعليه فإن المستمتع بأنواع المتع في الحياة ، لديه كمّ هائلٌ من الصور الجميلة المختزنة في ذهنه والمنعكسة من الواقع الذي عاشه ، ولطالما كلّفته هذه الصور صرف المال وتجاوز الحدود الإلهية ..مَثَله في ذلك كمَثَل من يجمع الصور الجميلة للذوات الجميلة ، من دون أن يتمثّـل شيءٌ من الواقع بين يديه ..كما أن الأمر كذلك في الحوادث المحزنة ، إذ تذهب آلام الماضي ، لتحل محلها ذكريات لا أثر لها لولا تذكّرها ..إن تصوّر هذا الواقع للحياة ، ( يهوّن ) على الإنسان كثيرا من المآسي ، كما يخفّف من اندفاعه المتهور نحو اقتناء اللذات التي وصفناها بما ذكر ، من التبدل المستمر من الواقع الخارجي إلى الصورة الذهنية .
الومضة رقم 305: المتهجدون هم أولو النهى
روي عن النبي (ص) أنه قال : { خياركم أولو ااـنّهى }فقيل يا رسول الله ومن أولو الـنّهى ؟ ، فقال : { المتهجدون بالليل والناس نيام }البحار-ج78ص158..فالملاحظ أن الـنّهى أمر مرتبط بعالم التعقل واللب ، ومن هنا كان هو المُدرك للآيات والعلامات الدالة على الحق ، وقد ورد في القرآن الكريم: { إن في ذلك لآيات لأولي الـنّهى }..والتهجد حالة عبادية يتمثل في توجه القلب إلى الحق المبين ، فما الارتباط إذن بين النـّهى والتهجد ؟!..ودفعا للاستغراب نقول إن للعبادة دوراً أساسياً في تكميل العقل من جهات: فالعبادة - في نفسها - لا تخلو من ( تـدبر ) وخاصة في الأسحار ، أضف إلى أنها ( مـانعة ) لغلبة الشهوات القاضية على ازدهار العقل في الوجود البشري ، أضف إلى ( مِنَـح ) الحق الموجبة لتكميل أحب ما خلق وهو العقل في هؤلاء العباد ..فكما أنه يكسو أصحاب الليل من أنوار جلاله ، جزاء خلوتهم به - ولهذا صاروا كما روي من أحسن الناس وجها - فإنه كذلك يكسو عقولهم من أنوار المعارف الحقة ، ما لا يُـعطاها جهابذة الفكر البعيدين عنه .
الومضة رقم 306: مصادر المعرفة
إن من مصادر المعرفة:( الوحي ) وهو كشف الحقيقة كشفا مباشرا مجاوزا للحس ومقصورا على من اختارته يد العناية الإلهية ..و( العقل ) وهو في اللغة الحَجْر والـنَّهْي ، وصار شبيها بعقال الناقة في أنه يمنع صاحبه من العدول عن سواء السبيل ، كما يمنع العقال الدابة من الشرود ..و( الإلهام ) وهو إلقاء الحق في نفس الإنسان أمراً يبعثه على الفعل أو الترك ، بلا اكتسابٍ أو فكرٍ وهو وارد غيبـي ..و( الحس ) وهو إعمال أدوات المعرفة الطبيعية في كشف مجاهل عوالم المحسوسات المرئية وغير المرئية ..والمصادر الثلاثة الأخيرة للمعرفة ، متاحةٌ للجميع بشروطها المتناسبة مع كل واحدة منها .
الومضة رقم 307: همزات الشياطين
يستعيذ العبد بربه من همزات الشياطين ، والهمز هو النخس ، شُـبّه ذلك بهمز الدواب عند المشي ، والمهمزة عصا في رأسها حديدة مدببة ينخس بها الحمار ونحوه ، فكأن الشيطان جعل نفسه ( كالراعي ) للقطيع الذي يملكه ، فله الحق متى شاء أن يهمز من يسوقه إذا تباطأ في السير ، وفي ذلك غاية ( الـمذلة ) والهوان لمن خُلق في ( أحسن ) تقويم ..فالالتفات إلى هذه الحقيقة المـرّة - وما أكثر تحققها في حياة البشرية - يجعل العاقل يتمرد على سلطان الشيطان الذي يوصله إلى مستوى البهائم ، التي تفقد حريتها في انتخاب السبيل الأصلح .
الومضة رقم 308: التصرف في ملك الغير
إن مَثَل من ( يُخطِر ) على قلبه الخطورات الفاسدة ، كمَثَل من ( يتصّرف ) في لوح مملوك للغير ، فينقُش فيه ما لا يرضى صاحبه ، ثم يمسحها بعد كل مخالفة لرضا مالكها ..فإن عالم ما وراء الأبدان من - القلب و الفكر - مملوك للحق أيضاً ، كمملوكية عالم الأبدان ..وعليه فإنه لا ينبغي التصرف فيهما بما لم يأذن به المالك ، وإن خفيت هذه الحالة من الغاصبية عن أعين المخلوقين ، بل وإن لم يعتبرها الغاصب غصباً ، لعدم استحضاره لهذه الحالة من الملكية الخفية للحق المتعال ..وقد أشار الحق إلى علمه بهذه التصرفات الباطنية بقوله: { يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور}، مما يؤكد حالة الغصبية المذكورة .
الومضة رقم 309: وضوح السبيل
قد يتحيّر بعضهم في سلوك أقرب سبيلٍ إلى الحق ، والحال أن الأمر ( واضح ) في كلياته التي يعرفها الجميع ، وإن ( أبهم ) في جزئياته التي تنكشف له أثناء سيره في ذلك الطريق ..فالمطلوب من العبد هو العمل بما يعلمه ، لـيُفتح له الطريق إلى ما لا يعلمه ، إذ{ من عمل بما يعلم ، رزقه الله علم ما لايعلم }..فالمهم في المقام أن ينفي موانع الوصول ، وإلا فإن اليسير من المقتضيات كافٍ لعناية الحق في حقه ..وليعلم أن الاستغراق في ( الوجوديات ) مع عدم الالتفات إلى ( العدميات ) ، من سبل إغواء الشيطان .
الومضة رقم 310: الطموح في الدرجات
روي عن الصادق (ع) انه قال : { يقطع علائق الاهتمام بغير من له قصد ، واليه وفد ، ومنه استرفد }البحار-ج47ص185..إن هذه الرواية وأشباهها من الروايات التي تبّين الحقول الخاصة من السير إلى الله تعالى ، لا تدع مجالا للشك في أن أئمة الهدى (ع) يطلبون من شيعتهم هذا النمط المتميز من ( الانقطاع ) إلى الحق ، خلافا لمن يدعي أن هذه الرتب والطموحات ، إنما تمنح لمن يقرب منهم فحسب ، مفوّتين على أنفسهم أفضل فرص العمر التي تمضي - على أحسن التقادير - في عبادات خالية من روح التغيير لمسيرة العبد في الحياة ..ولهذا ( تفتقد ) حركتهم الروحية أية صورة من صور التكامل ، والدليل على ذلك ما نشاهده من ( الرتّابة ) في أداء العبادة ، والتي لا تتغير - قلبا ولا قالبا - طوال عمر صاحبه .
الومضة رقم 311: تقويم القلب وسياسته
روي عن النبي (ص) أنه قال : { قال الله تعالى لا أطلع على قلب عبد ، فأعلم فيه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي ، وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته ، ومن اشتغل بغيري فهو من المستهزئين بنفسه ، ومكتوب اسمه في ديوان الخاسرين }بحار الأنوارج82ص136..فمن الحقائق التي كشفت عنها هذه الرواية الشريفة ، أن الحق تعالى ( يتبنى ) بعض القلوب بالرعاية والتقويم ، كتبنيه لقلوب الأنبياء مع اختلاف الرتب ..ومن هنا نرى بعض حالات الاستقامة الشديدة لمن أحاطته دائرة المفاسد من دون أن يقع فيها ، وكأنّ هناك من ( يحوطه ) بالرعاية والتسديد في كل خطوة من خطوات حياته ، تزييناً للخير تارة وتكريهاً للفسوق تارة أخرى ..وقد أشارت الرواية إلى أن من ( مفاتيح ) هذه المنـزلة ، هو حب الإخلاص لطاعة الحق .
الومضة رقم 312: الانشغال بالأهل
ورد في الحديث عن أمير المؤمنين: { لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك ، فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله ، فإن الله لا يضيّع أولياءه ، وإن يكونوا أعداء الله ، فما همّك وشغلك بأعداء الله }البحارج104ص73..ففيه إيقاظ لأغلب الغافلين في حياتهم الاجتماعية ، الذين يصرفون جُلّ اهتمامهم وخاصة في - مجال الرزق - لمن حولهم ، تاركين الاهتمام بالجوانب الأخرى من التربية والأخلاق الفاضلة ..فالاهتمام ( بالأولاد ) ينبغي أن يكون بمقدار ( ما أمر ) به الحق ، وخاصة مع الالتفات إلى تقطّع أواصر القرابة عندما ينفخ في الصوركما ذكره القرآن الكريم .
الومضة رقم 313: الانتظار الحق
إن انتظار الفرج - الذي هو من أفضل الأعمال - يذكّرنا بالانتظار المذكور في قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا }..فالمنتظرون في هذه الآية هم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وهم على أهبة الاستعداد للجهاد منتظرين للشهادة ، ليلتحقوا بركب من مضى قبلهم ..أضف إلى ذلك أنهم ثابتون على ما هم عليه ، إذ لم يبدلوا تبديلا ..فأين هذا ( الانتظار ) الواقعي من ( تمنّي ) الانتظار وإبداء الأشواق الخالية من المعاني الصادقة ؟!.
الومضة رقم 314: في خدمة المخدوم
إن مَثَل النفس بين يدي الحق ، كمَثَل الخادم الذي كلما ( قـلّ ) ارتباطه بغير المخدوم ، كلما ( تمحّض ) في خدمة مولاه ..بل إن العبد المطيع لمولاه ، يتمنى أن لا يرسله المولى في حوائجَ بعيدة - وإن كانت فيها مصلحته - لئلا يحرم النظر إلى وجه مولاه الذي أنس به ..فالمؤمن يتمنّى الفراغ الذي يؤهله للتفرغ في عبادة الحق ، ويستوحش من إقبال الدنيا عليه وإن كان فيها خيراً ، كما ( يستوحش ) من تفرّق بالـه في الصالحات ، لئلا ( يذهل ) عن الإحساس الدائم بالمثول بين يدي الحق ، وقد روي أن الإمام الكاظم (ع) شكر ربه عند دخوله السجن ، إذ رزق مكانا خاليا للعبادة .
الومضة رقم 315: اضطرار صاحب الأمر
إن مَثَل صاحب الأمر(ع) بين ظهراني هذه الأمة ، كمَثَل من غصب داره ، وسلب ماله ، واحتجز حريمه ، ونفي من بلده ، واستغاث به أهله ، وقدر على استيفاء حقه ، ولكن لم يؤذن بذلك ، وبقي كذلك منتظرا قرونا طوالا ..والحال أنه صلوات الله عليه أشّد اضطرارا ممن ذكر ، وذلك ( لسعة ) الدار التي غصبت منه ، و(كثرة ) المستغيثين به من أولياء الحق ، و( شدة ) الفتن التي وقعت عليهم ، و( إحاطته ) في كل آن بالمصائب التي يراها بنفسه ، والحال أنه هو المظهر لرافة الحق أسوةً بجده (ص) ..يضاف إلى كل ذلك المصائب التي سلفت على أجداده الميامين ، والتي وُكّل أمر الثأر منها إليه ..وهو مع كل ذلك غير قادر على دفع ما منيت به الأمة في غيبته ، وهو الإمام المفترض الطاعة على جميع أهل الأرض .
الومضة رقم 316: معاشرة ثقيلي المعاشرة
ينبغي تحاشي معاشرة من تثقل معاشرته ..لئلا يلتجئ المرء إلى ( التصنّع ) في حسن المعاشرة معهم ، و( المداراة ) في كل صغيرة وكبيرة ، لئلا يقع في مغبة إيذاء المؤمن ولو بشطر كلمة ..كل ذلك يوجب صرف نظر العبد إليه ، بما يلهيه عن ذكر الحق ..وقد روي: { أن أمير المؤمنين (ع) إذا أراد أن يصلي من آخر الليل ، أخذ معه صبياً لا يحتشم منه }البحار-ج27ص208 .
الومضة رقم 317: تأليب الآخرين
عندما ييأس الشيطان من التصرف المباشر في قلب المؤمن - لانتسابه إلى مقام الولاية - التي لا تطالها يد الشيطان أبداً ، يتوجه إلى قلوب ( المحيطين ) به من أهله وذريته والمقربين منه ، فيؤلّبهم عليه بما يوجب لهم سوء الظن به ، والاعتقاد به خلافا لما هو عليه من حسن الباطن ، وبالخصومة التي لامبرر لها ..فإذا عجز عن ذلك كله ، انتقل إلى أعدائه ، فيثير أحقادهم عليه بما يصل إلى حد الأذى في نفسه و أهله وماله ، كما كان يقع كثيرا بالنسبة إلى أئمة الهدى (ع) ، إذ اجتمع عليهم ( خبث ) طينة أعدائهم مع ( تسويل ) الشياطين لأعدائهم بما يؤجج نار خبثهم ..وقد ورد عنهم (ع): { ولو كان المؤمن على رأس جبل ، لقيّض الله له من يؤذيه ، ليؤجره على ذلك }البحار-ج27ص208 .
الومضة رقم 318: الضمور في الكمال
إن لكل من عالم العلم والعمل كماله وسعيه اللائق به ..فالمستغرق في كماله العلمي ( ينمو ) لديه الجانب العلمي مجردا عن البعد الآخر فيما لو أهمله وكذلك العكس ..ومن هنا نرى بعض المتوغّلين - حتى في العلوم الحقة - قد ( ضَمُر ) لديهم التوجه القلبي نحو ما يوجب لهم الخشوع والخشية ، فلا بد لطالب الكمال من الجمع بين العالمين بالسعي اللازم لكل منهما ..وهناك صورٌ متكررة من المزالق الكبيرة طول التأريخ لمن أوتي نصيبا من العلم ..وقد تكرّرت النصوص المحذّرة من هذه ( المفارقة ) القاتلة بين العلم والعمل .
الومضة رقم 319: الغد خير من الأمس
ورد في الدعاء: { واجعل غدي وما بعده ، أفضل من ساعتي ويومي }..فلو التفت العبد إلى هذا المضمون وهو أن يكون كل يوم خيراً من سابقه ، وسعى إلى تحقيق هذا المضمون في حياته ، وطلب من المولى التوفيق في ذلك ، لأحدث ( تغييرا ) في حياته و( لاشتدّت ) سرعته نحو الكمال والخروج عن دائرة الخسران الذي نسبه الحق للجميع ..وقد رُوي: { أن المغبون من تساوى يوماه }.
الومضة رقم 320: تحاشي موجبات التشويش
إن من الضروري لمن يريد الصلاة الخاشعة ، أن يتحاشى موجبات التشويش قبل الصلاة مباشرة .. فيتحاشى ( الجدل ) في القول ، والذهاب إلى الأماكن التي ( تسلبه ) بعض لـبّه ، ومواجهة من تبقى صورته في ( البال ) أثناء الصلاة حبا أو بغضا ..فمن اللازم على العبد المهتم بلقاء المولى ، أن يفرّغ نفسه قبل الصلاة من كل هذه الشواغل المذهلة ، وخاصة في الصلاة الوسطى - وهي صلاة الظهر على قول - إذ أنها تمثل قمة تشاغل العباد بأمور دنياهم .
الومضة رقم 321: استثقال العبادة
إن الأداء الظاهري للعبادة مع استثقالها ، قد لا يعطي ثماره الكاملة ، كالصائم نهاراً والقائم ليلاً - مستثقلا لهما - ومرغما نفسه عليهما ..إما ( تخلصاً ) من تبعات الإثم في ترك الواجب ، أو ( طلباً ) للأجر في المندوب ، أو ( التزاما ) بما اعتاد عليه ..والحال أن العبادة أداةٌ لتقرب المحب إلى حبيبه ، بل هو التقرب بعينه ، والمفروض أن لا يرى المحب مشقةً في طاعة محبوبه ، ما دامت سبيلا إلى ما فيه لذته وبغيته من الوصل واللقاء ..وعليه فينبغي علاج موجبات ذلك الاستثقال المذكور ، ليستطعم حلاوة العبادة كما يتذوقها أهلها .
الومضة رقم 322: اجتذاب الأنظار
إن للنفس الأمّارة بالسوء الرغبة في اجتذاب أنظار الخلق إليها ، بل قد يرتكب صاحبها الشاذ من الأقوال والأفعال ، لمجرد ( التميّز ) الموجب لِلَفت الأنظار ، بل قد يعرّض حياته للمخاطر للرغبة نفسها ، كالسفر إلى مجاهل الأرض من قمم الجبال وأعماق البحار ..وقد يرتكب ما هو محمود في نفسه ، فينقل واقعة نافعة ، أو يتحمس في حديث هادف ، أو يقضي حاجة أخيه المؤمن ، رغبة في أن يكون هو بشخصه ( مجرىً ) لتصريف شؤون العباد ، فيتلذذ بجريان الأمور المهمة على يديه ..ومن المعلوم أن كل ذلك بعيد كل البعد عما يطلبه الحق من نفي ( الإنـيّة ) ، وحصر الأعمال كلها فيما يرضي المالك على الإطلاق .
الومضة رقم 323: خاصية الجذب الأنفسي
إن التأثير في نفوس الخلق غير منحصرٍ في أسلوب الوعظ والإرشاد والكتابة ، بل إن بعض النفوس العالية قد تؤثر في النفوس المحيطة بها تأثيرا ( مباشرا ) من دون خطاب أو كتاب ..وكأنّ الحق جعل في وجودهم خاصية الجذب ( الأنفسي ) كما جعل خاصية الجذب ( الطبيعي ) في بعض الأحجار ..وهنالك روايات متعددة في تأثير الأئمة (ع) في النفوس - حتى نفوس الأعداء - بنظرة أو كلمة ، كما وقع لبشر الحافي وأمثاله .
الومضة رقم 324: الحيوان الهائج
إن عناصر الشر المقوّمة للنفس الأمارة بالسوء ، بمثابة الحيوان ( الهائج ) في ساحة النفس ..فقد يقيده صاحبه بالسلاسل فيأمن شره ، إلا أنه يباغت صاحبه عند قوته وضعف صاحبه ، ليحطّم تلك الأغلال و لينقض على صاحبه بعد طول أمان ..والخلاص الكامل مما هو فيه يتمثل: إما ( بطرد ) ذلك الحيوان الهائج من ساحة النفس ، أو ( بقتله ) مما يجعل صاحبه في أمان دائم وراحة لا انقطاع لهـا .
الومضة رقم 325: مقارعة الظلمة
قد تكون مقارعة الظلمة في بعض الحالات مستندة لحالة ( الغضب ) والهيجان في النفس تجاه ما تراه من الظلم ، وتبلغ كراهية النفس للظلم وأهله إلى درجة التضحية بالحياة ، كما نلاحظها في بعض دعاة العدل ولو في المسالك الباطلة ..والمطلوب من العبد أن يستند في إظهار غضبه ورضاه إلى مراد المولى في مواجهة الفرد أو الجماعة ، ( فيثور ) حيث أمر الحق به كما شاء أن يرى الحسين (ع) قتيلا فثار ..و( يكظم ) غيظه حيث أراد الحق ذلك أيضا ، كما شاء أن يصبر أمير المؤمنين (ع) عن حقه ، فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجىً ، كما عبر هو عن نفسه .
الومضة رقم 326: الأحكام المسبقة
إن النفوس التي لم تخضع للتربية والتهذيب ، لديها أحكام مسبقة على الأمور والأشخاص ، من دون تحقق للملاكات الشرعية في تلك الأحكام النفسية ، فتميل إلى من تميل لمجرد ( الاستئناس ) النفسي الخالي من أي ملاكٍ كالتقوى التي جعلت ملاكا للتفاضل بين الخلق ..وقد تميل إلى فرد ( لانسجامه ) مع مسلكه الخاص في الحياة ، بل قد يكون ذلك لأسباب واهية ، كالاجتماع في بلد واحد أو الاشتراك في مصلحة واحدة ..وقد تعادي من تعادي لمجرد ( النفور ) الذي لا موجب له ، أو له موجب باطل ، كتصديق المقالات الكاذبة عن العباد ، والتي أمر الشارع بالتثبّت والتبـيّن لئلا يصاب قومٌ بجهالة ..فعلى المؤمن أن يلغي كل أحكامه المسبقة في الأمور والعباد ، مستلهما من الحق الصواب في واقع الأشياء كما هي ، ليكون على نور من الله تعالى يمشي به في الناس .
الومضة رقم 327: مخادعة النفس
إن من الضروري - في بعض الحالات - ( مخادعة ) النفس في جلبها إلى طريق الخير ، فيأتي إليها من حيث ترغب ..فمثلا من يرى نفسه ( مولعاً ) بلذائذ البطن والفرج ، فله أن يعطي نفسه سؤلهـا منها ، بشرط القيام بطاعة مهمة قبل استيفاء اللذة أو بعدها ..ومن يرغب في ( معاشرة ) الخلق يوجّـه نفسه إلى المجالس التي تذكّره بالحق ..ومن يرغب في السفر و ( السياحة ) في البلاد ، يوجّـه نفسه إلى البلاد التي رغّب الشارع في شـّد الرحال إليها ، ومن ( تثقل ) عليه صلاة الليل يرغّب نفسه في أبعاضها ، ثم يجدد العزم على الباقي منها ..وهكذا الأمر في صيام الأيام المندوبة وما شابـهها .
الومضة رقم 328: القوانين الطبيعية والاجتماعية
إن الآيات المتعرضة للحالات الاجتماعية في القرآن الكريم تجري مجرى الآيات المتعرضة للآيات الطبيعية ، فكما أن إرادة الحق لا تتخلف في ( التكوينيات ) فكذلك أمره في ( الاجتماعيات ) ..فمن ذلك قوله تعالى{ إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }، فينبغي التعامل مع هذا القانون كأيّ قانونٍ من قوانين الطبيعة ، فالمقنّـن فيهما واحد ..ومن ذلك قوله تعالى: { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما }، ( فإرادة ) الإصلاح المتحققة من الزوجين ، يوجب ( مباركة ) الحق لهما في حياتهما بالتوفيق بينهما ، مهما بلغ الفساد مبلغه .
الومضة رقم 329: أكثرهم لا يعقلون
وردت آيات متعددة تصف أكثر الخلق بأنهم لا يعلمون ، ولا يشكرون ، ولا يؤمنون ، ولا يعقلون ..و الالتفات إلى هذا المضمون ، ( يسهّل ) على العبد الإخلاص في العمل ، والتعالي على الجاه ، وعدم التزلّف إلى المخلوقين ، وذلك لشعوره أن كل ذلك إنما هو بالنسبة إلى من وصفهم القرآن بالأوصاف المذكورة ، ومن المعلوم أن رغبة الناس في الجاه وحُبّ ثناء الخَلْق ، إنما هو لاعتدادهم بما يسمى ( بالرأي ) العام و( ميل ) الجمهور ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) ما يدل على عدم اعتداده بمن حوله فيقول: { لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة }البحار-ج100ص362.
الومضة رقم 330: تحمل مشقة العبادة
قد ( يستغرب ) البعيدون عن أجواء العبودية ، من تحمّل بعضهم للعبادات الشاقة ، كصيام النهار في الحرّ وكقيام الليل في القرّ وأمثال ذلك ..والحال أن أصحابها ( يتلذذون ) بما يراه غيرهم مشقّة وعناء ، مصداقا لقوله (ع): { واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون }البحار-ج1ص188.
الومضة رقم 331: فائدة الاستخارة
إن من ( فوائد ) العمل بالاستخارة ، فيما تحسن فيه الاستخارة من موارد التحير التي لا تستقر فيها النفس إلى شئ ، هو إحساس العبد وكأنه جنديّ في معركة القتال ، لا يتحرك في الميدان إلا بأمر من قائده ، فهو لا ينظر إلى إرشاد المولى له ( كطريق ) إلى حيازة المنافع العاجلة ، بل ( كإتمار ) بأمرِ من تجب طاعته في كل صغيرة وكبيرة ..ومن هنا يدعو الداعي فيقول في استخارته: { أستخير الله برحمته خيرة في عافية }، إذ العافية هنا تعم ما تتحقق في الدنيا أو الآخرة ، في العاجل والآجل .
الومضة رقم 332: منغصات معيشة المؤمن
إن من الضروري الالتفات إلى أن ( المنغصّات ) في حياة المؤمن لمن دواعي ( تكامله ) وصعوده إلى الدرجات العليا ، إذ أن أدنى ما في تلك المنغصات - سوى الأجر الأخروي - أنها لا تدع مجالا ( للاستئناس ) بالدنيا والركون إلى متعها ..فهي بمثابة أشواك نابتة على الأرض ، تمنع الطير من الإخلاد إلى الأرض ، تاركا للتحليق في أجوائه العليا ..ولهذا تشبّه الروايات تعاهد المولى لعبده بالبلاء ، كتعاهد الرجل أهله بالهدية .
الومضة رقم 333: سوء العاقبة
ينبغي الالتجاء الدائم إلى الحق من ( سوء العاقبة ) ، والذي شهد التاريخ منه نماذج مذهلة كمحمد بن نصير النميري والذي كان من أصحاب الإمام العسكري (ع) ، فانحرف إلى أن وصل به الحال إلى الفتوى بجواز نكاح الرجال ، زاعما أنه تواضعٌ لله تعالى وتركٌ للتجبّـر ..وبلغ به افتتان المريدين إلى درجة سأله أتباعه عند موته لمن الأمر من بعدك ؟!..وهذا أحمد بن هلال الكرخي - الذي حج أربعا وخمسين حجة ، منها عشرون حجة على قدميه - قد بلغ انحرافه مبلغا ذكر الإمام العسكري (ع) في حقه: { إحذروا الصوفي المتصنّع }.
الومضة رقم 334: السيئات من صفة واحدة
قد يعيش العبد حالة اليأس ممن كُـلّف برعايته كالزوجة والأولاد ، فيما لو رأى منهم أفعالا قبيحة ..والحال أن بعض هذه الأفعال قد ترجع إلى صفةٍ سيئةٍ ( واحدة ) ، فيسهل علاج جميع ذلك بعلاج تلك الصفة السيئة ..وهذا خلافا لمن اجتمعت فيه أفعال قبيحة منتسبة إلى صفات قبيحة ( شتىّ ) ، فيعسر علاجه قياسا إلى سابقه .
الومضة رقم 335: تلهف النفس
قد تتوجه النفس - بشوق شديد - إلى بعض الأمور: كقدوم مولود ، أو مجيء مسافر ، أو حصول فائدة ، أو إقتراب موعد لذة أو غير ذلك ..كل هذه الحركات المنقدحة من النفس ، لا تليق بالعبد الملتفت إلى نفسه ، إذ كلما ( اشتد ) الشوق إلى الأغيار ، كلما ( ضعف ) الالتفات إلى الحق المتعال ..والعقوبة الطبيعية لذلك هي عدم ( اعتناء ) الحق به ، كما هدد به في بعض الموارد فقال عز وجل: { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم }، وهي عقوبة قاسية لأهلها ..فلو قال السلطان لأحد رعيته ، أو الأب لولده مثل هذه المقولة ، لانتابه شعور بالفزع والجزع شديدٌ ، لمعرفته بفداحة آثار الحرمان المترتب عليه ، فكيف إذا صدر مثل ذلك ممن بيده مقاليد الأمور ؟!.
الومضة رقم 336: عدم الالتهاء بالجمال
إن حالة العبد مع الرب ، كالجالس بين يدي السلطان في قاعة لقائه التي زينت بأنواع الجمال في كل جَنَباته ..فليس له أن ( يلهو ) عنه بالنظر إلى ما حوله من متاع وزينة ، إذ أن ذلك مستلزم ( للطرد ) أو الاحتجاب ..فالحق وإن جعل ما على الأرض زينة لها ، وجعل ما في السماء زينة للناظرين ، إلا أن ذلك لا يعني أن يجعل العبد الالتفات إلى كل هذه الزينة في السماوات والأرض ، ( حجابا ) يشغله عن التوجه إلى ربه ، ومانعا لتحقيق أدب المثول بين يديه ، بل يجعل ذلك مقدمةً للالتفات إلى عظمة سلطان من هو بحضرته .
الومضة رقم 337: حرمان بعض الشهوات
إن من سبل تقوية السيطرة على النفس وكبح جماحها ، هو حرمانها من بعض الشهوات ( الملحّة ) عليها ..فإن من قدر على الأقوى قدر على الأضعف بطريق أولى ..ولكن ينبغي التعامل مع النفس - في هذا المجال - بحذر لئلا تتمرد على صاحبها ، فقد روي عن النبي (ص) أنه قال : { ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى }البحار-ج71ص218..وحالات الانتكاس لدى بعض من أراد ترويض نفسه ، بغير ( وعي ) من نفسه ، أو ( استرشادٍ ) من ذوي المعرفة لخير شاهد على ذلك .
الومضة رقم 338: تمني الخير للغير
أكدت روايات أهل البيت (ع) على تمني الخير للآخرين كما يتمناه العبد لنفسه ، فلو عمل العباد بهذه الروايات ( لانقلبت ) أنماط حياتهم الاجتماعية من دون تكلف ، و( لذابت ) كثيرا من المشاكل المترتبة على الحسد والحقد والتنافس على فضول الحطام ، بل وتأكّدت حالة ( الشفقة ) والتكافل الاجتماعي بين العباد ..فإن آثار القيم الأخلاقية تتجاوز السلوك الفردي للإنسان ، ليحوّل المجتمع إلى مجتمع ذي قلب سليم ، تتحقق من خلاله سلامة قلب الفرد الذي يعيش فيه .
الومضة رقم 339: بين الباقي والفاني
ينبغي الالتفات دائما إلى قاعدة دوران الأمر في حياة الإنسان بين الباقي وهوما ( عند الله ) تعالى والفاني وهو ما ( عند العبد ) ..فيدور الأمر - في كل لحظة من العمر- بين صرفه فيما يحقق العندية للحق كذكره تعالى والعمل بطاعته ، وبين ما يحقق العندية للخلق كالاشتغال بغير الواجب والمندوب ، فضلا عن الحرام ..فلو عمل العبد بهذه القاعدة في كل مرحلة من حياته ، لرأى أن كل نظرة ليست فيها عبرة فهي ( سهو ) ، وكل قول ليست فيه حكمة فهو ( لغو ) ، وكل فعل ليست فيه طاعة فهو ( لـهو ) .
الومضة رقم 340: الإتباع دليل المحبة
إن من الضروري التأمل في قوله تعالى: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }..فإتباع الشرع أساسٌ لمحبة الشارع ، ومحبة الشارع للمتشرع أساسٌ لتحقيق أهداف الشريعة في سلوك العبد ، وليس من الضروري أن يثمر الإتّـباع المحبة ( الفعلية ) السريعة ..إذ أن هذه الثمرة قد تُعطى بعد مرحلة من الطاعة ، يُثبت فيها العبد ( إصراره ) على مواصلة الطريق وإن طال المدى .
الومضة رقم 341: السعي لا النتيجة
ليس من المهم أن يحقّق العبد حالة الخشوع والإقبال في الصلاة ، وإنما المهم بذل ( السعي ) الحثيث في ذلك ، و( دفع ) ما ينافيه ، و( التعرّض ) للنفحات في تلك المواطن ..ومن ثم ( يسلّم ) أمره للحق الذي لو شاء منحه الإقبال بكرمه ، أو حرمه بلطفه ، لما يراه من المصالح الخفية عن العباد ..فإن تمني حالة الخشوع في العبادة مع عدم تحققها من موجبات اليأس والإحباط ..فعلى العبد أن يسعى بهمّتـه ويوكل أمر النتائج إلى ربّـه ، إذ العبد مأمور بالسعي لا بالنتيجة ..وقد ورد في باب التجارة ما يقرب من هذا المعنى ، فعن الصادق (ع) أنه قال : { إفتح بابك ، وابسط بساطك ، واسترزق ربك }المستدرك ج2ص414..فعلى العبد أن يفتح بابه ويبسط بساطه ، سواء في مجال التكسب المادي أو المعنوي .
الومضة رقم 342: إحاطتهم بالمآسي
إن التوسل بأئمة الهدى (ع) أمر متيسر حتى لمن لا يملك الفهم الكامل لدورهم في تبليغ الرسالة ..والسبب في ذلك ( إحاطتهم ) بالمآسي التي تقدح عواطف التأثر في القلوب التي تحمل أدنى درجات الود والولاء لهم ، كالرزايا التي أحاطت سيد الشهداء (ع) ، والتي تثير حتى القلوب التي لا تحمل الولاء الخاص لهم (ع) ..وهنا تتجلى ( منّـة ) الحق إذ ( أهبط ) أنوارهم المحدقة بالعرش ، إلى الأرض بمآسيها وآلامها ، ليستنقذ عباده من الجهالة وحيرة الضلالة .
الومضة رقم 343: العناد بالمعصية
إن المعصية حالة من ( التمرّد ) المقصود أو غير المقصود مع الحق مباشرة ، ولهذا تنتاب العبد حالة من الخجل والوجل ، عندما يريد الحديث مع من عصى في حقه ، وخاصة عندما تكبر حجم المعصية ..ومن هنا كان من الطبيعي أن يخلق الحق شفعاء بينه وبين خلقه ، وهم المعصومون (ع) الذين أمر باتخاذهم الوسيلة إليه ..فإن المعصية وإن كانت ( مخالفة ) لهم أيضا ، إلا إنها ( متوجهة ) للحق قبل أن تتوجه إليهم ..ولهذا جعل الحق توبته متفرعة على استغفار الرسول (ص) ، كالأب الذي يشفع لابنه عند السلطان ، بطلب من السلطان نفسه .
الومضة رقم 344: صعوبة الإخلاص
إن ( صعوبة ) الإخلاص - وهو عماد هيكل القرب إلى الحق - ( تكمن ) في صعوبة التفتيش في خبايا النفس وخاصة في مواضع الهوى منها ..أضف إلى أن الإخلاص لا يتحقق بكل أبعاده بمجرد التلفظ بل ولا عقد النية المجردة ..بل الأمر يحتاج إلى انقلاب ماهوي في كيان العبد ، لا ينقدح معه الميل إلى غير الحق وذلك لاستصغاره إياه ، بما لا يستحق أن يجعل في نفسه ( اعتبارا ) لذلك الغير ، حتى يدعوه إلى غير الإخلاص .
الومضة رقم 345: استصغار ما بين العلا والثريا
روي عن الصادق (ع) أنه قال : { إذا كبرت فاستصغر ما بين العلا والثريا دون كبريائه ، فإن الله إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبّر ، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره ، قال : يا كاذب أتخدعني وعزتي وجلالي لأحرمنك حلاوة ذكري ، ولأحجبنك عن قربي والمسارّة بمناجاتي }البحارج81ص230 ..فينبغي الالتفات إلى أن هذه الدرجات القلبية وإن لم تكن ( واجبة ) التحصيل بالمعنى الفقهي في الواجبات البدنية ، إلا أن ( الإخلال ) بها قد يعرّض العبد لعقوبات قاسية ، كالتي ذكرت في هذه الرواية ..وإن ( إعفاء ) الخلق عن تلك الواجبات المتعالية ، إنما كان رأفة بهم ، وذلك لارتكاب أغلب الخلق هذه المخالفات التي لو استتبعت العقاب ، لما سَلِم من العذاب إلا القليل .
الومضة رقم 346: أفضل الأوقات للحق
يوصي أمير المؤمنين (ع) واليه مالك الأشتر قائلا: { واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله ، أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام ..وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت فيها الرعية }البحار-ج33ص609..ففي أول الحديث يوصي الإمام (ع) بضرورة إعطاء ( زهرة ) الساعات والأيام ( للالتفات ) إلى الحق المتعال ، وفي آخره يترقى لـيُفهم واليه ومن وصله كتابه إليه ، أنه مع سلامة النية وصفاء السريرة ، تنتسب الساعات والأيام كلها لله تعالى ..فليس للعبد وقت دون وقت للمثول بين يدي مولاه جل شأنه .
الومضة رقم 347: جريمتان في آن واحد
إن العبد بمخالفته للحق يرتكب جريمتين في آن واحد: الأولى وهي ( التحدي ) العملي للحق فيما أمر به أو نهى عنه ، فلا ينظر إلى المعصية وحدها ، بل إلى من عصي بحقه ..وهذا التجاوز لو أخذ به المولى ، ما ترك على ظهرها من دابة ، بل أخذهم بألوان العذاب ..والثانية هي ( استعمال ) عنصر من عناصر الخلق كأداة لارتكاب المعصية ، وفي ذلك تصّرف عدواني فاضح في ملك الحق ..أضف إلى ( التضييع ) المتعمد لموقع الأشياء في عالم الوجود .. فالعنب - مثلاً - خُـلِق ليكون قوتا للعبد يعينه على طاعته ، فيحوّله العبد الآثم إلى خمرة ، تسلب العقل بما يعينه على خلاف الطاعة ..فهو جريمة في حق الخالق ، وفي حق المخلوق الصامت والناطق معاً .
الومضة رقم 348: الذهول في أول الطريق
تنتاب السائر إلى الحق في أول الطريق المعبر عنه - بمرحلة اليقظة - حالة من ( الذهول ) والمحو ، لإدراكه بعض الحقائق الجديدة على عالمه ، فيميل إلى ( العزلة ) عن الخلق لشدة ما هو فيه ، بل لما يراه من ثقل معاشرة الغافلين عن الحق ..إلا أنه ينبغي تجاوز هذه المرحلة ، ليصل إلى مرحلة الجمع بين مختلف جهات التكليف حفظا لما هو فيه ..بل يسعى لتعريف الآخرين بما منّ عليه الحق تعالى من المعرفة الخاصة ..وعندئذ فلا الخلق يحجبونه عن الحق كما هو حال ( المحجوبين ) ، ولا الحق يصير حجابا له عن الخلق كما هو حال ( الواصلين ) .
الومضة رقم 349: رتبة قرب النوافل
إن من الروايات التي تمثل ( قاعدة ) كبرى في السير إلى الحق ، هي ما يعبر عنه برواية قرب النوافل وهي: { ما يتقرب إليّ عبدٌ بأحب إلي مما افترضته عليه ، وإنه يتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده الذي يبطش بها ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته} الكافي ج4ص53..فمن هذه الرواية وأشباهها يُعلم أن نقطة ( الانقلاب ) الجوهري في حياة العبد هي هذه النقطة ، وهي ( محبة ) الحق للعبد ..إذ عندها تنحسر الخصائص البشرية للعبد ، ليحل محلها تجليات الأسماء الربوبية ، فتـندك الإرادة البشرية في الإرادة الربوبية ..ومن هنا ينبغي التعامل مع هؤلاء - وإن قلّوا - بحذر شديد ، لأن مواجهتهم مواجهة لرب العالمين ، والحق سريع الانتصار لهم ، كما ورد التعبير بإرصاد المحاربة للحق عند التعرّض لهم .
الومضة رقم 350: ما هو القلب السليم؟
روي عن الصادق (ع) في معنى قوله تعالى ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) أنه قال : { السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه ، وقال : كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط ، وإنما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة }الكافي ج3ص26..فاتفقت كلمة الروايات والآيات على ضرورة الالتفات إلى مركز التوجيه في الكيان الإنساني ..فكل ( شائبة ) في جهاز القلب تنعكس آثارها على السلوك الخارجي للعبد ..ولا تتم السلامة في السلوك إلا بالسلامة في القلب ..إذ لا يصدر في ( الخارج ) إلا ما كان في ضمن ( ما يهواه ) القلب حقا كان أو باطلا .
زلزال
01-24-2009, 03:33 PM
الومضة رقم 351: صلاة النبي (ص) وآله
روي عن النبي (ص) أنه قال : { أنه كان يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه ، شغلا بالله عن كل شيء } البحارج81ص258..وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه كان إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلون ، فيقال ما لك يا أمير المؤمنين ؟ ، فيقول (ع): { جاء وقت الصلاة ، وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها }المستدرك- كتاب الصلاة ..وعن السجاد (ع) عندما يصفر لونه ، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟ ، فيقول: { ما تدرون بين يدي من أقوم ؟ }المحجةج1ص 351..فالصلاة التي هي معراج المؤمن تحتاج إلى ( تهيـؤ ) واستعداد ، ( توفّرها ) المستحبات والواجبات السابقة على الصلاة ..إضافة إلى ( استحضار ) أن الصلاة ورود على رب الأرباب ، ومثل ذلك لا يتم دفعة واحدة وبذهول يعتري أغلب المصلين ..ومما ذكر يعلم السر في أن صلاة عامة الخلق ، فاقدة لأعظم خواصّها المتمثلة بالنهي عن الفحشاء والمنكر .
الومضة رقم 352: دفع المقتضي قبل المانع
ينبغي الالتفات إلى قاعدة المقتضي والمانع في ارتكاب المحرمات ..فبدلا من أن نسعى ( لمنع ) تحقق المعصية بعد استكمال مقتضياتها ، فإنه ينبغي أن نسعى ( لقطع ) روافد الخطيئة أو ( دفع ) مقتضياتها ..فما يفرضه العقل هو أن لا يعرّض المرء نفسه لمثيرات الشهوات - حساً وفكراً - لئلا يتورط بالمواجهة ، بعد اشتعال نيران الشهوات في النفس ، بما لا يطفؤها أعظم الزّواجر .
الومضة رقم 353: العذر عند التعب والمرض
قد يرى العبد نفسه معذورا في ( ترك ) الإقبال على الحق في ساعات المرض ، أو التعب الشديد ، أو اضطراب الحال في سفر أو غيره ، والحال أن وفاء العبد وشدة ولائه لمولاه يتـبين في المواقف المذكورة ..فلا يطلب من العبد أن ( يحرز ) الإقبال الفعلي في تلك المواطن الحرجة ، بمقدار ما يطلب منه أن يكون في ( هيئة ) المقبلين ..ومن المعلوم أن هذا السعي من العبد - في تلك الحالات الطارئة - مما يوجب له الهبات العظمى في الساعات اللاحقة لها ..كما أن التوجه إلى المخلوقين في مثل تلك الحالات ، مما يشكر من قِـبَلِهم أيضا ..كمن يذكر صديقه في حال سفره أو مرضه أو تعبه .
الومضة رقم 354: حقيقة الركوع والسجود
روي عن الصادق (ع) أنه قال : { لا يركع عبد لله ركوعا على الحقيقة ، إلا زيّنه الله تعالى بنور بهائه ، وأظله في ظلال كبريائه وكساه كسوة أصفيائه ، وفي الركوع أدب وفي السجود قرب ، ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب }البحار ج82 ص 108..فالركوع والسجود حركتان بدنيّتان يراد بهما إظهار الخضوع والتواضع ( القلبي ) ، فمع خلوهما من الدلالة المذكورة استحالتا إلى حركة لا قيمة لهـا ، شأنهـا شأن الحركات التي يمارسها البدن في رياضة أو لهو أو غير ذلك ..ومن الملفت ذلك التدرج من الركوع وهو ( الأدب ) إلى السجود وهو ( القرب ) ، فمن لم يركع لا يؤذن له بالسجود لعدم امتثاله لقواعد الأدب ..ومن هنا يعلم ضرورة مراعاة المتقرب إلى الحق ، لآداب المثول بين يديه في كل آن من آناء حياته .
الومضة رقم 355: القلب كالمسجد
إذا لم يرض الشارع بإبقاء الخبائث ( الخارجية ) في المسجد وحكم بفورية إزالته ، فكيف يرضى ببقاء الخبائث ( الباطنية ) في قلب عبده المؤمن الذي يفترض فيه أن يكون عرشا للرحمن ؟!..فكما ينبغي المسارعة في طهارة ( المسجد ) ، فإنه كذلك ينبغي المسارعة في طهارة ( القلب ) قبل أن تتراكم الخبائث فيها بما يصعب معه إزالتها ، وبالتالي يتبدل ما خلق للطهارة والصفاء ، إلى مجمَع للرجس والأدناس .
الومضة رقم 356: اجتياز حدود الحق
ورد التحذير في آياتٍ عديدةٍ من اجتياز حدود الله تعالى ، فكما أن اجتياز الحدود في البلاد يتم بخطوة واحدة توجب له العقوبة المغلّظة ، فكذلك فإن ما يتجاوز به العبد حدود ربه ، قد يكون أمرا ( يسيرا ) إلا أنه قد يوجب له العقوبة الشديدة ، عندما يكون العبد قاصداً لمثل ذلك التجاوز ..ومن هنا تأكد النهي عن ( المحقرات ) من الذنوب - وهي التي يستهين بها صاحبها - والحال أنها قد تكون بمثابة الخطوة الأخيرة التي تخرجه عن حدود مملكة الرب المتعال ، بكل ما يحمله الخروج: من تبعات الحرمان من حماية مملكة الحق له ، والدخول في مملكة الطاغوت ..وقد حذر الحق مرات عديدة في آية: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }من تعدي حدوده ، وخاصة أنها تتعلق بالخلاف بين الزوجين ، الذَّين يسهل عليهما تجاوز الحدود ، لعدم وجود ( الرقيب ) بينهما ..أضف إلى جوّ الخصومة التي تلفهما بما ينسيهما الحدود الإلهية .
الومضة رقم 357: العناية الخاصة
إن العبد الذي يود الدخول في دائرة العناية الخاصة التي تجعله يلتحق بركب الأنبياء والشهداء ، لا بد له من الإتيان بما يحقق له ( الترجيح ) من بين الخلق ، لئلا تكون الهبات الإلهية جزافاً بلاحكمة ظاهرة فيها ..فهذا النبي المصطفى (ص)لم يُبتعث في أعلى درجات المرسلين ، إلا بعد أن وجده الحق كما يصفه الحديث القائل : { فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عز وجل إلى قلبه ، فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها ، أذن لأبواب السماء ففتحت }البحار-ج17ص309 .
الومضة رقم 358: الاستهزاء بالنفس
إن العبد قد لا ( يقصّر ) في الدعاء لإنجاح مهامه - وخاصة الأخروية منها - إلا أنه ( يتقاعس ) في مقام العمل ، حتى في القيام بالمقدمات البسيطة المحققّة لحاجته ، كمن يطلب مقام القرب وجوار الحق المتعال وهو لا يعلم تفصيل أحكام شريعته حلالاً وحراماً ، فضلا عن العمل المستوعب لجزئيات تلك الأحكام ..ولطالما ( عتب ) على الحق - في نفسه - لتأخر الإجابة ، والحال أن غيره ممن أحرز الرتب العالية ، جمع بين الدعاء المتواصل والعمل الكامل ..وقد روي عن الإمام الرضا (ع) أنه قال : { من سأل الله التوفيق ولم يجتهد ، فقد استهزأ بنفسه }البحار-ج78ص356 .
الومضة رقم 359: فضول النظر
كما أن الإكثار من القول من موجبات ( بعثرة ) الفكر وسد أبواب الحكمة في القلب ، فكذلك الأمر في فضول ( النظر ) ، فإنه من دواعي تكثّر الصور الذهنية التي توجب تفاعل النفس مع بعضها تفاعلاً ، يكدر صفو الفكر بل سلامة القلب ، ومن هنا كان المحروم من نعمة البصر أبعد من بعض دواعي الغفلة عند من أعطي نعمة الإبصار ..وقد ورد في الخبر: { إياكم وفضول النظر ، فإنه يبذر الهوى ، ويولد الغفلة }البحار-ج72ص199..وينبغي الالتفات إلى دقة التعبير بـ( يـبذر ) ، فإن فيه إشعارا بأن الهوى المستنبَت من النظر يتدرج في النمو كالبذرة ، ليعطي ثماره الفاسدة من الوقوع في المعاصي العظام .
الومضة رقم 360: ذكرى الدار
إن الحق المتعال يصف مجموعة من الأنبياء السلف وهم: إبراهيم واسحق ويعقوب بأنهم ذو ( الأيدي ) أي القوة في العبادة أو الحكم أو كليهما ، و( الأبصار ) أي البصيرة في الدين والدنيا ..ثم يعقّب ذلك بأنهم أخلِصوا بصفة خالصة ، وهي ذكرى ( الدار ) وهي الآخرة ..ومن ذلك يُعلم أهمية هذه الصفة الخالصة - وهي ذكرى الموت - في مسيرة الأنبياء عليهم السلام ، ولا شك في أنها مهدت السبيل لكونهم من المصطفَين الأخيار ، وهي غاية المنى من بين الغايات ..وما قيمة الاصطفاء والاصطباغ بصبغة الأخيار عند غير الحق المتعال ؟!.
الومضة رقم 361: كاشفية الزيارة
روي عن الإمام الصادق (ع) انه قال : { من أراد الله به الخير ، قذف في قلبه حب الحسين (ع) ، وحب زيارته }البحار-ج101 ص76..فالمستفاد من هذه الرواية أن بعض الأمور لها صفة ( الكاشفية ) عن إرادة الخير بالعبد ، ومن المعلوم أن ذلك الخير بداية مرحلة لا خاتمة لهـا ، فإن الحق المتعال أجلّ من أن يسوق خيراً إلى عبده ثم يسلبه منه ، إلا إذا صدر من العبد ما يوجب له ذلك الحرمان ..ولـيُعلم أن هذا الكاشف وإن كان أمراً جليلاً - في حد نفسه - إلا أنه يكشف عن أمرٍ جليلٍ آخر ، يستوجب الشكر من العبد مرتين ، وخاصة مع ملاحظة أن كلمة القذف يستشعر منه ( الدفعية ) والمفاجأة ..ومن هنا نجد حالات ( إنقلاب ) السلوك العملي عند بعض من شُـرّف بزيارة أولياء الحق المتعال ، فيعيش حالة من الإنابة والتوبة ، يستشعر خفّتها في نفسه .
الومضة رقم 362: عدم الاسترسال المذهل
إن من الصفات المطلوبة للمؤمن ، هو ( الإقبال ) على الخلق بشرط: عدم الاسترسال أولاً ، والهادفية ثانياً ..فلا يُقبل على الخلق إلا حيث يرى في إقباله ( خيراً ) في دنيا العباد أو في آخرتهم ، ثم لا يُقبل في مورد الخير إلا بمقدار ما يتحقق به الخير ، فإن الإحسان إلى الخلق وخاصة إذا جمعه بهم جامع الإيمان والتقوى ، لمن أعظم صور العبودية للحق ، إذ الحق هو المحسن إلى خلقه ويحب من يكون سبباً لذلك الإحسان ، ومن أحب شيئاً أحب أسبابه ..ومن هنا يوصي الإمام الرضا (ع) أولياءه بقوله: { وإقبال بعضهم على بعض والمزاورة ، فإن ذلك قربة إلىّ }البحار-ج74ص 230..وإن من الملفت في هذا الحديث أن الإمام (ع) يجعل الإقبال والمزاورة من موجبات القربة إليه ، وهو ملازم ( لمباركة ) الإمام (ع) لتلك المجالس التي يتم فيها التزاور والإقبال .
الومضة رقم 363: الموت المتكرر
لو تأمل العبد في النظام الأحسن البديع في بدنه ، لرأى أنه يعيش ( موتاً ) متكرراً في كل آن من آناء حياته ..فصعود نَفَسه بعد الشهيق إنما هو حياة بعد موت ، ولولا ذلك الشهيق لقتله الزفير ..ورجوع الدم النقي إلى شرايينه كذلك حياة بعد موت ، ولولا ذلك الرجوع لقتله الدم الفاسد الذي نقله الوريد ..وعودة روحه إليه بعد المنام كذلك حياة بعد موت ، ولولا ذلك الرجوع لبقي العبد في برزخه إلى يوم يبعثون ، هذا كله فضلاً عن ( الحوادث ) القاتلة التي صُرفت عنه ولم يحط بها علماً ..إن مجموع هذه الأحاسيس ، يدعو العبد للشكر المتواصل من أعماق وجوده ، شكر من استوهب الحياة بعد الممات ، بكل ما يلزمه الشكر من شعور بالخجل ولزوم العمل بما يرضى به المنعم ..وقد روي عن النبي (ص) انه قال : { والذي نفس محمد بيده ، ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفراي لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي }البحار-ج73ص177 .
الومضة رقم 364: منحة الانقطاع إلى الحق
إن العبد عندما يُعطى منحة الانقطاع إلى الحق في فترات من حياته ، فإنه يستشعر حالة من ( الثقل ) المرهق في معاشرة الخلق ، والتوجه إلى جزئيات شؤونه اللازمة في الحياة ..وهذا شأن المستغرق في أي أمرٍ من الأمور ، فإن ذلك يذهله عما سواه ، كما نلاحظ ذلك كثيراً في أبناء الدنيا عندما يستهويهم متاع من متاعها ، أو يعشقون جمالاً من جمالها ، فيشغلهم ذلك عما سواه من المتاع أو الجمال ، إلى حد الوله والافتتان المستوجب للخبط والذهول ..ومن هنا يلطف الحق بأوليائه في ( تخـفيف ) هذه الهبات المتميزة ، لئلا ( ينفرط ) عقد حياتهم ، ويختل نظام معاشهم ، مما لا يحتمله العباد عادة ، لانسحاب أثر ذلك على المحيطين به من أهله وعياله .
الومضة رقم 365: أهل التأمل والتفكير
إن من يمارس عملية ( التفكير ) والتأمل في المجال العلمي - ولو الدنيوي - يمتلك ( قابلية ) التركيز والسيطرة على الذهن في مجمل حياته ..وبذلك يكون أقرب من غيره للتأمل في ما يحسن التفكير فيه مما يتصل بأمر آخرته ، كما أنه يكون أقدر من غيره على التركيز الذهني في العبادة ، وهو بدوره عامل مساعد للتفاعل النفسي معها ..فعند انتفاء الصورة المزاحمة والمنافرة لما تقتضيه العبادة -كالصلاة مثلاً - فإن النفس تكون ( أقدر ) على الالتفات إلى الجهة الواحدة التي أمِـر بالالتفات إليها ..ومن هنا كان أهل الفكر والنظر ، أقدر من غيرهم على السير الفكري والنفسي إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 366: أساليب الجذب
إن على الدعاة إلى الحق ، ( مراعاة ) أساليب الجذب التي تحبّب القلوب إلى الله تعالى في مختلف شؤون الطاعة ، كما يجب عليهم ( الاجتناب ) عن أسباب تنفير القلوب ..ومثال ذلك في الأثر ما ورد في الحث على الصلاة بأضعف المصلين ، فقد ورد في النهج: { صلوا بهم صلاة أضعفهم ، ولا تكونوا فتانين }البحار-ج33ص472..وكقوله (ع): { وإذا قمت في صلاتك للناس ، فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً }البحار-ج33ص609..فنهى (ع) عن فتنة الناس بترك الجماعة وذلك بإطالة الصلاة ..ومن الممكن أن يستفاد من ذلك ( قاعدة ) عامة وهي التحرز عن كل ما يوجب فتنة الناس عن الدين: كإطالة الحديث ولو كــان نافعاً ، واتباع أسلوب الوعظ المباشر ، والقسوة في القول ، وغير ذلك من الأساليب التي نجدها عند بعض من يتصدى لترويج الدين من غير سبيله .
الومضة رقم 367: الاتكال على الغير
إن من الطبيعي أن تكون ( العقوبة ) الإلهية للعبد من ( جنس ) عمله ..فمنع الحقوق المالية الواجبة مستلزم: إما للفقر أو لنـزع البركة من المال ، وفيه ملاك الفقر نفسه ، إذ ما قيمة المال الذي لا يستجلب بركة في الدنيا أو أجراً في الآخرة ؟!..وكذلك التسلط على رقاب العباد ظلماً وعدواناً ، يوجب وقوع العبد في يد ظالم أو من هو أظلم منه ..والاتكال على الغير يوجب خيبة الأمل ممن اتكل عليه العبد من دون الله تعالى ، وقد روي في الحديث القدسي: { لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس ، أمل غيري باليأس ، ولأكسونه ثوب المذلة }البحار-ج71ص130..ومن العقوبات القاسية في هذا السياق: هو ما نراه من أن توزّع الفكر والهم بما يلهي عن ذكر الحق المتعال ، مستلزم للعقوبة المسانخة لذلك أيضاً ، فيعيش العبد عندها حالة من ( تشتت ) الفكر ، واضطراب النفس ، وقلق البال ، مما يجعله لا يهنأ بعيشٍ مهما كان رغيداً ..إذ أن الابتلاء بالنفس والفكر لمن أهم صور الابتلاء .
الومضة رقم 368: مقومات نجاح الملُك
إن من مقومات النجاح في إدارة الملُك هو: الجمع بين ( التشريع ) الحكيم ، و( التنفيذ ) العادل ، و( القضاء ) الحق فيما اختلف فيه العباد ..وهذا المبدأ هو ما اتفقت عليه الأمم في كلياتها ، وإن انحرفوا في تطبيقاتها إلى حد ارتكاب عكس ذلك ..وقد يفهم ذلك من قوله تعالى: { وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصــل الخطاب }..ففيــه قـوة التنفيذ بشد الملك ، وحكمة التشريع بإتيان الحكمة ، وفصل الخطاب في الخصومة ، وهذا كله هو ما أعطي داود (ع) ذو الأيدي ، أي ذو القوة على العباد.
الومضة رقم 369: الصرف عن الصلاة
إن مما يسعى إليه الشيطان بشدة هو ( صرف ) المصلي عن صلاته ، حتى ولو استلزم التصرف في ( حواسه ): نفثاً في الصدور ، ونقراً في الآذان ..وذلك لأن صده للعبد عن صلاته إنما هو صد لما ينهى عن الفحشاء والمنكر ، مما يسهل له السبيل للتغلغل إلى قلبه ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { إن العبد إذا اشتغل بالصلاة ، جاءه الشيطان وقال له: اذكر كذا اذكر كذا ، حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى!! }البحار- ج5 ص158..ولهذا نجد المصلي ( يتذكر ) ما نسيه في سابق أيامه ، أو ( يتأثر ) بالتوافه من الأمور التي لم يكن يتأثر بها قبل الصلاة ولا بعدها .
الومضة رقم 370: العلم المخزون
إن العلم ( المخزون ) في معادن حكمة الحق - المتمثلة بأئمة الهدى (ع) - لا ( يعكسه ) ما صدر منهم وإن كان كثيراً خلال قرنين ونصف من الزمان قولاً وفعلاً وتقريراً ، فضلاً عما وصل إلينا من تراثهم وهو أقل القليل ، نظراً إلى عدم ( تدوين ) آثارهم من قِبَل مواليهم بما يليق بشأنهم ، إضافة إلى ( ضياع ) الكثير من مرويّـاتهم على أيدي أعدائهم ، وهذه الحقيقة يفصح عنها الإمام الصادق (ع) بكلمة مؤثرة فيقول: { ما خرج إليكم من علمنا ، إلا ألفاً غير معطوفة } البحار-ج25 ص283..يعني به الألف الذي لم يتعقبه الباء ، أو الألف الناقصة ، أو عدد الواحد الذي لم يُشفع بأعداد أخر .
الومضة رقم 371: الهدف من اللذائذ
إن من المعلوم أن الحق المتعال جعل الشهوات في وجود العبد لمصالح ( أرقى ) ، تتجاوز مصلحة التلذذ المجرد ، والذي بالغ فيه العباد حتى نسوا ( الهدف ) الذي لا يتحقق غالباً إلا في ضمن تلك اللذة ، التي جعلها الحق ( تحريكاً ) للعباد نحو ذلك الهدف ..وقد ورد فيما ذَكَره الإمام الصادق (ع) للمفضل ما يؤيد ذلك ، وذلك بالقول: { أن الجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه ، والكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة بدنه وإجمام قواه ، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاءه } ..ثم يذكر (ع) أن الهدف من وراء الشهوات مما لا يحرك عامة الخلـق فيقول: { ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد ، كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطـع ، فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به }البحار-ج3ص 79..وبناء على ما ذكر كله ، فإن على العبد الملتفت أن لا ينسى الهدف من هذه اللذائذ التي جعلت طريقاً لتحقق تلـك الأهداف ، وإن تحققت اللذائذ تبعا لذلك من دون قصد صاحبها .
الومضة رقم 372: الشغف العلمي
يعيش بعضهم حالة من ( الشغف ) العلمي وحب الاستطلاع ، فيطرق أبواب العلوم المختلفة من دون النظر إلى مدى ( جدوى ) انشغاله بتلك العلوم من جهة دنياه أو آخرته ، وبذلك يعيش حالة من ( الانشغال ) الكاذب ، وخاصة أن بعض العلوم تستهوي العبد ، فتشغل بعض لبه أو كله ، بما يصرفه عن الاهتمام فيما خلق من أجله ..والقاعدة العامة التي يسير عليها العبد في مجمل حياته ، هي أن كل حركة في علم أو عمل ، لا بد وأن تكون منسجمة مع هدف الخلقة وهو عبودية الواحد القهار ..وقد روي عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { وأحمد العلم عاقبةً ما زاد في علمك العاجل ، فلا تشتغلن بعلمِ ما لا يضرك جهله ، ولا تغفلن عن علمِ ما يزيد في جهلك تركه }البحار-ج78 ص333 .
الومضة رقم 373: التمكين بالتصرف في القلوب
إن مما يعول عليه المؤمن في حياته هو ( التصرف ) الإلهي في قلوب العباد حباً وبغضاً ..ومثال ذلك في حياة الأنبياء (ع) هو تصرف الحق المتعال في قلب العزيز ، بما جعله يهوى يوسف الصديق ويكرم مثواه إلى درجة اتخاذه ولداً مع ما يستلزمه من العطف والحنان ، ثم يعقّب ذلك بقوله تعالى: { وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض }..فهذا ( تمكين ) منتسب للحق وإن كان تصرفاً في قلب العزيز ، وعليه فإن من يرغب في العزة والملك ، فعليه أن يعلم أن ( أسباب ) ذلك كله بيد القدير المتعال ، فهو الذي يسوق الأسباب في هذا المجال - وما أكثرها - لمن يريد له العزة والملك ..وشتان بين عزة وملك يعطيهما الحكيم الخبير ، وبين ما يتكلفه العبد تسلطاً على رقاب الآخرين ، بما يؤول أخيراً إلى الذل في الدنيا والعذاب في الآخرة .
الومضة رقم 374: المفاهيم الخاطئة
هنالك بعض المفاهيم التي يخطئ فهمها من لم يؤت حظاً من العلم ، والإلمام بالنصوص الواردة عن حملة الوحي الإلهي ، فمن تلك المفاهيم: الزهد ، والعزلة ، والتوكل ، والصمت ، والذكر ، والانتصار للحق ، والأنس بالغير ، والانقطاع بترك الأسباب ، والكرامة ، والواردات الغيبية وما شابه ذلك ، لأنها مفاهيم ( متأرجحة ) عند الخلق بين جانبي الإفراط والتفريط مفهوماً وتطبيقاً ، فقد يأخذ العبد بأحد جانبيه ليجلب لنفسه ما لا يحمد عقباه ..وقد يُـوفق ( للاعتدال ) في تطبيق بعض المفاهيم دون بعضها الآخر ، فينمو نمواً غير متزنٍ ، كما لو نما بعض أجزاء بدنه دون الآخر ، مما يجعله موجوداً غير مستوي الخلقة في تكوينه النفسي ..ومن هنا لزم أن يكون ( الإمام ) على الأمة الوسط ، هو من اعتدلت فيه كل صفات الكمال - فهماً وتطبيقاً - ومن بعده الأقرب فالأقرب إلى مثل هذا الاعتدال .
الومضة رقم 375: استقلالية الذكر الكثير
إن العبد لا يستغني عن ( ذكر ) الحق ولو كان في حال ممارسة عملٍ ( قربيّ ) كالجهاد الذي هو - كما روي - فوق كل برّ ..فقد يكون العبد مجاهداً بنفسه وماله وبدنه ، متقرباً إلى الحق المتعال بمجمل نيّته ، إلا أنه لا ( يستحضر ) رقابة الحق في كل خطوة من خطواته ..ولهذا ورد في القرآن الكريم ما يؤكد هذا المعنى بقوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً }..فقد طلب الحق الذكر الكثير حتى بعد اللقاء والثبات في مجاهدة الأعداء ، رغم أن الموقف أبعد ما يكون عن الغفلة ، لأنه قتال في سبيل الحق المتعال بما فيه من معاناة واصطبار ..ومن ذلك يُعلم أن للذكر الكثير قيمة كمالية مستقلة ، قد تفارق حتى الجهاد على عظمة تأثيره في تكامل الفرد والأمة .
الومضة رقم 376: الانطباع الأولي للعبد
إن الانطباع ( الأولي ) للعبد عند مواجهة أهل المعاصي ، هو الإحساس ( بالتعالي ) والنفور ، بما قد يؤدي إلى العجب بالنفس والاحتقار للغير ، واليأس من هداية الخلق ..والمطلوب من العبد أن يعيش شعوراً ( بالشفقة ) والأسى ، وخاصة تجاه المستضعفين من الرجال والولدان الذين لم تكتمل حلومهم ، بل وأحاطتهم ما يسلبهم القليل مما بقي من عقولهم ..وإن التأمل في هذه الآيات مما يعكس حالة الشفقة والحسرة التي كانت تعتلج في نفس من بعثه الحق المتعال رحمةً للعالمين وهي: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات }و{ لعلك باخع نفسك على آثارهم }و{عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } .
الومضة رقم 377: الشوق إلى الموت
إن أمير المؤمنين (ع) يفصح عن شدّة ( شوقه ) إلى الموت في مواقف عديدة منها قوله (ع): { والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، ومن الرجل بأخيه وعمه }البحار-ج28ص233 ..والسر في ذلك واضح ، إذ الموت عنده (ع) سفر من ( الضيق ) إلى عالم لا يعرف الحدود ، ومن ( مصاحبة ) الخلق إلى التفرغ لمجالسة الحق في مقعد الصدق عند المليك المقتدر ..فالذي يرى الموت جسراً بين العناء والسعادة المطلقة ، لا يمكن أن يستوحش منه وهو على مشارفه ، وهذا خلافاً لمن لا يعلم ما وراء ذلك الحد ، بل يعلم بما هو أسوأ من حاضره ..ولهذا جعل الحق المتعال تمنيّ الموت من دلائل الصدق في دعوى الولاية للحق ، وذلك في قوله تعالى: { إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } .
الومضة رقم 378: طمع القلوب
إن ( التفاعلات ) السيئة - كالتأثر بشهوة بالنساء - فرع صفة سيئة في ( نفس ) المتفاعل ، كما يعبر عنه القرآن الكريم بمرض القلب ، إذ هو الذي يدعوه للطمع عند خضوع النساء بالقول ، فيقول تعالى محذراً : { فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض }..وليعلم أن الأمر كذلك في كل موارد الرذيلة ، إذ أن هناك ( استعداداً ) نفسياً مسبقاً للتفاعل مع السيئة ، ومن دون القضاء على مرض القلب ، فإن الطمع سينقدح بين فترة وأخرى ، لارتكاب السيئة كالتلذذ المحرم ، وإن منع تحققها صاحبها:لخوف من العرف ، أو العقاب ، أو الطمع في منـزلة دنيوية ، أو أجر أخرويّ .
الومضة رقم 379: المـنّة على العباد
تنتاب البعض حالة لا شعورية من ( الـمنّة ) على العباد عند الإحسان إليهم ، وهو شعور لا يليق بالعبد ، وخاصة إذا كان العطاء من مال غيره ، أو من مال نفسه في حقٍ واجبٍ :كالخمس والزكاة ..فإن على العبد - حتى في الإحسان التبرعي - أن يدرك أن ذلك كله من ( عطاء ) المولى الذي جعله مُستخلفاً فيه ..فالـمنّة للحق على المعطي ، وعلى المعُطَى له أولاً وآخراً ، فهو مالكهما ومالك ما وصل من أحدهما إلى صاحبه .
الومضة رقم 380: تذكّر الفضل
يذّكر الحق الزوجين المتخاصمين الذّين وصلا إلى مرحلة الطلاق بقوله: { وإن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم }..ففي ( الخصومة ) يحيد العبد عن جادة الصواب بما يلائم مزاجه الثائر ، ومن هنا كان بحاجة ماسة إلى ما ( يبطل ) مقتضيات ذلك الطبع المنحرف ، وذلك بالالتزام النفسي بالعفو ، والتغاضي عن مصلحته وإن كان حقاً له ، وقد روي عن النبي (ص) أنه قال : { يأتي على الناس زمان عضوض ، يعض كل إمرءٍ على ما في يديه وينسون الفضل بينهم }البحار-ج74ص413.
الومضة رقم 381: الإصرار القبيح
يعيش الإنسان حالة من ( الإصرار ) الداخلي الذي لا مبرر له عند طلبه لبعض حوائج الدنيا ، ومن المعلوم أن هذا الإصرار لا يتناسب مع زيّ العبودية للحق ، إذ قد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { ما أقبح بالمؤمن أن تكون لـه رغبة تذله }البحار-ج73ص170..وقد يخلو العبد من إصرار ( بظاهره ) ولكنه يبقى مصراً بباطنه ، فيعيش حالة من ( الضيق ) الشديد عندما يرى تأخيراً في قضاء حاجته ، والحال أنه لو رجــع إلى رشده ، لما رأى شيئاً من موجبات اليقين بصلاح أصل حاجته أو تعجيلها ..وعليه فما الوجه في إصرار العبد الذي ليس له من اليقين ما يوجب له ذلك الإصرار ؟! .
الومضة رقم 382: اختلاف الحيثيات
إن محبة العبد وكراهيته إنما يتوجه إلى الفرد بلحاظ الصور الذهنية المنتزَعة من الخارج ، بما يحمله من موجبات الحب والبغض ..وعليه فقد يتأذى العبد من حب شخص آخر لعدوه ، أو عداوة آخر لصديقه ، فيبذر الشيطان بينهما بذر الشقاق والبغضاء ، مستغلا اختلاف العباد في تقييم الأصدقاء والأعداء ..وإن إبطال كيده في حالته تلك ، إنما يكون بالالتفات إلى ما قلناه من أن الحب المنقدح في النفوس ليس بلحاظ ( واقع ) العباد ، وإنما هو بلحاظ الصور ( الذهنية ) التي تطابق الواقع حيناً وتخالفه أحياناً أخرى ..وعليه فإن الالتفات إلى هذه الحقيقة الواضحة يرفع الخلاف بين العباد ، وذلك لاختلاف ( الحيثيات ) الموجبة لتعدد الموضوعات حكماً وإن اتحدت واقعاً ..فيتبين من مجموع ما ذكر: إن محبة عبدٍ لعبدٍ إنما هي لحيثية ، تغاير حيثية بغض الآخر للعبد نفسه ، وعليه فلا خلاف بينهما يستحق معه الشقاق والبغضاء .
الومضة رقم 383: كفران نعمة الملكات
إن بعض المَلَكات التي تعطى للعبد ، إنما هي بمثابة ( الوسيلة ) للتكامل: كرقة القلب ، وقوة الفهم ، وسرعة الانتقال ، وحسن الاستيعاب ، وسرعة البديهة ، وحسن التخلص ..هذا كله إضافة إلى ( العلوم ) الحقة المكتسبة من عالم المعرفة الذي يرفده الوحي والعقل والتجربة..ولكن العبــد - مع ذلك كله - قد يكفر بتلك النعم ، فتنقلب إلى ( حجة ) للرب على العبد ، بدلاً من أن تكون وسيلة لقرب العبد من الرب ..وقد قال تعالى عن بلعم: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض }..ومنه يعلم سر السقوط وهو الإخلاد إلى الأرض ، معرضاً عن موجبات الرفعة والعلوّ ، التي لو شاء الحق المتعال لرفعه بها ، وبذلك يتجلى لنا مدى خسران أصحاب تلك الملكات .
الومضة رقم 384: حسرة الفاقدين
إن الحسرة والألم اللّذين يعتصران قلب الفاقد لما يهوى ، لمن أجلى ( دلائل ) المحبة والارتباط ..وكلما عظمت هذه العلقة كلما عظمت حسرة الفقدان ، ولهذا ابيضت عينا يعقوب من الحزن لفقد من كان يحبه أشد الحبّ ..فإذا كانت الحسرة تنتاب الفاقدين لما هو مصيره إلى الفقد والزوال أولاً وآخراً ، فكيف بحسرة من يرى نفسه ( فاقدا ) لمن يعود إليه كل موجود ومفقود ؟!..ومن هنا كانت حسرة وأنين العارفين بالله تعالى ، من أعظم حالات الحسرة والأنين في حياة البشر ، لعظمة من فقدوه ذكرا في النفوس ، وتجلياً في القلوب ..وهذه الحسرة تعكسها هذه الفقرة من دعاء أمير المؤمنين (ع) عندما يبدي لواعج صدره بقوله: { ولأبكين عليك بكاء الفاقدين }..والمهم في العبد أن ينتابه مثل هذا البكاء قبل ( انكشاف ) الغطاء في أهوال القيامة ، إذ لا ينفعه شيء من البكاء يوم القيامة .
الومضة رقم 385: التيسير في حياة العبد
إن العبد الذي يوكِل أموره إلى الحق المتعال ، يجد بوضوح مدد التيسير والتسديد من الحق ، في كل شأن من شؤون حياته ..فاليسير من ( السعي ) قد يستنـزل الواسع من الرزق ، وهو من الرزق الذي يطلب الإنسان ولا يطلبه ، وبذلك لا يقع في عناء طلب ما لم يُـقدّر له فيه رزقاً ، وقد ورد فيمن يؤثر هوى الحق على هواه ، أن الحق تعالى له من وراء تجارة كل تاجر ..والقليل من ( العلم ) النافع يفتح له الآفاق الواسعة لمعرفة ما ينبغي عليه فعله في أمر معاشه ومعاده ..والقليل من ( الذرية ) يوجب له خلود الذكر ..والقليل من ( العبادة ) يجلب له حالة الأنس والاطمئنان ، إذ من أحبه الله تعالى رضي منه باليسير ، وهكذا الأمر في باقي شؤون حياته .
الومضة رقم 386: نور القرآن
يطلب العبد من ربه - في دعاء زمان الغيبة - أن يريه الحق نور القرآن سرمداً ..إذ لا شك أن للقرآن نوراً يهدي الله به من يشاء من عباده ، وهو نور محجوب عمن لم يرد الحق أن يهديه ، لخلل في العبد نفسه ..والدليل على ذلك ، هو ( إنفكاك ) هذا النور- في حالات كثيرة - عمن حفظ القرآن بألفاظه ، بل وعى كثيراً من معانيه ، بل فسر كثيراً من لطائفه كتفاسير المنحرفين عن منهج أهل البيت (ع) ..والشاهد على إنفكاك ذلك النور عنهم أمران ، الأول: وهو ( بقاؤهم ) في الظلمات المستلزم للحَـجْب عن كثير من المعارف الواضحة ، والثاني: وهو ( التعمد ) في المخالفة العملية لصريح القرآن الكريم ، الذي حفظوا رسومه بل فسروا كثيراً من معانيه ..ومن خصائص هذا النور إنارة الطريق بوضوح ، مما يهيـئ العبد للسير الحثيث في سبيل طاعة الحق ، ومن هنا كلما زادت تلاوته له ، كلما زادته إيماناً راسخاً في القلب ، لا علماً مجرداً في الذهن .
الومضة رقم 387: خطورة النفور من الداعي
إن من موجبات المحاسبة الشديدة للعبد يوم القيامة - قد يصل إلى حد مقت الحق له - هو دعوته للعباد إلى الطاعة مع عدم العمل بما يدعو الناس إليه ، بل وارتكابه ما يخالف ذلك ..فإن الخلق بطبيعتهم ( الساذجة ) يخلطون بين الدعوة والداعي ، وبين المبدأ وبين من ينتسب إليه ، فيـرون شبه ( امتزاج ) فيهما مع وجود المفارقة الشاسعة بينهما ..ويتعاظم الخطب عندما يتحقق ( النفور ) من ذلك الداعي ، فيعمد المدعو إلى مخالفة الداعي ولو كان محقاً في دعوته ، لمجرد النفور منه بل لرغبة المدعو في تحدي الداعي ولو أوجب مخالفة للحق وسخطاً للرب الجليل ..وهذا الأصل مما ينبغي مراعاته بدقة ، وخاصة في تعامله مع أهله وعشيرته الأقربين ، وذلك لإطلاعهم - بحكم معاشرتهم اللصيقة - على هفواته ، التي قد توجب لهم النفور المانع من قبول الموعظة والنصيحة .
الومضة رقم 388: العطش الذي لا رواء له
إن الدنيا كماء البحر الذي كلما شرب منه الإنسان ازداد عطشاً ..وهناك صورة أخرى يذكرها القرآن الكريم ، فيها موعظة وتقريع ، فيشبّه المقبل على الدنيا ( كبلعم بن باعورا ) بالكلب الذي يلهث على كل حال ، سواء حمل عليه أو ترك بحاله ، وهذه هي حالة الحيوان الذي يعيش العطش الذي لا رواء له ..وهكذا فإن أبناء الدنيا يعيشون حالة من الولع والميل المفرط ، الذي لا يشبعه شيء من الدنيا وإن بلغ مداه ما بين المشرق والمغرب ..وعليه فإن العاقل يعلم أن الحل الجامع لذلك كله ، هو ( إزالة ) العطش الكاذب الذي يزهّده في ما يشبه الماء ، لا ( البحث ) وراء الماء الكاذب الذي لا يروي الغليل .
الومضة رقم 389: إطفاء النور
ورد في الحديث عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه }البحار –ج1ص136.. ففي هذا الخبر إشارة مهمة إلى من راقب نفسه ، إذ أن بعض الذنوب لا تنحصر آثارها في ( العقوبة ) البرزخية أو الأخروية ، وإنما تسلب ( النور ) من العبد ، ومن المعلوم أن ذهاب النور يلازم حلول الظلمة التي تجعل العبد لا يهتدي إلى سبيله في الحياة ..ومن هنا تأكد الدعاء بطلب ذلك النور الذي يمشي به العبد في النشأتين ، إذ طالما تتعثر مسيرة العبد نتيجة خطئه في تمييز الصالح من الأفعال ، وخاصة في الموضوعات المبهمة التي لم يرد فيها أمر أو نهي بالخصوص ، فهو وإن لم يكن مسؤولاً عن الخطأ - جهلاً - في ( تشخيص ) الموضوع ، إلا أن ذلك مستلزم لتفويت منافع كثيرة كان من الممكن أن يحوز عليها ، لو كان ماشياً على بصيرة من ربه .
الومضة رقم 390: فتور همة العبد
إن الذكر ( القلبي ) للحق المتعال ، وإن كان من أعظم صور الذكر ، إلا أنه في الوقت نفسه ينبغي الالتفات إلى أن ذلك قليل أيضاً فيما لو قيس بعظيم حق المولى على عبده ، لأن هذا الذكر القلبي - على جلالته - لا يستلزم حركة في الخارج بما فيها من ( جهاد ) ومنافرة ، فهذا الذكر قد يجتمع حتى مع انشغال العبد الظاهري بلذائذه ..وعليه فإن ترك الذكر القلبي في أدنى مراتبه ، لمن الصور القبيحة ( للكسل ) ، وفتور همة العبد ، الذي يبخل بما لا يستلزم منه جهداً في الخارج ..فليشتغل العبد نفسه بما يريد ، مع الاحتفاظ بتلك اليقظة التي تمنعه من التورّط فيما يوجب له غضب المولى الجليل .
الومضة رقم 391: عرش الشيطان
روي عن الإمام الصادق (ع) - في جواب من ادعى أن أبا منصور رُفع إلى ربه ، وتمسّح على رأسه - أنه قال : حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (ص) قال : {إن إبليس اتخذ عرشاً فيما بين السماء والأرض ، واتخذ زبانية بعدد الملائكة ، فإذا دعا رجلا فأجابه ، وطئ عقبه وتخطت إليه الأقدام ، تراءى له إبليس ورفع إليه ، وإن أبا منصور كان رسول إبليس }البحار -ج25 ص 282 ..إن هذا الحديث لمن نوادر الخبر في مجال ( تلبيس ) إبليس ، إذ أنه يفسر حالة العروج الكاذب والدعاوى الزائفة التي تضج بها بعض كتب المنحرفين عن جادة الحق ، وذلك في مجال التهذيب والسلوك ..إضافةً إلى دلالته على خطورة ( التصدي ) لبعض المقامات من دون استحقاق علمي وعملي ، فرغبة الشيطان في إمامة هؤلاء للخلق قد أشير إليها بقوله (ع): { وطئ عقبه }..وأخيراً ينبغي الالتفات إلى سعة ( كيد ) الشيطان وخفاء مكره ، يصل إلى حد تزييف عناصر عالم الملكوت ، والتشبه بالرب عرشاً وملائكةً ووحياً .
الومضة رقم 392: تعصّب المحب
إن العبد عندما يستغرق في محبة عبدٍ من العباد - لشهوة أو لحكمة - يجد في نفسه نفوراً و( استيحاشاً ) ممن لا يشاطره ذلك الحب ، فكيف إذا أحس بعداوة أحد تجاه من يحبّ ؟!..كل ذلك من صور ( التعصب ) الذي يفيده ذلك الحب المستغرق لشغاف القلب ..وقياسا على ذلك نقول: إن محبة الحق تتغلغل في نفس العبد المطيع إلى درجة يصل إلى المرحلة نفسها ، فيجد استيحاشاً بل نفوراً من الغير الذي لا يلتفت إلى الحقيقة التي استشعرها هو بكل وجوده ، وأحبها بمجامع قلبه ، ولو كان ذلك الغير من أقرب الخلق إليه ..ولهذا {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يوادّون من حاد الله ورسوله ، ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو أخوانهم أو عشيرتهم } .
الومضة رقم 393: الناصح القائد
إن مَثَل الناصح الداخلي ( أي العقل ) ، والخارجي ( أي الموعظة والوحي ) ، كمثل من يقود الدابة التي لا تهتدي إلى سبيلها بنفسها ..وعليه فلو لم يكن للسائس سلطة القيادة ، وللدابة قابلية الانقياد ، لسقطا في الهاوية ، وخاصة لو اقترن ذلك بهياج الدابة ، وسرعة سيرها ، ووعورة طريقها ، بل وغياب سائسها بعد طول مخالفة ..وبناء على ذلك فليس مجرد وجود السائس البصير من موجبات الاهتداء إلى السبيل ، بل إن فعلية الهداية مترتبة على فعلية القيادة ، فالعقل والشرع هاديان لمن اتبعهما ، لا لمن وجدهما في نفسه فحسب ، فيكون ممن أضلّـه الله على علم .
الومضة رقم 394: تضييع النساء والصبيان
قد يلتفت العبد إلى حقوق العباد خارج دائرة سيطرته ..ولكنه يضيّـع حقوق القريبـين من رعيته ، وهم الضعيفان: الأولاد والنساء ، وذلك ( لاستسهال ) التعدي عليهم ، وعدم ( إطلاع ) الخلق على ظلامتهم ، و( حاجتهم ) الشديدة إليه بما يمنعهم من الشكوى منه ..ومن هنا لزم على العبد الحذر الشديد من غضب الحق فيمن لا ناصر لهم إلا الله تعالى ، وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { إن الله لا يغضب بشيء ، كغضبه للنساء والصبيان }البحار-ج104ص73.
الومضة رقم 395: أثر الاستحواذ
إن الأثر ( المهم ) والرئيسي لاستحواذ الشيطان على العبد هو ( نسيانه ) ذكر ربه ، إذ قال تعالى: { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله }..ومن ذلك يعلم أن مفتاح عمل الشيطان هو نسيان الحق المتعال ، وخاصة في المواطن التي تتطلب منه الذكر: كمواطن المعصية ..ولذلك لا ينحصر همّ الشيطان في نسيان العبد ذكر ربه في كل آناء حياته ، بل يكفي لتحقق ( غرضه ) ، نسيان العبد لربه حين تعرضه للغواية ..وهنا فلنتساءل: أنه ما هي القيمة الرادعة لذكر الله عز وجل قبل المعصية وبعدها ، بعد أن نال الشيطان بغيته منه في حال المعصية ؟!..وعليه فليس من المهم نفي الغفلة المطبقة لينفعه الذكر المتخلل ، وإنما المهم إثبات الذكر الغالب ، لئلا تضره الغفلة المتخللة .
الومضة رقم 396: إثارة صاحب المصيبة
إن ما يتميز به صاحب المصيبة العظمى - كالأم الثكلى بولدها - هو أن أدنى تذكير له بالمصاب الذي نسيه بتقادم الأيام ، يهيّـج فيه المشاعر الكامنة ، فلا تحتاج بعد ذلك إثارة تلك الأحاسيس ( الدفينة ) إلى كثير جهدٍ ومعاناة ، وخاصة عندما تتعاظم المصيبة ..وعليه فإن المؤمن الذي يعيش حالة التفاعل الشعوري مع عناصر عالم الغيب ، يثيره أدنى مذكر لتلك العناصر التي قد غفل عنها ، وذلك كإحساسه بفداحة فقد النبي (ص) ، وغيبة الوصي (ع) ، وخلو الزمان من الحجة الظاهرة ..وهذه معانٍ كامنة في وجدانه وإن لم يستحضرها في كل آن ..ومن المعلوم أن الذي لا ( يملك ) هذا المخزون الشعوري في مرحلة سابقة ، لا ( يتفاعل ) عادة بالمثيرات العاطفية حينما يتعرض لهـا ، كعدم تفاعل الأجنبية مع مصيبة الوالهة الثكلى .
الومضة رقم 397: هبة رأفة الولي
يطلب المؤمن من ربه أن يهبه رأفة ورحمة وليّ الأمر (ع) ..فالرأفة والرحمة وإن كانت ( منقدحة ) في قلب الولي ، إلا أنها ( مستندة ) إلى الله رب العالمين ، يهبه لمن يشاء من عباده ..فيُعلم من ذلك أن الطريق إلى رأفة الحجة في كل عصر ، هو التوجه إلى الرب المتعال ، وبذلك يتجلى لنا عدم المفارقة بين الالتجاء إلى الحق وبين الالتجاء إلى أوليائه سواء في: مجال استجابة الدعاء ، أو الشفاعة ، أو الأنس بالذكر ، كما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { شيعتنا الرحماء بينهم ، الذين إذا خلوا ذكروا الله ..إنا إذا ذُكرنا ذُكر الله ، وإذا ذُكر عدونا ذُكر الشيطان }البحار-ج74 ص258..فإن من الخطأ بمكان أن نعتقد أن التعامل مع أولياء الحق ، إنما هو في ( عرض ) التعامل مع الحق المتعال لا في طوله ، ومع الاعتقاد بهذه ( الطولية ) ترتفع الاشكالات الكثيرة ، ويزول الاستغراب من الاعتقادات الناشئة من توهّم العرضية في التعامل .
الومضة رقم 398: الملاك الواحد
إن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ( ليصدّ ) عن سبيل الله تعالى كما صرح به القرآن الكريم ..وعليه فإن كل ما يصد عن سبيل الله تعالى فهو كالخمر والميسر ، وإن لم يتجلّ لنا قبحه كقبحهما ، إذ العبرة ( بالغايات ) القبيحة وإن لم تكن ( المبادئ ) قبيحة في بادئ النظر ..ومن هنا عُبر بالمسكر عن أمورٍ أخرٍ لا يتعارف سكرها ، كما روي عن أمير المؤمنين انه قال : { السكر أربعة: سكر الشراب ، وسكر المال ، وسكر النوم ، وسكر الملك }البحار-ج73ص142..وعليه فإذا رأى العبد المراقب لنفسه ، بعض موجبات الصد عن سبيل الله تعالى ، ولو كان مباحاً بعنوانه الأولي - كالجلوس مع الغافلين أو الإنشغال بما يلهي الفكر والنظر - فإنه يتعامل معه كتعامله مع الخمر والميسر ، لتشابه الملاك فيها جميعاً .
الومضة رقم 399: كالسائر في البستان
إن الذين أنسوا ( بروح ) الصلاة ، قد لا يُـحوجهم الأمر إلى التماس أحكام ( الشكوك ) في ركعات الصلاة ، إذ أن لكل ركعة من الصلاة روحها ورائحتها الخاصة بها ..فهو كمن يسير في بستان لها حقولها المتمايزة ، فلا يذهل عن أوله ولا وعن وسطه ولا عن آخره ، بل يعلم في كل خطوة يخطوها موقعه في ذلك البستان بما فيها من صور الجمال ..وعندئذ نقول إن مَثَل المصلي كمَثَل ذلك السائر ، فلكل جزء من أجزاء الصلاة طعمه المتميز ، يستذوقه المصلي في وجوده بكل وضوح ، فكيف لا يفّرق بين الركعة الأولى بما فيها من نشاط البدء في مواجهة الحق بعد طول انتظار ، وبين الركعة الثانية بما فيها من قنوت وحديث مسترسل مع الرب المتعال ، وبين الركعة الثالثة التي هي بداية النصف الأخير من التنـزل التدريجي بعد العروج ، وما يصاحبها من الاشفاق من قرب الرحيل ، وبين الركعة الرابعة التي يشرف فيها على الخروج من هذا اللقاء المبارك ، بما يصحبه من ألم الوداع والفراق ؟! .
الومضة رقم 400: ذكر المعصومين للحجة(ع)
لقد تناولت النصوص الشريفة الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) مسألة الأمام المنتظر من ( زواياها ) المختلفة: فتارة تتطرق إلى علائم ظهوره ، وتارة أخرى إلى أوصاف أصحابه البررة ، وثالثة إلى الأحداث الواقعة بعد ظهوره ، ورابعة إلى المحن التي تنتاب الموالين له في غيبته ، بما يدل بمجموعها على أنها فكرة ( محورية ) في تراث أهل البيت (ع) ..فهذا الإمام الصادق (ع) ، يصفه الراوي بأنه كان يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيّـر في عارضيه ، وقد زفر زفرة انتفخ منها جوفه ، واشتد منها خوفه ، وهو يقول: { سيدي! غيبتك نفت رقادي ، وضيقت عليّ مهادي ، وأسِرَت مني راحة فؤادي ..سيدي! غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد ، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد }البحار-ج51ص219..ولا عجب في ذلك فإن بدولته الكريمة تحيا آمال الأنبياء والأوصياء ، من لدن آدم (ع) إلى النبي الخاتم (ص) ، إذ لم تشهد الأرض العدل المطبق منذ بدء الخليقة إلى زمان ظهوره .
زلزال
01-24-2009, 03:34 PM
الومضة رقم 401: تحويل المعلومة إلى عقيدة
إن الصعوبة الكبرى في عالم التكامل ، تكمن في عدم قدرة العبد على تحويل ( المعلومة ) الذهنية إلى ( عقيدة ) قلبية ، فقد يكون لديه كمٌ كبير من الأفكار الصائبة والمفاهيم الحقّـة ، إلا أنه لم يترجمها إلى شحنة دافعة في أعماق وجوده تحركه نحو الكمال ، ولهذا لا يجد لهذه المفاهيم ( داعويّة ) في نفسه ، ومحركية لإرادته ، فتكون كالأسفار المحمولة !!..وهناك سبلٌ كثيرة ودقيقة بل معقدة ، لتحويل المعلومة إلى عقيدة منها: البلوغ النفسي ، والاستحضار الدائم للفكرة تذكيراً لنفسه وتواصياً لغيره ، وتحاشي العمل بما ينافيها ، والإصرار على التطبيق عند منافرة الطبع لها ، والعيش في ضمن الأجواء المحفّزة لهـا ، والاستمداد الدائم من الحق ، ليتحقق في العبد مضمون قوله تعالى: { وربطنا على قلوبهم }و{ أفرغ علينا صبرا }و{ فزادهم إيماناً }و{ آتاهم تقواهم }و{ ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً } .
الومضة رقم 402: المجاهدة الدفعية والمستمرة
ورد في حديث الاستظلال بظل العرش ذكر سبعة أصناف منهم: { وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ..ورجلٌ دعته امرأة ذات حسبٌ وجمال فقال إني أخاف الله }البحار-ج26ص261..فالملاحظ أن هناك صنفاً تكتسب هذه المزية العليا في ذلك الموقف العصيب ، بالمجاهدة المستمرة التي تفيدها عبــارة ( نشأ في عبادة الله ) ..إلا أن هناك صنفاً آخر حاز على الرتبة نفسها بمعاملة مربحة مع الحق المتعال ، قد لا تستغرق سوى لحظاتٍ من حياته ، وهي ساعة المجاهدة الدفعية المتحققة عند قوله ( إني أخاف الله ) ..فمَثَل هذا العبد كمَثَل من ربح مالاً وفيراً في صفقة واحدة ، لم يكلفه سوى الإيجاب والقبول ..فعلى العبد عند الابتلاء بهذه المواقف المحرجة ، أن لا يفرّط في هذه الأرباح العظيمة التي يبيعها أهل الهوى بشهوة عابرة ، تذهب لذتها وتبقى تبعتها ..بل قد لا يتهيب البعض من تعرّضه لمثل هذه المواقف ، ليثبت فيها استقامته وثباته بفضل الحيّ القيّوم ، فيحوز على ما لم يحزه بالمجاهدة المستمرة .
الومضة رقم 403: نقاط النور
ما من مؤمن إلا وهو يعيش ( لحظات ) بينه وبين ربه ، يستشعر فيها حالة الإنابة بل الأنس بذكره بما لا يقاس به الأنس بمن سواه ، وهي ومضات النور التي تتخلل ظلمة الحياة ..فالمطلوب منه أن ( يوسّع ) من هذه النقطة البيضاء لتغطي أكبر مساحة من حياته ..فما العمر إلا مجموعة من نقاط النور والظلمة ، فما دام العبد قادراً على ( التحكم ) في نقطة منها ليحوّلها إلى بقعةٍ من نور ، فما المانع عقلاً من التحكّم في النقاط الأخرى ، ليضفي على حياته هالة من النور الثابت المستغرق ؟!..ومن المعلوم أن هذا النور الذي يكتسبه في الحياة الدنيا ، هو بنفسه يسعى بين يديه يوم العرض الأكبر .
الومضة رقم 404: فساد الظرف والمظروف
إن موجبات الفساد والإفساد تكون تارة في ( المظروف ) ، وأخرى يتعدى المظروف ليفسد ( الظرف ) نفسه ، وذلك في ما لو طالت فترة بقاء الفاسد في ذلك الظرف ..وعليه فإن بعض الذنوب التي يدوم عليها العبد - وإن كانت من الصغائر - قد تؤثر في فساد القلب ، كإفساد الثمرة الفاسدة للإناء الذي فيه ، وحينئذ فلا يكون علاج الأمر بإزالة الثمرة الفاسدة ، بل بتغيير الإناء الذي تعدى إليه الفساد ..ومن هذا المثال نعلم ضرورة ( المسارعة ) في الإقلاع عن الخطايا ، لئلا يفقد القلب سلامته فيؤول أمره إلى الختم ، وعنده يبقى فساد القلب بحاله وإن أقلع صاحبه عن المعصية .
الومضة رقم 405: مرد الإحساس بالغيرة
إن مردّ إحساس المرأة بالغيرة من تصرفات الزوج هو اعتقادها ( بالشرك ) التعاملي الذي يمارسه الزوج مع زوجته ، فهي تفترض أن حبه لها ينبغي أن لا تشاركه فيه غيرها ..فلو ( غالبت ) المرأة هذا الإحساس ، وخرجت من دائرة انحصار توجهها لزوجها ، والاستغراق في جلب وده ، ومن ثَمّ أسلمت أمرها لمن بيده مقاليد الأمور صغيرها وكبيرها ، لهانت عليها بعض الصعاب ، واحتملت أذى الأزواج ، لما ترى من أن ذلك كله بعين الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ..إضافة إلى ذلك كله ، ( الاعتقاد ) بأن الخير إنما هو بيد الذي لا رادّ لفضله ، يصيب به من يشاء من عباده .
الومضة رقم 406: الكمال الطولي والعرضي
إن مما يلاحظ في بعض صور توفّـي الحق لعبده بالموت ، هو أن العبد يصل إلى مرحلة رتيبة من الطاعة إما أنساً بها أو اعتياداً لها ، بحيث لو ترك بحاله لما عدل عما هو فيه ، ومن المعلوم أن ( استعداد ) العبد للطاعة - وإن استمرت به الدهور - لمن موجبات الخلود بالجزاء التفضلي للحق الكريم ..وعليه فلو توفّاه الحق بعد تلك الحالة الرتيبة الثابتة ، فإن انقطاع ذلك التفاعل ( العرضي ) لا يؤثر كثيراً في رصيده ، وهذا بخلاف ما لو اعتاد العبد القفزة في حياته ، فإن هذا التكامل ( الطولي ) في الدرجات ، قد يوجب له منحة الحق في إطالة العمر ، ليتسنى للعبد القفز إلى أعلى الرتب التي يمكن أن يصل إليها ، فيتوفاه الحق - لطفاً به - بعد ذلك وهو في أعلى سلم التكامل .
الومضة رقم 407: التأسي في تأثرهم
تنتاب الإنسان حالة من الألم الشديد عند فراق عزيز يصل إلى حد الذهول ، فعلى العبد في مثل هذه الحالة ، تذكر مصائب أهل البيت (ع) في أعزتهم ، وخاصة مع ملاحظة ( قرب ) أعزتهم من الحق المتعال ، إضافة إلى ( شدة ) محبة المعصوم لمن هو عزيز لديه ، إذ أن المحبة الحقة صفة ( كمالية ) ، لا بد وأن تكون متحققة في المعصوم بأعلى درجاتها ..ومن هنا كان التأسي بهم في ذلك التأثر بأعـزّتهم ، من أعظم موجبات رضاهم ، وكسب الـحُظوة عندهم (ع) .
الومضة رقم 408: آثار سرعة الاعتذار
إن سرعة ( قبول ) العذر عند الاعتذار ، لمن سمات النفوس الكريمة ، فإن المعتذر لا يخلو من إحساس بالذل والمهانة عند الاعتذار ، لا يحتملها أصحاب النفوس العالية ، إذ لا يمكنهم الوقوف موقف اللامبالاة من المعتذرين ..أضف إلى ذلك ، فإنها من موجبات ( استنـزال ) الرحمة الإلهية لقابل العذر عند اعتذاره هو - بدوره - للحق المتعال ، ومن المعلوم أن العبد لا ينفك من حاجته ( لصفح ) الحق في كل مراحل حياته ، لعدم خلوه من تقصيرٍ في حق العبودية: بدءً بالذنوب ، وانتهاءً بالغفلة والإعراض بالقلب ..وقد أمِـرنا بالصفح الجميل الذي فسره الأمام الرضا (ع) بقوله: { عفواً من غير عقوبة ، ولا تعنيف ، ولاعتب }البحار-ج78ص356 ..كما روي عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { إن أتاكم آتٍ فأسمعكم في الأذن اليمنى مكروهاً ، ثم تحول إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال لم أقل شيئاً ، فأقبلوا عذره }البحار-ج71ص425 .
الومضة رقم 409: التفاعل في الخلوة والجلوة
إن مَثَل من يُقبل على المولى في ( ملأ ) من الناس متأثراً بتفاعلهم مع ذكره تعالى ، ثم يعرض عنه في ( خلوته ) ، كمَثَل من قدم عليه ضيف كريم ، وأكرمه عند زيارة الناس له متأثراً باحترامهم لذلك الضيف ، فإذا خلا به أهمله في ضيافته وتكريمه ..فإن دل ذلك على شيء ، فإنما يدل على عدم معرفته بالضيف حق معرفته ، وعدم تقديره بما يليق بشأنه ، مما يجعله محروماً من خالص نظرته عند الخلوة به ..وكان الأجدر بالمضيف الذي تشرف بزيارة مثل هذا الضيف له ، أن ( يحرص ) على خلوته به أكثر من تكريمه في ملأ من زوراه ، فإن تكريم الضيف في الخلوة ، أقرب إلى التقدير الخالص من التكريم في الجلوة ، لما يشوبه من شوائب التظاهر والمجاملة .
الومضة رقم 410: تجاوز الحاكمية
إن الدين عبارة عن مجموعة من القوانين التكليفية والوضعية في الأفعال والتروك ، وهي التي ( تحكم ) علاقة العباد بربهم ، وبالمخلوقين من جهة أخرى ، ومن هنا كانت هذه القوانين من شؤون ( حاكمية ) الملك الحق المبين ..ولـيُعلم أن أيّ تدخّل غير مأذون به في هذا المجال ، يُعـدّ تحدياً وتجاوزاً لتلك الحاكمية القاهرة ..ومن هنا جاءت النصوص المحذرة من: تفسير القرآن بالرأي ، والبدعة ، والقياس في الدين ، والتصرف في الحديث بالجعل والتحريف ، واتباع ما ليس فيه علم ..فعلى العبد أن يحذر الاعتقاد بأي أمرٍ - ولو كان حقيراً - ما لم يقم عليه برهان من شرع أو عقل ، لئلا ( يعتاد ) إتباع الظن المنهيّ عنه ، فيقع نتيجة لذلك في شباك الشيطان ، لتبنّـيه العقائد الفاسدة التي تغير مسيرة العباد وتفسد صالح البلاد ، وقد ورد عن الإمام الرضا (ع) أنه قال : { إن أدنى ما يُـخرج الرجل عن الإيمان ، أن يقول للحصاة هذه نواة ، ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه }البحار-ج2ص115..فليست المشكلة الكبرى في القول المجرد الذي لا يستتبع اعتقادا ، بل المشكلة فيما ذكر من الديانة به والبراءة ممن خالفه .
الومضة رقم 411: عروج الدعاء
إن الدعاء إذا ( عرج ) إلى الحق المتعال ، فلا يعقل - بعده - إهمال الكريم لحاجة صاحبه ، إذ أن ذلك لا يجتمع مع كرمه الذي لا يحيط العباد بكنهه ، كباقي صفات جلاله وكماله ..ومن هنا تأكدت الحاجة في التأمل في موجبات ذلك العروج ، وهي العمدة في تحقق الإجابة ، ولهذا يسأل الداعي ربه قائلاً: { اللهم فأذن لدعائي أن يعرج إليك ، وأذن لكلامي أن يلج إليك }البحار-ج87ص182..وقد أشارت الأدعية الكريمة إلى الذنوب التي ( تحبس ) الدعاء ، ومن المعلوم أن حُكم الدعاء الذي لا يعرج إلى الحق ،كحكم الدعاء الذي لم يصدر من صاحبه ، في عدم استلزامه الاستجابة .
الومضة رقم 412: خبط العشق
إن بعض الذنوب الخارجية يعبّـر عن انحراف ( جارحة ) من الجوارح ، وإن كان منشؤها حالة في النفس تدفع الجارحة لارتكاب تلك الخطيئة ..إلا أن هناك بعض الخطايا تتفاعل مع النفس ( مباشرة ) ، فتقلب عاليها سافلها ، بما يفقدها الاعتدال والاستواء ، فتدعو صاحبها للتخبط في الحياة كتخبط من سلب عقله !!..ومثال ذلك العشق الشديد الذي قد لا يتجلى من خلال معصية في جارحة ، إلا أنه يوجب الاضطراب في ( التكوين ) النفسي والعقلي بما يفوق أثر بعض الذنوب الخارجية ..والدليل على ذلك هو عدم قدرة العبد عندها على الالتفات إلى الحق ، بل الإحساس بحالة من الصدود عنه ، لشدة انشغال الفؤاد بمادة العشق هذه ، وهذا كله خلافاً لبعض الذنوب التي يعود العبد بعدها إلى ربه تائباً منها بمجرد إقلاعه عنها ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) ما يصوّر حالة الانقلاب النفسي للعاشق بقوله: { من عشق شيئاً أعشى بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعينٍ غير صحيحة ، ويسمع بأذنٍ غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه }شرح النهج ج7-ص200 .
الومضة رقم 413: الآثار البعيدة للعمل
إن مما يُفاجأ به العبد عند المحاسبة يوم القيامة ، هو إطلاعه على الآثار غير المقصودة المترتبة على أفعاله الاختيارية ، إذ أن الآثار ( البعيدة ) المترتبة على الفعل وإن لم تكن ( اختيارية ) للعبد مباشرة ، إلا أنها تنتسب إليه بانتساب ( أصل ) الفعل إليه ، ولهذا ينتسب أجر من عمل بالسنّة الحسنة ، و وزر من عمل بالسنّة السيئة ، إلى صاحب السنّة الحسنة أو السيئة ، وإن لم يعمل هو بها ..وعليه فمن الواجب على العبد الحذر الأكيد من الآثار اللاحقة للسيئة ، فضلاً عن السيئة نفسها ، ولا شك في أن توقّـع الآثار واحتمال وقوعها ، يحتاج إلى بصيرة ونورٍ يمنحان لمن يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ..والتأمل في الرواية التالية مما يُـذهل ذوي الألباب ، ويدفعهم للمراقبة في كل حركة وسكنةٍ ، قولا كان أو فعلاً ، وهي ما روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : { يحشر العبد يوم القيامة وما ندا دماً ، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك ، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان ، فيقول: يا رب لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً ؟.. فيقول: بلى ، سمعت من فلان رواية كذا كذا ، فرويتها عليه ، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها ، وهذا سهمك من دمه }البحار-ج7ص202 .
الومضة رقم 414: افتراض حلول الموت
يحسن بالعبد بين فترة وأخرى ( افتراض ) حلول الموت به على حين غفلة ، ليرى مدى ( استعداده ) لمواجهة هذا المصير الذي لا يُستثنى منه أحدٌ من الخلق ، وتتأكد هذه الحاجة لمن بلغ من العمر مبلغاً ، أو ألـمّت به عارضة يخشى معها الرحيل على عجل ..والمطلوب من العبد في مثل تلك المراجعة ، هو تصفية حقوق الخلق ، والإنابة إلى الخالق ، والتفكير فيما ينبغي له بعد الموت ، من موجبات الأجر الجاري الذي لا ينقطع بانقطاع الحياة ..ومع الإخلال بما ذكر ، فإن على العبد أن يوطّن نفسه على التصفية قبل الموت في سكراته ، وبعد الموت في برزخه ، وهو ما يعبر عنه الإمام الهادي (ع) بـ ( الحمّام ) ، وذلك عندما دخل على مريضٍ وهو يجزع فقال له: { إذا اتسخت وتقذّرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك ، وأصابك قروح وجرب ، وعلمت أن الغسل في الحمام يزيل ذلك كله ، أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك؟.. أوَ تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك ؟.. فقال بلى يا ابن رسول الله ، فقال(ع): هو ذلك الحمام ، هو آخر ما بقي من تمحيص ذنوبك ، وتنقيتك من سيئاتك }البحار-ج6ص156..فالأولي بالعبد أن يدخل الحمام بنفسه قبل الموت ، لئلا يجبر على دخولهـا بما فيها من ذل وقسر وطول مكث .
الومضة رقم 415: القلب موضع النظر
إن النصوص الشريفة من القرآن وروايات العترة (ع) ، أكدت على طهارة القلب وتزكيته بما لا تدع مجالاً للشك في أنه لا صلاح ولا نجاة ولا كمال للعبد ، من دون ( المراقبة ) الدقيقة والمبرمجة للقلب الذي إن صلح صلحت ( الجوارح ) كلها ..ومن هذه النصوص التي تفتح آفاقا للسالكين إلى الحق ، ما روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله ، فمن طهر قلبه نظر إليه }غرر الحكم..وما قيمة القلب الذي لم ينظر الحق إليه ، وإن اشتغلت الجوارح ببعض الأعمال القربـّية ؟! .
الومضة رقم 416: قيمة المعارف
إن على المؤمن أن يستذكر حقيقة أن ما وصل إلى الأجيال اللاحقة ، من ( المعارف ) الحقّـة في العقائد والأحكام ، المستمدة من منبع الوحي والعترة ، إنما هي ( ثمرة ) تاريخ من المجاهدة بالأنفس والأموال ، منذ بعثة النبي (ص) إلى ما بعد زمان الغيبة ، بما فيها من مآسي وآلام لم يرْوِ لنا التاريخ إلا نزراً يسيراً منها ..ومن المعلوم أن هذا الاستذكار يدعوه لمعرفة قيمة النعم التي هو فيها ، وضرورة عدم التفريط بشيء منها ..فهذا بدء زمان الغيبة الصغرى - عند وفاة الإمام العسكري (ع) - يشهد بداية إرهاصات زمان الغيبة ، إذ روى التاريخ أنه: { جرى على مخلفي أبي الحسن العسكري (ع) كل عظيمة من: اعتقال ، وحبسٍ ، وتهديدٍ ، وتصغيرٍ ، واستخفافٍ وذل }البحار-ج50ص334 ..ومن المعلوم أن كل هذه المآسي بعد زمان الغيبة ، شهدها ويشهدها صاحب الأمر (ع) ، مما يوجب على محبيه ، مواساته في مصائبه ، وأفضل ( المواساة ) هو الإتّـباع والعمل بما يقرّب من الظهور .
الومضة رقم 417: الجهل بدرجات الحجج
إن الجهل بعلوّ درجات حجج الله على الخلق من المعصومين (ع) ، منشؤه عدم ( استيعاب ) دورهم الذي رسمه الحق لهم في عالم الوجود ، فمن اتخذه الحق خليفة في الأرض ، لا بد وأن يزوده ( بمستلزمات ) الخلافـة من جهتين ، الأولى: عظمة ( الانتساب ) ، إذ أنه خلافة للرب العظيم ، وعظمة خلافة الرب العظيم ، تستدعي عظمة من استخلفه بما يليق بشأن خلافته ، والثانية: عظمة ( التكليف ) ، إذ أنه واسطة لعناية الحق في كل ما يتصل بشؤون المبدأ والمعاد ، وبما يضمن سعادة الخلق في عوالم الدنيا والبرزخ والقيامة ..فهذا أبو هاشم من خواص الإمام العسكري (ع) يقول: جعلت أفكر في نفسي عِظَم ما أعطى الله آل محمد (ص) وبكيت ، فنظر إليّ الإمام وقال : { الأمر أعظم مما حدثت به نفسك من عظم شأن آل محمد (ص) ، فاحمد الله أن جعلك متمسكاً بحبلهم ، يوم تدعى يوم القيامة بهم إذا دعي كل أناس بإمامهم ، إنك على خير }البحار-ج50ص259 .
الومضة رقم 418: تمنيات الغافلين
قد يتمنى الغافل عن الحق ملذات المستغرقين في الشهوات ، كما تمنى الغافلون من قبل ما أوتي قارون من متاع ، إذ قالوا: { يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم }..والمطلوب في هذه الحالة الالتفات إلى حقائق تزهّده في تلك الأماني الباطلة: فمنها الاعتقاد ( بفناء ) الملذات ودفعيّـتها حتى في الحياة الدنيا ، ولهذا يستوحش أصحابها بمجرد الفراغ منها ، بل يصيبهم شعور بالملل والفتور كما هو واضح في شهوة البطن والفرج ..ومنها أن إقبال أهلها عليها إنما هو ( فرار ) في حالات كثيرة ، لما هم فيه من الضيق والضنك في العيش ، ولهذا يلتجأون إلى ما ينسي واقعهم كالمسكرات وما يشبه ذلك من مزيلات اليقظة والانتباه ، فيرتمون في أحضان تلك الموبقات ، لعدم وجود بديل لهم يشفي الغليل ، والحال أن المؤمن لا يرى في حياته ما يوجب الهروب منه ، ليلجأ إلى الاستمتاع المجرد من الهدف ، فهو متزود من الدنيا لا مستمتع بها ..أضف إلى ذلك كله ، وجود تبعات اللذائذ التي تلحق أهل المعاصي في الدنيا والآخرة ، خلافاً لأولياء الحق الذين جمعوا بين سعادة الدارين ، كما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { المال والبنون حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لأقوام }البحار-70ص225 .
الومضة رقم 419: التشبّه بالكفار
إن من أعظم الذنوب هو الكفر والشرك ، وما ( يرتبط ) بهما من إنكار الضروري والتبرم من قضائه وقدره ، ولكن العبد قد لا ( يعتقد ) شيئاً من تلك المعاني ، ولا يُظهرها على لسانه ، ولكنه يتصرف - في مقام العمل - كمن يعتقد بتلك الأمور الموبقة ، فهو وإن لم يكن كافراً بمجرد ذلك ، إلا أنه ( متشبّه ) بهم وما أسوأه من تشبّـه ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { يأتي على الناس زمان يشْكُون فيه ربهم ، قلت وكيف يشكُون فيه ربهم ؟..قال يقول الرجل: والله ما ربحت شيئاً منذ كذا وكذا ، ولا آكل ولا أشرب إلا من رأس مالي ، ويحك!..وهل أصل مالك وذروته إلا من ربك ؟! }الوسائل-ج17ص462 .
الومضة رقم 420: الاسترسال بالأنس
إن مما يلاحظ في التعامل الاجتماعي ، أن العبد ( يسترسل ) في معاملة الخلق ، فيأنس بهم بدواعٍ ( شخصية ) : دفعاً للهم ، أو طلباً للمنفعة ، أو تأثراً بحبه لهم ..ومن المعلوم أن ذلك كله مما لا يمكن إسناده إلى دواعي القربة إلى الحق المتعال ، إذ لو كان الإنس بهم لوجه الحق ، لـما كان ينبغي الاسترسال المذهل عنه ، والذي ( يتجلى ) من خلال: الـهذر في القول ، والمزاح الممقوت ، وإطالة الجلوس بما لا نفع فيه ، والتورّط في معصية اللسان ، والانشغال بهم عن أداء الحقوق الواجبة للأهل والعيال .
الومضة رقم 421: عقوبة العشق
إن من أشد العقوبات التي يعاقب بها العبد وخاصة في المخالفات القلبية ، كالتعلق بغيره تعالى ، والغفلة عنه ، والمحبة المستغرقة لغير من أمِـر بـحبّهم: هو ( إعراض ) الحق عن ذلك القلب ، و( إيكال ) أمر ذلك القلب إلى صاحبه ليملأه بما فيه هلاكه ..وقد ورد في الأثر ، أن الله تعالى لم يضرب عبداً بعقوبة أشد من قساوة القلب ، وقد سُئل الصادق (ع) عن العشق فقال : { قلوب خلت عن ذكر الله ، فأذاقها الله حبّ غيره }البحار-ج73ص158..ومن الملفت في هذا الخبر التعبير بـ ( أذاقها ) ، ومن ذلك يعلم إن بعض الأمور التي فيها إضرار بالعبد ، ينسبها الحق إلى نفسه ، مشعراً بالخذلان لذلك العبد المتمرد على إرادة الحق ، كقوله تعالى : { ليذيق بعضكم بأس بعض }و{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض }و{ إنّـا أنزلنا الشياطين على الكافرين }و{نقيّض له شيطاناً فهو له قرين }..وفي ذلك منتهى الإذلال ، لشدة الاستحقاق التي جعلت الرب الرؤوف يُسند الإضرار إلى نفسه .
الومضة رقم 422: التوقيت في الأرض والحياة
إن من الأمور التي تعين العبد على تجاوز العقبات ، هو الالتفات الواعي والتفصيلي لصفة ( التوقيت ) للحياة على الأرض وما عليها ، كالتفاته إلى التوقيت للأرض نفسها ، بل لما حولها من شموس وكواكب ، وكيف أن العيش فيها بكل صخبها وحطامها ، كأنه اللّبث في ساعة من نهار ، بما فيها من سرعة الانقضاء !!..إن هذا الإحساس الذي يرفده اليقين بصفة التوقيت - مع ما يقارنها من الاعتبار بالصور المادية المؤيدة لذلك كالأموات والقبور - يجعله ( يتعالى ) بشكلٍ غير متكلَّف عن الشهوات من جهة ، و( يتحمل ) الابتلاءات من جهة أخرى ، لعلمه أن ذلك كله زائلٌ كزوال أصل الحياة ..ومن هنا كان القرآن الكريم هدىً لمن آمن بالغيب ، وتيقّن بالآخرة ، ومن المعلوم أن الإيمان واليقين ، كلاهما يصبّـان في تعميق هذا المفهوم ، الذي من شأنه تغيير مسيرة العبد رأساً على عقب .
الومضة رقم 423: النتائج بيد الحق المتعال
لا شك في أن الله تعالى خلق الإنسان حراً في إرادته ، ولهذا حَسُن تكليفه كما حَسُن عقابه ..إلا أن للحق تعالى فاعليته المباشرة في عالم النتائج والآثار ..فليعمل العبد ما يريد باختياره ، ولكنه لا يبلغ مُناه في كل ما يريد ، كالزارع الذي له اختيار الزراعة ( كفعل ) لا الزرع ( كحاصل ) ، إذ أنه منوط بأسبابه من الرياح والامطار التي لا دخل للزارع فيها ..ومن المعلوم أن نسبة الآمال المتحققة في الخارج ، هي أقل بكثير من نسبة الآمال المنعقدة في القلوب ..ومن موجبات هذه الخيبة ، طلب الـمُنى بمعصية الحق المتعال ، فلا يُـحرم العبد ما يريد فحسب ، بل قد يُـبتلى بعكس ما يريد ..وقد ورد عن الأمام الحسين (ع) أنه قال : { من حاول أمراً بمعصية الله ، كان أفوت لما يرجو ، وأسرع لما يحذر }البحار-ج78ص119 .
الومضة رقم 424: ما لا يورث اليقين
إن من مصاديق إتباع الظن واقتفاء ما ليس فيه علم ، هو التأثر بما لا يورث اليقين : ( كالأحلام ) المقلقة ، و( احتمال ) ما قد يتوهمه العبد من السحر والكهانة ، و( تأثـير ) الأرواح الشريرة ، وغير ذلك مما يُبتلى به أصحاب الوهم الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يركنوا إلى ركنٍ وثيق ..فعلى العبد أن يقيس الأمور بما يورث له العلم واليقين ، مستلهماً ذلك من الشرع وأهله ..وإلا فإن البلاء الذي يورده العبد على نفسه - بسوء اختياره - قد لا يؤجر عليه ، فتفوته بذلك راحة الدارين .
الومضة رقم 425: أولم يكف بربك
إن العبد لو استحضر - بكل وجوده - مضمون هذه الآية في حياته لانقلبت نظرته إلى الحياة وما فيها ، واستشعر تلك الهيمنة العظمى والرقابة الدقيقة لعالم الغيب على كل حركاته وسكناته ، بما يمنعه من الذهول عن الحق المتعال ، فضلاً عن مخالفته وهي قوله تعالى : { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد }.. فكم فيها من العتاب البليغ ، وذلك بالتعبير بـ ( أولم يكف ) ، بمعنى أنه لو لم نستحضر إلا هذه الصفة في الرب الخبير ، لكفى بذلك ردعاً للعباد ..وعليه فلو اعتقد العبد بإحاطة المولى عزّ ذكره بكل عناصر الوجود ، لأورثه هذا الاعتقاد إحساساً بالرهبة والمراقبة المتصلة ، إضافةً إلى الإحساس بالسكينة والاطمئنان ، لعلمه بأن كل ما يجري في حقه وحق عالم الوجود ، إنما هو بعلمه ورأفته .
الومضة رقم 426: اللامحدود مقابل المحدود
لو عدّ العبد لحظات عمره المعدودة ، وقارنها باللحظات اللانهائية من حياة البرزخ والقيامة ، ثم المصير إلى الجنة أو النار ، لرأي ما يذهله أيما ذهول ..إذ أن كل ( لحظة ) من لحظات حياته ، تساويها قطعة ( لا متناهية ) من الزمان ، ضرورة أن تقسيم اللامحدود على المحدود ينتج اللامحدود ..ومقتضى هذا البرهان القاطع ، أن الخير والشر في كل لحظة من العمر المحدود ، له أثره اللامحدود سعادة أو شقاءً ..فإذا استوعب العبد هذه الحقيقة المذهلة لجعله يتحرز من هدر أية لحظة من لحظات عمره ، بل لاشتدت حسرته إلى حد الحزن المفرط ، عندما يتذكر اللحظات التي ( أضاعها ) من عمره ولو فيما لا نفع فيه ، فضلاً عن هدرها فيما لا يحسن عقباه ، من المعاصي والذنوب العظام .
الومضة رقم 427: الحسرة على السلف
يتحسر بعضهم عند الإطلاع على سيرة السلف من العلماء والصالحين ، لعدم إدراك زمانهم والعيش معهم ، ليقتبسوا الكثير مما كانوا فيه ..والحال أنهم لا يعيشون الحسرة نفسها تجاه من بيده أزمّـة الأمور في زمان الغيبة ، مع أنه بيمنه رزق الورى ، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء ..فهو (ع) إمام الصالحين في العصور المتمادية ، وما اكتسب الصالحون درجة الصلاح إلا بمباركته ودعوته ورعايته ، كما هو مقتضى تنـزّل الأمر عليه في ليلة القدر وغيرها ..ولا شك أن ( الاحتجاب ) الظاهري لا يمنع مثل هذه ( الرعاية ) ، إذ أنه كرعاية الشمس لنبات الأرض ولو من وراء السحاب ..ومن المعلوم أن الأئمة (ع) في زمان الظهور أيضاً كانت لهم هذه الرعاية والتسديد لمواليهم حتى مع تباعد الأمكنة ، إذ لم تُـقدّر لبعضهم رؤية إمام زمانه أبداً ..فليكن المانع في مقتضى الزمان كما نحن فيه ، كالمانع في مقتضى المكان كما كانوا هم فيه .
الومضة رقم 428: ارتفاع الهوية الشخصية
يبلغ المؤمن من البلوغ والسمو الروحي ، إلى مرحلة ترتفع عنده الحواجز ، حتى حاجز ( هويته ) الشخصية في تعامله مع الخلق ..بمعنى أنه يرى الجماعة المؤمنة كالوجود الواحد ، فحاجة أخيه كحاجته ، إذ لا يرى - في عالم الواقع لا التلقين - أولويةً لحوائج نفسه قياساً إلى حوائج غيره ، فإن نسبة العباد إلى الحق نسبة واحدة من جهة الخلق ..ومن المعلوم أن هويته الشخصية من لوازم ( إنيّـته ) التي لا بد وأن يذيبها في مشيئة الحق وإرادته ، وعندئذٍ يتحول الإيثار عنده إلى حالة طبيعية غير منافرة لمزاجه ، فلا يرى معها عُجباً في نفسه ، ولا منّـة على عباده ..وهذه الحالة بحق من أعظم ( كواشف ) البلوغ النفسي ، الذي قلّـما وصل إليه الواصلون .
الومضة رقم 429: علامة القبول
يتوقع العبد علامة الاستجابة والقبول بعد فراغه من موسم الطاعة ، كشهر رمضان ، وكالحج ، وكزيارة وليٍ من أولياء الحق ، وعندئذٍ قد يعوّل على ( منامٍ ) غير مورث لليقين ، أو ( كلام ) عبدٍ مثله لا يغني من الحق شيئاً ..والحال أن من أهم علامات القبول هو: إحساس العبد بتغيّـر في ذاته ، يستتبع صدور الأعمال الموافقة لرضا الحق من دون كثيرِ تكلّف ..والمهم في هذه العلامة هي ( استمرارية ) ذلك التغيير ، وإلا فإن الزمان اللاحق لتلك المواسم ، لا يخلو من شيء من ألوان الطاعة واجتناب المعصية ، وهذا مما لا يعوّل عليه البصير ..فمَثَله كَمَثل من خرج من بستان حاملا شيئاً من روائح زهورها ، سرعان ما تتلاشى بالابتعاد عن ذلك البستان .
الومضة رقم 430: الشيطان القرين
إن من التهديدات الكبرى للغافلين عن الحق ، المشتغلين بالمحسوسات ، والمنهمكين في الشهوات ، هو ما ورد في قوله تعالى: { ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين }..فما حال الإنسان الذي اقترن به شيطانٌ يغويه ، غير الشيطان الأكبر الذي يُشرف على الإنسان وعلى قرينه ؟!..ومن المعلوم أن هذا الشيطان القرين ، يصاحب المرء في كل ( تقلّباته ) ، فيكون خبيراً بواقع العبد أكثر من نفسه ، فيعلم بذلك نقاط ضعفه وقوته ..ومن هنا تكمن ( خطورته ) إذ يسوق العبد إلى الهاوية ، مستعيناً بنقاط ضعفه ، بعد أن أبعده عن جادة الهدى ، مُعرضاً به عن نقاط قوته .
الومضة رقم 431: صلاة الليل والجماعة
لقد ورد من الحث على قيام الليل وصلاة الجماعة بما قلّ مثلهما في المستحبات ..ففي صلاة الجماعة إنماء للجانب ( الاجتماعي ) للعبد ، إضافة إلى ما تحمله الصلاة من معان ودقائق ، تتجلى في قلوب المقبلين عليها ..وفي صلاة الليل تنمية للجانب ( الفردي ) ، وإخراج للعبد في كل ليلة من عالم ( الفرش ) في النهار بما فيها من لغو وتشاغل عن الحق ، إلى عالم ( العرش ) بما فيها من الخلوة التي لا يعرفها غير أهلها ، إضافة إلى التفكير المعمّق بموقع الإنسان في عالم الوجود الذي لم يُـخلق باطلا ..وكان عليٌّ (ع) يقول: { نبـّه في التفكير قلبك ، وجاف عن الليل جنبك ، واتق الله ربك }تفسير الصافي -ج1ص377 .
الومضة رقم 432: الحب الخالص
إن من أشق المراحل لطالبي لقاء الحق المتعال ، هو الوصول إلى مرحلة الحب ( الخالص ) له ..فإن السائر في أول الطريق يلقّن نفسه الحب ( تلقيناً ) ، ويتصوره في نفسه تصوراً ، ثم يتعالى بعده (ليستشعره ) واقعاً في نفسه ، مبتغياً بذلك القرب من ذلك المحبوب ، فيستمتع بلوازم ذلك القرب من الطمأنينة في الدنيا ، والأنس في الآخرة ..و لكن العبد يترقى إلى مرحلة لا يكون حبه للحق مقدمة لحيازة مزايا القرب ، واستجلاب عطاء المحبوب إلى نفسه ، بل لأجل أنه لا يرى محلاً في قلبه لغير ذكر المحبوب وحبّـه ..فإن القلب شأنه شأن باقي عناصر هذا الوجود مخلوق للحق المتعال ، ومن أولى - بهذا الظرف - من خالقه ليحل حبّه وذكره فيه ؟! ..فلغة المحب الواصل هي لغة ( استحقاق ) الحق للحب المنحصر من العبد ، لا لغة استحقاق العبد للمزايا المنحصرة في حب الحق .
الومضة رقم 433: أدب المثول
إن من الواضح تقلّب العبد بعين المولى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، إلا أن إحساس العبد بهذه الرقابة المتصلة من الحق المتعال ، ( تتأكد ) في حال الصلاة ، فيكون الإلتهاء عن ذكر الحق بالسفاسف من الأمور ، أبلغ في عدم الاعتناء بتلك المراقبة ، وفي جَعْـل الحق أهون الناظرين إليه ..فمَثَل المصلي كمَثَل من هو في ملأ بين يدي السلطان يرعاهم بنظرته ، فإذا طلب منه السلطان الوقوف بين يديه لمخاطبته ، وجب عليه أن يراعي أدب المثول ( للخطاب ) ، زائداً على أدب المثول ( المجرد ) بين يديه .
الومضة رقم 434: أعاصير الشهوات
إن مَثَل الشهوات التي تتوارد على العبد بقوة ،كمَثَل الأعاصير التي تجتاح البلاد بين فترة وأخرى ..فإن العلم بأن الإعصار لا دوام له ، يمنح ( القوة ) والعزم للثبات أمام الإعصار ، ريثما يعود الأمر إلى سابق طبيعته ..فالشاب المراهق الذي يعيش فوران شهوته ، عليه أن يعلم بأن هذه مرحلة إعصار تجتاح العباد في تلك المرحلة لترتفع بعدها ، سواء ( ثبت ) صاحبها معهـا أو ( استسلم ) أمامهـا ..فالمهم في السائر أن يعلم فترات الأعاصير ، ويستعد للصمود أمامها قبل هبوبها ، إضافة إلى علمه بأنها حالة زائلة في كل الأحوال .
الومضة رقم 435: ضيوف الحق
إن العباد ينتسبون إلى الحق بنسبة الضيافة ، وذلك فيما لو كانوا حول بيته الحرام أو في مشاهد أوليائه ..فمن هنا لزم على العبد أن يلحظ تلك الإضافة ( التشريفية ) في تعامله مع هؤلاء الأضياف ، فلا يلحظ علمه بسوء سابقتهم ، بل ولا بسوء لاحقتهم ، ما داموا جميعاً في ضيافة الملك الكريم ..ومن المعلوم أن ( احتقار ) من بحضرة الحق - أياً كانوا - مما يوجب حلول الغضب ، لما فيه من الاستخفاف بعظيم سلطانه ، المستلزم لعظيم عقابه .
الومضة رقم 436: مناهج المعرفة
إن الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت (ع) ليست ( وسيلة ) للحديث مع الرب المتعال فحسب ، بل هي ( مناهجٌ ) لمعرفة السبيل إلى لقاء الحق أيضاً ..ففيها إشارة إلى: موجبات الغفلة ، وإلى دواعي القرب ، وإلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها العبد ، وإلى جزئيات عناية الحق بخواص أوليائه ..ومن ( مظانّ ) هذه المضامين العالية: دعاء كميل ، ودعاء أبي حمزة الثمالي ، ودعاء مكارم الأخلاق ، والمناجاة الشعبانية ، ودعاء الصباح ، والمناجاة الخمس عشرة .
الومضة رقم 437: المجنون عند الخاصة
ما المجنون عند الناس إلا الذي تصدر منه الأفعال التي لا يتعارف صدورها من عامة الخلق ، فلو كان ما يصدر من ( عامة ) الخلق ، لا يتعارف أيضا صدورها من ( الخواص ) من أولياء الحق ، لعدّ ذلك بنظرهم ضربٌ من الجنون أيضاً ، لأنه خروج عن المألوف عندهم ، بل خروج عن مقتضى الاستواء في السلوك الطبيعي لمن يعيش العبودية تجاه الحق المتعال ..فليست حسنات الأبرار سيئات عند المقربين فحسب ، بل أن مستوى ( الإدراك ) عند الأبرار يُـعدّ ناقصاً عند المقربين ، لاختلاف درجات العقل الذي لا يُكمله الرحمن إلا فيمن يحب ، وباختلاف درجات حب الرحمن لهم ، تختلف أيضاً درجات العقل الممنوحة لهـم .
الومضة رقم 438: الرصيد الكاذب
ما أخطر العلم على العالم الذي لا عمل له ، إذ أن ذلك مدعاة ( للغرور ) والارتياح الكاذب إلى وجود رصيد عنده ، والحال أنه لم يملأ إلا جانباً ضئيلاً من عالم ( ذهنه ) ، والذي يعد بدوره جزءاً محدوداً من وجوده ، الجامع لأبعاد أخرى ومنها عالم الذهن ..أضف إلى أن نقش المعلومة في الذهن ، بمثابة نقش الكتابة في الحجر ، والكتابة على الورق ، في أنه لا يعد - في حد نفسه - كمالا يُـعوّل عليه ( بمجرده ) في مسيرة الكمال ، ولهذا اجتمع العلم وهو أداة الإنارة ، مع الضلال وهو واقع الظلمة ، كما في قوله تعالى: { وأضله الله على علمٍ }.
الومضة رقم 439: جينة الوحدانية
إن الإنسان بفطرته يميل إلى مبدأ وجوده ، فهذا هو الطفل لا يجد إحساساً غريباً عندما يُذّكر بالحق ، بل أنه يدعي ببراءة أنه يحبه ويودّه ، وهو صادقٌ إجمالاً في دعواه ..ونفس الإحساس ينتاب الكبار عند الشدائد ، فينقلب إلى موحدٍ مخلص لله دينَـه (كما يعبر القرآن الكريم )..ولو بقي على مثل ذلك الإخلاص ، لفتحت له الآفاق التي لم يكن ليحلم بها من قبل ..وقد أعلن العلماء عن اكتشاف جينة في الجسم أطقلوا عليها ( جينة الوحدانية ) مهمتها الرئيسية هي أن تقود الإنسان بالفطرة إلى إدراك أن هناك إلهـاً واحداً لهذا الكون ، خلقه بحكمة وتدبير ، وأنه تعالى لا شريك له ، ولاحظوا أن تنشيط هذه الجينة يدفع الإنسان إلى الخشوع ، عندما يسمع أحاديثَ تتحدث عن الحق تعالى ، وقالوا أنها موجودة لدى كل مخلوق حيّ بمقتضى قوله تعالى : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده }..وهنا يمكن أن نضيف القول بإمكانية الارتباط بين هذه المقولة ، وبين آية أخذ الميثاق من بني آدم ، إذ أخذ من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على الربوبية .
الومضة رقم 440: إيقاظ المحبة
إن من موجبات الانتقال عن المعصية هو ( الاعتقاد ) بشدة عذاب الحق في الآخرة وأليم انتقامه في الدنيا ، فإنه غير غافل عما يعمل الظالمون ..ولكن هناك سبيلاً آخر قد يكون أنفع من سابقه ، وهو ( إحساسه ) بمحبته للحق الذي يهبه حالة من الالتفات واليقظة ، فيرى نفسه وكأنه كان نائماً على مزبلة واستيقظ على نتنه ، وهو يواجه - على مساقة قريبة منه - الجنات والرياحين ، فمن الطبيعي أن يبادر من تلقاء نفسه في الانتقال من المزابل إلى الروضات ..وليعلم أن استيعاب هذا المعنى ، كفيل بتغيير مسار كثير من العصاة ، يعبر عنها الإمام (ع) في المناجاة الشعبانية بقوله : { إلهي لم يكن لي حول فأنتقل عـن معصيتك ، إلا في وقت أيقظتني لمحبتك }..فيقظة المحبة أبلغ في الوصول إلى الحق ، من رهبة العقاب .
الومضة رقم 441: اجعلوني من همّكم
إن من أبدع ما ورد في زيارات المعصومين (ع) ، هو ما ذكر عند وداعهم ، وهي لحظة فراق بما فيها من استثارة للعواطف التي تستلزمها طبيعة المفارقة ، فيقول الزائر مخاطباً وليّـه: { اجعلوني من همّكم ، وصيّـروني من حزبكم }..فلو استجيب هذا الدعاء في حق هذا العبد - وهو في مظانّ الاستجابة - وصار من ( هـمّ ) المعصوم ، بما يستلزمه الهـمّ من الذكر والمتابعة والرعاية ، فكيف تكون حالة الزائر بعد تلك الزيارة ؟!..أولا يُرجى بعدها تحقيق ( منعطفٍ ) في الحياة ، كانت بدايته الدخول في حرم المعصوم ، وخاتـمته الدخول في حزبه وكونه من همّـه .
الومضة رقم 442: الوصية بالثلث
إن من الملفت حقاً عدم استغلال العبد لما أعطاه الحق المتعال من حق الوصية (بالثلث ) في الأموال ، والحال أنه أحوج ما يكون للدرهم بعد وفاته ، رداً لمظلمة أو كسباً لدرجة ..ولو أذن للميت أن يتصرف في كل ما لديه في عالم الوجود - تصرفاً بأمواله ، وفداء بأولاده وذويه - لفعل ذلك ، كما ورد مضمونه في قوله تعالى: { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه }..فكم تعظُم حسرته عندما يرى أنه كان ( مأذوناً ) بذلك ، ولكنه ( آثـر ) من هو مستغنٍ من الأحياء على نفسه ، وهو مفتقر أشد الافتقار إلى ما كان داخلاً في ملكه ، بعد أن أفنى عمره في جمعه ؟!..والقرآن الكريم يذكر هذه الحالة بتعبير بليغ : { ولقد تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } .
الومضة رقم 443: المخزون الشعوري
قد يتحسر بعضهم على حرمانهم من عطاء شعراء أهل البيت (ع) - وخاصة الأوائل منهم - الذين أحسنوا صرف قريحتهم في سبيل ( الذب ) عن أولياء الحق ..ومن المعلوم أنه لا قيمة لهذه الكلمات مجردة عن دوافعها ، والدليل على ذلك عدم قبولها لو كانت تزلفاً أو نفاقاً ، وإنما القيمة الكبرى ( لمخزونهم ) الشعوري الذي يتفجر من خلال تلك الكلمات الخالدة ..وعليه فمن يملك ذلك المخزون بعينه ، ولم يستطع التعبير عنها بنثر أو شعر ، لكلل لسان أو قلة بيان ، فإنه معدود من تلك الزمرة بعينها ، لوجود المعنون وإن لم يتحقق العنوان ، ولوجود البركان في الأعماق وإن لم يتفجر بحسب العيان ..فما ورد في مدح أولئك الشعراء على لسان أهل البيت (ع) ، باعتبار عواطفهم الظاهرة على اللسان ، ( ينطبق ) بدرجة من الدرجات على من يحمل تلك العواطف الكامنة التي لم يَـقدر على إظهارها .
الومضة رقم 444: تجلي النعمة
إن نعمة التوحيد والولاية يتجلى أثرهما - بأوسع مداه - في وقت ( أحوج ) ما يكون العبد فيه لبركات تلك النعمة ، وهو بدايات الانتقال من هذه النشأة الدنيا إلى النشأة الأخرى ، بكل ما فيها من وحشة واضطراب ..فيقول العبد مناجياً لربه: { اللهم إني ذخرت توحيدي إياك ، ومعرفتي بك ، وإخلاصي لك ، وإقراري بربوبيتك ، وذخرت ولاية من أنعمت عليّ بمعرفتهم من بريتك محمد وعترته (ع) ، ليوم فزعي إليك عاجلاً وآجلاً }..وبذلك تهدأ النفوس التي لم تستمتع بالآثار العاجلة لهذه النعمة ، عندما تعيش شيئاً من الحرمان في هذه الدنيا ، بمقتضى زمان الغيبة وما فيه من شدة وفتنة ..ومن أعظم ( الفتن ) غيبة المعصوم الذي بظهوره تزاح الشبهة ، وتنجلي الكربة .
الومضة رقم 445: تسبيح من في الوجود
إن من موجبات ( الإقلاع ) عن المعصية ، هو إحساس العبد بأن كل ما حوله يسبح بحمدالله تعالى: إما بلسان حاله ، أو بلسان مقاله ..فإنه عندما يعصي الحق على فراشه بعيداً عن أعين الناظرين ، فإنما هو يتمرد في وسط ( يضجّ ) بالتسبيح ، بأرضه وسقفه وجداره وما فيه من أثاث ومتاع ، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { أما يستحي أحدكم أن يغني على دابته ، وهي تسبح } البحار-ج76ص291 ..فما هي نظرة الملائكة الموكلة بالحساب وهم يرون هذا الموجود ( الشاذ ) في عالم الوجود ؟!..والأنكى من ذلك كله أنه يرتكب الجريمة بما هو مسبحٌ للحق ، كالقاتل بسلاح يسبح الحق كباقي موجودات هذا الكون الفسيح ، وكالظالم بعصا تسبّح بحمد الحق ، يضرب به عبداً يسبح بحمد الحق أيضاً .
الومضة رقم 446: العتق من النار
إن التعبير بالعتق من النار لهو تعبير بليغ ، يشعر ( بفداحة ) الخطب الذي يعيشه العبد وإن لم يستحضر تفاصيل ذلك الخطب الفادح ..فإنّ طَلَب العتق يُشعر الإنسان وكأنه عبد مملوك للجحيم ، بمقتضى العقود اللازمة التي أوجبت له هذه الرقية ..فكل معصية بمثابة عقد ( عبودية ) بينه وبين النار ، وكلما كثرت العقود كلما ترسخّت معاملة العبودية ، إذ يبيع نفسه للنار كل يوم مرات ومرات مؤكداّ بذلك إصراره على المبايعة القاتلة ..ولا حلّ لهذه المعاملة الملزمة ، إلا ( بتدخّـل ) الملك القهار الذي بيده أزمّـة الأمور فسخاً وابراماً ، كالسلطان الذي يفسخ العقود اللازمة بمقتضى سلطنته المطلقة .
الومضة رقم 447: المعصية لا بالمكابرة
يحسن بالعبد أن يكرر الاعتذار بين يدي الحق ، وذلك بدعوى أن معصيته للجبار لم تكن على وجه المكابرة و( الاستخفاف ) بحق الربوبية ، وإنما كانت محضَ إتباعٍ لهوى ، أوغلبةٍ لشقوة ، وخاصة مع تحقق الستر المرخى ، من طرف الستار الغفور ..إن هذا الإحساس يسلب من المعصية جهة ( التحدي ) والاستخفاف ، والهلاك الدائم إنما يأتي من هذه الموبقة ..فتبقى جهة المخالفة الاعتيادية لغلبة الهوى ، فيتوجه العبد بعدها لمن لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ..وبذلك يتحقق مضمون ( خادعت الكريم فانخدع ) ، أي تظاهر بأنه لم يلتفت إلى تحايل العبد ، ليكون هذا التغافل مقدمة للعفو عنه .
الومضة رقم 448: تحمّل مظالم العباد
إن من أهم الموانع التي قد تحجب العبد عن دخول الجنة الأحقاب والدهور ، هو ( تحمّـله ) لمظالم العباد ..فإن المظلومين أحوج ما يكونون إلى حسنات الظالمين يوم القيامة ، فإذا تقاسم المظلومون حسناته ، فلا يبقى له ما يدخل به جنة الخلد وهو على أبوابها ..ومن هنا يطلب العبد من ربه - وهو في الدنيا - بإرضاء الخلق بما يشاء ، سواء ( بتوفيقه ) للالتفات إلى مظالم العباد وإقداره على أدائها أثناء حياته ، أو ( بتدخل ) الحق مباشرة يوم الحساب لإرضاء الخصوم ، بما لا يُنقص العبد شيئاً من حسناته .
الومضة رقم 449: لازم المحبة العميقة
إن من لوازم المحبة العميقة هو الإحسان للغير إكراماً للمحبوب ، كما لو ( طلب ) منه المحبوب ذلك ، أو ( أقسم ) الغير بذلك المحبوب ليستجلب عطاءه ، إذ لأجل عين ألف عين تكرم ، وهذا مما تعارف عليه الخلق ، فيقسمون بالمحبوب استثارة لمحبة المحب ..وهذا الأسلوب مألوف أيضا في التعامل مع الحق وأوليائه ، فيكثر في أدعيتهم وزياراتهم القسم والمناشدة بأحب الخلق إليهم ..ومن المعلوم أن القَسَم المؤثر هو ما كان عن ( معرفة ) بدرجاتهم ، إضافة إلى الصدق والالتفات الجاد في مخاطبتهم .
الومضة رقم 450: الحوائج الجامعة
إن من الملفت في بعض أدعية أهل البيت عليهم السلام ، طلب الحوائج ( الجامعة ) من الحق والتي لو استجيبت في حق داعيها لحاز على ما لم يخطر على الأذهان ..ومثال ذلك ما أملاه الإمام الصادق (ع) بقوله: { وأعطني من جميع خير الدنيا والآخرة ، ما علمت منه وما لم أعلم ، وأجِـرْني من السوء كله بحذافيره ، ما علمت منه وما لم أعلم }..وكمناجاة شهر رجب إذ يقول (ع): { أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة ، وأصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة }..ولا غرابة في مثل هذا الطلب الجامع ، ما دام المسؤول هو أكرم الكرماء ، ومن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ..ومن المعلوم أنه لا فرق في عطائه بين القليل والكثير ، ما دام ذلك كله ( بأمره ) الذي لا يتخلف عن مراده شيء
زلزال
01-24-2009, 03:34 PM
الومضة رقم 451: إلقاء الرعب
إن من مظاهر تصرف الحق في القلوب ، هو ما ألقاه من الرعب في نفوس المشركين بعد انتصارهم في غزوة أحد ، فلم يكن بينهم وبين القضاء على الإسلام إلا قتل النبي (ص) ودخولهم المدينة واستباحة أهلها وإعادة الأمر جاهلية أخرى ..ولكن الحق قذف في قلوبهم ( الرعب ) وحال دون قيامهم بذلك كله ، فقفلوا راجعين - مع هزيمتهم للمسلمين - إلى مكة ، وهم يقولون وكأنهم استيقظوا بعد سبات: { لا محمداً قتلنا ، ولا الكواعب أردفنا }..وهذا هو سبيل الحق في ( نصرة ) المؤمنين طوال التأريخ ، سواءً في حياتهم الخاصة ، أو في معركتهم مع أعداء الدين .
الومضة رقم 452: التدّرج في دخول الحرم
إن الوضوء والأذان والإقامة بمثابة البرزخ بين ( النشاط ) اليومي ، وبين ( الإقبال ) على الحيّ القيوم ..فإن الذي يتدرج في دخول حرم كبرياء الحق ، من مقدمات وضوئه إلى أدعية ما قبل تكبيرة إحرامه ، لهو أقرب إلى أدب الورود على العظيم من غيره ..وأما الذي يدخل الصلاة من دون الإتيان بهذه المراحل ، فكأنه دخل على السلطان مباشرة غير ( متهيبٍ ) من الدخول عليه ، ولا شك أن هذه الكيفية من الدخول ، من موجبات الحرمان أو عدم الإقبال .
الومضة رقم 453: آية المراقبة
إن من الآيات التي لو التفت إليها العبد لاشتدت ( مراقبته ) لنفسه ، بل أشفق على نفسه ولو كان في حال عبادة ، هي قوله تعالى: { وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه من قرآنٍ ولا تعملون من عملٍ إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتابٍ مبين }..وكان النبي (ص) إذا قرأ هذه الآية بكى بكاءً شديداً ، لأنه يعلم عمق هذا الشهود الذي لا يدع مجالاً للغفلة عن الحق ..والملفت في هذه الآية أنها تؤكد على حقيقة ( استيعاب ) مجال الرقابة الإلهية ، لأيّ عملٍ من الأعمال ، ولأيّ شأن يكون فيه العبد .
الومضة رقم 454: مغالبة المكروه
إن تثاقل القيام بالعمل الصالح ، وإن كانت كاشفة عن حالة ( سلبية ) في النفس الميالة إلى اللعب واللهو ، إلا أن مغالبة النفس لما تكره ، مما يعزز من قصد القربة إلى الحق ..إذ أن العبد إنما يخشى عدم تحقق الإخلاص في مواطن ( الميل ) النفسي كإقدامه على مقتضيات الغريزة بأقسامها ، وأما ما فيه ( المنافرة ) للطبع فإنه أبعد ما يكون عن الشوائب ، وبالتالي يكون أرجى للقبول من جانب الحق المتعال ..إن هذا الاعتقاد بأن ما تكرهه النفس من الطاعة أقرب للإخلاص ، يجعل العبد يبحث عن خصوص مثل هذه الأعمال ، ويتعمد الإتيان بها ليكون ذخراً له في يوم فقره وفاقته ..ومن الملفت في هذا المجال أن النفس لا تبقى تستشعر ذلك ( الثقل ) المعهود قبل القيام بالعمل ، وذلك عند شروعه في العمل أو تكراره له ، وهذا هو السر في أن أهل القرب من الحق يستسيغون الأعمال الشاقّة ، التي كانت ثقيلة - حتى عليهم - في بدء سيرهم إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 455: قبح الرّبا
إن من الذنوب الكبيرة التي فقد الخلق الإحساس بقبحها هو الرّبـا ، فهم في التعامل معه كمثل من فَـقَد عقله ، وما أمكنه تمييز الحسن والقبيح ، وهو ما يقتضيه التعبير بـ ( يتخبطّه ) كما ورد في القرآن الكريم ، فهو يسير بغير استواء وكأنه ممسوس اختلت قوى تمييزه ..ومن الملفت في هذا المجال أن الحق يهدد فاعله بإيذان الحرب منه ، ثم يتبع الحق نهيه عن الربا بقوله: { فاتقوا النار التي أعدت للكافرين }..فقد هدد آكلي الرّبـا بالنار التي أعدت للكافرين ، ومنه يعلم شدة عذاب آكل الربا الذي يشترك - ولو في درجة منه - مع الكافر ..وقد سئل الصادق (ع) عن قوله تعالى ( يمحق الله الربا ) ، وكيف أن ماله يربو ، فقال (ع): { فأي محقٍ أمحق من درهم الربا ، يمحق الدين ، وإن تاب منه ذهب ماله وافتقر }الميزان-ج2ص451 .
الومضة رقم 456: قلب المفاهيم الخاطئة
إن الأئمة (ع) كانوا يتعمدون قلب المفاهيم الخاطئة في أذهان العباد ، ولو استلزم ذلك شيئاً من الشدة والقسوة في القول ..فقد مرّ أمير المؤمنين (ع) على قومٍ جلسوا في زاوية المسجد ، فقال من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون ..فقال (ع) بل أنتم المتأكلة ، فإن كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم ، قالوا إذا وجدنا أكلنا وإذا نفدنا صبرنا ..فقال (ع): { هكذا تفعل الكلاب عندنا ، قالوا كيف نفعل؟ فقال (ع) إذا وجدنا بذلنا ، وإذا فقدنا شكرنا }المستدرك-ج2ص289 .
الومضة رقم 457: شعب الخير والشر
إن طريق الخير طريقٌ ذو ( شعب ) يدل بعضه على بعض ، فمن دخل في مجال الإحسان انفتح له السبيل بعد السبيل ، وكذلك في مجال العلم وفتح البلاد وإرشاد العباد وغير ذلك ..والأمر كذلك في الشر ، فإن الشر بعضه دليل بعض ، وكأنه سلسلة يشد بعضها بعضاً ..والشيطان إنما يطلب الزلل من العبد فيوقعه في شراكه ، إذا رأى فيه ( قابلية ) الانسياق وراء الشر خطوة بعد خطوة ..وقد رتّب القرآن الكريم عمل الشيطان من طلبه لزلل العبد ، على كسب العبد نفسه ، فقال : { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا }..ومن ذلك يعلم أن الضلالة يكون مردّها إلى العبد نفسه ، وإن استثمر الشيطان كسب العبد في تحقيق الضلالة .
الومضة رقم 458: تواصل الغيث
إن ساعات الإقبال التي تتفق للعبد الغافل بين فترة وأخرى ، كالمطر في الأرض ( القاحلة ) سرعان ما يجف بما لا يستنبت شيئاً من الحياة ، خلافاً للخصبة من الأرض ، فإن كل قطرة غيث لها دورها في سرعة نمو ما فيها من البذور ، ووفرة ما ينبت عليها من الزروع ..نعم إن من الممكن أن ( ينـقّي ) الغيث المتواصل الأرض من سبَخِها ، وبالتالي ( يُعـدّها ) للزرع لو شاء ذلك صاحبها ..وهكذا الأمر في النفوس التي تتعرض للنفحات المتلاحقة ، فإنها قد تكتسب قابلية الخصب بعد طول الجدب .
الومضة رقم 459: انكشاف حقيقة النفس
إن من أفضل منح الحق للعبد ، أن يكشف له الحق عن حقيقة النفس البشريّـة ، فيراها - كما يرى بدنه - بكل عوارضها وما فيه صلاح أمرها وفسادها ..ومن المعلوم أن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، لأن شأن النفس التي ( أزيلت ) عنها الحجب أن تتعرف على خالقها ، ضرورة استعداد الشيء لمعرفة من به قوامه حدوثاً وبقاءً ..ومما ينبغي معرفته في هذا المجال ، أن الحق ( يواجه ) النفس كمواجهته لكل عناصر الوجود ، فكان من المفروض أن ( تنعكس ) هذه المواجهة المقدسة على كيان العبد ، انعكاس النور في الماء الزلال ، ولكن وجود الموانع من الأكدار الداخلية والخارجية ، هو الذي يمنع ذلك الانعكاس ، رغم استعداد القابل وفاعلية الفاعل ..فإذا انكشفت حقيقة النفس - بفضل الحق - عرف العبد داء نفسه ودواءها ، إذ أن لكل نفس عوارضها الخاصة بها ودواءها المناسب لها ، رغم العلم بكليات العوارض وعلاجها .
الومضة رقم 460: خداع المادحين
إن من أعظم سلبيات المدح هو ( التفات ) الممدوح إلى نفسه وانشغاله بها فيما لو كان واجداً لصفة المدح ، وإصابته ( بالعجب ) والغرور الكاذب فيما إذا كان فاقداً لها ..ومن هنا ورد الذم بالنسبة للمدّاحين لأنهم يصورون ما لا واقع له ، أو يبالغون فيما له واقع ..فقد روي عن النبي (ص) أنه قال : { احثوا التراب في وجوه المداحين }البحار-ج73ص294..وإن النفس بطبيعتها تركن إلى تقييم الآخرين ومديحهم ، فقد يصدّق الممدوح - بعد طول تكرار - ما لم يكن ليصدق به ..ولهذا يرى السلطان نفسه واجداً لكثيرٍ من الكمالات الموهومة ، وذلك لكثرة من حوله من ( المتزلّفين ) الذين يصورون له السراب ماءً ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .
الومضة رقم 461: التأثر فرع المسانخة
إن تأثر العبد تأثراً يحجبه عن الحق عند تعامله مع النساء بما لا يرضى منه الحق المتعال ، إنما هو فرع ( مسانخـته ) لتلك العوالم التي طالما شغلت قلوب الخلق ، وإلا فما هو السر في إعراضه عن جمال البنت الصغيرة ، رغم أنها تجمع بين الأنوثة والجمال ؟!..والأمر في ذلك واضح يعود إلى ما قلناه من انتفاء السنخية والتجانس بينه وبين من لا ينفعه جمالها ، ولا يتسانخ مع أنوثتها ..وعليه فلو أن العبد ( قيّـد ) نفسه بعدم التفاعل المنهي عنه مع غير المحارم ، لتحققت فيه عدم السنخية الواعية - وإن بقيت الدوافع الغريزية بحالها - مما يرفع المقتضيات لكثيرٍ من الزلات ، بدلاً من إيجاد ( الموانع ) التي لا دوام لها ، أمام أمواج الشهوات العاتية .
الومضة رقم 462: معاشرة الصلحاء
قد يوفق العبد لمعاشرة صالحٍ من العباد ، إلا أنه ينشغل بذات ذلك الصالح بما يجعله ( حجاباً ) بينه وبين ربه ، إذ يستغرق في حبه ، ويسعى لجلب رضاه وإن لم يكن بحق ، كما يستوحش من إعراضه وغضبه ولو كان لانحراف مزاج ، ويرى الابتعاد عنه كأنه ابتعاد عن مصدر كل خير ..وعندئذٍ يكون شأنه كشأن من ينظر إلى المرآة فيستحسنها ويستغرق في التأمل فيها ، لا شأن من ينظر بها ليستكشف من نفسه عيوبها وما فسد من أمرها ..ولطالما تسول له نفسه ، فيرى ارتياحاً لمعاشرته وكأنه اتحد به وجوداً بملكاته الصالحة ، فيكون مَثَله كمَثَل من يسير في بستانٍ متنـزهاً فيظن أنه قد ملكها بما فيها ، والحال أنه سيفارقها بعد قليل ليعود إلى خلوته الموحشة ، وعليه فإن مجرد ( مصاحبة ) الصلحاء لا يكفي بنفسه لرقيّ درجات الصالحين ، والشاهد على ذلك عدم استفادة الكثيرين من صحبة النبي (ص) - بما أوتي من أعظم درجات التأثير- كالمنافقين والغافلين من الأعراب وأشباههم.
الومضة رقم 463: عدم الأنس بالقرآن
طالما يحاول العبد إلزام نفسه بتلاوة آيات من كتاب ربه العزيز ، إلا أنه يرى في ذلك ( ثقلاً ) مرهقاً ، يدعوه: إما للانصراف أو للتلاوة الساهية ..ومن الملفت في هذا المجال أنه لا يستشعر مثل هذا الثقل في قراءة أضعاف ذلك من كل غث وسمين ، والحال أنه يبذل الجهد ( المتعارف ) للقراءة في الحالتين ، والذي يستلزم النظر بالعين ، والقراءة باللسان ، والاستيعاب بالقلب ..والسر في ذلك واضح وهو عدم وجود ( الأنس ) بين القارئ والمقروء ، للحجب الكثيفة التي أفقدته ذلك الأنس ، ومن المعلوم أن هذا الأنس شرطٌ لميل العبد إلى كل فعل ومنه القراءة والتأمل .. يضاف إلى ذلك عدم إحساسه ( بالانتفاع ) الفعلي عند تلاوة القرآن الكريم خلافاً لقراءاته الأخرى ، والشاهد على ذلك أنه لا يزداد إيماناً عند تلاوته ..وعليه فكما أن ظاهر القرآن لا يمسه إلا المطهرون بظواهرهم ، فإن باطنه محجوب لا يمسه أيضا إلا المطهرون ببواطنهم ، التي ارتفعت عنها الأكـنّة ، التي يجعلها الحق على قلوب الذين لا يؤمنون .
الومضة رقم 464: اختلاف المعاملتين
إن من الواضح في علاقة الأب مع ( أبنائه ) ، قبوله منهم القليل ، وتجاوزه عنهم الكثير ، ولطالما يتحمل الأذى رادّا عليهم بالجميل ..وهذا كله خلافاً لتعامله مع ( خادمه ) ، فإنه قد لا يغفر له زلّـة ، ولا يرضى منه إلا بإتيان كل ما تحتمله طاقته ..وموجب التفريق بين المعاملتين لا يكاد يخفى على أحد ، إذ أنه يربطه بالأول رابط الحب و( العلقة ) الضاربة بجذورها في النفس والبدن ، والثاني لا يربطه به إلا ( العقد ) الذي ينفسخ بعد أمدٍ ، طال أم قصر ..فلنرجع ونقول: إن علاقة الأولياء بالحق المتعال أشبه ما تكون بالعلقة الأولى ، في أنه يقبل منهم اليسير ، بمقتضى محبته الموجبة لسرعة الرضا ، إذ انهم من حزبه المنتسبين إليه ، خلافاً لغيرهم الذين لا تربطهم به ، إلا نسبة الخالقية والمخلوقية وما يرتبط بها .
الومضة رقم 465: الفرق بين الكف والانصراف
إن هناك فرقاً واضحاً بين (كفّ ) الصائم نفسه عن الطعام مع ميله الشديد إليه ، وبين ( انصراف ) نفس المفطر عن الطعام وعدم ميله إليه ..فإن الأول يعطى ثواب الصائمين دون الآخر ، إلا أن الثاني مقدمٌ على الأول في عالم الترويض والمجاهدة ..فلا يبعد أن يكون الأثر التكاملي لانصراف نفس المفطر عن الطعام المباح ، أشدّ من كف الصائم نفسه عن الطعام على مضَضَ وإكراه ..ولعل هذا هو السر في خروج خلق كثير من الشهر الكريم ، من دون كثير ( تغييرٍ ) في ذواتهم ، فهم يُقبِلون على الطعام ليلاً بأضعاف ما حرموا منه في النهار ، وينتظرون خروج الشهر مع ما فيه من البركات ، للتخلص من قيد إمساك النفوس عن لذاتها .
الومضة رقم 466: الخطايا العابرة
إن صدور ( الخطايا ) من الجوارح ، وتوارد ( الخواطر ) على القلوب لا يوجب اليأس أبداً ..فإن مَثَل هذه الخطايا والخواطر الطارئة ، كمَثَل عابر السبيل في الطريق الذي لا يكتسب عنوان عابره بمجرد عبوره فيه ، إلا إذا استقر فيه واستوطنه ..فإن الطريق ينتسب إلى من اتخذه مقراً ومنـزلاً ، وعليه فإن مجرد صدور المعصية عن جارحته أو جانحته ، لا يكفي لأن ( يتعنون ) العبد بعنوان يوجب له اليأس ..إذ أنه كما أن نفسه طريق لعابر الشر ، كذلك فإنها طريق لعابر الخير ، فلا يتعنون بعنوان غالب إلا عند طغيان أحدهما على الآخر .
الومضة رقم 467: همّ خدمة الدين
إن المهتم بأمر الشريعة يحب أن يخدم الدين وأهله من أوسع أبوابه ، فينتابه شيء من ( التحيّر ) في اختيار السبيل الأصلح لذلك ..والحال أن على خَـدَمة الدين - بشتى صنوفهم - أن يتسلحوا بما يعينهم على فتح الميادين المختلفة التي أمر الحق بفتحها ، فمَثَله كمَثَل المقاتل الذي يتعلم فنون القتال ، من دون أن يشترط على نفسه وعلى غيره ( جبهة ) قتال بعينها ، فهو يسلّم نفسه إلى وليّ أمره يوجهه أينما شاء ..ومن المعلوم أن القائد العادل ينظر إلى الجميع بنظرة واحدة - وإن اختلفت سعة فتوحاتهم ، ومقدار غنائمهم - ما داموا جميعاً في حالة واحدة من ( الاستعداد ) والإستنفار لامتثال الأوامر ..ولكنه مع ذلك كله ، فإن المرء يتمنى - بمقتضى محبته للحق - أن يرى الهدى الإلهي في أشدّ تألقه ، متجلياً لنفسه ولنفوس الخلق ، ولهذا يدعو ربه قائلاً: { اللهم وفقني إذا اشتكلت علىّ الأمور لأهداها ، وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها ، وإذا تناقضت الملل لأرضاها }دعاء مكارم الأخلاق .
الومضة رقم 468: تكريم وسيلة الخير
يأمر الأمام السجاد (ع) ابنه الإمام الباقر (ع) ، بدفن ناقته لئلا تأكلها السباع ، إذ أنه حج عليها الإمام (ع) عشرين حجة لم يضربها بسوط ..وفي ذلك درس بليغ في أنه ما كان ( وسيلة ) لتحقق الخير ، فإنه ( مستحقٌ ) للتكريم ولو كان حيواناً لا يعقل معنى التكريم وخاصة بعد الهلاك! ..فكيف الأمر بالعباد الصالحين الذين كانوا ولا زالوا سبباً لتحقق الخيرات عن قصدٍ والتفات ؟!..ومنه يعلم عظمة الجرم فيمن أساء إلى أئمة الهدى (ع) في عدم تكريمهم ، بل لإيذائهم وإدخال الوهن عليهم ، كما وقع للإمام السجاد (ع) نفسه ..فهو يكرم ناقةً حج عليها ، والقوم لم يكرموا ( أعـزّ ) الخلق على الله تعالى ، وهم الذين بهم قوام الحج وغيره من شرائع الإسلام .
الومضة رقم 469: زوال الأنس والشهوة
إن المرأة تطلب - عند معظم الخلق - إما للأنس بها ، أو لقضاء وطر الشهوات منها ..ولكن مع تقادم الأيام ، يخف الميل بداعي ( الشهوة ) نظراً لتكرر النظر إليها في كل يوم بما يسلبها بهاءها في نفس الرجل ، فإن البهجة إنما هي لكل جديد ..فيبقى جانب ( الأنس ) ، وهو أمر لا ثبات ولا ضمان له في حياة الزوجين ، وذلك إما لوجود من يأنس به الزوج من الرجال أو النساء ، أو لإحساس الزوج بعلوه عن مستوى زوجته بما لا يراها أهلاً لأن يؤنس بها ، أو للرتابة في التعامل معها بما لا يرى الزوج معها وجوداً لزوجته في نفسه وهي بجانبه ، مما ييسّر السبيل لظلمها حقها بل للإعتداء عليها ..والحال أن الطريق إلى التخلص من ذلك كله ، هو النظر إلى الزوجة على أنها من ( رعـيّة ) الإنسان ، وأمانة مستودعة من جانب الرحمن ، وهو مسؤول غداً عن رعيته وأمانته يوم العرض الأكبر ، إذ ينادى المنادي: { وقفوهم إنهم مسؤولون }..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { ملعون ملعون ، من ضيّع من يعول }البحار-ج103ص13 .
الومضة رقم 470: وسيلة الوصول
إن العبد عندما يتخذ الدابة ( وسيلة ) للوصول إلى مقصدٍ من مقاصده ، فإنه ( يذهل ) عن الاهتمام بذاتها وخاصة إذ انشغل بحديثٍ هادف مع من يردفه عليها ..وهذا خلافاً للساعة التي يعيش فيها شيئاً من الفراغ والبطالة ، فتراه يقبل على دابته مهتماً بأمرها ، مراعياً لجزئيات شؤونها ، ناظراً إليها كهدف ، لا من خلالها كوسيلة ..وهكذا الأمر في المشتغل ( بالهموم ) الكبرى ، فانه ينظر إلى متاع الدنيا - برمّـته - بما أنه يحقق له تلك الهموم ، لا بما انه أداة للاسترخاء المذهل عن تحقيق تلك الهموم .
الومضة رقم 471: مخزون القلق في النفس
يحاول المرء أن يتحاشى موجبات القلق في حياته ، فيتجنب من أجل ذلك البيئة أو الشخص أو المكان الذي يمكن أن يجلب له فساداً ، أو يوجب له تشويشاً ، ويظن أنه ( بتحاشيه ) هذا ، يجلب لنفسه الراحة والاطمئنان ..والحال أن في مخزون ذاكرته كمّـاً كبيراً من الحوادث المقلقة والمثيرة لأحزانه ، وهذه الخواطر المحزّنـة كافية لأن ( تنغّـص ) عليه عيشه ، بمجرد تذكرها والتفاعل معها ، ولو كان صاحبها في سياحة ممتعة أو في روضة من الرياض ..وعليه فإن من موجبات السعادة في الحياة الدنيا ، أن يكون ( استحضاره ) للمعاني المختزنة في اللاشعور تحت رقابته الأكيدة ، فلا يستحضر شيئا من تلك الصور الذهنية ولا يتفاعل معها ، إلا إذا رأي في ذلك خيراً ونفعاً ..ومَثَل من يعمل خلاف ذلك كمَثَل من يذهب للمحاكم ، مسترجعاً ملفات خصومه التي انتهت أحكامها ، بل ومات أصحابها .
الومضة رقم 472: لزوم الإحساس بالغيرة
إن على المرء أن يعيش شيئاً من الغيرة والحمية على ( مكتسباته ) في عالم القرب من الحق المتعال ..وعليه فإذا رأي إقبالاً في نفسه على ما يوجب له الهبوط من عالمه العلوي ، أحسّ بما يشبه الغيرة المـنقدحة في نفس المرأة تجاه ضرتها ..فهو لا يرضى من نفسه التنقل بين من مثَلَهما كمثل الضرتين ، فإن الالتفات إلى إحداهما لمن موجبات سخط الأخرى كما هو واضح ..فلو عاش العبد هذه الحقيقة بوضوح ، وآثر عالم الهدى على عالم الهوى ، لانتباه شعورٌ ( بالكراهة ) الشديدة تجاه النفس وما تشتهيها ، عند ( الاسترسال ) في الشهوات ، كالكراهية الـمنقدحه في نفس المرأة عند الاهتمام بضرّتها ..وهذا من أفضل الروادع التي توجب استقامة العبد في الحياة .
الومضة رقم 473: جعل المودة ورفعها
كما أن الحق المتعال هو ( جاعل ) المودة في نفوس الأزواج فكذلك هو ( الرافع ) لها ، فالجاعل المختار في جَـعْله هو المبطل لما جَـعَله أيضاً كما هو معلوم ..وهذا هو السر في انتكاس علاقات الأزواج بعد طول مودة وصحبة ..فإن كثرة الذنوب منهما وظلم أحدهما للآخر ، بما يؤول إلى ظلم من تحت أيديهم من النفوس البريئة المولودة على الفطرة ، لمن أعظم موجبات سلب هذه المودة المجعولة ، فيحل محلها البغض والنفور لأتفه الأسباب بما يؤدي إلى الطلاق أو العيش المنغّـص ..وواقع الأمر أن عنصر الألفة والمودة مفتقدٌ في كثيرٍ من العلاقات الزوجية ، وخاصة بعد مضي السنوات الأولى من الزواج ..وأما ما هو المتعارف مما يعتبره الخلق ( ألفةً ) ومودة ، إنما هو حبٌ ( للتلذذ ) والاستمتاع ، المستلزم لحب من يتلذذ بها ، والشاهد على ذلك ، إنقطاع تلك الألفة بانتفاء التلذذ منها ، أو العثور على من يتلذذ بها أكثر منها .
الومضة رقم 474: المسخ الباطني
إن من المعلوم ارتفاع عقوبة المسخ والخسف في أمة النبي الخاتم (ص) إكراماً لمن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ، فكان مثَلَه في هذه الأمة كمثل البسملة للبراءة في أنهما لا يجتمعان ..فلم نعهد انقلاب العباد إلى قردة وخنازير كما في القرون السالفة ، كما لم نعهد إمطار الأرض بالحجارة ، وقلب الأرض عاليها سافلها كما في قوم لوط ..إلا أن هناك عقوبة أخرى شبيهة بتلك العقوبات وهي المسخ في ( الأنفس ) ، والخسف في الأفئدة و( العقول ) ..وهو ما يتجلى لنا في حياة بعض المنتسبين إلى الشريعة الخاتمة ، فنرى (مسخاً ) واضحاً في النفوس يجعلها لا ترى الصواب في العقيدة والعمل ، ولا ترى المنكر منكراً ، ولا المعروف معروفاً ، بل ترى المنكر معروفاً والمعروف منكراً ..كما نرى ( خسفاً ) بيّناً في القلوب ، لافتقاد سلامتها في ترتيب طبقات القلب ، منشؤه الخطايا العظام ..ومن المعلوم أن أثر هذا الخسف في القلوب ، هو جهلها ما فيه رداها ، وبغضها ما فيه حياتها .
الومضة رقم 475: الشرك في التعامل
إن من دواعي شرك العبد في التعامل الاجتماعي ، هو الالتفات إلى ( الأغيار ) ، توقعاً للفوائد أو دفعاً للأضرار ..فتراه ينشط في الملأ ليفتر في الخلوة ، وتراه يهتز عند المدح الذي يقطع ببطلانه ، ويضيق صدره بما يقطع بكذبه ..فعلى العبد أن ينظر إلى الأغيار الذين لم يتلبسوا بأيّ معنىً من معاني الإيمان والكمال ، ثم يعلم أنه كما لا قيمة للفرد منهم ، فكذلك لا قيمة ( للجماعة ) منهم وإن كثرت ، إذ أن الوجود الناقص لا يكتسب الكمال بتعدده ، كما أن الأصفار لا تنقلب إلى عدد صحيح بتكرّره ..وهذا المعنى تناولته النصوص الشريفة ، فمنها ما ورد عن النبي (ص) أنه قال : { يا أبا ذر! لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس أمثال الأباعر ، فلا يحفل بوجودهم ولا يغيره ذلك ، كما لا يغيّره وجود بعير عنده ، ثم يرجع هو إلى نفسه فيكون أعظم حاقر لها }البحار -ج72ص304 .
الومضة رقم 476: الفساد المستحدث
يكثر الشكوى من كثرة مثيرات الشهوات في هذا العصر ، الذي لم تعهد البشرية زماناً قريناً له في ظهور أنواع الفساد ، الذي ظهر في البر والبحر بل الفضاء ..فلم يترك مبتكرو الفساد طريقة إلا وقد استحدثوها في ( مسخ ) الإنسان إلى موجود لا يعلم في الوجود غير التلذذ والاستمتاع ، بما لا يقاس به استمتاع البهيمة التي يضرب بها المثل في الشهوات ..ولكن ما ذُكر لا يُـعدّ عذراً يعتذر به العبد يوم القيامة ، بعدما منح قوة ( التمييز ) بين الحسن والقبيح من جهة ، وحرية ( الاختيار ) والإرادة من جهة أخرى ، وعظمة الجزاء الذي بُشّر به الثابتون في آخر الزمان من جهة ثالثة ..وليُعلم أن وجود الثلّـة الثابتة في قلب دائرة الفساد والإفساد ، من أقوى ( الحجج ) على باقي العباد يوم القيامة ، إذ لا يمكنهم التذرّع بجبر البيئة والزمان ، بعد وجود تلك النماذج المشتركة معها في الزمان والمكان .
الومضة رقم 477: العجب من سلامة البدن
إن من موجبات العَجَب - وما أكثرها في هذا الوجود العجيب - هو بقاء الإنسان على سلامة في أداء أعضائه لوظائفها المعقدة ، ما يقارب القرن أو أكثر من الزمان ، وما هو إلا لحمٌ وعظم ، ولو كان حديداً لتآكل ..ومن المعلوم أن هذه السلامة في البدن - فضلاً عن الروح - تتوقف على ( سلامة ) ملايين المعادلات في هذا الكيان ، بأنسجته وعصبه وإفرازاته المعقدة ، كما تتوقف على ( انتفاء ) العوامل الخارجية الموجبة للعطب ، كالجراثيم القاتلة المبثوثة في الفضاء ، والتي طالما عبرت الأبدان بسلام ..فكيف لا يستشعر العبد بعد هذا كله دقة الصنع المذهلة ، التي تجعله ( يخشع ) بإكبار أولاً ، ثم ( يخضع ) باختيار ثانياً ، بما يوجب له الإحساس العميق بالعبودية المستوعبة لكل أركان الوجود ؟! .
الومضة رقم 478: الـحُمقاء في الدين
إن ما يثير التحيّـر والتحسّر ، هو هذا السعي الحثيث للعباد في شؤون دنياهم ، إذ أن ( ثلث ) حياتهم في اليوم والليلة ، وقف على النشاط اليومي لكسب المال ، لـيَمضي ( الثلثان ) الباقيان في صرف ذلك المال المكتسب في الاستمتاع والاسترخاء ، وفيما لا يُـعدّ زاداً للحياة الأبدية ..أما السعي في ما يورث له سعادة الأبد ، فلا موقع له في نشاطهم ، أو له موقع لا ( يعبأ ) به متمثل في صلاة لا يُـقبلون فيها بقلوبهم ، ولا تُغيـّر شيئاً من واقعهم ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : { يا أبا ذر! لا تصيب حقيقة الإيمان ، حتى ترى الناس كلهم حُـمقاء في دينهم ، عقلاء في دنياهم }البحار-ج77ص85 .
الومضة رقم 479: الميل إلى طاعة خاصة
إن الميل إلى العبادة يشبه الميل إلى الطعام ، فقد ( يميل ) طبع العبد إلى صنفٍ من الطعام ، بحيث لو قُـدّم له صنف آخر لما مالت نفسه إليه ..فالأمر في العبادة كذلك ، إذ قد يميل العبد بمقتضى حالته - التي قد لا يعلم منشأ لها - إلى صنف خاص من الطاعة : كالصلاة ، أو القرآن ، أو الدعاء ، أو السعي في قضاء حوائج الخلق ، أو كسب العلم النافع ، أو الخلوة مع نفسه ..ولا ضير حينئذ في ( مراعاة ) ميله لصنف من صنوف الطاعة ، لئلا يقوم بالعمل على مضَضٍ وإكراه فلا يؤتي ثماره ..بل أن من القبح بمكان ، إتيان العبد بالطاعة وهو ( كاره ) لها ، لما فيها من الاستثقال غير المقصود لمن يطيع .
الومضة رقم 480: الدقة في تعامل المعصوم
إن أصحاب النبي والأئمة (ع) كانوا يعيشون درجاتٍ متفاوتة من حيث ( استيعاب ) المعاني التي كانت تصدر منهم ، وذلك نظراً إلى اختلاف ( القابليات ) الذاتية لهم ، إضافة إلى اختلاف إيصال تلك القابليات إلى مرحلة الفعلية بالمجاهدة العلمية والعملية ..ومن هنا أيضاً اختلفت طبيعة تعاملهم (ع) مع أصحابهم بلحاظ اختلاف تلك الدرجات ، فما كانوا يتوقعونه من أصحاب الطبقة العليا ، لم يكونوا يتوقعونه من أصحاب الطبقة السفلى ..وهذا النص يعكس ( دقّـة ) تعامل المعصوم (ع) مع مواليه ، في ما يصدر منهم من قول ولو كان حقاً ، وذلك عندما قال يونس بن يعقوب للإمام الصادق (ع) : لولائي لكم وما عرفني الله من حقكم ، أحب إليّ من الدنيا بحذافيرها .. فقال (ع) بعدما تبـيّن الغضب في وجهه (ع): { يا يونس قستنا بغير قياس ، ما الدنيا وما فيها ؟!..هل هي إلا سدّ فورة أو ستر عورة ، وأنت لك بمحبتنا الحياة الدائمة }تحف العقول-ص281.
الومضة رقم 481: زيارة الموتى
إن من موجبات الإنابة وحيازة الأجر كذلك ، هي زيارة الموتى زيارة واعية ، يراد بها تذكير النفس ( بالمصير ) المحتوم الذي ينتظر جميع الخلق الذين لم يكتب لأحد منهم الخلود ، وهو ذلك اليقين الذي لم يُر مثله يقيناً ، يخالطه الشك والتردد سلوكاً وعملاً ..فمن أفضل المشاعر التي تنتاب الزائر لهم ، هو أن ( يفترض ) نفسه بأنه قد نزل به الموت ، ثم أذن له بالخروج من القبر بكفالة مضمونة ، ليرجع أياماً إلى الدنيا معوضاً عن تقصيره ، مكتسباً شيئاً من الدرجات التي فاتته أيام حياته ..فيا تُـرى كم يبلغ ( حرص ) مثل هذا الميت المستأنف للحياة ، وذلك في استغلال كل لحظة من لحظات عودته إلى الدنيا ، وخاصة إذا كانت قصيرة لا تقبل الإمهال والتمديد ؟!..ومن المعلوم أن واقع الأمر كذلك ، إذ كنا شبه أمواتٍ في أصلاب الرجال ، ثم وُهِـبنا الحياة في هذه الدنيا ، لنرجع إلى ممات آخر والهاتف ينادي: { قم واغتنم الفرصة بين العدمين } .
الومضة رقم 482: قطع العلائق
إن على طالبي الكمال الالتفات إلى أن العبد لو قطع كل تعلقاته بما سوى الحق ، وأبقى علقة واحدة ، فإن تلك العلقة الواحدة كافية لأن تجعله متثاقلاً إلى الأرض ، بما يمنعه من الطيران في الأجواء العليا للعبودية ..فإن مَثَله كمثل الطير المشدود إلى الأرض ، سواء كان ذلك ( الإنشداد ) بحبل واحد أو بحبال شتى ، فالنتيجة في الحالتين واحدة ، وهي الارتطام بالأرض كلما حاول الصعود ..ولهذا حذّرت النصوص القرآنية والروايات المتعددة من الشرك : خفيّـه وجلـيّه ، إذ أن الالتفات إلى غير الحق - ولو في مورد واحد - لهو صورة من صور الشرك في التوجه والالتفات ، وهو الذي يمثل روح العبادة ..ومن هنا يمكن القول - بقطع - أنه لا مجال ( للخلاص ) والكمال ، إلا بإتباع أسلوب ( المراقبة ) المستوعبة للجوارح والجوانح معاً ، لنفي كل صور الشرك المهلكة بجليّـها ، والمانعة من التكامل بخفيّـها .
الومضة رقم 483: محطات الاستراحة
إن الحالات الروحية العالية التي تنتاب السائر إلى الله تعالى و( المتمثلة ) بالطمأنينة والارتياح والسكون ، مما لا تتيسّر لأهل الدنيا في ملذاتهم ، وهي بمثابة ( محطات ) استراحة للعبد وتشجيع له على إدامة السير .. ولكن ليس معنى ذلك ، أن ( يركن ) إلى هذه الحالات ، ويغتـرّ بها ويطلبها كهدف ..فالأمر في ذلك كمن يمشي إلى سلطان تنـثر له في الطريق الرياحين والزهور ، فليس له الانشغال بالتقاطها ، لتفوت عليه فرصة اللقاء بالسلطان .
الومضة رقم 484: الهواجس والخواطر
إن مَثَل بعض الأخطاء التي قد لا ترقى إلى حد المعصية ، كمَثَل النار التي تستتبع دخاناً كثيفاً يحجب الرؤية ولو لم تحرق الدار ، ومثالها الهواجس الانتقامية أو الخواطر الشهوانية ، إذ أنها قد لا تنتقل إلى الجارحة وبالتالي لا يقع العبد في دائرة المعصية ، إلا أن أثرهما واضح في ( حجب ) الرؤية الصحيحة للحقائق ، والاتزان النفسي في الأمور ، فيعيش العبد بعدهما حالة من الانقلاب والغثيان الداخلي ، يجعله يفتقد التركيز في العبادة أو في ما يحسن التفكير فيه ..ومن الواضح أن ترادف هذه الحالات النفسية يجعلها تتعدى - ولو لم يشأ صاحبها - إلى الجوارح ، فيغتاب مثلاً من دون قصد ، عند اشتداد ( الهواجس ) الانتقامية ، وينظر إلى ما لا يحل له عند فوران ( الخواطر ) الشهوانية .
الومضة رقم 485: الغناء وتحريك الشهوات
إن هناك ارتباطاً واضحاً بين الغناء والشهوة ، إذ أن الطرب في حكم ( الخمرة ) في سلب التركيز وتخدير الأعضاء وخفّتها ، ولهذا تعارف اجتماعهما في مجلس واحد ، فترى المشغول باستماع المطرب من الألحان ، يعيش حالة من الخـفّة كالسكارى من أصحاب الخمور ..هذا السكر والطرب المتخذ من الغناء ، يجعل صاحبه يعيش في عالم الأحلام والأوهام الكاذبة ، فيصور له ( متع ) الدنيا - ومنها متعة النساء - وكأنها غاية المنى في عالم الوجود ، ويصور له ( المرأة ) التي يتشبّب بها في الغناء ، وكأن الوصل بها وصل بأعظم لذة في الحياة ، حتى إذ جاءه لم يجده شيئاً ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه .
الومضة رقم 486: كمال الجنين والأرواح
كما أن الحق المتعال يوصل الجنين - بمشيئته وفضله - إلى كماله اللائق به ، فيصوّره في الأرحام كيف يشاء ، ليخرجه من بطن أمه في أحسن تقويم ، فكذلك للحق مشيئته في إيصال ( الأرواح ) البسيطة إلى كمالها اللائق بها ، لأنها نفحة من نفحاته ، أرسلها على هذا البدن الذي تولى تقويمه وتربيته ..إلا أن العبد بسوء اختياره ، لا يدع يد المشيئة الإلهية لأن تعمل أثرها بما تقتضيه الحكمة البالغة ، إذ : { مقتضى الحكمة والعناية ، إيصال كل ممكن لغاية }..فيعمل بسوء مخالفته على منع تلك الرعاية - التي أخرجت منه بشراً سويا - من أن توصله إلى ( كماله ) المنشود ، فيكون مَثَله كمَثَل الجنين الذي آثر الإجهاض والسقوط من رحم أمه ، ليتحول إلى مضغة نتنة ، تلف كما تلف الثوب الخَـلِق ، فيرمى بها جانباً .
الومضة رقم 487: الارتياح بعد التفويض
إن على العبد المتوكل الذي ( فوّض ) أمره إلى بديع السماوات الأرض ، أن يعيش حالة من ( الارتياح ) والطمأنينة بعد ذلك التفويض ، كالمظلوم الذي أوكل أمر خصمه إلى محامٍ خبير ، فكيف إذا أوكل أمره إلى السلطان الحاكم في الأمور كلها ؟!..ولهذا عندما آثر أهل الكهف الاعتزال عمن يعبدون غير الله تعالى ، أمروا بأن يأووا إلى الكهف ، وما الكهف إلا تجويف في جبل لا مجال للعيش فيه ، إلا أن الحق المتعال يردف ذلك قائلاً: { ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا }..وما حصل لهم من غرائب ما وقع في التاريخ ، إنما هو ( ثمرة ) لهذا التفويض والتوكل على من بيده الأسباب كلها .
الومضة رقم 488: حلول الغضب
إن الحق قد يغضب على عبد من العباد غضباً غير حالّ ، ( تدفعه ) التوبة والندامة ..فيكون مَثَل غضبه تعالى ، كسحابة عذابٍ أشرفت على قوم ثم رحلت عنهم ، ولكن ( تتابع ) الذنوب واستهزاء العبد - عملاً - بغضب الحق ، يوجب في بعض الحالات حلول الغضب على العبد ، كسحابة عذاب أفرغت ما في جوفها من العذاب ..وحينئذ لك أن تتصور حال هذا العبد البائس الذي يهدده الحق بقوله: { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }..وكيف يرجع العبد بعد هذا ( الـهُويّ ) القاتل ، إلى ما كان عليه قبل الهبوط ، بعد أن حرم فرصة التعالي بسوء اختياره ؟! .
الومضة رقم 489: موعد العفو العام
إن يوم الجمعة وليلتها ، بمثابة موعد العفو العام الذي يصدره السلطان بين فترة وأخرى ، دفعاً ( لليأس ) من القلوب ، ودعوة ( للمتمردين ) الذين لا يجرءون على مواجهة الحق المتعال لقبح فعالهم ..وعليه فلا بد للعبد من أن يُهيّـأ نفسه قبل يوم الجمعة وليلتها ، ليتعرّض لتلك النفحات الخاصة في ليلة الجمعة المتجلية عند السحر ، ولنفحات يومها المتجلية عند ساعة الغروب ..ومن هنا نجد كثيراً من الأدعية التي تبدأ من غروب شمس ليلة الجمعة ، وتنتهي عند غروب شمس يوم الجمعة ..وللشيطان سعيه في إلهاء العباد بين هذين الحـدّين ، والشاهد على ذلك ( تفرّغ ) الخلق للمعاصي في الفترة نفسها ، فيرتكبون فيها مالا يرتكبونه طوال أيام الأسبوع من الموبقات ، مفوّتين على أنفسهم هذه الفرصة من العفو التي لا تتاح لهم في كل وقت .
الومضة رقم 490: الموازنة في المستحبات
قد يتفق ارتياح العبد إلى لون من ألوان الطاعة المستحبة ، ( فيستغرق ) فيها بما يقدمه على الواجبات من الطاعات ، والحال أن على العبد الملتفت لنفسه أن يزن الأمور بموازينها ، ويستقرأ مقارنات الطاعات ومقدماتها بل لواحقها ، فكم من مستحب ( جـرّ ) عليه ضرراً بعنوان آخر لم يلتفت إليه ، أو لم يود الالتفات إليه ..ومعرفة ( مذاق ) الشارع في مجمل الشريعة ، ضرورية لعدم الوقوع في مثل هذه المخالفات التي قد لا يقصدها العبد ..ومن أمثلة ذلك ، نهي الأئمة (ع) عن متعة النساء - رغم رجحان أصله - لعناوين أخرى طارئة ، كقوله (ع) لبعض مواليه: { لا تلحّ في المتعة ، إنما عليكم إقامة السنة ، ولا تشتغلوا بها عن فُرُشكم وحلائلكم فيكْفُرن ، ويدعين على الأمرّين لكم بذلك ، ويلعنوننا }البحار-ج103ص310..وكقوله (ع) في مورد آخر: { هَـبُوا لي المتعة في الحرمين ، وذلك أنكم تكثرون الدخول عليّ ، فلا آمن أن تؤخذوا ، فيقال هؤلاء من أصحاب جعفر }البحار-ج103ص311 .
الومضة رقم 491: حصن الصلاة
إن الالتزام بالصلوات الخمس وخاصة في ( أوقاتها ) ، وذلك في ( بيوت ) الله عزّ وجل ، وفي ضمن ( جماعة ) يقارنها شيء من ( الخشوع ) ، لمن أعظم موجبات حفظ العبد من الزلات ..فإن نفس الوقوف بين يدي الحق بشيء من التوجه والالتفات ، لمن موجبات تعالي النفس إلى رتبة لا يرى معها وقعاً للذائذ المحرمة في نفسه ، فضلاً عن المعاصي الخالية من تلك اللذائذ ..أضف إلى الحماية الإلهية المتحققة لمن دخل ساحة كبريائه ، وحلّ في بيت من بيوته ، واصطفّ في جماعة من الصالحين من بريته ، فإن كل ذلك من موجبات إمساك الحق بقلب العبد ، لئلا يهوي في أيدي الشياطين ..وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ، ما حافظ على الصلوات الخمس ، فإذا ضيعهن تجرأ عليه وأوقعه في العظائم }الوسائل-ج6ص433 .
الومضة رقم 492: الموت أخو النوم
إن مما يستحب على العبد في حال منامه ، أن يضطجع إلى جانبه الأيمن كهيئة المدفون ، مستقبلاً القبلة بمقاديم بدنه ..وفي هذا تذكير نافع للعبد بافتراض نفسه ( كالميت ) ، وخاصة أنه مقدم بعد قليل على ما يشبه الوفاة ، بل هو أخو الموت ، بل هو الموت الأصغر بعينه ، ولهذا يشكر العبد ربه على نعمة الحياة الجديدة بعد الاستيقاظ قائلاً: { الحمد لله الذي أحياني بعد إذ أماتني وإليه النشور ، الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي لأحمده وأعبده }..ومن المشاعر المؤثرة قبل النوم أن يقرأ أدعيته وكأنه ( مقبل ) على الموت حقيقة ، بل لعل الموت هو قَدَره في المنام كما قُدّر للكثيرين ، فيكون هذا الشعور أدعى للتوجه إلى الحق الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم ، بما يجـنّبه تلاعب الشياطين به في المنام .
الومضة رقم 493: الاختصاص بالبلاء والنعم
إن اختصاص البعض بشيء من ( النعم ) ، قد يوجب له الاختصاص بشيء من ( البلاء ) ..فعلى أصحاب النعم في الفكر أو القلب أو البدن ، من استغلال تلك النعم في سبيل مرضاة الرب ، لئلا تسلب من جهة ، ولئلا توجب له البلاء من جهة أخرى ، كضريبةٍ لكفران تلك النعم ..وهذا ما يقتضيه العدل في خلقه ، إذ ما دامت الفرص وموجبات الرقيّ متفاوتة في العباد ، بحسب بلادهم وزمانهم ، فإن من الطبيعي إعادة ( الموازنة ) وتقريب الفرص بين العباد ، ببث بعض البلايا المتناسبة مع الفرص المتاحة ..هذا إضافة إلى التعويض بتيسير الحساب لمن حرم بعض النعم ، أو لم تُـتَح له الفرص المؤاتية .
الومضة رقم 494: الذكر بعد العبادة
إن القرآن الكريم يتناول الذكر ومشتقاته في أكثر من مائتي آية ، مما يدل على أهمية التذكر في استقامة سلوك العبد ، إذ أن كل ( ماسوى ) الحق في حياته ، لهو عنصر ( غفلة ) وإلهاء له عن الحق ، وليس بعد الحق إلا الضلال ..ومن الملفت في هذا المجال أن الحق يحث على الذكر في كل ( تقلبات ) العبد ، فتارة يطالب العباد بذكره في موسم طاعة كالحج ، وخاصة بعد الإفاضة من عرفات فيقول: { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام }..وتارة في مواجهة العدو كقوله تعالى: { إذ لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً }..ويبلغ الأمر درجة من الأهمية ، نرى معها موسى (ع) يطلب شريكاً في أمره ، قبل التوجه إلى فرعون وملإه ، ويعلل ذلك بقوله: { كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا }، بما يفهم منه أن التسبيح والذكر الكثير من أولـيّات اهتمام الأنبياء في بدء رسالتهم بل في أثنائها ، مع ما فيها انشغال بمواجهة طواغيت عصورهم .
الومضة رقم 495: ثبات المصيبة
قد يستغرب بادءوا الرأي ، من استذكار المحبين لمصائب أئمة أهل البيت (ع) ، الذين يتفاعلون معها وكأنها - بالنسبة لهم - مصائب جرت عليهم (ع) قبل سنوات مضت ..والسبب في ذلك هو عدم استيعابهم للأمر على حقيقته ، فإن المواجهة بما فيها من مصائب وآلام ، إنما كانت بين ( جبهة ) الطاغوت وأولياء الحق ، ولم تكن المواجهة مواجهة شخص لشخص ، لتزول آثارها بزوال أصحابها ، ومن هنا يذكّر القرآن الكريم بمصائب الأنبياء السلف (ع) ، وكأنها باقية - حقيقة - على فداحتها ..وعندئذ نقول بأن مرور الأيام ومضي الدهور والأعوام ، لم يغير شيئاً من فداحة ما جرى بين أولياء الحق والباطل ، فالشيء لم ينقلب عما وقع عليه بعد وقوعه ..أضف إلى أن المواجهة ( استمرت ) جيلاً بعد جيل ، وكان لكل من الجبهتين وارثهما ، ووارث المآسي في هذا العصر هو بقية الماضين (ع) ، الذي ينتظر ساعة حسم هذا الصراع ، الذي بدأ ولا ينتهي إلا على يديه الكريمتين .
الومضة رقم 496: النفس الحاكمة
إن مَثَل ( النفس ) في مملكة الوجود ، ( كحاكمٍ ) أصمّ ، أبكم ، أعمى ، بيده المقدرات كلها ، ولا يطلب إلا المزيد من الشهوات ..وعليه فإن على من حوله من الوزراء والرعية ، أن يعاملوه بما يجنّبهم التبعات الفاسدة متمثلا: أولاً في تقليص قدراته ، وسلب ما بحوزته من عناصر اقتداره ..وثانياً بعدم الاعتناء ما أمكن بأوامره الباطلة ..وثالثاً بالسعي إلى ترشيده وتفهيمه بخطورة موقفه ..ورابعاً بتهديده من مغبّة التمادي في ظلمه ..وهكذا الأمر في النفس ، فإن العقل وجنوده هم وزراء مملكة الوجود ، فطوبى لمن استبدل الحاكم الطالح ، بمثل هذا الوزير الناصح ؟! .
الومضة رقم 497: العلماء هم أهل الخشية
إن القرآن الكريم يحصر الخشية من الله تعالى بعباده العلماء ، فمن يرى نفسه في زمرة العلماء أو يعتبره الخلق كذلك ، ولا يجد في نفسه شيئا من هذه ( الخشية ) ، فما عليه إلا أن يراجع حسابه بقلق واضطراب شديد ، لئلا يعيش ( الوهم ) طول دهره ، فيرى أنه على شيء وليس بشيء ..ومن المعلوم أن هذه الخشية لو تحققت في نفس صاحبها ، لكانت خشية مستمرة ، إذ أنها من لوازم الصفة الثابتة ، وإلا فإن الخشية المتقطعة قد تنتاب غير العالم بما لا ثبات له في النفس ، ومن المعلوم أن العلم الذي يحمله أهل الخشية ، هو نوع علمٍ يورث تلك الخشية مع اجتماع أسبابها الأخرى .
الومضة رقم 498: الطريق المغري
إن السائر في ساحة الحياة بأهوائها المبثوثة في كل جنباتها ، كمثل من يسير في طريق ( مزدحم ) بألوان المغريات في: مطعم أو مشرب أو جمال منظر ، والحال أنه مأمور بالوصول إلى مقصده في نهاية ذلك المسير ..فالغافل عن الهدف قد يدخل كل ( مُدخَل ) في ذلك الطريق ، لـيُشبع فضول نظره ويسد فوران شهوته ، بما يجعله متشاغلاً طول عمره في ذلك الطريق ذهابا وإيابا ، غير واصل حتى إلى مقربةٍ من هدفه ..وعليه فإن على العبد في مثل هذه الحياة المليئة بزينة المغريات ، أن ( يغض ) الطرف عن كثير مما يصده عن السبيل ولو كان حلالاً ، فإن الحلال الشاغل كالحرام في الصدّ عن السبيل ..فأفضل المشي ما كان على منتصف الجادة ، بعيداً عن طرفيها بما فيها من فتن وإغراء .
الومضة رقم 499: مَثَل الذاكر باللسان
إن مَثَل من ينشغل عن الحق في صلاته ، كَمَثل من يجلس إلى جليس تثقل عليه محادثته ، فيتركه بين يدي آلة تحدثه ، ويذهب هو حيث الخلوة بمن يهوى ويحب ..فإن بدنه الذاكر في الصلاة ، بمثابة تلك ( الآلة ) المتحدثة ، التي لا تلتفت إلى مضامين ما تتحدث عنها ، وإن روحه المشتغلة بالخواطر المذهلة ، بمثابة ( المنصرف ) عن ذلك الجليس ، والمتشاغل عنه بمن يحب ممن هو أقرب إلى نفسه من ذلك الجليس ..ولنتصور قبح مثل هذا العمل لو صدر في حق ( عظيم ) من عظماء الخلق ، فكيف إذ صدر مثل ذلك في حق جبار السموات والأرض ؟! .
الومضة رقم 500: النشاط الصادق والكاذب
تنتاب العبد حالة من ( النشاط ) ، منشؤه ارتياحٌ في البدن ، أو إقبالٌ لدنيا ، أو اكتفاءٌ بلذة أو بشهوة ، أوجبت له مثل هذا الاستقرار والنشاط ، ولكن هذا النشاط نشاط ( كاذب ) لا رصيد له ، إذ أنه حصيلة ما لا قرار له ، ولا يستند إلى مادة ثابتة في نفسه ، ولهذا سرعان ما ينقلب إلى كآبة وفتور ، لأدنى موجبٍ من موجبات القلق والتشويش ، وهو ما نلاحظه بوضوح في أهل اللذائذ الذين تتعكر أمزجتهم بيسير من كدر الحياة ..وهذا كله بخلاف النشاط ( الصادق ) ، المستند إلى إحساس العبد برضا الحق المتعال ، عند مطابقة أفعاله وتروكه لأوامره ونواهيه ، بما يعيش معه برد رضاه في قلبه ..ولا غرابة في ذلك ، إذ كان من الطبيعي سكون النفس واستشعارها للنشاط الصادق ، عند تحقيق مطلوبها في الحياة ، وأي مطلوب أعزّ وأغلى من حقيقة: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } .
زلزال
01-24-2009, 03:35 PM
الومضة رقم 501: نضج النفوس والأبدان
إن للنفوس مراحلَ نضجٍ كمراحل نضج البدن الذي يمر بدور: الطفولة ، والمراهقة ، والبلوغ ، والرشد ..وأغلب نفوس الخلق تعيش المراحل ( الأولى ) من الطفولة والمراهقة ، وإن عَظُمت عناوينها الظاهرية ، كحكومة ما بين المشرق والمغرب ، أو التخصص في ميادين العلوم الطبيعية ..والدليل على ذلك ممارساتهم اللهوية السخيفة التي تنـزّلهم إلى مستوى البهائم التي لا تعقل ، وذلك عند انسلاخهم من تلك العناوين ( الاعتبارية ) في خلواتهم ، كما هو معروف عنهم ..إن هذا الاعتقاد يسهّل على المؤمن كثيراً من أذى الآخرين في هذا المجال - وخاصة القولية منه - لأنه صادر عمّن لا يعتد بقوله ولا بفعله ، كما لا يعتد بقول ( الطفل ) أو بفعله ، فيما لو كان قصد أذى البالغين .
الومضة رقم 502: صفوف الشياطين
إن مَثَل من يريد فتح ميادين العبودية للحق ، كمَثَل من يريد أن يقتحم صفّـاً متراصاً من الشياطين يرونه ولا يراهم ..فالحل الوحيد في هذا الموقف الرهيب هو أن ( يُشهر ) سلاحه ، بما يفهم منه أنه صادق في المواجهة ، ثم ( يقتحم ) الميدان عاملاً بقاعدة: { إذ هبت أمراً فقع فيه ، فإن شدة توقّـيه شر مما أنت فيه }..ثم ( ينتظر ) بعد ذلك كله جنود الملائكة المسومين ، تحيط به من كل حدب وصوب ، وكيف تستطيع الشياطين صبراً ، أمام جنود الرحمن الموكّلة بالنصر والفتح ؟!..والمهم في هذا النصر ، هي مواصلة السير بعد اقتحام السد ، وإلا فإن التباطؤ والركون إلى النصر الأول ، مما قد يوجب اجتماع فلول الشياطين المنهزمة لاستدراك الهزيمة ، كما حصل في هزيمة أُحد بعد فتح بدر .
الومضة رقم 503: نسبة الخلق إلى الكمالات
إن الناس بالنسبة إلى طلب الكمالات العليا على طوائف: ( فطائفة ) ليست لهم غاية من غايات الكمال ، فهم يعيشون عيشة الأنعام السائمة ، همها علفها ، وشغلها تقمّمها ، وهؤلاء الخلق يعيشون شيئاً من الراحة الحيوانية ، كراحة الحيوان في مِـربطه إذ اجتمع علفه وأنثاه ..و( طائفة ) وصلوا إلى الغايات واستقروا فيها ، مستمتعين بالنظر إلى وجهه الكريم ، في لقاء لا ينقطع أبداً ..و( طائفة ) علموا بالغايات وآمنوا بلزوم السير إليها ، إلا أنهم يقومون تارة ويقعدون أخرى ، فهم كالسنبلة التي تخـرّ تارة وتستقيم أخرى ، فلا يطيقون الركون إلى حياة البهائم كما في الطائفة الأولى ، ولم يصلوا إلى الغايات كما في الطائفة الثانية ، فيعيشون حرمان اللذتين بنوعيها ، فكيف الخروج من ذلك ؟! .
الومضة رقم 504: القرين من الشياطين
إن الشياطين المقترنة بالعبد طوال عمره تحصي عليه عثراته ، وتحفظ زلاّتـه ، وتعلم بما يثير غضبه أو حزنه أو شهوته ..فإذا أراد التوجه إلى الرب الكريم في ساعة خلوة أو انقطاع ، ذكّره ببعض ( زلـله ) ليقذف في نفسه اليأس الصارف عن الدعاء ، أو ذكّره بما ( يثـير ) حزنه وقلقه لـيُشغل بالـه ويشتت همّـه ، وبذلك يسلبه التوجه والتركيز في الدعاء ..فعلى العبد أن يجـزم عزمه على عدم الالتفات لأيّ ( صارف ) قلبي أو ذهني ، ما دامت الفرصة سانحة للتحدث مع الرب الجليل ، إذ الإذن بالدعاء - من خلال رقة القلب وجريان الدمع - من علامات الاستجابة قطعاً .
الومضة رقم 505: الذكر بعد كل غفلة
إن من المعلوم في محله لزوم تحقيق الجزاء عند تحقق الشرط ..فمقتضى قوله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت }، أن يذكر العبد ربه بعد كل لحظه غفلة ، فهو أمر مستقل يتعقب كل غفلة ، إذ لا تسوّغ الغفلة السابقة للتمادي في الغفلة اللاحقة ، وعليه فإن من ( الجهالة ) بمكان أن يترك العبد ذكر ربـه ، لوقوعه في عالم الغفلة برهةً من الزمان ، فهو ( تسويلٌ ) شيطاني يراد منه استقرار العبد في غفلته وعدم الخلاص منها أبداً ..ومن الملف حقاً في هذه الآية وغيرها من آيات دعوة الحق المتعال العباد إلى نفسه ، عظمة الرب الكريم وسعة تفضلّـه على العباد ..وإلا فما هو وجه ( انتفاع ) الحق بذكر العبد له ؟! ، بل إن إصرار العظيم في دعوة الحقير إليه ، مما لا يتعارف صدوره من العباد ، بل لا يُـعّد مقبولاً لديهم ، ولكنه الرب الودود استعمل ذلك في تعامله مع خلقه تحنناً وتكرّما ..وقد ورد في الحديث القدسي : { يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم ، لم يُـزد ذلك في ملكي شيئاً ..يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا على صعيد واحد ، فسألوني وأعطيت كل إنسان منكم ما سأل ،لم يُـنقص ذلك من ملكي شيئاً ، إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة } .
الومضة رقم 506: حصر الخشية بالحق
إن من سمات المؤمنين حصر خشيتهم بالحق المتعال ، مصداقاً لقوله تعالى: { ولا يخشون أحداً إلا الله }..فالخوف والقلق والرهبة من الخلق ، أمور تخالف الخشية من الحق ، وأما ( المداراة ) والتقية فلا تنافي تلك الخشية ، إذ أن عدم الخشية من الخلق محله ( القلب ) ، وهو يجتمع مع مداراة ( الجوارح ) حيث أمر الحق بذلك ، كما اتفق ذلك في حياة أئمة الهدى (ع) ، كما اتفق في حياتهم أيضاً تجليّ ذلك الاستعلاء الإيماني الذي يفرضه عدم خشية الباطن ، وذلك كما روي عن الإمام الصادق (ع) عندما كتب له المنصور لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ ، فقال (ع): { ليس لنا ما نخاف من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ..ثم قال : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك }البحار-ج47ص184..ومن ذلك يعلم كاشفية بعض الأمور - ومنها خشية الحق - لمستوى القلب هبوطاً وصعوداً ، وهو الملاك في تقييم العباد ..فمن يرى في نفسه حالة الخشية والرهبة من غير الحق ، فليعلم أنه على غير السبيل السويّ الذي أمر به الحق ، فعليه أن يبحث عما أدى إلى مثل هذا الخلل في نفسه ، ومن ( موجبات ) هذا الخلل: عظمة ما دون الحق في عينه ، المستلزمة لصغر الحق في نفسه .
الومضة رقم 507: كالمرأة الأجنبية
إن روح المؤمن في التعامل مع العباد ، كالمرأة الأجنبية التي اشتد حياؤها بين الرجال ..فهو ( يُعفّ ) نفسه عن الدخول في الملأ الذي يرى نفسه أجنبياً عنه ، كما تعفّ المرأة نفسها عن الدخول في ملأ غير المحارم من الرجال ..ومن هنا كان إقبال الخواص من أولياء الحق ، ( بشيرَ ) خيرٍ لمن أقبلوا عليه ، وقد أمرنا باتقاء فراسة المؤمن ، لأنه ينظر بنور الله تعالى ..وأما الأرواح المبتذلة ، فإنها ( تأنس ) مع كل من يجتمع معها ولو في بعض الطريق ، وهو أنس لا دوام له ولا قرار ، كعدم ائتلاف قلوب البهائم ، وإن طال اعتلافها على مزود واحد .
الومضة رقم 508: من صور تكريم الحق
إن معاجز وشفاعة الأنبياء والأوصياء ، وبركات الصالحين والأولياء ، تُـعد صورةٌ من صور ( التكريم ) للطائعين ، باعتبار ما صدر عنهم من الطاعة للحق المتعال ، فعاد الأمر بذلك إلى ( شأنٍ ) من شؤون الملك الحق المبين ..وكلما عَـظُم تكريم الحق لهم بالصور المذكورة ، كلما ارتفع شأن الحق نفسِه ..وليعلم أيضا أن أمر الكرامة والمعجزة والشفاعة ، يؤول أخيراً إلى الحق المتعال ، لكون ذلك كله بإذنه ، بل إن نفوس أصحابها قائمة بإرادة الحق القدير في أصل خلقه لهم ، وإلا اعتراهم الفناء والزوال!! ..فهل تبقى بعد ذلك غرابةٌ ، حتى لو صدر ( أضعاف ) ما روي عنهم (ع) في هذا المجال ؟! .
الومضة رقم 509: تحدي المعلومات الصعبة
إن بعض النفوس تعيش حالة من ( التحدي ) مع المعلومة التي يصعب فهمها ، فتستنفر النفس طاقتها لفك تلك المعلومة ، ليشعر بعدها بزهو الانتصار ..وبناء على ذلك فإن توجه النفس للعلوم والمجاهدة في استيعاب دقائقها ، قد يعود بوسائط ( خفيـّة ) إلى هذه الرغبة الكامنة في بعض النفوس المستذوقة لهذا النمط من الفتوحات في العلوم ..وإن من مصاديق ذلك هو علم الدين والشريعة ، فقد ينطلق العبد فيه من المنطلق نفسه ، فيكتسب تلك العلوم بعد طول مجاهدة ، ليعيش بعدها فرحة ( الاقتدار ) على ما لم يقْـدر عليه الآخرون من أقرانه ، فيستطيل بذلك الاقتدار على العلماء ، ويباهي به السفهاء ..ومن المعلوم أن ليس ذلك من قرب الحق في شيء ، بل يدعو عليه الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله: { فدقّ من هذا خيشومه ، وقطع عنه حيزومه...فأعمى بصره وقطع من آثار العلماء أثره }البحار-ج2ص46 .
الومضة رقم 510: الدين ليس هو الحرمان
إن الشيطان يصوّر الدين عند الغافلين بما يلازم ( الحرمان ) ، مستغلا في ذلك المناهي الواردة من الشرع ، منفراً لهم الدين وأهله ..والحال أن نسبة الممنوعات في الشريعة أقل من المباحات ، إذ الأصل الأولي في الأشياء هو ( الإباحة ) ، خرج منه ما خرج بالدليل ..فليس من الإنصاف أبداً أن نصف الدين بأنه سلسلة من المناهي ، هذا كله إضافة إلى أن المناهي مطابقة للفطرة السليمة ، بما يضمن سلامة الفرد والمجتمع ..وأخيراً فإن من المعلوم في هذا المجال أن المناهي ( يقابلها ) المباحات من الجنس نفسه ، فالزواج في مقابل الزّنا ، والطيبات من الطعام والشراب في مقابل الخبائث ، والعقود التي أمر الشارع بالوفاء بها في مقابل الربا والعقود المحرمة ، وهكذا الأمر في باقي البدائل المحللة للمحرمات ، في مختلف شؤون الحياة .
الومضة رقم 511: سجن الأب والظالم
إن الفارق بين بلاء المؤمن وغيره ، كالفرق بين سجن ( الأب ) العطوف لولده ، وبين سجن ( الظالم ) له ..إذ في الأول تطيب نفسه بذلك ، لعلمه أن ذلك بعين من يعلم صلاحه ويحب خيره ، إضافة إلى أنه عند تناهي الشدة لما هو فيه ، يعظم أمله بالاستجابة ، وذلك بطلب الفرج ممن هو عطوف به ، حريص عليه ..وهذا خلافاً لمن لا يرى أيـّا من ( الخصلتين ) ، وهو في سجن الظالم الجائر .
الومضة رقم 512: مقياس الشّفافية
إن من مقاييس حياة الروح وشفافيتها أمور ، الأول: وهي ( الصلاة ) الخاشعة ، الثاني: وهو ( التأثر ) بمصائب أهل البيت (ع) ، والثالث: وهو ( التعلق ) القلبي بمن هو إمام عصره وحجة زمانه ..فالأول كاشف عن قربه من الغاية ، والثاني كاشف عن قربه من الوسيلة العامة ، والثالث كاشف عن قربه من الوسيلة الخاصة يوم يدعى كل أناس بإمامهم ..ومن المعلوم أن المؤمن لا غنى له عن كل ذلك ، إذ أن بكل واحد من تلك الأمور الثلاثة ، يكتمل بُـعدٌ من أبعاده .
الومضة رقم 513: الملائكة الموكلة بالعبد
لو استقرأ الإنسان روايات الملائكة المصاحبة للعبد في ليله ونهاره ، لانتابه العجب من ( تعدد ) الملائكة الموكلين به ، سواء في ( كتابة ) سيئاته وحسناته ، أو في ( حفظه ) من أمر الله عزّ وجل ، كما في المعقبات من الملائكة الذين إذا جاء قَـدَر الحق ، خلّـوا بينه وبين ذلك القدر ..ومن ذلك يعلم أهمية موقع الإنسان في عالم الوجود ، المستلزم لتسخير الحق المتعال للملائكة الكرام في تدبير شؤون العبد ، مع شدة غفلة العبد عما يحيط به من عوالـمَ مذهلة ..فلو اطلع مثلاً بقلبه على قرآن الفجر ، حيث يشهده صعود ملائكة الليل وهبوط ملائكة النهار ، لاستغل تلك الساعة التي لا ترجع إليه أبدا ، لتشهد الملائكة آخر خيـرٍ في نهاية قائمة أعماله الصاعدة ، وخيراً جديداً في بداية قائمة أعماله النازلة .
الومضة رقم 514: رتبة الاجتهاد
لا شك أن مرتبة الاجتهاد مع العدالة ، لمن أعظم الرتب في زمان الغيبة ، إذ أنها ترفع العبد إلى رتبة ( النيابة ) العامة عن صاحب الأمر (ع) ..فكم من العظمة بمكان ، أن يكون ما أدى إليه نظر المجتهد ( حجة ) للعبد يحتج به يوم القيامة ، رافعاً لعذر وموجباً لأجر حتى مع انكشاف خلاف ذلك ، فما المانع من كرم الحق المتعال ، أن يثيب العبد على ارتكابه الحرام الذي رآه واجباً بمقتضى تقليده لذلك المجتهد بأمر من المولى نفسه ؟!..ومن هنا يدعو الشيخ الأعظم قائلاً: { وفقنا للاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد } .
الومضة رقم 515: الذكر بعد الطاعة
إن العبد الغافل يعطي لنفسه الحق في شيء من الاسترخاء والترسّل ، بعد أدائه لفريضة واجبة أو مستحبة ، وكأنه فرغ من وظائف العبودية بكل أقسامها ، فما عليه إلا أن يرتع ويلعب كما يلعب الصبيان بعد فراغهم مما ألزموا به من تكاليفَ ثقلت عليهم ..والحال أن القرآن الكريم يذّكر العباد بعكس ذلك ، إذ يحثهم بعد صلاة ( الجمعة ) ، على الانتشار في الأرض ، وابتغاء فضل الله تعالى ، ثم يدعوهم إلى الذكر الكثير ليتحقق لهم الفلاح ..كما يدعوهم إلى ذكره عند ( الإفاضة ) من عرفات - بعدما استفرغوا فيها جهدهم بالدعاء - فيطالبهم بذكره عند المشعر الحرام ..وكذلك يحثهم على ذكره عند ( قضاء ) المناسك فيقول تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً }..والحال أن أغلب الخلق يخرجون عن الذكر الكثير ، بل يدخلون في عالم الغفلة من أوسع أبوابه ، بعد قضاء المناسك ، اعتمادا على المغفرة التي شملتهم فيها .
الومضة رقم 516: كالمندس في الوفد
إن مَثَلَ العبد المستجلب لرأفة الرب المتعال في صلاة الجماعة ، كمَثَل من ( يندسّ ) في وفد قادم على عظيم وللعظيم على ذلك القادم حق يستلزم الأخذ به ، ( فيعوّل ) على انخراطه في صفوفهم ، تحاشياً لخلوة العظيم به بما يستتبعه من عقاب أو عتاب ..ولهذا كانت الرحمة غامرة فيها بما لا تحتمله العقول ، فقد روي عن النبي (ص) أنه قال : { فإن زادوا على العشرة ، فلو صارت السماوات كلها قرطاساً ، والبحر مداداً ، والأشجار أقلاماً ، والثقلان مع الملائكة كتاباً ، لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة }..ثم عقّبها - في العروة الوثقى في باب الجماعة - بقوله: وقد ورد في فضلها وذم تاركها من ضروب التأكيد ما كاد يلحقها بالواجبات .
الومضة رقم 517: الاستغفار المتكرر
إن من أعظم سمات العبودية ، هو الاستغفار المتكرر في اليوم والليلة ..فإن مَثَل الاستغفار كمَثَل من يغسل بدنه من دون التفات إلى قذارته ، فهو بعمله هذا ( يضمن ) طهارة بدنه ، وإن تدنس بما لم يعلم به ولم يلتفت إليه ..وبقليل من التأمل يلتفت العبد إلى أنه لو خليت جوارحه عن المعصية ، فإن جوانحه لا تخلو من ( الغفلة ) المتكررة إن لم تكن المطبقة ، وهذا كافٍ بنفسه لإيجاب مثل هذا الاستغفار المتواصل ..وقد روي عن سيد الأنبياء (ص) - على قرب منـزلته من الحق وعدم غفلته عنه أبداً - أنه قال : { إنه ليغان على قلبي ، وإني لاستغفر بالنهار سبعين مرة }البحار-ج25ص204 ، ولا يستبعد في مثل هذه الروايات ، أن يكون ما يعتري النبي (ص) بلحاظ غفلة أمته ، فيكون الإستغفار بلحاظهم أيضاً .
الومضة رقم 518: المنة للآكل لا للمأكول
إن العبد بتناوله الطعام يجعل ذلك الطعام - وهو الجماد الذي لا روح فيه - جزءاً من ( وجوده ) وهو أشرف الأحياء ..وعليه فهو صاحب ( المـنّة ) على الطعام ، إذ بسببه يتحول السافل الجامد إلى العالي النابض بالحياة ، والحال أن الخـلق يرون المنّـة للطعام ، إذ يجلب لهم التلذذ والاستمتاع ، والدليل على ذلك أنهم هم الذين يُقبِلون عليه بنهم وولع شديدين ، مع صرفهم للمال الوفير من أجله ..وينبغي الالتفات في هذا السياق ، إلى ضرورة ( التفحص ) فيما سيجعله جزءاً من كيانه البدني ، إذ الخبيث لا يصدر منه الطيّـب ، وهذه هي إحدى أسباب فتور الأعضاء عن العبادة ، كما ورد التصريح به في روايات عديدة .
الومضة رقم 519: عدم الوحشة
إن مما يربط على قلوب المؤمنين - وخاصة عند تناهي الفساد وقلة الثابتين على طريق الحق - هو ( تذكّر ) تلك الصفوة القليلة الثابتة طول التأريخ ، فهو يمشي على طريق قد مضى عليه من قبله أمثال: سحرة فرعون ، وأصحاب الأخدود ، ومؤمن آل فرعون ، وحواريّـو عيسى بن مريم ، والصلحاء من بني إسرائيل ، وأخيراً أصحاب النبي وآله (ع) الذين اتبعوهم بإحسان ، هذا كله فضلاً عن قادة المسيرة من الأنبياء والأوصياء (ع) ..إن الإحساس بهذا ( الانتماء ) الضارب جذوره في أعماق التاريخ ، يجعل المؤمن يعيش حالة من ( الارتباط ) بالخالدين ، مما يرفع شيئا من وحشته ، ولو كان في بلدٍ لا يطاع فيه الحق ابداً ..وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فإن الناس اجتمعوا على مائدة ، شبعها قصير وجوعها طويل }النهج-خطبة 201 .
الومضة رقم 520: التهيب من السقوط
يتهيب البعض قبل القدوم على موسم طاعةٍ كشهر رمضان أو الحج ، من السقوط في الامتحان بعدم الإقبال على الحق ، في موطن ( أحوج ) ما يكون فيه إلى الإقبال ..والمطلوب من العبد الذي يرجو الفوز - في مثل هذه المواضع - أن يتحاشى موجبات الادبار ( الظاهرية ): كالإسترسال في الطعام والمنام ، واللغو من القول ، والجلوس مع البطالين ، وأن يتحاشىكذلك موجبات الإدبار ( الباطنية ): كالمعاصي الكبيرة والصغيرة ، وذلك قبل الدخول في تلك المواطن ، ثم يسلّم أمره بعد ذلك كله إلى مقلب القلوب والأبصار ، ليحوّل حاله إلى أحسن الحال ، فهو الذي يَحُول بين المرء وقبله ، إذ أن قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلّـبه كيفما يشاء .
الومضة رقم 521: التسليم استعداداً وعملاً
إن تسليم العبد لأمر رب العالمين عن طواعية ورضا ، لمن أعظم موجبات الفوز والفلاح ..إذ أن استعداد العبد النفسي ( لتلقّي ) كل محمود ومكروه من قضاء الله وقدره ، بل وارتضاء ما فيه حبه ورضاه ، لهي السمة ( المميّـزة ) من سمات العبودية للحق المتعال ، فكيف إذا اقترن ذلك الاستعداد النفسي ، بالإثبات ( العملي ) لما يدعيه قولاً ، ويبديه استعداداً ..ومن هنا يعلم سر خلود أصحاب سيد الشهداء (ع) ، الذين وُصفوا بأنهم أبـرّ الأصحاب وأوفاهم ، وهو وسام لم يعط لجمعٍ من قبلهم ، كما لم يشهد التاريخ جمعاً مثلهم في التفاني حول راية الهدى ..فهذا زهير بن القين يقول: { اللهم إنك تعلم أنه لو كان رضاك ، في أن أضع ضبة سيفي في بطني ، حتى يخرج من ظهري لفعلت }.
الومضة رقم 522: عبودية الخلق لبعضهم
إن من الملفت حقاً ، استعداد العباد لعبودية بعضهم بعضاً ، مع ما يلازمها من ذلّ واحتقار ، لا ( يعوّضه ) القليل مما يبذل لهم من المتاع ، جزاء ذل العبودية لفقيرٍ فانٍ مثلهم ..والحال أنهم لا يعيشون شيئاً من هذا ( الإحساس ) ، تجاه من منه مصدر الوجود ، ومن هو صاحب العطاء الذي لا منّـة فيه ، ومن إليه المصير ..وقد أفصح عن هذه الحقيقة ، عمرو بن العاص - وهو الذي احتمل ذل عبودية غير الحق - حينما قال لمعاوية: { لو أطعت الله كما أطعتك ، وجبت لي الجنة!! }.
الومضة رقم 523: ما هو من لدن الحق
استعمل الحق المتعال في كتابه العزيز كلمة ( لدن ) في مثل: الرحمة ، والذرية ، والسلطان النصير ، والأجر العظيم ، والعلم ، والحنان ، والذكر ، والرزق ..ومن الواضح أن التعبير بانتساب هذه الأمور إلى الحق مباشرة ، يشعر بعناية زائدة بهذه الأمور الممنوحة لمن أراد الحق أن يختصه برحمته ، رغم أن كل المنح - ولو كانت بواسطة الأغيار - منتسبة إلى الحق المتعال ..ومن هنا يتأكد على العبد أن يرجع إلى المولى ، ليستوهبه تلك المنح ( الخاصة ) في إحدى المجالات المذكورة ، وما أعظم منحة الحق لو تحققت في أبعاض تلك الأمور!! .
الومضة رقم 524: الإمامة في الهداية والحكم
إن الإمامة عند أهل البيت (ع) ، وإن كانت إمامةٌ للخلق ، ( حكومةً ) في البلاد وسياسةً للعباد ، إلا أنها في الوقت نفسه متقوّمة ( بهداية ) الخلق ، وهي العمدة في هذه الرتبة العليّـة ..ولهذا نجد أن مصطلح الإمام - بمعناه الواسع - مقترنٌ بالهداية ، فيقول تعالى: { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا }..كما وصف كتاب الهداية بالإمام ، فيقول تعالى: { كتاب موسى إماما ورحمة }..كما يجعل إحصاء كل شيء في الإمام المبين ، فهو الحامل للعلم الذي لا يحدّه شيء ، فيقول تعالى: { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين }..وبعد ذلك كله نقول: إن مما يدمي الفؤاد انحسار إمامة هؤلاء عن الخلق ، لتحلّ فيهم إمامة من لا حق له في الحكم ، ولا شأن له في الهداية ، بل كانوا من الأئمة الذين يدعون إلى النار .
الومضة رقم 525: مواجهة العقيدة الفاسدة
إن الأسلوب الأمثل في مواجهة من يحمل عقيدة باطلة ، هو إتباع أسلوب التدرج في تخليصه من ذلك الباطل ، يتمثل في: ( التشكيك ) أولاً في يقينه بصحة معتقده ، ليتزلزل ما هو ثابت في نفسه ، كالشجرة التي يراد اقتلاعها فيُحرّك أولاً من موضعها ..ثم ( تقديم ) البديل الصالح بالدليل والبرهان ثانياً ، من دون تجريح أو تسخيف لما كان عليه ، كإنبات شجرة صالحة بجانبِ أخرى فاسدة ..ثم ( بيان ) فساد ما كان عليه ثالثاً ، كقلع الشجرة الفاسدة من جذورها بعد استقرار الشجرة الصالحة ونموها ..وينبغي الالتفات في كل هذه المراحل إلى عدم ( غرس ) اليأس والتذمر في نفس المخاطب ، الذي حمل تلك العقيدة الفاسدة في برهة من حياته ، لأنه سيحمل ثقل الندامة من تلقاء نفسه لتضييع عمره في سبيل الباطل .
الومضة رقم 526: كالمشرد عن داره
إن مَثَل العبد في الإنابة إلى ربه ، كَمَثل الصبيّ الذي تشاغل مع الصبيان في لهوهم ولعبهم ، ثم اضطر إلى العودة والالتجاء إلى أهله ، فعليه: أولاً ( بتنقية ) بدنه مما علق به في لهوه ولعبه ، ثم ( الإقبال ) على باب اهله مستقبلاً إياه غير مستدبر ، ثم ( الإصرار ) على الطرق جُـهْد إمكانه ، فإن لم تفتح له الأبواب ، مع ما هو فيه من الوحشة خارج الدار ، أجهش بالبكاء ، ملتمساً بشفيع يشفيع عند أهله ، للتجاوز عن طول احتجابه عنهم متشاغلاً بلهوه ولعبه ، فإن لم يؤذن له بالدخول بعد ذلك كله ، فقد تم طرده بما يوجب له التشرد في تلك الليلة إن لم يكن في جميع الليالي ..والأمر كذلك في إنابة العبد إلى ربه ، فإذا خرج إلى ساحة الحياة ليلهو مع اللاهين ، وجب عليه المسارعة في العودة إلى مأواه ، بطرقه باب الرحمة ، مصراً في ذلك ، باكياً ومتباكياً ، ومستشفعاً بأولياء الحق ..فإن أحس ( بالصدود ) بعد ذلك كله ، فعليه أن يوطّن نفسه على التشرد بعيداً عن ساحة العبودية للحق ، ولا مصير له بعد ذلك إلا الوقوع في أيدي الشياطين ، ولكن هيهات على الكريم أن يرد مثل هذا الملتجئ خائباً .
الومضة رقم 527: عناصر تحقق المعرفة
إن المعرفة ثمرة ( تقابل ) بين ذاتٍ مدركة ، و( موضوعٍ ) مُـدَرك ، و( إدراك ) للموضوع على ما هو عليه ..ومن ذلك يعلم أن تمامية المعرفة ، تحتاج إلى اكتمال جميع تلك العناصر ، إذ لا بد من بلوغ الذات إلى مرحلة الإدراك المستلزمة لإزاحة موانع الفهم ، كما لا بد من مواجهة الذات للموضوع المـُدرك ، وهذا فرع إدراكه لأهمية تلك المواجهة ، وإلا فكم من العلوم التي لا تواجهها الذات لعدم إحساسها بلزوم مواجهتها !!..وأخيراً - والأهم من ذلك كله - انعكاس الموضوع بصورته الواقعية لا الخيالية المعاكسة للواقع ، وهنا ( مـزّال ) الأقدام في عالم المعرفة ، وذلك للجهل المركب بأن المـُدرك في الذهن لا يطابق ما هو في الخارج ..وما أكثر هذا الالتباس في باب المعارف ، ومن مصاديق ذلك: المعرفة بالطريق الموصل إلى الحق والذي تاه فيه التائهون ، فضلوا وأضلوا العباد ، وذلك لعدم مطابقة الواقع لصورهم الوهمية ، وكشوفاتهم الباطلة ، ووارداتهم الزائفة ، سواء شعروا بذلك أو لم يشعروا .
الومضة رقم 528: التأثر بالمدح والذّم
إن على المؤمن أن يكون على بصيرة من أمر نفسه دائماً ، فيعلم ما لها وما عليها ، وأما ما يقوله الخلق مدحاً أو ذماً ، فهو إخبار عما يكون المرء أخبر به منهم ..فلا داعي ( للأنس ) بمدحهم ، كما لا داعي ( للضيق ) بذمهم ، ما دام يعلم انطباق ما قيل في حقه أو يعلم عدم انطباقه للواقع ، فيكون التأثر ( للواقع ) ، لا لما كشف عنه من قول الآخرين ..وهذا مما علّمه الإمام الكاظم (ع) هشاماً بقوله: { يا هشام! لو كان في يدك جوزة وقال الناس لؤلؤة ، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة ..ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس أنها جوزة ، ما ضرّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة }البحار-ج1ص136 .
الومضة رقم 529: الحب يوحّد الهـمّ
إن من موجبات توحد الهمّ عند الخلق ، هو ( الحب ) ولو كان في مورد باطل ..فترى العاشق موحد الهمّ ، صاحب تركيز في مورد حبه ، غير مكترث بغير من يهوى ويحب ، ذا همّـة عالية في سبيل الوصول إلى بُـغيته ..ومن هنا قال بعضهم إن المحب المجازي - لو انقلب على واقعه - لسهل عليه الوصول إلى الحب الحقيقي ، لأنه في مرحلة سابقة قد ( وحّد ) همّـه ، وقطع ارتباطه بغير من يهوى ، فيبقى استبدال المحبوب الفاني بالمحبوب الباقي ، وهي خطوة واحدة ..فمَثَله كَمَثَل من اتخذ معبوداً واحداً غير الحق ، ثم انقطع إلى الحق المتعال في ( حركة ) واحدة ، خلافاً لمن أنس بآلهة متعددة ، فإن الانقطاع عن كل إلـه ، يحتاج إلى جهدٍ خاص بازائه .
الومضة رقم 530: علاقة الملائكة بالخلق
إن علاقة الملائكة بالخلق من ولد آدم ، علاقة ( أوطد ) مما قد يتراءى لنا بالنظرة الأولى ..فمثلاً ( يسلّم ) العبد على ملكيه في كل يوم ، لأنه موجود ذو شعور يستحق الخطاب والتكريم ، وخاصة مع عدم عودتهما إلى المرء في اليوم اللاحق ، إضافة إلى دلالة بعض النصوص الشريفة على ( استفادتهم ) من عبادة الآدميين ، بطيّ صحفهم يوم الجمعة للاستماع إذا جلس الإمام للحديث ، إذ روي عن النبي (ص) أنه قال : {إذا كان يوم الجمعة ، كان على بابٍ من أبواب المسجد ملائكة ، يكتبون الأول فالأول ، فإذا جلس الإمام طووا الصحف ، وجاءوا يستمعون الذكر }البحار-ج89ص212 .
الومضة رقم 531: اتخاذ الشهداء
إن الحق المتعال غني عن الخلق ، بذلك الغنى المطلق الذي لا يُتصور معه أن يتخذ شيئاً من هذا الوجود ..إلا أن الحق المتعال في سياق تكريم الشهداء ، يجعل الشهداء ممن ( اتخذهم ) لنفسه بقوله: { ويتخذ منكم شهداء } ، بناءً على أن المراد بالشهيد هنا هو المقتول في سبيل الله تعالى ، لا الشاهد على ما يجرى في الأمة ..وعلى كلّ حال فإن استحضار حقيقة غنى الحق ، مع شدة ( تحبّـبه ) إلى العباد بقوله: { وإذا سألك عبادي عني فأني قريب } ، يضفي على العبد ( شعوراً ) عميقاً بالخجل والاستحياء من جهة ، وبشدة رأفة وحنان رب العالمين من جهة أخرى .
الومضة رقم 532: تصدّي من لامعرفة له
إن من الخطأ الذي يعود ضرره إلى الدين ، أن ( يتصدى ) من لا معرفة له بقواعد البحث والمجادلة ، ولا إلمـام له بتفاصيل الفروع والأصول ، للدفاع عن العقيدة الحقّـة ، إذ قد يسيء بذلك أكثر مما يحسن ، ويفسد أكثر مما يصلح ..وعليه فمن كان في مظان ذلك ، فعليه أن ( يتسلح ) بسلاح الأسلوب الهادف ، والمضامين الصحيحة لترويج الدين ، وإلا وجبت عليه ( الدلالة ) على من يكون واجداً لتلك الصفات ، من العلماء الذين جمعوا بين الأسلوب الحكيم والمضمون الحق ..ولقد كان أئمتنا (ع) يحبون من كان لساناً لهم في الذبّ عنهم ، فهذا الإمام الصادق (ع) يقول لمن بلغه كراهة مناظرة الناس: { أما كلام مثلك فلا يكره ، مَن إذا طار يُحسن أن يقع ، وإن وقع يُحسن أن يطير ، فمن كان هكذا لا نكرهه }البحار-ج2ص136 ..ويترحم (ع) على ابن الطيار بقوله: { رحمه الله ولقّـاه نضرة وسروراً ، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت } .
الومضة رقم 533: مواجهة الحقائق الملكوتية
كما أن ( المعرفة ) عبارة عن مواجهةٍ للمعلومة التي تنعكس في الجهاز المدرِك لها ، فكذلك ( التوسل ) بأولياء الحق (ع) مواجهةٌ بالقلب لتلك الحقائق الملكوتية ..فكما أن المواجهة في عالم المعرفة توجب انعكاس المعاني في النفوس ، فكذلك المواجهة في عالم الحقيقة توجب انعكاس تلك الحقائق - بآثارها - أيضاً في القلوب ، كما أن المواجهة الحسية في عالم الإنارة كذلك توجب انعكاس النور فيما واجه النور ..والذي يجمع ذلك كله هو أن طبيعة المواجهة تقتضي ( سريان ) الآثار بين المتواجِهَين ، وكلما سما أحد المتواجِهَين كلما اشتد التفاعل والتأثير بينهما ..ومن هنا يخطئ بعضهم في فهم بعض مظاهر التوسل بأولياء الحق (ع) ، وذلك لأن العمدة في تلك المظاهر الحسية ، هي هذه المواجهة المعنوية بين حقيقة المتوسِّـل وبين حقيقة المتوسَّـل به ، المستلزمة للآثار العميقة ، وإن تجلّت تلك المواجهة من خلال فعلٍ ظاهري بعينه كالزيارة والبكاء والنذور وما شابه ذلك ..فمَثَله في ذلك كمَثَل من يواجه المعلومة ويستلهمها ، وهو في حالة حسية معينة - من قيام أو قعود - عند استقائه لتلك المعلومة .
الومضة رقم 534: تكلّف العلم
إن تكلف العلم الذي لم يأمر به الحق ، مذموم عند أولياء الحق (ع) ..فإن الإطلاع على ما لا يزيد الإنسان ( فائدة ) في دينه أو دنياه لمن فضول النشاط العلمي ، فيتحول صاحبه إلى مترفٍ في الفكر ، ومستودعٍ للمعلومات ..ومن ( فضول ) النشاط أيضاً ، المجادلة مع أهل الخصومات ، والبحث لأجل البحث ، لا لكشف الحقائق ..وإن مجموع ذلك يستفاد من خلال النص الذي ورد عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : { إياك وأصحاب الكلام والخصومات ومجالستهم ، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه ، وتكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء }البحار-ج2ص137 .
الومضة رقم 535: البلاء عقيب الزلّة
يذكر المبرّد اللغوي في كتابه الفاضل - ص17: { وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : من أخذه الله بمعصيته في الدنيا ، فالله أكرم من أن يعيدها عليه في الآخرة ، ومن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يأخذه بها في الآخرة } ، ثم عقبه بقوله فيقال : إن هذا أحسن حديث روي في الإسلام ..ومن هنا لا يستوحش العبد المنصف من توارد بعض البلاء عقيب زلّـة من الزلات ، لعلمه أن ذلك البلاء لا يُعـدّ بلاء ، قياساً إلى العذاب المقدر على ذلك العمل فيما لو أمهل العبد ..فما شرٌ بعده الجنة بشر ، وما خيرٌ بعده النار بخير ، بل إن ( توارد ) النعم بعد المعاصي من صور ( الاستدراج ) الذي يستوحش منه العبد ..ولـيُعلم أن الذنب بعد الذنب علامة الخذلان ، والطاعة بعد الذنب علامة التوبة ، والطاعة بعد الطاعة علامة التوفيق ، والذنب بعد الطاعة علامة الردّ .
الومضة رقم 536: مقياسية الأجر
إن من المقاييس المهمة لتمييز درجات العبودية هو العقل والمعرفة ، ( فبالعقل ) يُعرف الله ويُعبد ، وبه يترسم مجمل مسار العبد إلى ربه ..كما أن ( بمعرفة ) الحق المتعال - مع لوازم تلك المعرفة - يتعرّف على جزئيات ذلك المسار ..وأما الذي لا يعيش هذه المعرفة المحركة للكمال ، فإنه لا يكاد يصل إلى تلك الدرجات العالية ، وإن أتعب جوارحه بالعبادة ، لأن ( تعب ) الجوارح بالعبادة مستلزم للأجر ، وللمعرفة عالم متمايز عن عالم الأجور ..وقد روي عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : { يا هشام! ما بعث الله أمناءه ورسله إلى عباده ، إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم أحسنهم معرفة بالله ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأعقلهم ارفعهم درجة في الدنيا والآخرة }البحار-ج1ص137 .
الومضة رقم 537: حكمة سلب النعم
إن الله عزّ وجل أكرم من أن يسلب النعمة التي وهبها لعبده ، فإن ذلك خلاف شأن الكريم الذي بيده خزائن كل شيء ، إذ ما الموجب لأن ( ينغّص ) الرب الغني ، عيش عبده الفقير بسلب النعم ، بعد أن أذاقه حلاوتها ..نعم إن من الممكن وقوع ذلك السلب في حالتين ، الأولى : ( التعويض ) بما هو خير له ، وإن لم يتحقق ذلك التعويض في هذه الحياة الدنيا ، والثانية : ( إتيان ) العبد بما يوجب سلب تلك النعمة من الذنوب الماحقة ، وبالتالي تجتمع عليه مصيبتان: مصيبة فقدان النعم ، ومصيبة فقدان العوض ..وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { إن الله قضى قضاءً حتماً ، لا ينعم على عبد بنعمة فسلبها إياه ، حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة }البحار-ج73ص334.
الومضة رقم 538: حقيقة المعصومين
إن الاعتقاد بحقيقة خلقة أرواح المعصومين (ع) قبل ( الانتقال ) إلى هذه الأبدان الأرضية ، يستوجب الاعتقاد بحقائق أخرى عن ماضيهم وحالهم ومستقبلهم ..فلا يبدو معه غريباً أن يتوسل بهم الأنبياء السلف كآدم (ع) ومن بعده في الشدائد ، إذ أن اتخاذ الوسيلة إلى الحق مطلوب في كل عصر و أوان ، كما لا يبدو غريباً قصر حياتهم في الدنيا ، إذ أن مَثَلهم في ذلك كمَثَل راكب استراح في ظل شجرة ساعة ثم رحل عنها ، فطول فترة مكوثهم أو قصرها لا يغير من واقعهم شيئاً ..وعليه فلا غرابة أيضا في ارتباطنا بهم ، استمداداً واستلهاماً واستشفاعاً بهم بعد وفاتهم ، وذلك ( لبقاء ) تلك الحقائق الإلهية على حالها ، سابقاً وحاضراً ومستقبلاً ، إذ ما ( الفارق ) بين الراجل والراكب في حقيقة صاحبه ؟! .
الومضة رقم 539: الذكر على كل حال
لقد روي عن النبي (ص) انه قال عن آية ( الذين يذكرون الله قيام وقعوداً وعلى جنوبهم ) : { ويلٌ لمن قرأ هذه الآية ، ثم مسح بها سبلته } و { ويل لمن لاكها بفكّـيه ، ولم يتأمل فيها }..ومن الملفت في هذه الآية الكريمة أنها تجمع بين ( تذكّر ) الحق المتعال كمقصود غائي يستفاد من قوله تعالى: { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً }، فهذا هو الذي يمنحه الاستواء في السلوك ، والجدية في الإرادة ، وبين ( تذكرّ ) الحق التفصيلي في كل التقلبات ، إذ أن العبد لا يخلو من قيام أو قعود أو اضطجاع ، فمن ذَكَر الله في هذه المواضع ، كان ذاكراً لله على كل حال ..فقد روي عن الإمام الباقر (ع) انه قال : { لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله } تفسير الصافي-ج1ص377 0
الومضة رقم 540: معارضة الصلاة لغيرها
كثيراً ما يتعارض وقت الصلاة مع أعمال أخرى من شؤون الدنيا ، ( فيقدّم ) العبد التوافه من الأمور على اللقاء مع رب العالمين ، رغم دعوته الأكيدة للصلاة وجَعْـلها كتاباً موقوتاً ..ومن ثم يتوقع العبد ( مسارعة ) الحق في تلبية ندائه ، وهو ( المستخف ) بنداء الحق في المسارعة إلى تلبيته ، وكما يدين العبد يدان ..ولقد كان النبي (ص) إذ دخل وقت الصلاة ، كان كمن لا يعرف أهلاً ولا حميماً ..وعنه (ص) أنه قال : { ليكن أكثر همّـك الصلاة ، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين }البحار-ج77ص127 .
الومضة رقم 541: من شعب الجنون
إن العبد الذي يعتقد أن الغضب شعبة من شعب الجنون ، يتحاشى موجباته لئلا يُـقدم على ما قد ( يسلبه ) عقله ، كما يراقب أفعاله بدقة عند فوران غضبه لئلا يظهر جنونه خارجاً ، فيعمل ما لا يمكن التكفير عنه ، ولطالما ( تفوّه ) بشطر كلمة بقيت آثارها في نفس من غضب عليه ، لم تذهب حتى مع تقادم الأيام ، بل وصفته بصفة لا تليق به كعبد سويّ ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : { الحدّة ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مستحكم }البحار- ج73ص266 .
الومضة رقم 542: رفاق السوء
ينبغي الالتفات إلى الحذر الشديد من رفاق السوء ، الذين يصرفون العبد عن مسيرته علماً وعملاً ..وقد عبّر القرآن الكريم عن المنافقين بالشياطين ، إذ أن بواطنهم استحالت إلى حقيقة ( تجانس ) حقيقة الشياطين ، وعليه فإن معاشرتهم كمعاشرة الشياطين ، في ترتّب الآثار على مثل تلك المعاشرة المهلكة ..ولو ( تجلى ) للعبد هذه الصفة من الشيطنة فيمن تسوء معاشرته ، لولى منه فرارا ، كما لو ( تلـبّس ) جنٌ بهيئته المرعبة بشخص إنسان ، فكيف يعاشره من يراه كذلك ولو كان من أحب الخلق إليه ؟! .
الومضة رقم 543: ناريّـة الأفعال
يحذّر الحق المتعال من نار جهنم ويصفها بأن وقودها الناس والحجارة ..وعليه فقد يكون في وصف هؤلاء بأنهم وقودٌ لتلك النار ، إشارة إلى أن منشأ ذلك هي ( بواطنهم ) المستندة إلى قبيح أفعالهم في النشأة الأولى ، لأن تلك الأفعال كانت تستبطن النار وإن لم يشعر بها صاحبها ، كما عبّـر الحق المتعال عن آكل مال اليتيم بأنه آكل للنار ..فلو استحضر العبد ( نارية ) الأفعال التي لا يرضى بها الحق ، لتحرّز عن كل ما يكون وقوداً لنار جهنم وإن تلذذ أهل الغفلة بالإتيان بها ، جهلا بذلك الباطن الذي ( يُكشف ) عنه الغطاء ، في وقت لا ينفعهم مثل هذا الانكشاف .
الومضة رقم 544: التأثير في نفوس الخصوم
كتب الشعبي أن أحسن ما سمعه في القضاء والقدر هو قول أمير المؤمنين (ع): { كلما استغفرت منه فهو منك ، وكلما حمدت الله عليه فهو منه }..فلما وصل الكتاب إلى الحجاج ووقف عليها قال : لقد أخذها من عين صافية ..فمن هذا الحديث وأشباهه تتجلى لنا حقيقتان ، الأولى: كلمة ( الفصل ) لأئمة الهدى (ع) في كل معضلة ، والجامعة بين الحكمة والإيجاز ..والثانية: ( وَقْـع ) كلماتهم في نفوس الخلق ، إذ أن حقيقة أمرهم لم تكن لتخفى حتى على الخصوم ..ومن الطريف ما يذكره غاصب حقهم ، عندما أردف الإمام (ع) على دابة قائلاً : أولا نردفهم دابة غصبناها منهم .
الومضة رقم 545: طبيعة السفر إلى الحق
إن شأن السير إلى الحق كشأن السفر إلى البلاد والبقاع ، في أن لكل مرحلة من السفر ( طبيعتها ) الخاصة ، ووسائلها الخاصة ، وعقباتها الخاصة ، وزادها الخاص ..وعليه فلا بد أن يتوقع كل ذلك قبل سفره ، لـيُعدّ له عدته اللائقة به ، وعليه فإن السالك المعتقد بأن السفر عملية رتيبة متشابهة في كل مراحلها ، يفاجأ بأول ( منعطف ) في سيره ، وبأول تغيير في طبيعة العقبات التي تعترضه ، وهي قد تكون تارة على شكل شهوةٍ ملحّـة ، أو على شكل أمواجٍ من الخواطر والأوهام ، أو على شكل سيلٍ من وساوس الشيطان ، أو على شكل أذى الخلق له ، وغير ذلك مما مرّ به السالكون ..فلا ينبغي للعبد أن يتوقع ( الرتابة ) في سير الأمور ، فهذا رسول الله (ص) بين يدي الحق في غار حراء حيث الخلوة المطلقة تارة ، وفي أرض أحد حيث كسرت رباعيتاه والعدو على مقربة منه تارة أخرى .
الومضة رقم 546: هجوم الخواطر والأوهام
قد يمر العبد في ظرف خاص ، تهجم عليه الخواطر والأوهام بشكل لا يطيق دفعها من دون مجاهدة كبيرة ، فيرى نفسه ( معذوراً ) في الاستسلام لها والاسترسال معها عملاً بقاعدة : { أنا الغريق فما خوفي من البلل } ..والحال أن أدنى التفاتـة إلى الحق - في تلك الحالة - يُـعد سعياً مشكوراً من قبل المولى جل ذكره ..كما يتعمد أحدهم استضافة جليسه في مجلس يغلب عليه موجبات الذهول والانصراف ، ( ليستخبر ) مدى إقباله عليه في ذلك الظرف الطارئ .. ومن المعلوم أن العبد قادر - لو أراد - على استجماع المتفرق من أفكاره ولو في مثل تلك الظروف ، كما يتفق ذلك بوضوح في موارد رغبته الخاصة ، كاستغراقه بذكر ( محبوبه ) ، مع وجود الخواطر الصارفة والأوهام الكثيفة .
الومضة رقم 547: التسديد بالوحي والإلهام
إن مما يدعو العبد إلى السكون إلى مدد الحق - كالتسديد و الإلهام في السير إليه - هي ملاحظته لتعامل الحق مع بعض المخلوقات التي ذكرت في القرآن الكريم : كالنمل ، والنحل ، والذباب ، والبعوض ، والعنكبوت ..فلولا اعتيادنا لما تعملها ، لكانت أفعالها ضرباً من الإعجاز والوحي والتدبير ، الذي لا يرقى إليه تدبير العقلاء من البشر ، إذ أن من الواضح أنها تتحرك وفقاً للوحي الرباني الذي يصرح به القرآن الكريم ..ومن الملفت في هذا المجال استعمال التعبير بـ( أوحى ) كاستعمال التعبير نفسه بالنسبة للأنبياء (ع) ، وفي ذلك غاية العناية والالتفات ..فهل يستبعد بعد ذلك معاملة الحق لمن أراد هدايته إلى الكمال بالتسديد والإلهام ، كمعاملته للنحل في هدايته إلى الجبال ، ليكون نتاجه شراب ، فيه شفاءٌ للأفئدة والألباب ؟! .
الومضة رقم 548: روح الكفر
إن أول معصية وقعت على وجه الأرض بعد خلق آدم ، هو إباء الشيطان عن السجود لآدم والذي وصفه القرآن الكريم بالكفر ، إذ من المعلوم أن روح الكفر هو التمرد على أوامر الحق ، وإلا فإن الشيطان لم يصدر منه ما يفهم منه الكفر الإعتقادي.. وعليه فإن الذي يعصي الحق مع الإيمان به ، يحمل روح الكفر بين جنبيه ، ولو بدرجة لا تساوي درجة عناد إبليس ..ولكن الذي يخشى منه ، هو أن تتابع العصيان ، قد تقلب العفويّة في المعصية إلى تعمّد في الارتكاب ، فيزداد اقتراباً من روح الكفر ، إلى أن يصل إلى قلب الكفر نفسِه ، ليرتكب ما لم يرتكبه إبليس نفسُه .
الومضة رقم 549: شفافية بعض الأرواح
إن بعض النفوس تعيش شفافية خاصة ، بعد طول استقامة في طريق الهدى ، ومن آثار تلك الشفافية هو ( التألم ) الشديد عند ارتكاب المعصية ولو كانت صغيرة ، بما يجعله يتوهّم - في بعض الحالات - عدم مغفرة الحق له ..ويبلغ هذا التأثير في نفس صاحبه مبلغاً ، يجعله يعيش ( القلق ) الذي يعيقه عن القيام بما أمِـر به فيقع في مخالفات أخرى .. ومما يبعث ( الأمل ) في نفوس المذنبين ، ما ورد عن النبي (ص) انه قال : { العبد ليذنب الذنب فيُدخله الجنة .. قيل وكيف ذلك يا رسول الله ( ص ) ؟!..فقال : يكون نصب عينيه ، تائباً فاراً منه ، حتى يدخل الجنة } .
الومضة رقم 550: مادة الغضب وأثرها
إن للغضب من العبد مادة وأثر .. فمادة غضبه هو ( تأذّيـه ) من أذى الخصم ، وأثره هو ( إنزال ) العقوبة عليه مع قدرته على ذلك ، فهناك ارتباط ومسانخة واضحة بين مادة الغضب وأثرها ، وإن كانت نفس من قام به الغضب هو المحقّق للربط بينهما .. وعليه نقول: إن المعصية والنار بمثابة المادة والأثر ، فبينهما كمال العُـلقة والمجانسة ، التي يحققها المولى خارجاً في إدخال صاحبها إلى النار ..ومن المعلوم أن استحضار هذا الاقتران ( الشرطي ) بين المعصية والنار ، لمن الزوّاجر الكبرى عند الـهمّ بالمعصية فضلاً عن ارتكابها ، لأنه يرى الأثر متصلاً بمادته ..ولكن عامة الخلق يرون المادة بما فيها من لذائذ ، وكأنها خالية عن الأثر الذي يصفه الحق بقوله : { ثم لترونها عين اليقين } .
زلزال
01-24-2009, 03:36 PM
الومضة رقم 551: أول درس الخلقة
إن أول درس في الخلق ، بعد درس الطاعة والمعصية ، هو درس ( التوبة ) والإنابة .. فكما أن القرآن الكريم يعرض صورة المعصية الأولى وهي معصية الشيطان ، ومن ثم معصية آدم التي لا تتنافى مع عصمته ، فكذلك يعرض صورة التوبة الأولى ، وهو عفوه عن آدم بعد تلقّيه الكلمات من عنده ..ومن ذلك يُـعلم أن الحق إذا أراد أن يتوب على عبده ( هيّـأ ) له الأسباب ، كما تلقى آدم من ربه الكلمات التي أعانته على التوبة ، فالدعوة إلى التوبة والرجوع السريع إلى الحق المتعال ، قارنت شروع المسيرة البشرية على وجه الأرض ، ولا غنى عن ذلك مع ( اختلاف ) رتب الخلق ..وقد روي أنه بعدما لُـعن إبليس ، وطلب الإمهال إلى قيام الساعة ، قال إبليس : وعزتك لا خرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح .. فقال تعالى : { وعزتي وجلالي ، لا مَـنعته التوبة ما دام فيه الروح }.
الومضة رقم 552: معنى إقامة الصلاة
إن القرآن الكريم يعبّـر عن لزوم أداء الصلاة بلزوم إقامتها ..وإقامة الصلاة هو تحقيق ( وجوده ) بشكل كامل ، سواء في مستواه ( الطولي ) كمّـاً وكيفـاً عند كل فرد ، أو ( العرضي ) عند المجموع ..فالمطلوب هو تربية الفرد المصلي ، والمجتمع المصلي ..فروايات لزوم الإقبال والخشوع في الصلاة ، تتكفل بالجانب الفردي ، وروايات إقامة الجماعة مع ما ورد فيها من عظيم الفضل تتكفل بالجانب الاجتماعي ، وهو ما يؤكده الأمر بالركوع مع الراكعين ، بعد الأمر بإقامة الصلاة .
الومضة رقم 553: لكل عضو تكليفه
إن لكل عضو من أعضاء العبد ( تكليف ) مستقل ..فعلى من يريد القيام بحقوق عبودية الحق المتعال ، أن ( يعلم ) أولاً وظائف العبودية في كل عضو من أعضائه ، فهو كمن يريد أن يعمل عند مولىً مجازيّ في الدنيا ، فعليه أن يستفهمه من أول الأمر ، فيما يجب عليه فعله وتركه ، وإلا قصّـر - ولو من دون قصد - في وظائف العبودية ..ومن بعد استيعاب هذه المعرفة ، عليه أن ( يُـعطي ) كل عضو حقه في العبادة ، ولو قصّـر في بعضها لكان وجوده وجوداً غير متوازن ، كعبد فيه شركاء متشاكسون ، والحق خير الشركاء ، إذ يسلّم المال المشترك إلى باقي الشركاء ، فهو الغنيّ عن الخالص ، فكيف بالمشترك ؟!..وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : { فليس من جوارحه جارحة ، إلا وقد وُكّلت من الإيمان بغير ما وُكّلت به أختها } تفسير العياشي-ج1ص156 .
الومضة رقم 554: جلال التجّـلي
إن من أسمى المعاني في السفر إلى الحق ، هو ( تجلّي ) الحق لمن أراد التجلي له ..وهذا التجلي وإن كان من شؤون الحق ، إلا أن للعبد دوره أيضاً في إعداد ( القابل ) لهذا التجلي ..ومن الواضح أن هذا التجلي المستند إلى الواسع العليم ، لو تحقق في قلب العبد ، لوَسِـعه بما لا يبقى معه ركن في القلب ، إلا واستوعبه جلال هذا التجلّي ..فما أمكن أن يكسبه العبد بجهده المتعثر في سنوات متمادية من المجاهدة ، قد يتحقق في (لحظة ) من لحظات التجلي .. فتصديع الجبل الأصم بالجهد البشري يحتاج إلى جهد جهيد في سنوات غير قليلة ، إلا أن التجلي الإلهي من خلال كتابه - لا بنفسه - يوجب له الخشوع والتصدّع ..وإن مما يفتح الآفاق الواسعة للمقبلين على الحق المتعال ، ما ورد في هذا المجال من أنه : { إذا تجلى الله لشيء ، خضع له } .
الومضة رقم 555: صلاة السكارى
نهى الحق المتعال عن الاقتراب من الصلاة حال السكر ..وقد يُشعر النهي عن مثل هذا الاقتراب ، بنوع ( نفور ) من الحق لمن يريد لقائه في حالته تلك ..وهنا فلنتساءل : أن الحق نهى عن القرب منه في حالة كون المتقرب إليه فاقداً للالتفات ، وذلك بتأثير سكْر الخمر ، أولا يستفاد من ذلك تحقق النفور بدرجة من درجاته ، بالنسبة إلى من لا يعلم ما لا يقول في صلاته ، متأثراً ( بسُكْر ) أشياءٍ أخَر؟!..وقد ورد عن الباقر (ع) أنه قال : { لا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ، ولا متناعساً ، ولا متثاقلاً ، فإنها من خلل النفاق ، فإن الله نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى يعني من النوم } .
الومضة رقم 556: كفالة المربّي
تنتاب البعض حالة من القلق والاضطراب ، لعدم اهتدائهم إلى مربّ صالح يأخذ بأيديهم إلى طريق الخير والصلاح ، ومما لا شك فيه أن وجود المرشد البصير بأسرار الطريق ومعالم السير إلى الحق المتعال ، مما يعجل في سبر العبد إلى مقصده السامي .. ولكن ذلك لا يعني أبدا توقف السبيل على ذلك ، فإن الحق المتعال أحرص على هداية العبد من العبد نفسه ، فيهيئ له السبيل إلى المربي الصالح الذي يتكفله بالهداية والإرشاد ، عند اشتداد حاجة العبد لمثل ذلك ، كما وقع بالنسبة إلى مريم (ع) ، إذ كفّلها زكريا (ع) وهو نبي من الأنبياء ، وهي امرأة من النساء .
انتهى
الكتاب منقول من موقع السراج
ورد الحب
04-22-2009, 12:36 PM
الصلاة قمة اللقاء
مشكور أخ زلزال جميل جدآ
تحياااااتي
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir