مشاهدة النسخة كاملة : السيف والسياسة في الإسلام
sweet girl
03-17-2008, 08:38 AM
السيف والسياسة في الإسلام
الصراع بين الإسلام المحمدي والإسلام الاموي
المستبصر : صالح الورداني
( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ،
وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )
* بسم الله الرحمن الرحيم *
( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) [ آل عمران آية 144 ]
- ص 5 -
كنت قد أعلنت عن هذا الكتاب منذ عدة سنوات تحت عنوان : ( صفين ) . رؤية جديدة لحركة التاريخ . وكانت خطة الكتاب تقتضي بحث الصراع الذي دار بين الإمام علي ومعاوية ونتائج هذا الصراع وانعكاساته على واقعنا . . إلا أنني عندما
خضت في الوقائع والأحداث التاريخية تبين لي أن وقعة صفين لم تكن سوى واجهة لأحداث أكبر انبنت على أساسها وتولدت منها . من هنا فقد عدت إلى الوراء لأبحث في أمر عثمان . والبحث في أمر عثمان دفعني إلى البحث في أمر عمر .
والبحث في أمر عمر دفعني إلى البحث في أمر أبي بكر حتى وصلت إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لأكتشف أن الانحراف بدأ مع احتضاره وأن صفين بدأت من هنا . . ومنذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بدأت السياسة يساندها
السيف تلعب لعبتها لتبرز لنا الخط القبلي الذي أرسى دعائمه أبو بكر وعمر والذي قام على أساسه الخط الأموي فيما بعد . . لم تكن صفين سوى نهاية الطريق بالنسبة لمسيرة الإسلام القبلي الذي ساد بعد وفاة لرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
وأن فقه صفين يتوقف على فقه مرحلة احتضار الرسول . . لقد برز بعد وفاة الرسول خطان : خط سار في طريق القبلية نتج من سقيفة بني ساعدة . . وخط سار في طريق آل البيت وتحالف مع الإمام علي . . الخط الأول مثل الإسلام القبلي . .
والخط الثاني مثل الإسلام النبوي . . وإن الصراع قد احتدم بين الإسلام القبلي والإسلام النبوي فور وفاة وإن كان الإسلام القبلي قد تحققت له السيادة فقد بقي الإسلام النبوي في ساحة المواجهة . . تارة يصارع السيف . . وتارة يصارع السياسة
- ص 6 -
وتارة يصارعهما معا . . إن الهدف من هذه الدراسة هو بعث الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وإعادة قراءته من جديد فمن الواضح أن هذا التاريخ قد صبغته السياسة وطغى فيه الرجال على النصوص وتغلبت فيه النزعات على القيم
الإسلامية . . ولقد استمر المسلمون منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم يرصدون حركة التاريخ بعين واحدة . هي عين القداسة دون أن ينظروا إليها بعين النقد . . ومنبع هذه النظرة يكمن في تلك الأغلال السلفية التي طوق بها المسلمون
والتي تحول دون رؤيتهم لحركة التاريخ بصورة متكاملة بمعزل عن القداسة التي أضفيت على رموز وشخصيات معينة لعبت دور بارزا في دائرة هذه الحركة .
ونحن لا نهدف من خلال هذه الدراسة إلى التجريح أو الطعن والتشويه وهدم رموز معينة هي محل قداسة المسلمين ولكن الهدف هو وضع النصوص فوق الرجال ثم وزن هؤلاء الرجال على ضوء هذه النصوص . . ما نهدف إليه هو أن نرسي
قاعدة تعيننا على قراءة التاريخ قراءة متبصرة من خلال النصوص لا من خلال الرجال . . إن البحث في وقائع التاريخ يجب أن تكون له دلالاته الواقعية . وما طرحناه في هذه الدراسة إنما له انعكاساته على واقعنا وما نعايشه من خلال واقع
الإسلاميين والفكر الإسلامي بصورة عامة . . وما يجب أن يدركه الذين يتصدون لأمر الدعوة والتوجيه في الميدان الإسلامي أن فقه حركة التاريخ مقدمة ضرورية لفقه الإسلام . . وإن فقه الماضي مقدمة لفقه الحاضر .
ومن الماضي إلى الحاضر كانت رحلة هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون خطوة على طريق تحرير العقل المسلم من أغلال الماضي . . صالح الورداني القاهرة يناير 1996 م
sweet girl
03-17-2008, 08:38 AM
المحطة الأولى وفاة الرسول وأطلت الفتنة برأسها والرسول لا زال على فراش المرض . .
- ص 9 -
منذ أن بدأ المرض يشتد برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبدأت الفتنة تبرز على ساحة المدينة بين قطاعات المهاجرين والأنصار .
تلك القطاعات التي كانت تهيأ نفسها لاستثمار مرحلة ما بعد الرسول . . كانت زعامات قريش التي أطاح بها الإسلام في مرحلة الفتح ترقب من بعيد البيت النبوي وتطورات مرض الرسول . . وكانت قطاعات المهاجرين في المدينة تتداول الأمر
فيما بينها على ضوء وصية الرسول في حجة الوداع وما تنزل من القرآن في أواخر حياته . وذلك بهدف وضع ملامح المرحلة القادمة . مرحلة ما بعد الرسول . وتحديد دورهم فيها . . وكانت الأنصار ترقب الأحداث في توجس خوفا من فقد
مكانتها ووضعها الاستراتيجي بوفاة الرسول . . وكان المنافقون يعدون العدة لإنهاء مرحلة السرية والتخفي وتجهيز أنفسهم للتكيف مع المرحلة الجديدة . . وكانت هناك فئة قليلة من المؤمنين منشغلة بالرسول ومستقبل الدعوة وردود الأفعال التي سوف تحدث بعد وفاته على مستوى المدينة وخارجها . .
ويلاحظ من خلال استقراء الروايات التي تشخص لنا واقع المدينة أثناء مرض الرسول أن هناك ضغوطا كان يواجهها الرسول من فئات مختلفة لها توجهاتها المختلفة . ويبدو أن هذه الضغوط كانت تتركز جميعها حول مسألة الخلافة والحكم ومثل هذه الضغوط لا تكون إلا إذا كان الرسول قد أشار أو حدد الأمر في شخص أو جهة معينة كانت محل التنازع .
فلو لم يكن الرسول قد أشار إلى أحد لما كان هناك مبرر للاختلاف والتنازع أمامه . فالواجب الصبر حتى يقضي الله أمره . فإن عوفي كان بها . وإن توفاه الله اختاروا من بينهم من يقوم بالأمر . . إلا أن الروايات لا تقودنا إلى مثل هذه الاستنتاجات . وإنما تؤكد أن الرسول
- ص 10 -
كان يشغله مستقبل الدعوة وأمر الأمة من بعده ويريد أن يحدد لها معالم الطريق حتى لا تضل وتشقى لكن هناك فئات ترى هذا الأمر يصطدم مع مصالحها ونفوذها ويهدد مكاسبها . فكانت تعمل على وضع العراقيل التي تحول دون تحقيقه . .
والرسول كقائد يودع أمته يدرك أن هناك مجموعة من الأخطار تتهددها على مستوى الداخل والخارج لا بد له من أن يضع خطة لمواجهتها . . لا بد له من أن يتخذ بعض الخطوات على مستوى الخارج حيث الروم والفرس يتربصون بالإسلام
والمسلمين . . ولا بد له من اتخاذ خطوات على مستوى الداخل حيث يوجد المنافقون واليهود . . وعلى مستوى الخارج كان تجهيز جيش أسامة . . وعلى مستوى الداخل كان كتابة الوصية وخطبة الوداع . .
خطبة الوداع
هل يمكن أن تخلو خطبة رسول يودع أمته ولا نبي بعده . من خطوط عريضة تسير عليها الأمة من بعده . . ؟
إن الإجابة على هذا السؤال تدعونا إلى التأمل في نصوص خطبة الوداع الواردة في كتب السنن كما تدعونا إلى التأمل في الآيات القرآنية التي ارتبطت بتلك الفترة . .
وعلى رأس النصوص القرآنية التي ارتبطت بحجة الوداع قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ( 1 ) .
* هامش *
( 1 ) سورة المائدة ( * )
- ص 11 -
فقد أشار كثير من المفسرين والفقهاء إلى أن مناسبة هذه الآية كانت حجة الوداع وأن الأمر الصادر للرسول كي يبلغه للأمة كان يتعلق بمستقبل الدعوة من بعده . .
يروي البخاري عن عائشة قالت : من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب والله يقول ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ( 2 )
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا تقول عائشة هذا الكلام . . ؟ لا شك أن هناك مناسبة ما اضطرتها إلى قولها هذا ويبدو أن هناك من أكثر القول حول هذه الآية وأن هناك شيئا ما له أهميته نزلت به الآية . . ولا يعقل بل لا يجوز أن يوجه
الاتهام إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بكتمان ما أنزل الله . فإن هذا الكتمان بكافة أحواله هو في صالح المنافقين والقبليين وأصحاب المصالح والأهواء . فما الذي يضطرهم إلى تكذيب الرسول واتهامه بالكتمان وهم يعلمون أن القرآن
يتنزل على الرسول فاضحا لهم وكاشفا لنواياهم . . إذن الرسول لم يكتم شيئا وأبلغ الأمة ما أنزل إليه . لكن الكتمان جاء من أطراف أخرى . وهو ليس كتمانا لنصوص قرآنية بلا شك وإنما هو كتما لقول الرسول حول هذه النصوص ويبدو أن هناك
اتجاه كان يؤمن بأن هذه الآية كانت تتعلق بوصية الرسول فيمن يخلفه من بعده . ولعل هذا يبرر قول عائشة الذي يشير إلى أن الآية لو كانت تشير إلى هذه القضية لبين الرسول ذلك وما كتمه . . وهو ما يبرر رواية عائشة الأخرى في البخاري التي
تقول منكرة وصية الرسول لعلي : متى أوصى إليه . . ؟ فلقد أنخنث في حجري وما شعرت أنه مات . فمتى أوصى إليه . . ؟ ( 3 ) وإذا ما استعرضنا النصف الآخر للآية الذي يقول : وإن لم تفعل ما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) تبين لنا أن هناك أمر جلل بلغ للأمة أوجب
* هامش *
( 2 ) البخاري . كتاب العلم .
( 3 ) البخاري كتاب الوصايا ومسلم كتاب الوصية . . ( * )
- ص 12 -
طمئنة الرسول بأن ردود الأفعال من قبل المنافقين والقبليين وأصحاب الأهواء لن تضره شيئا وهو ما يمكن فهمه من قوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) . . والرسول تتنزل عليه الآيات بكثير من الأحكام يبلغها للناس منذ سنوات فلماذا ارتبط تبليغ هذا الأمر الأخير بالعصمة من الناس . . ؟
وقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( 4 ) . من الآيات التي نزلت في حجة الوداع كما روى الجمهور عن أبي سعيد الخدري أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دعا الناس إلى علي في يوم
غدير خم . وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقام فدعا عليا . فأخذ بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله وعلي . ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية . . ثم قال ( صلى الله عليه وسلم ) : من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . . ( 5 ) .
يروي البخاري أن رسول الله خطب في الناس فقال : ألا تدرون أي يوم هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال : أليس بيوم النحر ؟ قلنا بلى يا رسول الله . قال : أي بلد هذا . . ؟ أليست بالبلدة الحرام ؟ قلنا
بلى يا رسول الله قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا . في بلدكم هذا . ألا هل بلغت . قلنا نعم . قال اللهم فاشهد . فليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى له فكان كذلك . قال : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . . ( 6 ) .
وفي رواية : لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . . ( 7 ) .
* هامش *
( 4 ) سورة المائدة . .
( 5 ) أنظر كتب التفسير وأسباب النزول . والحديث رواه أحمد في مسنده ج1 / 118 وإسناده صحيح .
( 6 ) البخاري . كتاب الفتن .
( 7 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 13 -
وعن جرير قال ؟ قال لي رسول الله في حجة الوداع : استنصت الناس . ثم قال : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . . ( 8 ) .
وروى مسلم : أيها الناس : اسمعوا قولي . فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . أيها الناس . أن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا وإن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي
موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع . وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله . . أيها الناس . إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه
إن يطع فيما سوى ذاك فقد رضى به ما تحقرون من أعمالكم . فاحذوره على دينكم . أيها الناس : إن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله .
وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض . السنة اثنا عشر شهرا . منها أربعة حرم . ثلاثة متواليات . ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان . اتقوا الله في النساء . فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله
واستحللتم فروجهم بكلمة الله . إن لكم عليهن حقا . ولهن عليكم حقا . لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه . فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح . ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت .
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن اعتصمتم به : كتاب الله وسنة رسوله . . يا أيها الناس : اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله .
* هامش *
( 8 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 14 -
أيها الناس : اسمعوا قولي واعقلوه . تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم . وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه . فلا تظلموا أنفسكم . اللهم هل بلغت وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون . . ؟ ( 9 )
وروى ابن سعد : أرقاءكم . أرقاءكم . أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون . وإن جاءوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم . . ( 10 )
وروى ابن إسحاق في سيرته نفس هذه الرواية كما رواها ابن سعد في طبقاته . تروي كتب السنن أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . فانظروا كيف تخلفوني فيهما . . ( 11 )
وفي رواية : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما . . ( 12 )
وفي رواية مسلم : أيها الناس . إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله عز وجل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه . وشال : أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي ( 13 ) . .
وفي رواية أن الإمام علي نشد الناس في الرحبة قائلا : من سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
* هامش *
( 9 ) مسلم 4 / 37 . .
( 10 ) الطبقات ج1 .
( 11 ) مسلم باب فضائل الإمام علي . ورواه الطبراني في الأوسط وجمع الجوامع للسيوطي والترمذي باب مناقب آل البيت
والهيثمي في مجمع الزوائد ج9 / 163
( 12 ) الحاكم في المستدرك ج3 / 146 . وانظر مسلم . .
( 13 ) مسلم باب فضائل الإمام علي . وانظر الترمذي والنسائي والدارمي ومسند أحمد . ( * )
- ص 15 -
يقول في غدير خم - موضع ماء خطب فيه الرسول أثناء حجة الوداع - إلا قام . فقام من قبل سعيد ستة . ومن قبل زيد ستة . فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول لعلي يوم غدير خم : أليس الله أولى من المؤمنين . قالوا : بلى . قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . ( 14 ) .
وعن البراء بن عازب قال : أقبلنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في السنة التي حج فنزل في بعض الطريق . فأمر الصلاة جامعة . فأخذ بيد علي فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم . قالوا : بلى . قال : ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى : قال : فهذا - أي علي - ولي من أنا مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عادا . . ( 15 )
ويقول ابن تيمية عن أهل السنة : ويحبون أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله حيث قال يوم غدير خم : أذكركم الله في أهل بيتي . . ( 16 )
* هامش *
( 14 ) مسند أحمد . .
( 15 ) المرجع السابق . .
( 16 ) العقيدة الواسطية . ط القاهرة ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:39 AM
مناقشة الروايات
من خلال عرض الروايات السابقة نلخص إلى ما يلي :
- أن رواية البخاري قد حددت أمامنا عدة أمور مستقبلية :
الأول يتعلق بحفظ الدماء بين المسلمين . .
والثاني يتعلق بعدم الالتزام بالأول . .
والثالث يتعلق بشهادة الرسول . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا يركز الرسول في خطبة يودع فيها أمته على الدماء والردة . ثم هو يبلغ ذلك ويشهد عليه ليعلن براءته أمام الله كرسول ناصح لأمته . . ؟ .
- ص 16 -
إن هذا البلاغ إنما هو إشارة صريحة من قبل الرسول إلى قطاع من صحابته يبدو من مواقفهم وممارساتهم ما يدعو إلى هذا التحذير . . ولعل هذا هو المعلم الوحيد الذي تبرزه رواية البخاري فيما يتعلق بمستقبل الدعوة وحال الأمة بعد وفاة الرسول
ولا يوجد ما يبرر الصراع والتطاحن وشهر السيوف وضرب الأعناق بعد الرسول إلا الحكم والسعي نحو الفوز به . . ولقد كانت ولاية أبي بكر سببا مباشرا في قيام صراع مسلح بين المسلمين حسمته السيوف بقسوة فيما سمي بقتال مانعي الزكاة . . . ؟ ؟
وما ذكره البخاري هو جزء من خطبة الوداع أما بقيتها فقد شتتها كعادته بين الأبواب التي ترتبط بموضوعاتها . فالجزء الخاص منها بالربا وضعه في باب الربا والجزء الخاص بالنساء وضعه في باب يلائمه وهكذا . . وهذا من شأنه أن يضيع المفهوم العام لخطبة الوداع ويبدد أغراضها . .
أما رواية مسلم فهي رواية متكاملة حددت عدة معالم واضحة : الأول : حفظ الدماء . . الثاني : نبذ الجاهلية . .
الثالث : وضع الربا . . الرابع : احترام النساء . . الخامس : الاعتصام بالكتاب والسنة . السادس : طاعة الحكام . .
السابع : حفظ الحقوق بين المسلمين . . الثامن : البلاغ والشهادة . .
وكون أن الرسول يوصي أمته بحفظ الدماء ونبذ الجاهلية واحترام النساء وحفظ
- ص 17 -
الحقوق ووضع الربا فهذا أمر مقبول عقلا . لكن الأمر الغير مقبول هو حضه على الاعتصام بالكتاب والسنة وطاعة الحكام . . فكان من الأولى أن يحض على الكتاب وحده فلم تكن السنة قد جمعت ولم تكن معروفة كمصدر للتشريع . حتى الكتاب - حسب رواياتهم - لم يكن قد جمع ولم يكن يحفظه إلا القلة القليلة من الصحابة .
ويبدو أن إضافة السنة هنا هي من اختراع الرواة حيث أن هناك رواية أخرى لمسلم ذكر فيها الكتاب وحده ولم يذكر السنة أما طاعة الحكام فمن الواضح أنها من اختراع السياسة كي تمهد للأنظمة الحاكمة التي سوف تقوم بعد وفاة الرسول . وهي قضية مهدت لها عشرات الأحاديث الأخرى التي تلزم الأمة بطاعة الحكام وإن كانوا فجارا ينتهكون حرمات الناس ( 17 ) .
وما رواه مسلم والبخاري وغيرهما إنما يتعلق بالشق الأول من خطبة الوداع . لكن هناك شق آخر للخطبة تفوق أهميته أهمية الشق الأول . خطبه الرسول في مكان آخر أثناء عودته من الحج مكان يدعى غدير خم بالقرب من المدينة . . وهذا الشق لم
يروه البخاري إنما رواه مسلم وكتب السنن الأخرى . وهو محل جدل بين السنة والشيعة . حيث إن السنة تشكك فيه وإن اعترفت به فهي تشكك في أبعاده والمراد منه . بينما الشيعة تعده من أقوى التصريحات النبوية على وصية الرسول للإمام
علي والتي تؤكد أن الرسول وضع خطوطا عريضة للأمة تهتدي بها بعد وفاته فيما يتعلق بالحكم والإمامة وسائر أمور الدين . . وكون أن الرسول يوصي في حجة الوداع بكتاب الله وآل بيته فإن المسألة يكون لها مدلول آخر . وكونه يمسك بيد علي
ويعلن أنه وليه ويدعو لمن والاه ويدعو على من عاداه فإن المسألة هنا تزداد وضوحا . .
* هامش *
( 17 ) أنظر البخاري ومسلم وكتب السنن وهي تكتظ بعشرات الأحاديث التي توجب طاعة الحكام وأن جلدوا ظهور الناس وسلبوا أموالهم وعدم منابذتهم والخروج عليهم وأن الخروج يوجب الحكم بالإعدام ويخرج المسلم من دائرة الإسلام . وانظر لنا عقائد السنة وعقائد الشيعة باب الإمامة . .
- ص 18 -
ولعل هذا ما دفع بخصوم علي من الصحابة إلى إنكار ما سمعوه من الرسول بحقه بعد وفاته عندما احتدم الصراع على الحكم . فقد كانت القبلية لا زالت مستحكمة في نفوس الناس آنذاك . كما أن المنافقون وهم قطاع بارز في المجتمع المدني في حياة
الرسول قد برز أكثر بعد وفاته . . ويبدو أن هناك تحالف بين جبهة القبليين وجبهة المنافقين تم في مواجهة جبهة علي وشيعته من الصحابة انتهت بهزيمة جبهة علي . .
ويروى أن عليا شكى الناس لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقام الرسول خطيبا فقال : أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله . . ( 18 ) والناس هنا بالطبع هم قطاع من الصحابة كان يتقول على علي ويحسده على
مكانته من الرسول وعلو شأنه في الإسلام . . وقد حسم رسول الله هذا الأمر بالحكم على مبغضي الإمام علي وكارهيه بالنفاق فيما يروى على لسان علي : عهد إلي النبي الأمي : أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق . . ) ( 19 )
ويروى : كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله بأمرين : صلاة العتمة وبغض عليا . . ومثل هذه الروايات إنما تشير إلى أن الجبهة المعادية لعلي كان لها وجودها في حياة الرسول . كما أن الجبهة المناصرة له كان لها وجودها أيضا . .
وابن تيمية وهو خصم للشيعة ولكل الخارجين على خط بني أمية أقر بأن الرسول أوصى في غدير بأهل البيت وذكر قوله ( أذكركم الله في أهل بيتي ) في عقيدته الواسطية دون ذكر بقية كلام الرسول في علي . . وبالطبع فإن ابن تيمية لا يرى ولا يفهم من كلام الرسول هذا ما يفهمه أصحاب العقول من أنه دلالة على أحقيتهم بالإمامة والاتباع من بعده .
وهذا الفهم لدور آل البيت هو الذي ساد بعد وفاة الرسول وانتصر له ابن تيمية وتلقفته الحكومات منه حتى آل سعود اليوم ليصبح هو الفهم السائد لدى مسلمي الحقبة النفطية المعاصرة . . ( 20 ) .
* هامش *
( 18 ) مسند أحمد ج3 / 86 .
( 19 ) سنن ابن ماجة باب فضائل أصحاب رسول الله . ومثله في الترمذي ومسلم وأحمد .
( 20 ) أنظر لنا العقل المسلم بين أغلال السلف وأوهام الخلف . وأيضا فقهاء النفط ويذكر أن فتاوى ابن تيمية الكبرى ( 37 ) جزءا طبعت على نفقة خادم الحرمين وتوزع مجانا .( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:40 AM
جيش أسامة
كثرت الروايات التي تتحدث عن جيش أسامة في كتب السنن وكتب التاريخ . إلا أن هذه الروايات على كثرتها لم تكشف لنا السر وراء إصرار الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على بعث هذا الجيش إلى الخارج في مثل تلك الظروف التي كان
يعيشها المجتمع المدني آنذاك وهو يترقب وفاة الرسول ما بين ساعة وأخرى . . لقد كان الرسول كثيرا ما يردد وهو على فراش المرض : أنفذوا بعث أسامة . أنفذوا بعث أسامة . . ( 21 )
إن إصرار الرسول على ضرورة تحقيق هذا الأمر يكشف لنا عدة حقائق :
الأولى : أن هناك قوى تقف في طريق تحرك هذا الجيش . .
الثانية : أن تحرك هذا الجيش له أهميته القصوى بالنسبة لحركة الدعوة . .
الثالثة : أن الرسول كان يتعجل خروجه . .
الرابعة : ما هي حكمة تولية فتى صغير على كبار الصحابة في بعثه عسكرية هامة كهذه ؟
يروي البخاري : استعمل النبي أسامة فقالوا فيه . . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وأنه أحب الناس إلي . . لماذا يقول الصحابة في أسامة . وماذا يقولون فيه . . ؟ هذا ما لم تخبرنا الرواية . إلا أن هناك رواية أخرى أكثر تفصيلا . . عن ابن عمر قال إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن
* هامش *
( 21 ) أنظر طبقات ابن سعد ج3 / 4 . ( * )
- ص 20 -
الناس في إمارته . فقام رسول الله فقال : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي . وإن هذا - أسامة - لمن أحب الناس إلي بعده . . ( 22 )
والرواية الثانية تجلى لنا الموقف بصورة أكثر وضوحا وهو أن هناك طعنا في أسامة ورفضا لإمارته . وإن هذا الموقف كان قد اتخذ مسبقا من إمارة أبيه في غزوة مؤتة التي استشهد فيها . .
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : أليس الطعن في إمارة أسامة يعد طعنا في أمر الرسول الذي عينه . . ؟ وهل هذا الموقف كان يتركز في أسامة بشخصه أم في أهداف البعثة ؟
إن الأمر على ما يبدو يتجاوز المسألة الشخصية ويشير إلى أن هناك قضية أخرى أكبر من أسامة ومن بعثته . . وكعادة الروايات التي تروى في كتب السنن خاصة الصحيحين وتتعلق بمواقف الصحابة وتجاوزاتهم . فإنها تكون مبتورة المعنى أو
لا تسمي الشخص أو لا تفصل الحدث . . والهدف من وراء ذلك هو محاولة التمويه على الحقيقة وعدم إثارة الشبهات حول شخصيات معينة حتى لا تهتز في أعين المسلمين . . وهو أمر يعود أولا وأخيرا إلى أمانة الراوي .
أنظر حديث عائشة : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في مرضه وهو مستند على رجلين أحدهما العباس ورجل آخر . وكان الرجل الآخر الذي لم تسمه عائشة هو علي . . ( 23 )
وانظر حديث أبو هريرة : حفظت وعاءين عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعاء بثثته . أما الآخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم . . ( 24 ) .
* هامش *
( 22 ) البخاري باب بعث أسامة .
( 23 ) البخاري . كتاب المغازي . باب مرض النبي ووفاته . وانظر مسلم . .
( 24 ) البخاري . كتاب العلم . . ( * )
- ص 21 -
وانظر حديث ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس : اشتد برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجعه . فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا . فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا ما شأنه أهجر . فذهبوا يردون عليه . فقال
دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث . قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب . وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم . وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها . .
فالبخاري هنا لم يخبرنا من الذي قال عن الرسول : ما شأنه أهجر . وهي طعن في الرسول واتهامه بالتخريف والهلوسة . . ثم أنه لم يخبرنا عن الثالثة هل سكت عنها ابن عباس أم سكت عنها هو ، وهو على ما يبدو من الرواية متأرجح بين أن يكون ابن عباس سكت عنها أو نسيها هو .
كما فاته أن يذكر أن الذي طعن في الرسول وهو على فراش المرض هو عمر بن الخطاب . . ومثل هذا الأمر ينطبق على الروايات المتعلقة بجيش أسامة فقد ذكرت رواية البخاري : استعمل النبي أسامة فقالوا فيه . .
وفي الرواية الثانية فطعن الناس في إمارته . . ولم يخبرنا البخاري من الذين قالوا في أسامة ومن الذين طعنوا في إمارته من الصحابة . . ؟ إن مثل هذا الأمر يطابق النهي عن الخوض في خلافات الصحابة واعتبار ذلك من المحرمات ومن أصول العقيدة كما تنص على ذلك كتب العقائد . . ( 25 )
فكلا الأمرين الهدف منهما التغطية على أحداث التاريخ التي تتعلق بالصحابة حتى لا تهتز صورتهم في أعين المسلمين وتفقد الثقة فيهم وتكون النتيجة هي خروج المسلمين عن خط أهل السنة وخط الحكام على ما سوف نبين .
ومن المعروف أن جيش أسامة كان فيه كبار الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر عدا الإمام علي الذي أبقاه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إلى جواره . .
* هامش *
( 25 ) أنظر العقيدة الطحاوية والواسطية والعواصم من القواصم وانظر لنا عقائد السنة وعقايد الشيعة باب الرجال : . ( * )
- ص 22 -
وهنا تتضح لنا معالم جديدة حول هذا الحدث . ماذا كان يهدف الرسول من وراء تأمير فتى كأسامة على أبي بكر وعمر وكبار الصحابة ثم يصر على ضرورة خروجهم من المدينة في أسرع وقت . وهو الذي على فراش الموت .
ومن الممكن أن يتوفاه الله في أية لحظة فلا يكون إلى جواره في المدينة أحد من الصحابة لعل هذا الأمر أثار الريب في نفوس الصحابة وجعلهم يتلكأون في الخروج محتجين بصغر سن أسامة . ولعل جواب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) :
أن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل يشير إلى شكه في موقفهم مذكرا لهم أن هذا الموقف اتخذتموه من قبل من أبيه زيد ولم يكن زيد صغير السن . . ؟
إذن هؤلاء القوم كانوا يضمرون في نفوسهم أمرا ويتحججون بحجج واهية كي لا يخرجوا من المدينة . ولكن لماذا يريدون البقاء في المدينة . . ؟
إن الجواب على هذا السؤال تكشفه لنا الرواية التي ذكرناها آنفا وهي رواية يوم الخميس حين طلب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده . فهاجوا وماجوا وطعن بعضهم في الرسول حتى يفوتوا عليه كتابة هذا الكتاب .
فهذا الحدث قد كشف لهذه الطائفة التي يتزعمها عمر على ما يبدو وعلى ما سوف نبين أن الرسول يضمر شيئا يتعلق بالأمر من بعده . فمن ثم هم لا يريدون أن يفوتهم هذا الأمر . ومما يؤكد هذا الظن أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد كرر هذا
الموقف في غزوة تبوك مع الإمام علي وصرح أمام الصحابة بمقالة فيه أثارت الريب في نفوسهم . .
يروي البخاري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج إلى تبوك واستخلف عليا . فقال : أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى . إلا أنه ليس نبي بعدي . . ( 26 )
* هامش *
( 26 ) البخاري . كتاب فضائل الصحابة . باب مناقب علي . ( * )
- ص 23 -
ولعل الصحابة تذكروا هذا النص حين أمرهم بالخروج في بعث أسامة وأدركوا أن الأمر يحمل أبعادا أخرى تتعدى مسألة الخروج خاصة بعد أن رأوا الرسول قد استبقى عليا مع إصراره على خروجهم من المدينة .
إن بعث أسامة يكشف أمامنا قضية هامة وهي قضية التفضيل . تفضيل الصحابة على بعضهم . وتفضيل أبي بكر وعمر على الصحابة بل على الأمة . فإن هذا التفضيل لو كان حقيقة ما جعل رسول الله أسامة أميرا على أبي بكر وعمر وما استبقى عليا
. . كما يكشف لنا من جهة أخرى أنه لو كان الرسول قد نص على استخلاف أبي بكر كما يقال ما وضعه على مقدمة الجيش بينما هو على فراش المرض الذي توفي فيه ( * ) .
يقول ابن حجر : كان تجهيز أسامة قبل موت الرسول بيومين فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر . ودعا أسامة فقال ؟ سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش . . فعقد الرسول لأسامة لواء بيده . وكان ممن انتدب مع أسامة
كبار المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ثم اشتد على الرسول وجعه : فقال انفذوا بعث أسامة . فتكلم في ذلك قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي . فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف . . ( 27 )
وقد أنكر ابن تيمية أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة . لكن ابن حجر رد عليه وأورد عدد من الروايات التي تبطل قوله . . ( 28 )
وهنا يطرح أمامنا السؤال التالي : لماذا يحاول ابن تيمية نفي وجود أبو بكر وعمر في بعث أسامة . . ؟ . أليس وجودهما يعد امتثالا لأمر الرسول وهو شرف لهما . . ؟ .
* هامش *
( * ) ليست هذه المرة الأولى التي وضع فيها أبو بكر وعمر في هذا الموضع فقد سبق أن وضعهما الرسول صلى الله عليه وسلم تحت إمرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل . أنظر البخاري . باب مناقب أبو بكر وشرح الرواية في فتح الباري ج7 .
( 27 ) فتح الباري ج8 / 152 كتاب المغازي باب 87 .
( 28 ) المرجع السابق . ( * )
- ص 24 -
لماذا يحاول ابن تيمية أن ينفي عنهما شرف الامتثال لطاعة الرسول والجهاد في سبيل الله ؟ .
إن ابن تيمية قد اتخذ هذا الموقف في معرض رده على العلامة الحلي أبرز علماء الشيعة المعاصرين له . وقد اضطر في مواجهته إلى التشكيك في حديث الثقلين المروي في صحيح مسلم وهو ما دأب ابن تيمية على فعله في مواجهة خصومه من
العلماء داخل أهل السنة وخارجها خاصة من الشيعة . . ( 29 ) والطريف في هذا الأمر هو تجهيز أبو بكر للجيش بعد وفاة الرسول وبعثه إلى الروم . .
يقول ابن حجر : ولما جهزه أبو بكر بعد أن استخلف سأله - أي أسامة - أن يأذن لعمر بالإقامة - في المدينة - فأذن . . تأمل . . ( 30 ) لماذا عمل أبو بكر على استثناء عمر من جيش أسامة . . ؟ لقد جهز أبو بكر الجيش امتثالا لأمر الرسول حيث أنه
قد رفع شعارا مفاده إنما أنا متبع وليست بمبتدع . . وعمد إلى تقليد الرسول في كل مواقفه وممارساته . . فإذا كان هو كذلك فلماذا عمل على استثناء عمر . أليس ذلك مخالفة لسنة الرسول وأمره . وهو قد استثنى نفسه بحكم تسلمه الخلافة فبأي حجة.
استثنى عمر . . ؟ هل يمكن أن نتهم أبو بكر بالسطحية في فهم النصوص إذ أن الغرض من بعث أسامة قد انتفى بوفاة الرسول واستخلافه . بينما هو يصر على خروجه ويستثني منه عمر . أم أن أبا بكر يحاول أن يموه على الهدف الحقيقي من
بعثة أسامة ؟ ولنترك القوم مع جيش أسامة على أبواب المدينة ينتظرون ويراقبون من بعد تطورات مرض الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وهم بموقفهم هذا قد تحايلوا على أمر الرسول : فلا هم نفذوا أمره ولا هم ظاهرون أمامه . وبدا وكأنهم
يوهمون الرسول أنهم خرجوا . . هل مثل هذا السلوك يصح من أناس تخرجوا من مدرسة الرسول . . ؟
* هامش *
( 29 ) أنظر منهاج السنة وهو رد على كتاب العلامة الحلي منهاج الكرامة في إثبات الولاية لآل البيت . . ط بيروت .
( 30 ) فتح الباري ج8 باب 87 كتاب المغازي . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:41 AM
بين المرض والوفاة
روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس . . وما يوم الخميس ؟ اشتد برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجعه : فقال : إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا . فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع : فقالوا ما شأنه أهجر
استفهموه . فذهبوا يردون عليه . فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه . وأوصاهم بثلاث . قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب . وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم . وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها . .
وفي رواية : لما حضر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفي البيت رجال : فقال النبي هلموا أكتب لم كتابا لا تضلوا بعده . فقال بعضهم أن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن . حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت واختصموا .
فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . ومنهم من يقول غير ذلك . فلما أكثروا اللغو والاختلاف . قال رسول الله : قوموا . قال ابن عباس : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم . . ( 31 )
وفي رواية ثالثة عن ابن عباس : لما اشتد بالنبي وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا . فاختلفوا وكثر اللغط . قال : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول : أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه . . ( 32 )
قال القرطبي وغيره ائتوني أمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال . لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) وقوله : ( تبيانا لكل شئ ) . .
* هامش *
( 31 ) البخاري كتاب العلم وانظر كتاب المرضى . وانظر مسلم كتاب الوصية ومسند أحمد ج1 / 355
( 32 ) المراجع السابقة . ( * )
- ص 26 -
وقال الخطابي : إنما ذهب عمر إلى أنة لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعدم الاجتهاد . . وقال ابن الجوزي . . وإنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى الطعن في ذلك المكتوب . .
ويقول ابن حجر معلقا على قول ابن عباس : إن الرزية كل الزرية ما حال بين رسول الله وبين كتابه . . وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر . بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث .
وجزم ابن تيمية في الرد على الرافضي - الحلي - بما قلته . ، إنما تعين حمله على غبر الظاهر لأن عبيد الله بن عباس راوي الحديث تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى . . ( 33 )
وروت عائشة أن الرسول في حال احتضاره كان يقول : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( 34 ) .
ويروى أن الناس قد ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا . فقالت : متى أوصى إليه فقد كانت مسندته إلى صدري ( أو قالت حجري ) فدعا بالطست . . فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه مات . فمتى أوصى إليه . . ؟ ( 35 )
وروي عن عائشة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده . فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي عنه . . وقد أذن له في أن يمرض في بيت عائشة من قبل نسائه لما يعلمن محبته لها وارتياحه إليها . . ( 36 )
* هامش *
( 33 ) أنظر فتح الباري ج13 / 336 و ج 8 / 132 وما بعدها وقول ابن حجر هذا يفتح باب الشك في طرق الرواية عند أهل السنة .
( 34 ) البخاري ومسلم .
( 35 ) البخاري ومسلم .
( 36 ) البخاري . كتاب المغازي . باب مرض النبي ووفاته . . وانظر مسلم . ( * )
- ص 27 -
وفي بيت عائشة اشتد به الوجع . وكان يقول : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس . ثم خرج عاصبا رأسه بعد أن صب عليه الماء فجلس على المنبر ثم قال : أيها الناس إن آمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر .
ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ولكن إخوة الإسلام . لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر . وإني فرط لكم . وأنا شهيد عليكم . وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن . وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض . وإني والله ما أخاف
أن تشركوا من بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها . . ( 37 )
ويروى عن عائشة قالت : قال لي رسول الله في مرضه أدعي لي أبا بكر أباك وأخاك . حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل : أنا أولى . ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر . . ( 38 ) ولما حال المرض بين رسول الله وبين
الخروج قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة : يا رسول الله : إن أبا بكر رجل أسيف ( رقيق ) وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس . فقال : أنكم صواحب يوسف . مروا أبا بكر فليصل بالناس . . ( 39 )
ويروى عن عائشة أنها قالت : ورأساه : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك لو كان وأنا حي وأستغفر لك وأدعو لك . فقال عائشة ، واثكلتاه والله إني لأظنك تحب موتى ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك . .
فقال النبي : بل أنا وارأساه . لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون . ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون . . ( 40 )
وإذا ما قمنا بمناقشة هذه النصوص المتعلقة بمرض الرسول ووفاته فسوف تتكشف
* هامش *
( 37 ) البخاري . كتاب المغازي . باب مرض النبي . وكتاب فضائل الصحابة . باب فضل أبي بكر .
( 38 ) مسلم . كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر . وانظر البخاري كتاب الأحكام باب الاستخلاف . .
( 39 ) مسلم كتاب الصلاة . باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر . .
( 40 ) البخاري . كتاب الأحكام . باب الاستخلاف . . ( * )
- ص 28 -
أمامنا بعض النتائج التي من الممكن أن تقودنا إلى حل بعض النقاط الغامضة المتعلقة بوصية الرسول فرواية ابن عباس المتعلقة بطلب الرسول كتابة كتاب تهتدي به الأمة بعد وفاته التزم أمامها أهل السنة بسياستهم التبريرية المعتادة لذلك السلوك
وتلك المواقف المتناقضة مع روح الإسلام ومع العقل التي سلكها الصحابة وفي مقدمتهم عمر أمام نبيهم مما هو واضح من خلال أقوالهم التي عرضناها والتي ترتكز في صميمها على هدم أية محاولة لتفسير النص تفسيرا يمس الصحابة ؟
ولو بشئ من النقد حتى لا تهتز صورتهم في أعين الناس فيفقدوا قدوتهم وتضيع مثاليتهم حتى لو أدى ذلك إلى إلجام العقل وتكبيله . فالعقل لا يمثل أهمية كبيرة عندهم ولو كانوا يحترمونه ما اخترعوا كل تلك القواعد التي تزجره عن الخوض في
خلافات الصحابة أو في النصوص المنسوبة للرسول الخاصة بطاعة الحكام أو تلك المتناقضة مع القرآن والتي هي صحيحة بطرقهم . . ( 41 )
وقد نقل ابن حجر أن المقصود بالكتاب في حديث ابن عباس هو تعيين الخليفة ( 42 ) .
وقال عياض : معنى كلمة هجر التي ذكرها عمرة أفحش . يقال هجر الرجل إذا هذى . وأهجر إذا أفحش . . ( 43 ) إذا كان معنى كلمة هجر بهذه الصورة فهل يحق لصحابي أن يقولها لنبيه . . ؟
يقول ابن حجر : وقوع ذلك عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى . . ) ( 44 ) فهل كان عمر يجهل أن الرسول معصوما . . ؟
وليت أهل السنة يسيرون في تأويل مواقف الصحابة على أساس القرآن كما فعل ابن حجر في مواجهة موقف عمر من الرسول . . لو فعلوا ذلك لكانوا قد
* هامش *
( 41 ) أنظر لنا العقل المسلم . وانظر العواصم من القواصم . .
( 42 ) فتح الباري ج13 / 206 .
( 43 ) المرجع السابق . .
( 44 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 29 -
أغلقوا الباب في وجه السياسة إلى الأبد . فقد استثمرت السياسة مواقف الصحابة أفضل استثمار . واشتقت من أحداث السقيفة ومواقف عمر وعثمان ما بنيت على أساسه قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم . . ( 45 )
إلا أن هذا الاستدلال الذي بناه ابن حجر على الآية يعد من فلتاته . فقد تابع أهل السنة في مواقفهم التي تبرر أفعال الصحابة وممارستهم على أساس السياسة وعلى أساس كونهم عدول مجتهدون . . ( 46 )
والحق أن موقف عمر كان رزية كبيرة تسببت في تعويق مسيرة الإسلام وضياع الأمة وشتاتها بين الحكام والفقهاء وأهل الأهواء . . وهو فعل يضاف إلى سيئات الرجل وليس محمدة له كما يحاول فقهاء التبرير تصوير ذلك . والعقل لا يقبل أن
يحمل مثل هذا السلوك من قبل عمر على محمل الخير . أي خير في معارضة نبي ؟ وإذا اعتبرناه مجتهدا فهل يحق له الاجتهاد على أمر رسول الله . . ؟ وقول عمر حسبنا كتاب الله قول مغرض . فهو لم يكن من الحافظين لكتاب الله المسلمين
بأحكامه وإن كان مخترعو الأحاديث وفقهاء التبرير قد حاولوا أن يضفوا عليه صفة الفقيه المجتهد ويدل على ذلك موقفه بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حين ادعى عدم موته وهدد القائلين بموته وهو موقف لا ينم عن علمه بطبيعة الرسالة
ودور الرسول . ولم يتخذ هذا الموقف أحد سواه حتى جاء أبو بكر ففقهه بالآية . فقال كأني أسمعها أول مرة . . ( 47 ) إن موقف عمر ومن حالفه إنما يشير إلى أن هناك جبهة من الصحابة كانت ضد كتابة الوصية وموقف هذه الجبهة إنما ينبع من
يقينها أن هذه الوصية ليست في صالحها . إذ لا يعقل أن ترفض أمة وصية نبيها في احتضاره وهي تعلم أنه خاتم الرسل . فإن عدم وجود رسل من بعده يجعل الحاجة لهذه الوصية أشد وأكثر مصيرية .
* هامش *
( 45 ) سوف نبين الأمر في الفصول القادمة . .
( 46 ) أنظر العواصم وكتب العقائد . ويعتبر أهل السنة عدالة الصحابة من العقائد . .
( 47 ) أنظر المحطة الثالثة ( * )
- ص 30 -
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا استجاب الرسول لعدم الكتابة وطرد الجميع . . وكان من الأولى له كرسول خاتم أن يصر على كتابها لكونها مسألة مصيرية تتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين . . ؟
إن الجبهة المعارضة لكتابة الوصية كانت تعلم بموقفها هذا أنها لن تحول بين الرسول وبين الوصية . فهي لن تستطع بحال أن تمنع الرسول من أداء مهمته لكونه مؤيد من قبل الله تعالى ومن مهمته أن يوصي أمته حال وفاته . فالوصية جزء من البلاغ
الذي هو أساس مهمته والذي بعث من أجله . . لكن هناك فرق بين أن يكتب الرسول الوصية وبين أن يبلغها شفاهية . عندما يكتبها تكون حجة على المخالفين إلى يوم الدين ويصبح من العسير تحريفها . . وعندما تكون شفاهية فهنا يكون الباب مفتوحا
للتأويل والتزييف . فإن تحريف القول أيسر من تحريف الكتاب . . وهذا هو هدف جبهة عمر أن تحول دون كتابة الوصية وليس منعها وهو ما حدث .
sweet girl
03-17-2008, 08:41 AM
دور عائشة
ويلاحظ أن معظم الروايات الخاصة باحتضار الرسول ووفاته إن لم نقل جميعها تروى على لسان عائشة . ومثل هذا الأمر يثير في النفس تساؤلات عديدة . . أولها : لماذا اختصت عائشة بهذه الروايات دون غيرها من نساء النبي . . ؟
والإجابة على هذا التساؤل تدفعنا إلى مناقشة حقيقتين تتعلقان بعائشة .
الأولى : تتعلق بفضائلها وموقعها من الرسول صلى الله عليه وسلم . .
والثانية : تتعلق بموقفها من الإمام علي . .
فبخصوص فضائلها فهي كما يرويها البخاري ومسلم وغيرهما تنقل على لسانها . أي ترويها هي عن نفسها كحال أبي هريرة الذي روى جميع فضائله عن نفسه . وهو أمر مرفوض عقلا إذ أن الفضائل من المفروض أن يرويها عنها غيرها حتى تكون مقبولة عقلا بينما يلاحظ أن فضائل الإمام علي يرويها عنه كثير من الصحابة ولم يروها هو عن نفسه .
- ص 31 -
والمتأمل في الأحاديث التي تختص بفضائل عائشة يجد أن هذه الأحاديث لا تشير إلى فضيلة بل ربما أشارت إلى العكس من ذلك . لنتأمل على وجه المثال الأحاديث التي تروى على لسانها عن غيرتها من خديجة ومن نسوة الرسول عموما . .
روى مسلم عن عائشة أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ذكر خديجة فغرت فقلت : وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها . إلى هنا تنتهي رواية مسلم . إلا أن هناك رواية أخرى رد فيها الرسول عليها قائلا : لا والله ما أبدلني الله خيرا منها .
وروت عائشة : ما غرت للنبي على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها وما رأيتها قط . . ( 48 ) وفي هذا رد كاف على عائشة وكون خديجة أفضل منها . وماذا يمكن أن تكون قد قدمت عائشة للدعوة من بذل وعطاء حتى تفضل
خديجة ؟ أنها لم تقدم شئ سوى كم كبير من الأحاديث التي خدمت الخط الأموي ونصرته على آل البيت . وتأمل قول فقهاء التبرير في الرواية المذكورة . .
ينقل النووي شارح مسلم قولهم : الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم يزجر - أي الرسول - عائشة عنها . . ( 49 )
وقال القاضي : وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ولعلها لم تكن بلغت حينئذ . . ( 50 ) . فإذا كان القوم يبررون تجاوزات عائشة مع الرسول بصغر سنها فبماذا يبررون مواقفها الأخرى . وهل صغر سنها يبرر لها أن تتجاوز حدودها مع الرسول ؟ .
* هامش *
( 48 ) مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل خديجة . .
( 49 ) أنظر شرح صحيح مسلم باب فضائل عائشة . .
( 50 ) المرجع السابق . ( * )
- ص 32 -
وتأمل الرواية التي تقول إن عائشة إذا كانت راضية عن الرسول تقول ورب محمد وإذا كانت غاضبة عليه تقول ورب إبراهيم أي أنها إذا أغضبت من الرسول كانت لا تذكر اسمه . . ( 51 )
هل هذا سلوك يليق بامرأة نبي . . ؟ .
وكيف لها أن لا ترضى عن رسول الله . . ؟ .
وما هو حكم من لا يرضى عن رسول الله في فقه القوم . . ؟ .
إن مثل هذا السلوك لا يكون إلا من امرأة غير راشدة تلهو في حجر رسول الله أو كما تقول الروايات تلعب بالبنات عند الرسول . . ( 52 )
ويروي مسلم عن عائشة أن نسوة النبي أوفدن إليه فاطمة ( ع ) وهو مضطجع معها تسأله على لسانهن العدل في ابنة أبي قحافة . فقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : أي بنية ألست تحبين ما أحب ؟ فقالت : بلى . قال : فأحبي هذه ( عائشة )
فأرسل نسوة النبي بعد ذلك زينب بن جحش فسألت الرسول العدل في ابنة أبي قحافة . ثم وقعت في عائشة واستطالت عليها والرسول ساكت . وهنا هجمت عائشة على زينب وحسبما تقول الرواية على لسان عائشة : فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها .
وفي رواية أخرى : فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة . . ( 53 )
* هامش *
( 51 ) مسلم باب فضائل عائشة .
( 52 ) يروي مسلم عن عائشة : كنت ألعب بالبنات في بيته - بيت الرسول - وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكان رسول يسربهن إلي . . تأمل . هل كان الرسول متفرغا لرعاية عائشة في طفولتها واللعب معها . . ؟ وهل طغى شوق الرسول إليها فدفعه إلى الزواج بها في هذا السن الصغيرة
وفي طبقات ابن سعد ج8 / 58 ما يفيد أن رسول الله تزوج عائشة وكانت ثيبا يروي ابن سعد : خطب رسول الله عائشة فقال أبو بكر : يا رسول الله إني كنت قد أعطيتها مطعما لابنة جبير فدعني حتى أستلها منهم فاستلها منهم فطلقها فتزوجها رسول الله . .
( 53 ) مسلم فضائل عائشة . ( * )
- ص 33 -
والمتأمل في هذه الرواية يتبين له كم هي تحط من قدر الرسول وتظهره بمظهر الرجل المنشغل بنسائه المتعلق بهن المشغول بمشاكلهن الشغوف بابنة أبي بكر بحيث لا يفارق خدرها ولا يمل جوارها . . وكيف يطالب الرسول بالعدل وهو الذي بعث لتحقيقه بين الناس . . ؟
وإذا كان الرسول عاجز عن تحقيق العدل بين نسائه وقد قرب عائشة على حسابهن أليس من الأولى أن يكون عاجزا عن تحقيق العدل بين الناس . . ؟
إن هذا الصدام بين امرأتين من نساء الرسول على مشهد منه بينما هو يواجهه بالتبسم قائلا لزينب : إنها ابنة أبي بكر . ليدل على تهاون من قبل الرسول وإصرار منه على تقديم عائشة وظلم بقية نساءه . وكيف لنا أن ننسب إلى الرسول هذا اللهم لا تؤاخذنا . لكنها روايات القوم . .
ولنتأمل رواية ثالثة على لسان عائشة تكشف لنا مدى انشغال الرسول بها حتى وهو مع نساءه في ليلتهن : تقول الرواية : إن كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليتفقد - نساءه - يقول أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا . ؟ - استبطاء ليوم عائشة - . . ( 54 ) .
إن الرسول بهذه الصورة التي تصورها لنا هذه الرواية ليس إلا مجرد عاشق ولهان ليس على لسانه سوى عائشة كما ليس في قلبه سواها . وما علاقته بنساءه الآخريات سوى علاقة فاترة لا نشوة لها ولا أثر . فإن النشوة والأثر لا يكون إلا مع عائشة فهل يرتضي مسلم أن يكون رسوله بهذه الصورة الفاضحة . . ؟ .
ثم إن هذه الرواية كما تؤكد عائشة كانت قبل وفاة الرسول بساعات قليلة أي أن عمر الرسول وقتها قد جاور الستين ببضع سنين بينما هي لم تتجاوز الثمانية عشر عاما . فهل يعقل أن شيخا في مثل هذا السن يكون متعلقا بالنساء إلى هذا الحد . . ؟
تقول عائشة استكمالا للرواية السابقة : فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري . . أي أن الرسول بعد أن أفلت من نساءه وظفر بعائشة توفاه الله دون أن يقضي وطره منها . أي أن الرسول مات في حضن عائشة . .
* هامش *
( 54 ) مسلم والبخاري ( * )
- ص 34 -
هل يمكن أن يحتمل العقل والوجدان المسلم مثل هذه الوقاحة في حق نبيه . . ؟
ويروي البخاري نفس الرواية السابقة بشئ أكثر فجاجة وتعرية للرسول أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول أين أنا غدا . . ؟ حرصا على بيت عائشة . قالت عائشة : فلما كان يومي سكن ( 55 )
وهذه الرواية كأنها تقول لنا أن الرسول رغم مرضه كان شغوفا بالجنس والطواف على نسائه اللواتي لم يشبعن شغفه حتى جاء إلى عائشة فتتحقق له السكن معها وهذا التفصيل الفاضح لم تكشفه رواية مسلم السابقة . .
ويروي مسلم عن عائشة أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم . . ( 56 ) وهذه الرواية تكشف لنا أن علاقة الرسول بنسائه كانت على الملأ . حتى أن الناس كانوا يعرفون يوم عائشة من
بين الأيام الأخرى التي يطوف فيها على نسائه وهذا يعني أن حركة الرسول بين نسائه كانت تحت رقابة الناس انتظارا ليوم عائشة فيهرعون نحوها بهداياهم تقربا للرسول . . إن هذا الحديث يشير إلى دلالة خطيرة وهي أن الطريق إلى رضا الرسول
يكون بواسطة عائشة . وهذا يعني أن عائشة سيطرت على قلب الرسول ووجدانه وأحاسيسه للدرجة التي جعلتهم يستثمرون هذا الحب في كسب رضا الرسول عن طريق رشوة عائشة بهداياهم . مما يعني بطريق غير مباشر رشوة الرسول الذي
تصوره الرواية أنه يغضب لغير الله ويرضى لغيره سبحانه وبواسطة عائشة يكسب الناس رضاه . فهل سيطرت عائشة على الرسول إلى هذا الحد . . ؟
إن البخاري يروي نفس هذه الرواية بشئ من التفصيل . تقول الرواية : إن نساء النبي اجتمعن بأم سلمة بسبب أن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وقلن للرسول : إنا نريد الخير كما تريده عائشة . وطلبن من الرسول أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث دار . فذكرت أم سلمة الأمر للرسول ثلاثا وهو
* هامش *
( 55 ) البخاري كتاب فضائل الصحابة . باب فضل عائشة . .
( 56 ) مسلم فضائل عائشة وانظر البخاري . . ( * )
- ص 35 -
يعرض عنها ثم أجابها في الثالثة بقوله : يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها . . ( 57 ) وظاهر الرواية يفيد أن نسوة النبي استفزهن أمر الهدايا فاجتمعن لهذا الغرض وأوفدن أم سلمة
للتحدث بلسانهن مع الرسول الذي كان في مكانه المعتاد إلى جوار عائشة . فهل كان الرسول لا يشغله سوى النسوة ومشاكلهن . . ؟ أن الرواية تقول إن الرسول انحاز إلى عائشة كما انحاز إليها في الرواية السابقة ضد بقية زوجاته معتبرا
أن مثل هذا السلوك يعتبر أذى له مؤكدا أن درجة عائشة أعلى من درجتهن لأن الوحي كان ينزل في لحافها ولم ينزل في لحافهن فهل كان الوحي يتنزل على الرسول وهو في لحاف عائشة . . ؟
أليس هذا امتهانا للوحي وللرسول أن تتنزل آيات الله في هذا الموضع . . ؟
لقد بلغ القوم مبلغا عظيما في محاولاتهم اختراع المناقب لعائشة إلى الدرجة التي أهانوا فيها الرسول وأهانوا فيها الوحي وأهانوا فيها بقية زوجات الرسول . . وتستمر عائشة في رواية فضائلها قائلة : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
يا عائش هذا جبريل يقرأ عليك السلام . فقلت : وعليه السلام ورحمة الله . وهو يرى ما لا أرى . . ( 58 ) ويبدو أن القوم أرادوا أن ينتزعوا لعائشة منقبة على لسان الوحي بعد أن عجزوا عن انتزاعها من لسان الرسول .
حتى أن أنس بن مالك يروي على لسان الرسول قوله : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام . . ( 59 )
ألم يجد الرسول شيئا يفضل به عائشة على غيرها سوى الطعام . . ؟ .
هل كان الرسول أكولا وعاشقا للطعام إلى الحد الذي يضرب به المثل . . ؟ .
تروي عائشة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة
* هامش *
( 57 ) البخاري . فضل عائشة . .
( 58 ) مسلم فضائل عائشة . . ( 59 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 36 -
على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعا . وكان الرسول إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها . فقالت حفصة لعائشة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر . قالت : بلى . فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على
بعير عائشة . فجاء رسول الله إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها حتى نزلوا . فافتقدته عائشة فغارت . فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني . . رسولك ولا أستطيع أن أقول شيئا . . ( 60 ) إن هذا النص يفرض عدد من التساؤلات :
هل كان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يأخذ نساءه معه عند الخروج . . ؟
ولماذا ندمت عائشة على ما فعلت مع حفصة . . ؟
وهل الغيرة تدفع بأم المؤمنين إلى محاولة الانتحار بوضع رجلها في نبت تكثر فيه الهوام كالحيات وغيرها . . ؟
إن القرآن يكشف لنا أن رسول الله كان يخلف دائما النساء والصبيان والعجزة عند خروجه للغزو . وهو الدافع الوحيد لخروجه فلم يكن يخرج لسبب آخر فلم نسمع أن الرسول خرج للصيد أو التنزه فلم يكن لديه الوقت لمثل هذه الأمور والذي تؤكده كثير من الروايات أن مسؤوليات وتبعات الدعوة كانت ثقيلة عليه بحكم كونه خاتم الأنبياء . والإسلام هو خاتم الرسالات ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) . .
فهل رسول خاتم يحمل مثل هذه المسؤولية لديه وقت للهو مع النساء . . ؟
وهل يمكن لامرأة مثل عائشة أن تتدلل على الرسول إلى هذا الحد . . ؟
وهل الرسول بمثل هذه السذاجة بحيث تنطلي عليه حيلة حفصة فيأخذها وهي على بعير عائشة ويسلم عليها ولا يعرفها . . ؟
وتروي عائشة : فلما نزل برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المرض - ورأسه على فخذي غشي
* هامش *
( 60 ) المرجع السابق ( * )
- ص 37 -
عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال : اللهم الرفيق الأعلى . قالت عائشة قلت إذا لا يختارنا . . ( 61 )
هل طمعت عائشة في رسول الله إلى الحد الذي تريد أن تجعل الرسول يفضلها على الرفيق الأعلى ويختار جوارها على جواره . . ؟ كم حطت هذه الروايات من قدر الرسول وأهانته حتى وهو على فراش المرض جعل من فخذي عائشة وسادته
ولقد بلغ من خيال القوم في صنع مناقب عائشة أن جعلوا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يحلم بها وهو في مكة وربما من قبل أن تولد . .
تروي عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي : فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه . . ( 62 ) .
وإذا ما تبين لنا أن روايات عائشة لا تصرح بمناقب لها بقدر ما تعريها وتفضحها وتحط من قدر الرسول ومكانته أدركنا أن الهدف من هذه الروايات ليس هو عائشة في ذاتها وإنما الخط الذي سوف يتولد منها . وأدركنا أيضا حجم مكانتها وموقعها من الرسول وموقفه منها .
إن اختلاق مثل هذه الروايات ليدل على أن موقع عائشة من الرسول كان مهزوزا وأن موقف الرسول منها كان لا ينم عن الرضا عنها أو عن أبيها . فلو كان موقع عائشة من الرسول حسنا ما كانت هناك حاجة إلى خلق مثل هذه الروايات التي تسئ إليها قبل أن تسئ للرسول .
ولترك الأمر للأطراف الأخرى تروي محاسنها وتصف موقعها وتعدد مناقبها . لكن الأمر كما هو واضح أمامنا هو من اختلاق عائشة أو اختلق على لسانها . . وهذا الأمر ندركه بقليل من التأمل في مناقب خديجة فقد جاء على لسان الإمام
* هامش *
( 61 ) البخاري ومسلم .
( 62 ) مسلم فضائل عائشة والبخاري . . ( * )
- ص 38 -
علي أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير نسائها مريم بنت عمران . وخير نسائها خديجة بنت خويلد ( 63 ) .
ويروي أبو هريرة : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ( 64 ) .
وتروي عائشة : بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة ( 65 ) .
ويروى أيضا : أن الرسول إذا ذبح الشاة يقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة فأغضبته يوما فقلت خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد رزقت حبها ( 66 ) .
فهاهي مناقب خديجة تروى على لسان الآخرين حتى على لسان عائشة نفسها وهاهي الروايات تثبت أن خديجة أفضل من عائشة . .
وهاهو الرسول يبشرها ببيت في الجنة ولم يبشر عائشة .
وهاهو الرسول بعد موتها يظل وفيا لذكراها ويكرم خلانها وأقربائها حتى أدى الأمر إلى غضب عائشة . .
وهاهو الرسول يصرح أنه قد رزق حبها .
وها هو جبريل يقرأها السلام من الله سبحانه من قبل أن يتزوج الرسول بعائشة وبمقارنة النصوص الواردة في خديجة والروايات التي ترويها عائشة عن نفسها يتبين لنا صحة مناقب خديجة وبطلان مناقب عائشة .
كما يتبين لنا عظيم مكانة خديجة وموقعها من الرسول وضعف موقف عائشة ( 67 ) .
لقد كانت عائشة صغيرة السن وقد تركها الرسول وعمرها ثمانية عشر عاما .
* هامش *
( 63 ) مسلم فضائل خديجة أم المؤمنين . . وتأمل فضائل فاطمة أيضا . .
( 64 ) المرجع السابق . .
( 65 ) المرجع السابق .
( 66 ) المرجع السابق . .
( 67 ) تأمل فضائل زوجات النبي الآخريات وقارن
بينها وبين فضائل عائشة . . ( * )
- ص 39 -
فكيف يمكن لمن في مثل سنها أن ترث كل هذا العلم الذي ينسبونه إليها وقد قضت سني بلوغها مع الرسول في شكل وغيرة وغرام كما تحكي الروايات على لسانها ؟ .
وكيف يمكن للرسول أن يأتمن امرأة في مثل هذا السن على علم السماء ؟ أليس هذا يتناقض مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم : لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ( 68 ) .
وقد قيل عنها أنها روت عن الرسول أربعين ألف حديث فكيف وعت كل هذا الكم من الأحاديث عن الرسول في فترة البلوغ القصيرة التي قضتها مع الرسول . ؟ .
إن مثل عائشة كمثل أبي هريرة كلاهما روى كما هائلا من الأحاديث على لسان الرسول في مدة تثير الشك في هذا الكم ومدى تناسبه مع فترة معايشتهم . إن الأمر على ما يبدو يتجاوز عائشة وأبو هريرة . إنه خط يريد أن يفرض على الأمة من
خلالهما مما سوف يتضح عند استعراضنا موقف عائشة من الإمام علي وإن محاولة إرجاع موقف عائشة العدائي من الإمام إلى حادث الإفك وقول الإمام للرسول ( تزوج يا رسول الله إن النساء كثيرات ) إنما هو تسطيح لحقيقة الموقف وجذوره .
فقد وقفت عائشة من بعد وفاة الرسول إلى جوار أبيها ضد الإمام وأنصاره من الصحابة وضد فاطمة التي اصطدمت بأبيها بسبب ميراث الرسول وقاطعته وتوفت غاضبة عليه . . ولا شك أن الإمام كان يمثل خط آل البيت الذي اصطدم بجبهة القبليين والمنافقين بعد وفاة الرسول بسبب الخلافة .
وعندما يتبين لنا أن عائشة كانت تقف في صف الجبهة المناوئة للإمام تتكشف لنا جذور موقفها العدائي منه . . ودور عائشة في مواجهة الإمام إنما برز بشكله السافر في عهد الإمام وبعد مقتل عثمان . فلم تكن هناك حاجة لبروزها في عهد أبيها
وعهد عمر من بعده لسيادة الخط القبلي واختفاء خط الإمام . وبعد سيادة الخط الأموي بعد مرحلة صفين استثمرت مواقف عائشة من الإمام
* هامش *
( 68 ) البخاري . كتاب المغازي . باب كتاب النبي إلى كسرى وقيصر . ( * )
- ص 40 -
كما استثمرت مكانتها كزوجة للرسول في إضفاء المشروعية على هذا الخط عن طريف إسباغ الفضائل عليها واختراع الروايات على لسانها كما استثمرت شخصية أبو هريرة وابن عمر من بعد ( 69 ) .
ومما سبق يتبين لنا أن اختصاص عائشة برواية أحاديث احتضار الرسول أمر مستهدف له غاية محددة هي ضرب وصية الرسول وتوجيهاته الحقيقية التي أدلى بها قبل وفاته كي تهتدي بها الأمة .
فعائشة تتوافر بها كل المقومات اللازمة لدعم خط بني أمية في مواجهة خط آل البيت . هذه المقومات التي تتمثل فيما يلي :
- قربها من الرسول .
- كراهيتها للإمام علي . .
- كونها ابنة أبي بكر الخليفة الأول . .
- مواقفها مع زوجات الرسول . .
- صغر سنها .
وبالطبع ليس هناك من بين زوجات النبي من تتوافر بها هذه المقومات سوى عائشة فمواقفها وممارستها في حياة الرسول والتي نزل القرآن يؤكدها رشحتها للقيام بهذا الدور . . ( 70 ) من هنا يتبين لنا أن التركيز على روايات عائشة الخاصة
بوفاة الرسول لن يقودنا إلى الحقيقة التي نبحث عنها وسوف يؤدي بنا إلى التعتيم على الخط الآخر خط آل البيت الذي يقول بالوصية والمناهض لبني أمية والخلفاء . .
* هامش *
( 69 ) أنظر لنا فقه الهزيمة فصل الرجال وتتبع سيرة ابن عمر وأبو هريرة في كتب السسن وكتب التاريخ .
( 70 ) أنظر تفسير سورتي الأحزاب والتحريم في كتب التفسير ويروي البخاري أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أشار إلى بيت عائشة وقال : هاهنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن شيطان انظر باب ما جاء في بيوت أزواج النبي . وانظر مسلم ج8 / 183 .
وانظر روايات تنبح عليك كلاب الحوأب يا عائشة . والحوأب بئر ماء في طريق البصرة حين سارت لقتال علي أنظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي . . ( * )
- ص 41 -
وهذا يقودنا إلى تقصي الروايات الأخرى التي تتعلق بوفاة الرسول والتي رويت من جهات أخرى غير جهة عائشة . .
يروى أن العباس جاء إلى النبي في وجعه الذي توفي فيه فقال على ما تريد ؟ فقال العباس : أريد أن أسال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يستخلف منا خليفة . فقال علي : لا تفعل . قال : ولم . قال أخشى أن يقول لا فإذا ابتغينا ذلك من الناس قالوا : أليس قد أبى رسول الله . . ؟ ( 71 )
وسئل علي : أخصكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بشئ ؟ فقال ما خصنا رسول الله بشئ لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا . قال . فأخرج صحيفة مكتوب فيها : لعن الله من ذبح لغير الله . ولعن الله من سرق منار الأرض . ولعن الله من لعن والده . ولعن الله من آوى محدثا . . ( 72 )
وفي رواية ما عهد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شيئا خاصا من دون الناس . إلا شئ سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي . قالوا : فلم يزالوا به حتى أخر الصحيفة قال فإذا فيها : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين . لا يقبل منه حرف ولا عدل . قال وإذا فيها أن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة . حرم ما بين حريتها وحماها كله . لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها . ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها . ولا تقطع منها شجرة إلا أن
يعلف رجل بعيره ولا يحمل فيها السلاح لقتال . قال وإذا فيها : المؤمنون تتكافؤ دماءهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم . ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده . . . ( 73 )
وفي روايات أخرى يأتي السؤال بصيغة أخبرنا بشئ أسره إليك رسول الله . أو ما كان النبي يسر إليك . أو أفشئ عهده إليك رسول الله . . ( 74 )
* هامش *
( 71 ) طبقات ابن سعد ص 2
( 72 ) مسلم كتاب الأضاحي باب 8 . ومسند أحمد .
( 73 ) مسند أحمد ص 1 / 119 .
( 74 ) أنظر مسلم كتاب الأضاحي . . ( * )
- ص 42 -
وفي رواية البخاري سئل الإمام علي عما تركه له الرسول فقال كتاب الله وهذه الصحيفة . فقيل وما في هذه الصحيفة قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر . . ( 75 )
وسئل عبد الله بن أبي أوفى . أوصى النبي ؟ قال : لا . فقلت : كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها ؟ قال : أوصى بكتاب الله . . ( 76 )
ويروى أن الذين غسلوا الرسول بعد وفاته ثلاثة علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد . وكان علي يغسله والفضل وأسامة يحجبانه . . ( 77 )
وفي رواية علي والعباس والفضل . . ( 78 )
ويروى أن الرسول فاضت روحه بين يدي علي . ( 79 )
يروي ابن عباس : والله لتوفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه لمستند إلى صدر علي وهو الذي غسله وأخي الفضل بن عباس . ( 80 )
ويروي : قال رسول الله في مرضه : أدع لي أخي . فدعى له عليا . فقال : أدن مني . فدنوت منه . فاستند إلي فلم يزل مستندا إلي وأنه ليكلمني حتى أن بعض ريق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليصيبني . ( 81 )
ويتضح لنا من خلال هذه الروايات أن بعضها يناقض روايات عائشة والبعض الآخر يعطينا مدلولات جديدة لم تشر إليها روايات عائشة كما أن هناك روايات منها
* هامش *
( 75 ) البخاري . كتاب العلم . وانظر كتاب فضائل القرآن .
باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين .
( 76 ) البخاري كتاب المغازي . باب 83 .
( 77 ) أنظر طبقات ابن سعد ج2 / 52 وما بعدها .
( 78 ) المرجع السابق . .
( 79 ) طبقات ابن سعد ج2 / 52 وما بعدها . .
( 80 ) المرجع السابق . .
( 81 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 43 -
إما الروايات التي تناقض روايات عائشة فهي الروايات التي تتحدث عن تغسيل الإمام علي للرسول ووفاته بين يديه . . ويلاحظ أن هذه الروايات لم تروها كتب الصحاح مثل البخاري ومسلم . وإنما رواها ابن سعد في طبقاته وأحمد في مسنده والطيالسي ، وغيرهم .
أما الأحاديث التي روتها عائشة فقد رواها البخاري ومسلم . والهدف من وراء هذا الأمر هو دفع المسلمين إلى تبني موقف عائشة أو بمعنى آخر تبني الخط الأموي والتشكيك في خط آل البيت حيث أن البخاري ومسلم محل ثقة المسلمين لصحة أحاديثهما وإجماع الأمة عليهما .
والحق أن تقديم البخاري ومسلم على غيرهما من كتب الأحاديث إنما هي قضية سياسة في المقام الأول ولا صلة لها بالشرع . فهذان الكتابان يخدمان خط بني أمية وخط الحكام ويعاديان خط آل البيت وإن كان موقف البخاري أشد عداءا من موقف مسلم . إلا أن موقف مسلم أشد عداءا من الكتب الأخرى . . ( 82 )
والباحث في مسألة الاجماع على صحة هذين الكتابين سوف يتبين له أن مسألة الاجماع هذه مشكوك فيها . . ( 83 ) إلا أن هذا لا يعني أن هناك أحاديث صحيحة في كتب الأحاديث غير البخاري ومسلم وعلى رأسها حديث غدير خم المذكور سابقا والذي رواه أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم . .
من هنا فإننا بمناسبة الحديث عن البخاري ومسلم نتوجه بالدعوة إلى الفقهاء والمتخصصين من أهل الحديث والأثر إلى العمل على جمع الأحاديث الصحيحة كلها في كتاب واحد بما فيها البخاري ومسلم والأحاديث الواردة بطرق آل البيت المعمول بها
عند الشيعة الإمامية مع ملاحظة ضبط هذه الأحاديث بالقرآن بحيث يتم استثناء الأحاديث المتناقضة معه . فهذه هي الخطوة الأولى والأساسية على طريق الوحدة الإسلامية . .
* هامش *
( 82 ) أنظر لنا فقه الهزيمة فصل السنة . وانظر تأملات في الصحيحين ط بيروت .
( 83 ) أنظر أضواء على السنة المحمدية ط القاهرة والمرجعين السابقين . . ( * )
- ص 44 -
ونعود إلى الروايات التي نحن بصددها فنقول أن الروايات التي تكشف لنا تساؤلات القوم حول وصية الرسول واختصاص الإمام علي بها إنما تعطينا مدلولا هاما وهو أن هناك وصية يحاول البعض التعتيم عليها فيختلقون الروايات على لسان الإمام التي تنفي هذه الوصية .
وليس من المقبول عقلا أن الإمام علي المشهود له من قبل جميع الأطراف بوافر العلم وهو الذي قال فيه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أنا مدينة العلم وعلي بابها . . ( 84 ) ليس من المقبول عقلا أن يكون ميراثه العلمي من الرسول هو تلك
الأمور الشكلية مثل فكاك الأسير وعدم قتل المسلم بالكافر والقصاص بينما نجد واحدة مثل عائشة يقول فيها ابن حجر أنها حفظت عن الرسول شيئا كثيرا فأكثر الناس الأخذ عنها ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئا كثيرا حتى قيل أن ربع الأحكام
الشرعية منقول عنها . . ( 85 ) وليس من المعقول أن واحدا مثل أبو هريرة أو ابن عمر يرثان من علم رسول الله ما يفوق الإمام بنسبة لا تجعل هناك مجالا للمقارنة . . ( 86 ) إن مثل هذا الأمر يثير الشك في نفوس العقلاء . غير أن تقص حركة
الرسول وعلاقة الإمام علي به سرعان ما تكشف لنا أن رفع عائشة وابن عمر وأبو هريرة على حساب الإمام إنما هي مسألة سياسية من صنع بني أمية . . والمدقق في خط بني أمية الذي تحول فيما بعد إلى أهل السنة والجماعة يتبين له أن هذا الخط
يرتكز على هذه الشخصيات الثلاثة . . وليس من المعقول أيضا أن يترك الرسول الأمة بلا وصية فهذا الأمر يناقض القرآن الذي جاء به ويخل بمهمته ودوره كرسول خاتم .
* هامش *
( 84 ) رواه ابن المغازلي في مناقبه . والخطب في تاريخ بغداد . والترمذي بلفظ أنا دار الحكمة وعلي بابها . .
( 85 ) فتح الباري ج7 / 107 شرح فضائل عائشة .
( 86 ) أنظر أضواء على السنة . وانظر هدى الساري مقدمة شرح البخاري لابن حجر وفيه إحصائية بكم الأحاديث التي رواها كبار
الصحابة .
ويتضح من هذه الإحصائية أن عائشة روت ( 242 )
وأبو هريرة روى ( 446 )
وابن عمر روى ( 270 )
بينما روى الإمام علي ( 29 ) وفاطمة حديثا واحدا . . ( * )
- ص 45 -
فالقرآن يقول : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المؤمنين ) ( 87 ) فهل يجوز للرسول أن يخالف القرآن الذي جاء به وهو يأمر بالوصية . . ؟
وإذا كانت الوصية واجبة في حق المؤمنين فيما يتعلق بالأموال والتركات وما يتعلق بالمصالح الدنيوية . أفلا تكون واجبة فيما يتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين ؟
يروي البخاري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده . . ( 88 )
فهل الرسول يناقض نفسه يأمر بالوصية ولا يطبقها . . ؟
وأيهما نصدق القرآن والرسول أم هؤلاء الذين ينكرون وجود الوصية من الصحابة وفقهاء التبرير . . ؟
إن المتتبع لحركة الرسول سوف يجد أنه كان يطبق الوصية في كل مناسبة تقتضي تطبيقها . في الغزوات والعلاقات الشخصية وحين الموت . . وقد أوصى الرسول للإمام علي في المدينة حين خرج في غزوة تبوك . . وأوصى أبا بكر
ليصلي بالناس في مرضه . . وأوصى بلعن بناة القبور في المساجد . . وأوصى بالنساء في حجة الوداع . . وأوصى بالأنصار قبل وفاته . . فإذا كان يوصي بمثل هذه الأمور التي جاءت بها روايات القوم وهو على قيد الحياة .
أليس هذا دليلا على كونه قد وضع الوصية نصب عينيه . ؟ .
* هامش *
( 87 ) البقرة آية رقم 180 . .
( 88 ) البخاري كتاب الوصايا . ( * )
- ص 46 -
وإذا كان فد خلف عليا في المدينة وهو في غزوة سوف يعود منها . أليس من الأولى أن يستخلف وهو راحل عن الدنيا . ؟ .
إن فقهاء التبرير ليخوضون في مثل هذه المواقف والممارسات ويحاولون طمس معالمها وتبديد أهدافها بتبريرات وتأويلات واهية تصطدم بالعقل كما تصطدم بالنصوص بهدف الحفاظ على خط ورثوه عن أسلافهم واعتبروه من صلب العقيدة . .
sweet girl
03-17-2008, 08:42 AM
المحطة الثانية السقيفة
احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة . . . . الإمام علي
- ص 49 -
تعد مرحلة السقيفة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مرحلة سيادة الخط القبلي على واقع المسلمين .
فقد أخذ هذا الخط امتداده وشرعيته من تلك المرحلة متسترا بستار الشورى . . إن الراصد لما دار في السقيفة يتبين له بوضوح أن الأمر كان أبعد ما يكون عن الشورى وإنما هو في الحقيقة أشبه بالانقلاب على خط واضح الملامح وضع أسسه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومن السذاجة تصور أن معاوية حمل راية المواجهة ضد الإمام دون أن يستند إلى ركائز ثابتة تؤهله برفع هذه الراية . وهذه الركائز إنما كانت تقوم على أساس الواقع القبلي الذي فرض في مرحلة السقيفة واستمر حتى عصر الإمام علي . .
كلمة التاريخ
يروي شهاب الدين النويري أحداث السقيفة قائلا : وكان من خبر سقيفة بني ساعدة أنه لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وقالوا : نولي هذا الأمر بعد رسول الله سعد ابن عبادة . وأخرجوا سعد إليهم
وهو مريض . فلما اجتمعوا قال سعد لأبيه أو لبعض بني عمه : إني لا أقدر أشكو أي أن أسمع القوم كلهم كلامي . ولكن تلق مني قولي فاسمعوه . فكان سعد يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع به صوته . فيسمع أصحابه . فقال بعد أن حمد الله وأثنى
عليه : يا معشر الأنصار . إن لكم سابقة في الدين . وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب . إن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عباده الرحمن وخلع الأوثان . فما آمن به من قومه إلا رجال قليل .
والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله . ولا أن يعزوا دينه . ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عموا به . حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة . وخصكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه . والإعزاز له ولدينه
والجهاد لأعدائه . فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها . وأعطى البعيد المفادة صاغرا داخرا وحتى أثخن الله
- ص 50 -
لرسوله بكم الأرض . ودانت بأسيافكم له العرب . وتوفاه الله إليه وهو عنكم راض . وبكم قرير العين . استبدوا بهذا الأمر دون الناس . فإنه لكم دون الناس . . فأجابوه بأجمعهم . أن قد وفقت في الرأي . وأصبت في القول . ولن نعدو ما رأيت .
نوليك هذا الأمر فإنك فينا رفيع . ولصالح المؤمنين رضا . . ( 1 ) وتجنبا للصدام مع المهاجرين طرح بعض الأنصار فكرة المشاركة في الإمارة . من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير . وكان رد زعيمهم سعد بن عبادة هذا أول الوهن . . ( 2 )
كان هذا هو موقف الأنصار أما موقف المهاجرين فيظهر لنا من خلال تحرك عمر الذي تزعم حركة المهاجرين في مواجهة الأنصار . .
يروي النويري أن عمر لما أتاه الخبر ذهب إلى أبي بكر فوجده مشغولا ( * ) . فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره . فخرج إليه فقال : أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولي هذا الأمر سعد بن
عبادة . وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومنكم أمير . فخرجا مسرعين نحو السقيفة وجمعا في طريقهما عددا من المهاجرين وتنازعوا بين الذهاب ، أو حسم الأمر بينهم دون الأنصار . ثم قرروا الذهاب . . قال عمر : والله لنأتينهم . .
وخطب أبي بكر في أهل السقيفة قائلا : إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أواسط العرب دارا ونسبا . . وصاح أحد الأنصار : منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . . وارتفعت الأصوات وكثر اللغط . وهنا أصدر عمر قراره لأبي بكر : أبسط يدك
* هامش *
( 1 ) أنظر نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري .
( 2 ) أنظر فتح الباري شرح البخاري ج 7 / 30 وما بعدها و ج13 / 206 وما بعدها وانظر كتب التاريخ .
( * ) لم تكف لنا الروايات ما كان مشغولا به أبو بكر في بيتة بينما الرسول يجهز . للدفن الإمام علي . ( * )
- ص 51 -
نبايعك : فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون . وبايعه الأنصار . ثم نزوا على سعد . حتى قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة . فقال عمر : قتل الله سعدا . وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر أنا خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة . فإما أن نبايعهم على ما نرضى . أو نخالفهم فيكون فشل . . ( 3 )
وهناك روايات أخرى تنص على تصريحات أخرى لأبي بكر وعمر والأنصار كل في مواجهة الآخر يقول فيها أبو بكر : إن قريشا أحق الناس بهذا الأمر من بعد الرسول لا ينازعهم ذلك إلا ظالم . فنحن الأمراء وأنتم الوزراء . لا تفاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور . . ( 4 )
أما تصريح الأنصار في مواجهة المهاجرين فقد حمله الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار . املكوا على أيديكم . فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم . ولن يجترئ مجترئ على خلافكم . ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم . وأنتم أهل
العزة والثروة وأولوا العدد والتجربة . وذوو اليأس والنجدة . وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون . فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم . وتنتقض أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم . فمنا أمير ومنهم أمير . . ( 5 )
وكان رد عمر أكثر عنفا . قال : هيهات ؟ لا يجتمع اثنان في قرن . إنه والله لا يرضى العرب أن يؤمروكم ونبيها ( صلى الله عليه وسلم ) من غيركم . ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم . ولنا بذلك
على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين . من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته . ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة . . ورد الحباب على عمر بلغة أشد عنفا فقال : يا معشر الأنصار . املكوا
على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر . فإن أبوا عليكم ما سألتموه . فاجعلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور . فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم . فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين .
* هامش *
( 3 ) أنظر المراجع السابقة ومروج الذهب للمسعودي والبداية والنهاية لابن كثير . .
( 4 ) المراجع السابقة . .
( 5 ) المراجع السابقة . . ( * )
- ص 52 -
ورد عمر : إذن يقتلك الله . . ورد الحباب : بل إياك يقتل . . ( 6 ) وصاح صوت من المهاجرين ( أبو عبيدة ) : يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر . فلا تكونوا أول من بدل وغير . . ( 7 )
وطالب بشير بن سعد من الأنصار قومه بالتخلي عن هذا الأمر لقريش ابتغاء وجه الله . وقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا . ( 8 )
ورجح عمر وأنصاره كفة أبي بكر وقدموه للخلافة وحدث صدام بين الأنصار بسبب مبايعة بعض الأنصار له . وتحركت الأوس لمبايعة أبي بكر حتى تفوت الفرصة على الخزرج بزعامة سعد بن عبادة . ودخلت قوات قبيلة أسلم الموالية لأبي بكر المدينة وسيطرت على دروبها ومسالكها ولما رآها عمر قال في فرح : ما هو إلا أن رأيت أسلم . فأيقنت بالنصر . . ( 9 )
ويروى أن الناس أقبلوا من كل جانب يبايعون أبا بكر . وكادوا يطئون سعد بن عبادة . وقال ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعدا لا تطئوه . قال عمر : اقتلوه . اقتلوه . . قتله الله . ثم قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك . . فأخذ قيس بن سعد . بلحية عمر ثم قال : والله لو حصصت منها شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة . . ( 10 )
ويروي ابن عبد البر : وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش ثم بايعوه بعد غير سعد ( 11 )
* هامش *
( 6 ) المراجع السابقة . .
( 7 ) المراجع السابقة . .
( 8 ) المراجع السابقة . .
( 9 ) أنظر مروج الذهب والإمامة والسياسة لابن قتيبة وتاريخ اليعقوبي . . .
( 10 ) المراجع السابقة . .
( 11 ) أنظر الإستيعاب هامش الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر . . ( * )
- ص 53 -
وكان عمر يحرض أبي بكر على سعد ليجبره على البيعة فقيل له : أنه ليس يبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته . فتركوه . . ( 12 )
* هامش *
( 12 ) أنظر مروج الذهب . .
sweet girl
03-17-2008, 08:43 AM
موقف الإمام علي
كان هذا العرض التاريخي على جانب الأنصار وقطاع من المهاجرين القريشيين . إلا أنه هناك جانب آخر من قريش كان بعيدا عن السقيفة . وهذا الجانب يملك رصيدا أقوى من رصيد قطاع أبو بكر وعمر ومن تابعهما . يملك رصيدا شرعيا .
ويملك رصيدا جماهيريا . . ويملك رصدا تاريخيا . ويملك وزنا أكبر في قريش . . ذلك الجانب هو جانب الهاشميين بزعامة آل بيت النبي والذي كان مشغولا بتجهيز الرسول للدفن بينما القوم يتصارعون في السقيفة . .
ويروى في نهج البلاغة أن عليا سأل عما حدث في السقيفة . فقال : ماذا قالت قريش . ؟ قالوا : احتجت قريش بأنها شجرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال علي : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ( 13 )
وتروي كتب التاريخ روايات تشير إلى صدامات وقعت بين جناح الهاشميين بقيادة الإمام علي وجناح القريشيين بقيادة عمر بن الخطاب . وكان الصدام الأول بين فاطمة وبين أبي بكر حين طالبته بميراث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في فدك ورفضه طلبها محتجا بحديث رواه هو . .
* هامش *
( 13 ) المراجع السابق . والمقصود بالثمرة آل البيت . . . ( * )
- ص 54 -
يقول أبو بكر : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نحن معشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة . ( 14 )
ومن المعروف أن فاطمة خاصمت أبي بكر وهجرته غاضبة حتى ماتت فدفنها علي ( ع ) ليلا في خفية عن القوم . وكانت وفاتها بعد وفاة الرسول بستة أشهر . . ( 15 ) .
وكما كان عمر يحرض أبي بكر على سعد . أصبح يحرضه على علي ويطالبه بحسم الأمر معه وإجباره على البيعة له لما يشكله موقفه من خطورة على استقرار الحكم القبلي الذي أرسى دعائمه ويعد نفسه لقطف ثمرته . . إن عليا لم يكن وحده
فقد كان معه بني هاشم وكثير من العناصر الفاعلة في المجتمع المدني من الأنصار والمهاجرين مثل العباس وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبلال بن رباح والمقداد وجابر بن عبد الله وابن عباس وغيرهم . .
وتروي الروايات أن عمر هم بإحراق بيت فاطمة الذي كان مقرا للقطاع المعارض لحكم أبي بكر بقيادة الإمام علي ( 16 ) ويبدو أن ممارسات عمر هذه قد زادت من حدة العداء بينه وبين الإمام علي .
يروي الطبري أن عليا أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد ( يقصد عمر ) . . فقال عمر لأبي بكر : والله لا تدخل عليهم وحدك . .
* هامش *
( 14 ) أنظر مسلم كتاب الجهاد والسير والبخاري
( 15 ) أنظر فتح الباري ب 7 / 105 . . وانظر تفاصيل الصدام بين فاطمة وأبي بكر في البداية والنهاية لابن كثير ج6. وكتب التاريخ الأخرى . وكان الهدف عن حجب ميراث فاطمة هو محاصرة آل البيت اقتصاديا من أجل إضعافهم . ومما يدل على أن موقف أبو بكر هذا نابع من القبلية والسياسة أن عمر بن عبد العزيز رد ميراث فدك لآل البيت . ويلاحظ أن موقف أبو بكر هنا مخالف لنصوص القرآن مثل قوله تعالى ( وورث سليمان داود ) وقوله ( يرثني ويرث آل يعقوب ) . . .
( 16 ) - أنظر تاريخ الطبري ج3 / 198 والملل والنحل للشهرستاني ج1 / 75 والإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 / 12 .
وتاريخ أبي الفداء ج1 / 56 واليعقوبي 2 / 105 . . ( * )
- ص 55 -
فقال أبو بكر : وما عساهم أن يفعلوا بي . . والله لآتينهم إلا منفردا . . فدخل أبو بكر على بني هاشم وفيهم علي والعباس . فاستقبلوه استقبالا حسنا . ( 17 )
ويروي المسعودي : ولما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجددت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة خرج علي فقال : أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر . ولم ترع لنا حقا . . فقال أبو بكر : بلى . ولكني خشيت الفتنة . وكان للمهاجرين والأنصار يوم
السقيفة خطب طويل . ومجاذبة في الإمامة . وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع . فصار إلى الشام . فقتل هناك في سنة خمس عشرة . وليس كتابنا هذا موضعا لخبر مقتله . ولم يبايع أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة ( 18 ) .
وينقل في كتب التراجم والتاريخ الكثير من الروايات التي تنسب لأبي بكر وعمر وعمر بن العاص وابن عمر وغيرهم وذلك في وقت الاحتضار وهم على مشارف الموت . تلك الروايات التي تشير إلى ندمهم الشديد على ما اقترفوه في حياتهم بسبب السياسة .
يروي المسعودي عن أبي بكر : ولما احتضر قال : ما آسى على شئ إلا على ثلاث فعلتها وددت أني تركتها . وثلاث تركتها وددت أني فعلتها . وثلاث وددت أني سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها : فأما الثلاث التي وددت أني تركتها :
فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة وذكر في ذلك كلاما كثيرا . وودت أني لم أكن قد حرقت الفجاءة وأطلقته نجيحا أو قتلته صريحا . ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميرا وكنت وزيرا .
* هامش *
( 17 ) أنظر تاريخ الطبري . .
( 18 ) أنظر الطبري ومروج الذهب - للمسعودي . . ( * )
- ص 56 -
والثلاث التي تركتها ووددت أني فعلتها : وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه . فأنه قد خيل لي أنه لا يرى شرا إلا أعانه . ووددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب . فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله .
وودت أني يوم جهزت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا . وإن كان غير ذلك كنت صدق اللقاء أو مددا . والثلاث التي وددت أني سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها . وددت أني كنت سألته في من هذا الأمر فلا
ينازع الأمر أهله . ووددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منها حاجة . ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه . ( 19 )
ولم يكن الصراع على الحكم ينحصر بين الأنصار وبين قطاع أبو بكر وعمر من المهاجرين إنما كانت هناك قطاعات أخرى تتطلع إلى الحكم من قريش على رأسها قطاع السفيانيين الذين تزعمهم أبو سفيان بن حرب الذي فقد سلطانه ونفوذه بعد فتح مكة . . ولم يكن أمام أبو سفيان الذي لا توجد له شوكة في المدينة سوى تحريض الإمام علي على المجتمعين في السقيفة . .
يروي الطبري أن أبا سفيان قال للإمام : ما بال هذا الأمر ( الخلافة ) في أذل قبيلة من قريش وأقلها . والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا . . وكان جواب الإمام : ما زلت عدوا للإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا . والله ما أريد أن
تملأها عليه خيلا ورجالا ولو رأينا أبا بكر لذلك أهلا ما خليناه وإياها . يا أبا سفيان إن المؤمنين قوم نصحه بعضهم لبعض متوادون . وإن بعدت ديارهم وأبدانهم وأن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض . . ( 20 )
* هامش *
( 19 ) أنظر مروج الذهب .
( 20 ) أنظر الطبري ج2 / 449 الإستيعاب لابن عبد البر . ( * )
- ص 57 -
ويروي الطبري أيضا أن الإمام علي سارع ببيعة أبي بكر ولزم مجلسه وهناك روايات أخرى تقول أنه بايع بعد ستة أشهر وبايع بعده شيعته من الصحابة . . ( 21 )
يقول الإمام : فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام . يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدفا تكون المصيبة به علي أعظم من موت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه . . ( 22 )
ومثل هذه الروايات التي تتحدث عن بيعة الإمام لأبي بكر سواء كانت قبل ستة شهور أو بعد هذه المدة أو حتى بعد دفن الرسول مباشرة .
إنما تؤكد حقيقة واحدة وهي أن الإمام كان له موقف مما جرى بالسقيفة بشكل عام ومن أبي بكر وعمر بشكل خاص .
إن تسامح الإمام في أمر البيعة لا يعني تخليه عن موقفه الفكري والعقائدي تجاه هذا الخط القبلي الذي بدأت توضع قواعده أمامه . فهذا التسامح لا يخرج عن كونه موقفا سياسيا في مواجهة الأمر الواقع .
فالإمام لم يتنازل عن قضيته ولكن تنازل عن شخصه من أجل حفظ قضيته التي تعكس الجوهر الحقيقي للإسلام . . لقد كان الإمام مخير بين أن يتنازل عن إمامته من أجل الحفاظ على الإسلام أو يصطدم الواقع وتكون النتيجة خسارة الإسلام وخسارة الإمامة فقد كانت جيوب المنافقين بالمجتمع المدني قوية وكانت القبلية مستشرية . هذا على مستوى الداخل .
أما على مستوى الخارج فكانت هناك قوى الروم والفرس تتربص بالمسلمين . . إن الانحراف في عصر أبي بكر لم يكن كبيرا إلى الحد الذي يستفز الإمام . ويؤرقه . إنما الانحراف الأكبر برز في عصر عثمان . وهنا تغير موقف الإمام .
* هامش *
( 21 ) أنظر الطبري . .
( 22 ) نهج البلاغة ح . . 1 / خطبة رقم 3 . ( * )
- ص 58 -
وتعايش الإمام مع عصر الخليفة الأول والثاني يبرهن به البعض على شرعية هذين العصرين حيث أن الإمام اعترف بشرعيتهما ولم يصطدم بهما . .
وفات هؤلاء إن هناك فرق بين التعايش والرضا . . وفات هؤلاء إن الإمام تعايش مع واقع الخلفاء تعايش العالم المتميز . تعايش العالم المدرك لحقائق الأمور حيث أنه قد نبأ من قبل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بتصورات الأحداث من بعده .
والبون شاسع بين من يفاجأ بظهور انحراف من جهة لم يكن يتوقع الانحراف منها . وبين من لعلم بحدوث هذا الانحراف مسبقا . . ومن بين الروايات التي تؤكد علم الإمام بهذه الحوادث . .
قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : يا علي . قاتلت على التنزيل وأنت تقاتل على التأويل . . ( 23 ) .
أي أن الرسول قاتل المشركين الذين كفروا بما أنزل عليه ورفضوا الاعتراف بنبوته أما علي فسوف يقاتل المنتسبين لهذا الدين من المنافقين والمارقين الذين يؤولون النصوص ويستندوا إلى هذا التأويل في تبرير الانحراف والفساد ونسبته إلى الدين . .
وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : يأتي على الناس زمان يكون فيه حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون بقول خير البرية ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . لا يجاور إيمانهم حناجرهم تحقر صلاتك خلف صلاتهم إذا وجدتموهم فاقتلوهم . . ( 24 )
وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش . قال أبو هريرة الرواي إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان . . ( 26 )
* هامش *
( 23 ) أنظر مسند أحمد ج3 / 82 .
( 24 ) أنظر مسلم بشرح النووي ج3 . ( 26 ) أنظر البخاري كتاب الفتن والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا لم يصرح بهم أبو هريرة ؟ . وفي هذا النص إشارة إلى ردة الصحابة من بعد الرسول . أنظر أحاديث الحوض في البخاري . . ( * )
- ص 59 -
وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( 27 )
وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لعمار تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار ( 28 )
وحديث السر الذي كشفته عائشة وحفصة في سورة التحريم ذلك السر الذي كان يتعلق بموقف كلا من أي بكر وعمر بعد وفاة الرسول . . ( 29 ) .
إن مثل تلك الروايات إنما تشير إلى أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد أجلى الأمور أمام الأمة وحدد لها معالم الانحراف عن خط الإسلام . وهي تشير أيضا إلى أن هناك الكثير من الصحابة الذين كانت لديهم دراية بأخبار الحوادث التي سوف تقع بعد وفاة الرسول مثل حذيفة . . ( 30 )
ومن المعروف أن الإمام علي لم يشهر سيفا بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إلا على أهل القبلة وقد شهر هذا السيف في وجه عائشة والزبير وطلحة ومعاوية وابن العاص والخوارج . وهذا كله يشير إلى أن لديه علم خاص يبيح له
فعل ذلك . . كما أنه من المعروف أن جميع العقائد والاتجاهات التي خالفت خط الإمام علي وفي مقدمتها عقيدة أهل السنة قد قامت على التأويل . . ( 31 ) .
إن الإمام قد تعايش مع واقع رافض له غير راض عنه لا مستسلما له . وهو فوق ذلك له وضعه المتميز فيه والذي يتلائم مع مكانته وقدره ووزنه . وفد اتخذه كل من الخليفة الأول والثاني مستشارا شرعيا وسياسيا له . . يقول الإمام : أما والله لقد تقمصها فلان - أبو بكر - وإنه ليعلم أن محلي منها
* هامش *
( 27 ) المرجع السابق ( 28 ) أنظر مسلم ( 29 ) أنظر تفسير الكشاف للزمخشري وكتب التفسير الأخرى . .
( 30 ) أنظر رواية البخاري في حذيفة صاحب سر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتاب فضائل الصحابة .
ورواية كان الناس يسألون الرسول عن الخبر وكنت أسأله عن الشر . كتاب الفتن . وانظر المحطة الخامسة من هذا الكتاب .
( 31 ) أنظر لنا كتاب الخدعة . وكتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة . . وانظر المحطة الخامسة من هذا الكتاب . ( * )
- ص 60 -
محل القطب من الرحا ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جزاء أو أصبر طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن
الصبر على هاتا أحجى . فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا . أرى تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله فأدلى إلى فلان بعده - عمر - فيا عجبا . بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته . لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في
حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة أن أشنق لها خرم وأن أسلس لها تقحم . فمنى الناس - لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة وشدة المحنة . حتى
إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم . فيا لله وللشورى متى أعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه . ومال الآخر لصهره مع هن وهن . . ( 32 )
* هامش *
( 32 ) نهج البلاغة ج1 خطبة رقم 3 ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:43 AM
مناقشة الروايات
يبدو لنا من خلال رصد الروايات التي تدور حول أحداث السقيفة أن هناك الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تدور في الأذهان بمجرد قراءة هذه الروايات . . وسوف نعرض هنا لبعض الملاحظات حول هذه الروايات ونبدأ مناقشتنا لها على أساسها .
* الملاحظة الأولى : أن الأنصار أرادوا الاستئثار بأمر الخلافة وهم طائفة لا يمثلون جميع المسلمين . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : على أي أساس استند الأنصار في موقفهم هذا . . ؟ إن الأنصار لم يتحصنوا في موقفهم هذا بدليل شرعي محدد . فقط هم حاولوا أن يستثمروا مكانتهم ودورهم في إيواء الرسول ونصرته . . ولكن هل يعد هذا سببا كافيا لمطالبتهم بالخلافة . . ؟
- ص 61 -
ليس هناك من إجابة على هذا السؤال سوى أن الدافع القبلي قد تسلط على القوم حتى أدى في النهاية إلى انقسامهم وإضعاف شوكتهم بتحالف الأوس مع جناح أبو بكر وعمر مخافة أن تسيطر الخزرج على الأمر ويصبحون تحت إمرتها .
وهذا عمل قبلي في المقام الأول قدمت فيه الحسابات القبلية على الحسابات الشرعية . أو بمعنى أكثر وضوحا قدمت فيه مصلحة القبلية على مصلحة الدعوة . . وعلى الرغم من تبعات هذا الموقف من قبل الأوس وآثاره على وحدة المسلمين واستقرار المجتمع الإسلامي إلا أن الجناح القرشي بزعامة أبي بكر استقبله بالترحاب واستثمره لصالحه . .
* الملاحظة الثانية : أن عمر كان المحرك الفعلي للأحداث وبدا أبو بكر وكأنه تابع له . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا تصدى عمر للأمر وتخطى كبار المهاجرين وآل البيت . . ؟
هناك جواب جاهز عند البعض وهو أن عمر فعل ذلك من أجل الحفاظ على الدعوة وتأمين مستقبلها وينتفي عنه أي عرض آخر لعظيم مكانته عند الرسول بحكم النصوص الواردة فيه . . إلا أن الروايات تدحض هذا التصور وتشكك فيه . .
يروي البخاري : أن عمر طاف في المدينة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يصبح مقسما : والله ما مات رسول الله . والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك . وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم . وجاء أبو بكر فقال : أيها الحالف على رسلك . فلما تكلم أبو بكر جلس عمر . . ( 33 ) .
أن هذه الرواية تشير إلى أن عمر لم يكن يعتقد في وفاة الرسول ( صلى لله عليه وسلم ) وأنه حسب روايات أخرى - ذهب ليكلم ربه ويعود كما حدث لموسى . ونحن لن نناقش هنا مدى صحة هذا الاعتقاد وكيف طرأ على ذهن واحد مثل عمر وهو
من هو . إلا أن ما نريد توضيحه أن هذا الموقف من قبله يكشف لنا أن فكرة تبنيه موضوع الخلافة كانت فكرة طارئة عليه لم تكن تشغله بعد وفاة الرسول وإنما كان يشغله
* هامش *
( 33 ) أنظر البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر . ( * )
- ص 62 -
موت الرسول وبعثه وعودته حتى جاء أبو بكر فبصره بالأمر وتلى عليه قوله تعالى : ( ما كان محمد أبا أحدا من رجالكم أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( * ) . فقال عمر كأني أسمع هذه الآية لأول مره . ثم إنه سكن وهدأ وأتاه خبر السقيفة فهرع إلى هناك مصطحبا أبا بكر وأبا عبيدة بن الجراح . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان عمر غير مستوعب لنصوص القرآن التي تتنزل على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يدعي أن الرسول سوف يعود بعد وفاته ويتوعد من يقول بوفاته ؟
وإذا كان عمر بهذا المستوى من الفهم أفلا يشير هذا إلى أنه لم يفهم النصوص القرآنية الأخرى الواردة بشأن آل البيت والإمام علي ومستقبل الدعوة . . ؟
وإذا كان عمر قد تصدى لأمر الخلافة من باب المصلحة وكان متحمسا للأمر ويصول ويجول هنا وهناك من أجل أخذ البيعة لأبي بكر . فلماذا لم يكن صاحب المصلحة أبو بكر بنفس المستوى من الحماس ومن المفروض أن يكون حماسه يفوق حماس
عمر . وقد أشارت الروايات إلى أنه كان مشغولا وقت وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بشئ آخر لم توضحه الروايات . . وكان عمر يلح على طلبه بينما هو يتمنع حتى أعلمه بخبر السقيفة فانطلق معه . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : أي شئ كان يشغل أبو بكر غير تجهيز الرسول . . ؟ . وأي ما تكون الإجابة فإن الأمر المقطوع به أنه كان مشغولا بأمر غير الخلافة حتى جاء عمر فأحيا الفكرة في نفسه . .
ومن هنا يتضح لنا أن فكرة الخلافة كانت طارئة أيضا على أبي بكر كما كانت طارئة على عمر وهي لا تخرج عن كونها رد فعل لموقف الأنصار ومبادرتهم السريعة المفاجئة لقريش . .
* هامش *
( * ) سورة آل عمران . ( * )
- ص 93 -
لكن الأمر يوحي وكأن هناك طرف ثالث هو أحق بهذا الأمر ويتسابق كل من الأنصار والمهاجرين لكي يفوت عليه الفرصة . وليس هناك من تفسير لموقف عمر وتحالفه مع أبي بكر الطاعن في السن . ضد القطاعات الأخرى . سوى أن شخصية أبي
بكر كانت تتيح له ذلك . . تتيح له أن يتسلقها لكي يحقق مآربه . . وتتيح له التحصن بها في مواجهة الآخرين . . وعمر لم يكن يجرؤ على ترشيح نفسه للخلافة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لأن الظروف غير ملائمة لكنه ناولها لأبي بكر
ثم تناولها منه . . ولو كان عمر بهذه المكانة التي تضعه فيها الأحاديث لكان من الأولى له أن يتصدى لأمر الخلافة وهو القوي الشديد بدلا من رجل ضعيف كهل كأبي بكر . . ولو كان عمر بهذه المكانة ما ناطحته الأنصار وتطاولت عليه عندما
خطب فيهم . واحتد معه الحباب قائلا : لا تسمعوا مقالة هذا . وعندما قال له عمر : يقتلك الله . رد عليه : بل إياك يقتل . . وما أمسك قيس بن سعد بلحيته وهدده . . إن القوم بين أن يكونوا قد طغت عليهم القبلية فنسوا أخلاق الإسلام وتجاوزوها . أو
يكونوا أصحاب مقادير متساوية ووزن واحد ولا يملك كل منها ما يرجح به كفته على الآخر من نصوص الشرع . والراجح الأمرين معا . . وإذا كان عمر قد احتج على الأنصار بقوله : ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم .
فإن هذا القول يوجب عليه التنحي مع صاحبه وإفساح الطريق أمام أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإنهم أرقى بيوت قريش ، فلا هو ولا صاحبه يمثلان بيتا راقيا في قريش . وهذا هو ما استفز أبو سفيان ودفعه لتحريض الإمام بقوله : ما بال
هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها . .
وتأمل تعليق ابن حجر على قول عمر لسعد بن عبادة : اقتلوه . قتله الله . .
- ص 64 -
يقول ابن حجر : نعم لم يرد الأمر بقتله حقيقة . وأما قوله قتله الله فهو دعاء عليه وعلى الأول هو إخبار عن إهماله والإعراض عنه . وفي حديث مالك فقلت - عمر - وأنا فغضب : قتل الله سعدا فإنه صاحب شر وفتنة . . ( 34 )
إن ابن حجر بتعليقه هذا يسير على نهج التبرير والتأويل الذي يعتمده أهل السنة في مواجهة الحوادث والنصوص التي توقعهم في حرج شرعي . .
ويتمادى ابن حجر في تأويل كلام عمر وتبرير مواقفه هو وصاحبه قائلا : وتركوا لأجل أقامتها ( الخلافة ) أعظم المهمات وهو التشاغل بدفن الرسول حتى فرغوا منها . والمدة المذكورة - أي مدة تركهم الرسول والانشغال بالخلافة - زمن يسير في بعض يوم يغتفر مثله لاجتماع الكلمة . . ( 35 )
ويروي البخاري رواية تبريرية أخرى لمواقف عمر وممارساته في السقيفة . تقول الرواية : لقد خوف عمر الناس وأن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك . . ( 36 )
وقد جاءت هذه الرواية على لسان عائشة ابنة أبي بكر ومعنى هذا الكلام أن أسلوب العنف والإرهاب الذي مارسه عمر على الرافضين بيعة أبي بكر كان عملا حسنا حاز رضا الله ومعونته .
وعائشة بهذا تكون قد حكمت على كل الرافضين لخلافة أبي بكر من بني هاشم والأنصار وغيرهم بالنفاق .
ألا يعني مثل هذا الكلام مساسا بعدالة جميع الصحابة التي يعتقدها أهل السنة ويفسرون على ضوئها الأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بداية من السقيفة وحتى صفين . ؟ ( 37 )
* هامش *
( 34 ) أنظر فتح الباري شرح البخاري ص 7 / 32 .
( 35 ) المرجع السابق . .
( 36 ) البخاري كتاب فضائل الصحابة . باب فضل أبي بكر . .
( 37 ) أنظر كتاب العواصم من العواصم لأبي بكر بن العربي ، وهو كتاب يضفي صفة العدالة على جميع الصحابة ويقوم بتأويل النصوص الواردة في ذمهم وتبرير الأحداث التي ارتبطوا بها بما لا يمسهم وبما يخدم الخط الأموي . أنظر فتاوى ابن تيمية ج35 . وابن كثير البداية والنهاية . وانظر المحطات القادمة من الكتاب . . ( * )
- ص 65 -
* الملاحظة الثالثة : لماذا جاءت قبيلة أسلم إلى المدينة ومن الذي استدعاها . ولماذا أيقن عمر بالنصر فور رؤيتها . . ؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات يدفعنا إلى إلقاء الضوء على الجانب الأكثر أهمية في أحداث السقيفة . جانب التحول من الجدال والنقاش إلى فرض الرأي بالقوة المسلحة . . لقد كان دخول قبيلة أسلم إلى المدينة أشبه بالانقلاب العسكري وهو دخول
مرتب له من قبل بلا شك من قبل فريق عمر . . ويبدو أن الصراع بين فريق عمر وفريق الأنصار قد دخل طورا حرجا بحيث اهتزت كفه عمر وفريقه ورجحت كفة الأنصار أو من الممكن أن يكون الأنصار قد مالوا للإمام علي وحسموا الخلاف
بينهم . وعمر وفريقه ليس بذاك الوزن الفاعل في المدينة . فضلا عن كونه من الوافدين عليها مع المهاجرين هو لا يمثل كل المهاجرين ولا جميع قريش .
فهناك قطاع من المهاجرين مع الإمام . وهناك قطاع من قريش ينتظر النتيجة أو هو لا يعلم ما يجري هناك . ولعل هذا الوضع يفسر لنا قول عمر حين رأى قوات قبيلة أسلم تدخل المدينة الآن أيقنت بالنصر . وهذا بشير بصورة غير مباشرة أن عمر وفريقه هو الذي استدعى تلك القوات .
ألا يدل مثل هذا التصرف أن جانب عمر قد فقد ميزانه الشرعي والأخلاقي . كما يشير من جانب آخر إلى أن النصوص التي واجه فريق عمر فريق الأنصار بها هي نصوص من اختراع تلك المرحلة .
ولو كانت هذه النصوص صحيحة ومعترف بها ما نازعهم أحد ولكانت قد حسمت الصراع في مهده . . ويبدو أن اللغط والجدال حول أحقية أبي بكر بالخلافة قد امتد إلى فترات لاحقة مما استدعى الأمر إلى ضرورة اختراع أحاديث على لسان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) تحدد الخلافة لأبي بكر في صراحة ووضوح وترفع من مكانته . لينتج عنها صنع هالة
- ص 66 -
مقدسة حول أبي بكر تمنع المساس به أو الخوض في شخصه وتقطع الطريق أما أية محاولات لإعادة قراءة مرحلة السقيفة . . ( 38 ) ونفس هذا الأمر قد تم تطبيقه مع الخليفة الثاني حيث اخترعت له الكثير من المناقب التي رفعته حتى فوق الرسول نفسه أو ساوته به . . ( 39 )
وقاموا بنفس الأمر مع الخليفة الثالث غير أن ممارساته ومواقفه المخالفة للكتاب والسنة والمضرة بمصالح المسلمين قد فضحته وعرته . . ( 40 ) أما الإمام علي فقد فعلوا معه العكس من ذلك وبدلا من أن يضفوا عليه المناقب كما فعلوا
مع السابقين . قاموا بالطعن في المناقب الواردة فيه والعمل على التقليل من شأنه بمساواته بمعاوية واعتبار الخارجين على حكمه بمثابة المجتهدين المأجورين . . ( 41 )
* الملاحظة الرابعة : أين الإمام علي . . ؟ إن المتتبع لأحداث السقيفة يكتشف غياب كثير من الرموز البارزة من الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي فأين كان هؤلاء ولماذا انشغلوا عن هذا الحدث الضخم وهو اختيار خليفتهم ؟ . . أين أبو ذر . وأين المقداد . وأين الزبير . وأين جابر بن عبد الله .
* هامش *
( 38 ) أنظر البخاري ومسلم باب فضل أبي بكر . ومن هذه الروايات : أتت امرأة إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأمرها أن ترجع إليه . فقالت أرأيت إن جئت ولم أجدك . . قال النبي : إن لم تجديني فأتي أبا بكر . وعلى لسان الإمام علي رواية تقول سئل الإمام من ولده ابن الحنفية أي أناس خير بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أبو بكر . قال ثم من ؟ قال : عمر . وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت . قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين . .
( 39 ) أنظر البخاري ومسلم . ومن هذه الروايات قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر : . . ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك . وقول الرسول فيه : لم أر عبقريا يفري فريه . وقوله كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر . أنظر لنا كتاب الخدعة . وانظر المحطة القادمة . .
( 40 ) أنظر مناقب عثمان في البخاري ومسلم وشرحيهما لابن حجر والنووي . وأنظر كتاب الخدعة والمحطة الرابعة
( 41 ) أنظر مناقب الإمام في المرجعين السابقين . وانظر الخدعة والمحطة الخامسة . ( * )
- ص 67 -
وأين أبي بن كعب وبلال بن رباح وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وعمار بن ياسر وأبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والبراء بن مالك وخباب بن الأرت ورفاعة بن مالك وأبي الطفيل عامر بن وائلة وغيرهم . . لقد كان اختفاء كل هؤلاء من سقيفة بني ساعدة عامل قلق لفريق عمر .
حيث أن هذه الشخصيات الغائبة لها وزنها وفاعليتها ومن الممكن أن تشكل تحديا لهذا الفريق مستقبلا . .
تروى الروايات أن الإمام ومعه عصبة من الصحابة كان مشغولا بتجهيز الرسول للدفن بينما كان القوم يتصارعون على الخلافة في السقيفة . . ( 42 )
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل من أخلاق المسلمين أن يتركوا رسولهم في مثل هذا الحال ويتصارعوا على الحكم . . ؟ . أين ما تعلموه من الرسول إذن . . ؟ .
لقد ترك الرسول في حياته في مواقف كثيرة من قبل هؤلاء الناس . ترك في أحد . وترك في مسجده وهو يخطب فيهم ونزل فيهم قوله تعالى ( وتركوك قائما ) وترك وهو يلفظ أنفاسه وطلب منهم إحضار قلم وقرطاس ليكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا . وترك بعد وفاته . . ( 43 ) .
ومثل هذا السلوك إن دل على شئ فإنما يدل على مدى استحكام أمر الدنيا وطغيانها على كثير من هؤلاء . . ولعل هذا هو ما يشير إليه قوله تعالى ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة )
* هامش *
( 42 ) أنظر كتب التاريخ .
( 43 ) أنظر في السيرة والتاريخ وتفسير سورة الجمعة وراجع باب وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ( * )
- ص 68 -
* الملاحظة الخامسة : بيعه أبي بكر كانت فلتة . . لماذا . . ؟ الحمد لله إن هذه المقالة جاءت على لسان عمر مدبر أحداث السقيفة وقاطف ثمرتها ولو كانت قد جاءت على لسان سواه لكان للقوم فيها كلام آخر . .
لقد قال عمر ما نصه : ألا إن بيعة أبا بكر كانت فلتة وقى الله الأمة شرها . فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . فأيما رجل بايع من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة أن يقتلا . . . ( 44 )
أليس هذا اعتراف صريح من عمر بأن ما حدث في السقيفة كان أمرا بعيدا عن الشورى بل كان بعيدا عن روح الإسلام بحيث يوجب على فاعله القتل تقديرا لخطورته وجسامته وآثاره الوخيمة على الأمة . . إن قول عمر هذا يؤكد أن حروب الردة
ومانعي الزكاة التي خاضتها قوات أبو بكر بقيادة خالد بن الوليد لم تكن في حقيقتها سوى حركة تمرد على حكم أبي بكر : وقد تكون هناك حالة ردة من البعض إلا أن الظاهر أن هذا الصدام العسكري كانت له أسبابه القبلية ولعل قمع خالد وتجاوزته في مواجهة هذه الانتفاضة ما يدعم هذا التصور . . ( 45 )
وكان مناسبة هذا الكلام كما يروي البخاري أن عمر بلغه كلام أناس يقولون لو مات مات عمر لتولاها فلان . فقام عمر خطيبا وقال هذا الكلام . . ( 46 )
فهل كان المقصود من كلام عمر هذا هو ردع اتجاه برز في المدينة ينادي بالشورى ويطعن في أحداث السقيفة وطريقة اختيار الخليفة الأول . . ؟ لا يعنينا هنا بقدر كبير الإجابة على هذا السؤال وإن كانت إجابته واضحة . وإنما
* هامش *
( 44 ) أنظر البخاري كتاب المحاربين ومسند أحمد ح 1 وفتح الباري ج12 .
( 45 ) أنظر حوادث الردة في عصر أبي بكر في كتب التاريخ . وقصة خالد مع مالك بن نويره .
( 46 ) أنظر البخاري وفتح الباري ج7 كتاب فضائل الصحابة . ( * )
- ص 69 -
يعنينا هو اعتراف عمر بأنه بيعة أبا بكر كانت فلتة وكان من الممكن أن تكون لها آثارا خطيرة على الأمة لولا لطف الله . فإن كلام عمر هذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو أن بيعته هو أيضا كانت فلتة . . . فلماذا قال عمر عن بيعة أبي بكر أنها كانت فلتة ونسي أنه استخلف بوصية منه . . ؟
ويروي البخاري أن عمر قال : كنت أرجو أن يعيش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يدبرنا . فإن يك قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا . وأن أبا بكر صاحب رسول الله ثاني اثنين . فإنه أولى الناس بأموركم فقوموا فبايعوه . وقال عمر لأبي بكر إصعد المنبر . فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة . . ( 47 )
ورواية البخاري المذكورة تعطينا إشارات جديدة حول موقف عمر وكونه المحرك الأول لعملية اختيار أبي بكر . وهي تكشف لنا من وجه آخر أن أبا بكر قد أقحم في الأمر ولم تكن له رغبة فيه وهذا واضح من إلحاح عمر عليه بالصعود إلى المنبر ليبايعه الناس . وهذه إشارة إلى كونه غير منصوص عليه بشئ وأن الأمر لا يخرج عن كونه محاولة استثمار لظرف طارئ .
وهذا أبو بكر يقول : هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا . . فإذا كان أبو بكر قد تنازل عن ترشيح نفسه وقدم عمر وأبو عبيدة ألا يدل هذا على أن الأمر لا يخرج عن كونه مواقف فردية ارتجلت في حينها لمواجهة الأنصار . . ؟ وإذا ما تأملنا قول عمر : وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر .
* هامش *
( 47 ) المرجع السابق . ( * )
- ص 70 -
إنا خشينا إن فارقنا القوم - الأنصار - ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة . فإما أن نبايعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون الفشل . . وتأمل قوله وهو في الطريق إلى السقيفة ومعه أبو بكر وأبو عبيدة محدثا نفسه : كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا السقيفة أردت أن أتكلم . فقال أبو بكر . مه يا عم . . وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب . . ( 48 )
من هذه الروايات نلخص إلى أن الأمر كان من ترتيب القوم بزعامة عمر ولم يكن له وجهه الشرعي ويتضح هذا الأمر من قول عمر حين وفاته : لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته وسالم هو عتيق حذيفة . وهو بهذا يخالف نص الإمامة في قريش ويناقض نفسه حين احتج على الأنصار بقوله : ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم .
sweet girl
03-17-2008, 08:44 AM
المحطة الثالثة عمر بن الخطاب وبدأ معاوية يطل برأسه . .
- ص 73 -
إن الشورى لا تثمر إلا شورى والاستبداد لا يثمر إلا استبدادا . . ولأن ما جرى في السقيفة لم يكن له صلة بالشورى كان من الطبيعي أن تكون ثمرته مناقضة للشورى . . وهكذا جاء عمر . فلتة من فلتة . مهد لصاحبه ثم تلقفها منه بوصية من شيخ يحتضر دون حساب لرأي الأمة . .
تقول وصية أبي بكر : هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة . آخر عهده في الدنيا نازحا وأول عهده داخلا بالآخرة . إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن تروه عدل فيكم فذلك ظني به . ورجائي فيه . وإن بدل وغير فالخير أردت . ولا أعلم الغيب . ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . . ( 1 )
لقد كان على أبي بكر أن يقوم برد الجميل الذي أسداه إليه عمر بتوصيله للحكم فقام هو بدوره ليوصله إلى الحكم وسن لأول مرة في تاريخ الإسلام نظام توريث الحكم .
ذلك النظام الذي استند عليه فقهاء التبرير فيما بعد في تبرير استيلاء بن أمية وبني العباس على السلطة في بلاد المسلمين .
كما كانت هذه السنة هي الدفعة الأولى للخط الأموي الذي بدأت ملامحه تبرز في عهد عمر . . ولما كان موقف أبو بكر هذا لا سند له من شرع أو شورى فقد أثار المسلمين في المدينة وتصدى له الكثير من الصحابة بين منكرين له ورافضين . .
وأول الرافضين كان الأنصار . . وثانيهم آل البيت بزعامة الإمام علي . . وثالثهم طلحة ومن شايعه الذي هرول نحو أبي بكر منكرا قائلا : ماذا تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا تفرق منه النفوس وتنفض منه القلوب . . ( 2 )
ومن هنا يتبين لنا أن عمر لم يكن مرغوبا فيه وأن هذا الرفض لشخصه كانت له مبرراته الناتجة من سلوك عمر ومواقفه الاستفزازية طوال فترة حكم أبو بكر . .
* هامش *
( 1 ) أنظر تاريخ الطبري ج3 . وطبقات ابن سعد ج3 / 199 والإمامة والسياسة وكتب التاريخ . ( * )
( 2 ) أنظر طبقات ابن سعد ج3 / 199والطبري ج3 . ( * )
- ص 74 -
وإذا كان ما بني على باطل فهو باطل . فإن خلافة عمر باطلة لكونها بنيت على خلافة باطلة .
والأولى والثانية لم تقم بمشورة المسلمين . . وكما فرضت خلافة أبي بكر على المسلمين بقوة السيف فرضت أيضا خلافة عمر على المسلمين بقوة السيف وبدأ عمر في قمع المناهضين له وإجبارهم على بيعته وهو يكرر نفس الدور الذي كان يقوم به مع أبي بكر . .
عمر والإمام علي
تعايش الإمام علي مع عمر كما تعايش مع أبي بكر من قبل . تعايش المغلوب على أمره الإيجابي في مواجهة الواقع والأحداث . المستعد على الدوام لتقديم المشورة ونصرة المظلوم والبذل والعطاء من أجل صالح الإسلام والمسلمين . .
وإذا كانت هناك ضغوط على الإمام في عصر أبي بكر فإن الضغوط عليه في عصر عمر أشد لأن عمر كما بينا سابقا هو رأس الأمر كله .
وكان هو الرجل الثاني في السلطة أيام أبي بكر إن لم يكن هو الحاكم الحقيقي ولم يكن أبو بكر سوى ظل له . فإذا ما تسلم عمر السلطة وهو ما كان يخطط له فلا بد وأن تكون له سياسة كثر شدة في مواجهة آل البيت والإمام علي بحكم كونه يمثل جماعة ضغط فاعلة لها وزنها الشرعي والجماهيري وهي جديرة بالحكم .
فضلا عن اعتقاده بأحقيتها بإمامة المسلمين . . وأمر آخر يبرر موقف عمر المتشدد والعدائي من آل البيت هو قناعته بضآلة قدراته العلمية والقيادية أمام قدرات الإمام علي . .
يقول عمر عن نفسه بعد أن كثرت أخطائه في الفتيا وقراراته التي تصطدم بأحكام الإسلام : كل الناس أفقه من عمر . ( 3 )
ويقول مقرا بضالته العلمية أمام الإمام علي : ما من معضلة ليس لها أبو الحسن . . ( 4 )
* هامش *
( 3 ) أنظر قصة عمر مع المرأة حين صعد المنبر ينهي عن المغالاة في المهور حين قال أصابت امرأة وأخطأ عمر في
الدر المنثور ج1 / 133 / وتفسير قوله تعالى : ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) في كتب التفسير .
( 4 ) أنظر مستدرك الحاكم ويروي الحكم لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي . ( * )
- ص 75 -
ويقول أيضا مبرزا حجم الموقف الإيجابي الذي التزم به الإمام تجاهه حفاظا على مصالح المسلمين : لولا علي . لهلك عمر . . ( 5 )
وكتب الحديث والتاريخ مليئة بالمواقف والممارسات والأحكام التي أصدرها عمر وتبين اصطدامها مع النصوص ومخالفتها لأحكام الإسلام مما يدل على ضآلة علمه وقلة فقهه وحاجته الماسة لمن يدعمه فقهيا . . ( 6 )
فهو قد حرم متعة الحج ومتعة النساء . . ( 7 )
وجعل الثلاث طلقات في مكان واحد طلقة بائنة بينونة كبرى لا تحل بعدها الزوجة حتى تنكح زوجا غيره . . ( 8 )
وشرع لصلاة التراويح جماعة ولا جماعة في نفل . . ( 9 )
وجعل التكبير في صلاة الجنائز أربعا بعد أن كان خمسا . . ( 10 )
وأفتى في المواريث فتاوى تناقض بعضها بعضا . . ( 11 )
وتجسس على الناس بمجرد الظن مخالفا القرآن . . ( 12 )
* هامش *
( 5 ) أنظر الإستيعاب هامش الإصابةج / 39 . والرياض النضرة ج2 / 193
( 6 ) نظر النص والاجتهاد للسيد شرف الدين . ومعالم المدرستين ج2 للسيد مرتضى العسكري . وانظر لنا فقه الهزيمة فصل الرجل . .
( 7 ) أنظر صحيح مسلم والبخاري يتبين لك أن زواج المتعة كان معمولا به على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وشطر من عهد عمر حتى حرمها بقوله : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء . . )
أنظر سنن البيهقي وكتب التفسير . وانظر كتاب المتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي بيروت . وانظر كتابنا زواج المتعة حلال .
( 8 ) أنظر صحيح مسلم وسنن البيهقي ومسند أحمد وكتب التفسير ويذكر أن الأزهر وأهل السنة عموما يطبقون رأي عمر هذا ويلتزمون به ويفتون على أساسه اليوم .
( 9 ) كانت صلاة التراويح تصلى مثنى مثنى في البيوت على عهد الرسول وعهد أبي بكر حتى جاء عمر فجمع الناس ليصلونها جماعة وكان يقول : إنها بدعة ونعمت البدعة أنظر البخاري ومسلم كتاب الصلاة .
( 10 ) أنظر تاريخ الخلفاء للسيوطي .
( 11 ) أنظر البيهقي ج6 / 245 حيث يروي عن عبيدة قوله : إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا .
( 12 ) قصة تجسس عمر على البيوت مشهورة حين تسلق البيت على أصحابه . والله ينهى عن التجسس وانظر سيرة عمر في كتب التاريخ
- ص 76 -
وأوقف إقامة الحد على المغيرة بن شعبة . . ( 13 )
ورفض أن يورث أحدا من الأعاجم . . ( 14 )
ورجم الحبلى والمضطرة وأقام الحد بغير وجه حق . . ( 15 )
وأسهم في زرع الطبقية بين المسلمين وشاطر العمال أموالهم . . ( 16 )
وغير ذلك من التجاوزات والمخالفات التي لا يتسع المجال لذكرها هنا والتي تؤكد عدم جدارة عمر لأمر الخلافة وأنه أقحم نفسه فيها . .
ولقد كان للإمام علي دورا بارزا في التصدي لانحرافات عمر وتجاوزاته للنصوص وأحكامه الجائرة على الرعية وسياسة البطش والإرهاب التي ألقت الرعب في قلوب الناس حتى أن امرأة حاملا أسقطت جنينها خوفا منه حين بعث في طلبها وقد جمع كبار الصحابة ليشيروا عليه في حكم هذا الأمر . . ( 17 )
وعندما منع زواج المتعة هدد الصحابة من المؤمنين بوجوبه والقائلين به وعلى رأسهم ابن عباس الذي لم يجهر برأيه في هذا الزواج إلا بعد وفاته . . ( 18 )
إن التهديد والتخويف علامة بارزة في سياسة عمر وشخصيته من أيام
* هامش *
( 13 ) شهد مجموعة من الصحابة على المغيرة بن شعبة أنه زنى بامرأة محصنة ذات بعل ولم يقم عمر الحد عليه بل أقامه على الشهود بتهمة القذف أنظر ترجمة المغيرة في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير . .
( 14 ) أنظر موطأ مالك ج2 / 12 .
( 15 ) حاول عمر أن يقيم الحد على امرأة اضطرت للزنا ولا إثم على المضطر كما حاول أن يقيم الحد على امرأة حبلى من الزنا وامرأة مجنونة وامرأة حملت من ستة أشهر وقد تدخل الإمام علي ومع إقامة هذه الحدود وأثبت جهل عمر . أنظر كتب السنن . وانظر قصة أخذ الدية بغير حق في الإستيعاب ترجمة أبي خراش الهزلي . وانظر جهله بأحكام الصلاة فتح الباري ج3 / 69 .
( 16 ) قدم عمر البدريين على من سواهم والمهاجرين على الأنصار وأمهات المؤمنين على غيرهن . وكان يقتسم أموال العمال مثل أبو هريرة عامل البحرين . أنظر الأموال لأبي عبيدة وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي وكتب الفقه .
( 17 ) أنظر تاريخ الخلفاء والبيهقي وكتب السنن وترجمة عمر في الإصابة وأسد الغابة والإستيعاب .
( 18 ) قال عمر لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة . يعني الرجم . . تأمل . أنظر القرطبي تفسير سورة النساء قوله تعالى
( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) وانظر تفسير الخازن وروح المعاني للآلوسي وتفسير ابن كثير وكتب الفقه . ( * )
- ص 77 -
الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عندما كان يرفع شعار ( دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله ) وعندما هدد القائلين بوفاة الرسول .
وعندما هدد الأنصار والرافضين لبيعة أبي بكر في السقيفة . . وإذا كان عمر يمارس الارهاب في حدود الأحكام الفقهية وفي حدود الرعية أفلا يمارسها ضد آل البيت الذين يشكلون خطرا على نفوذه وسلطانه . . ومما يشير إلى موقف عمر العدائي تجاه آل البيت التزامه بسياسة الحصار الاقتصادي التي وضعها مع أبي بكر تجاه فاطمة وعلي وأبنائهما . .
يروى أن عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك دخلوا على عمر . ثم جاء العباس وعلي يختصمان . فقال عمر لهم : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) قال : لا نورث ما تركنا صدقة . قالوا : نعم . قال عمر : فلما توفي رسول الله قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله . فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك . ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها . فقال أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة والله يعلم إنه صادق بار راشد تابع للحق . . ( 19 )
وفي رواية أخرى : جاء العباس وعلي إلى عمر يختصمان . فقال العباس : أقضي بيني وبين هذا . فقال الناس : أفصل بينهما . أفصل بينهما . قال : لن أفصل بينهما قد علما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : لا نورث ما تركنا صدقة . . ( 20 )
والواضح من هاتين الروايتين أن الهدف منهما تشويه صورة الإمام علي والعباس وآل البيت بصورة عامة . فكل من علي والعباس اختصما بسبب المال وتطور الصدام بينهما حتى وصل إلى عمر وشاع أمره بين الناس . وفي هذ طعن
* هامش *
( 19 ) أنظر تاريخ عمر لابن الجوزي والبخاري ومسلم . ويلاحظ هنا أن الخمسة المذكورين في الرواية هم من أنصار الخط القبلي وخصوم الإمام علي والأربعة الأول عثمان والزبير و عبد الرحمن وسعد هم من أصحاب الشورى الذين أضيف إليهم طلحة بأمر عمر واختاروا عثمان بعد مصرعه . ترى هل وجودهم عند عمر كان محض صدفة . . ؟
( 20 ) أنظر البخاري ومسلم والترمذي . . ( * )
- ص 78 -
في الإمام وإظهار بمظهر الحريص على الدنيا المتهافت على مطامعها حتى أنه تخاصم مع عم الرسول بسببها . . إلا أن يعنينا هنا هو كشف موقف عمر العدائي تجاه آل البيت وبحضور عدد من خصومهم مثل أنس وسعد وعثمان والزبير
وعبد الرحمن والذين من الصعب أن نحمل تواجدهم في هذا الوقت من قبيل الصدفة . . وحتى لا يتبادر إلى ذهن المسلم ما يشير إلى وجود موقف عدائي من قبل عمر للإمام علي حرص أنصار الخط الأموي على تبديد أي شك حول وجود أي خلاف بين الطرفين . .
تأمل رواية مسلم عن ابن عباس يقول : وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم . قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال :
ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك إني كنت أكثر أسمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر . وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما . . ( 21 )
ويروي البخاري على لسان الإمام جوابا على سؤال ولده محمد بن الحنفية قال : قلت لأبي : أي الناس خير بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أبو بكر . قلت ثم من ؟ قال : ثم عمر . وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت . قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين . .
ويلاحظ من هاتين الروايتين أنهما لا تهدفان فقط إلى إثبات رضا الإمام عن عمر ومودته له واعترافه بأفضليته عليه . وإنما تهدفان أيضا إلى إثبات نفس الموقف على أتباع الإمام علي وشيعته من الصحابة وحتى من آل البيت .
إن هؤلاء الأشياع والأتباع يوالون عمر ويحبونه مما ينفي تبعا وجود أي خلاف أو عداء بين عمر وعلي . .
* هامش *
( 21 ) مسند أحمد 1 / 49 . وانظر البخاري . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:45 AM
عمر ومعاوية
إن الراصد لسيرة عمر يكتشف عدم وجود أية مواقف عدائية تجاه بني أمية وعلى رأسهم أبو سفيان ومعاوية ولده . بل من الممكن للراصد أن يجد العكس من ذلك .
فقد قام عمر بوقف نصيب المؤلفة قلوبهم الذي كان يعطى من الزكاة على عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أبي بكر وأصبح بالتالي معاوية وأبوه كبقية المسلمين بعد أن كانا من المؤلفة قلوبهم . . ( 22 )
ولم يقف الأمر عند حد تحرير معاوية وأبوه من إطار المؤلفة قلوبهم ورفعه إلى درجة المسلمين . بل تمادى عمر في موقفه المبارك لبني أمية وقام بتولية معاوية على الشام مكان أخيه يزيد . . ( 23 )
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا فعل عمر ذلك . . ؟
ألم يجد بين المسلمين من هو أجدر منه بهذه المهمة . . ؟
وهل نسي عمر تاريخ بني أمية وتاريخ أبو سفيان في مواجهة الدعوة ومحاربة الرسول . . ؟
وما هي المقومات التي كان يملكها معاوية حتى يسلمه الشام . . ؟
هل كان من المهاجرين . . ؟
هل كان من المجاهدين . . ؟
هل كان من المقربين للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . هل كان من أهل العلم . . ؟
بالطبع لم يكن من هؤلاء والثابت أنه . كان من الطلقاء . . ( 24 )
* هامش *
( 22 ) أنظر الإستيعاب ترجمة معاوية . . وكتب التاريخ . .
( 23 ) أنظر الإصابة في تمييز الصحابة والإستيعاب ترجمة معاوية وانظر كتب التاريخ .
( 24 ) كان معاوية وأبوه من الطلقاء . والطلقاء تعبير أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم لا على أهل مكة حين فتحها بقوله : اذهبوا فأنتم الطلقاء . والطلقاء كانوا من المؤلفة قلوبهم . والثابت عند أهل العلم أنه لم تصح في معاوية منقبة أي لم يذكر الرسول فيه شيئا حسنا .
أنظر فتح الباري ج7 كتاب فضائل أصحاب رسول الله باب ذكر معاوية . وانظر سنن النسائي وكتابه خصائص الإمام علي . ويذكر أن النسائي قتل على أيدي أهل الشام لرفضه كتابه كتاب يثني فيه على معاوية ويجمع في مناقبه كما فعل مع الإمام علي . أنظر ترجمة النسائي في وفيات الأعيان لابن خلكان وغيره من كتب التراجم . . . ( * )
- ص 80 -
فكيف بطليق ابن طليق أن يلي أمر المسلمين في حضرة كبار الصحابة ووجود آل البيت . ؟
وكيف بعمر على شدته في الحق وتقواه أن يقدم على مثل هذا الأمر . . ؟
يبدو لنا من خلال رصد علاقة عمر بمعاوية أن هناك شيئا غامضا يبلور علاقته به وهذا الشئ غير واضح في كتب التاريخ . . ربما يكون عمر قد أحس بضعفه في مواجهة خصومه فأراد أن يتحصن ببني أمية . . وربما أراد أن يضع حجر عثرة في طريق حركة آل البيت من بعده . . وربما يكون في الأمر شيئا آخر .
إلا أن ما يعنينا قوله هو أن تولية معاوية على الشام لا يمكن اعتباره مجرد خطأ . . لقد أخذ الخط الأموي دفعته الأولى من عمر بتمكين معاوية على أرض الشام وبدأ يعد العدة لتحطيم العوائق التي تقف في طريقه وعلى رأسها دولة الخلافة . . ولا بد لنا من استقصاء الروايات التي تتعلق بموقف عمر من معاوية حتى يتبين لنا الأمر بصورة كثر وضوحا . .
يروي ابن حجر : كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال هذا كسرى العرب . . ( 25 ) أما مناسبة هذا الكلام فيرويها ابن عبد البر : قال عمر إذ دخل الشام ورأى معاوية : هذا كسرى العرب . وكان قد تلقاه معاوية في موكب عظيم . فلما دنا منه قال
له أنت صاحب الموكب العظيم . قال نعم يا أمير المؤمنين . قال ما يبلغني عنك من وقوف ذوي الحاجات ببابك . . ؟ قال مع ما يبلغك من ذلك . قال : ولم تفعل هذا . . ؟ قال نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير فيجب أن نظهر من عز السلطان
ما نرهبهم به . فإن أمرتني فعلت وإن نهيتني انتهيت فقال عمر لمعاوية : ما أسألك عن شئ إلا تركتني في مثل رواجب الضرس إن كان ما قلت حقا إنه لرأي أريب وإن
* هامش *
( 25 ) أنظر الإستيعاب ومقدمة ابن خلدون . ( * )
- ص 81 -
كان باطلا إنه لخدعة أديب . قال فمرني يا أمير المؤمنين . قال لا آمرك ولا أنهاك . . ( 26 )
والمتأمل في هذه الرواية يكتشف مدى تواطؤ عمر مع معاوية وتغاضيه عن انحرافاته الخطيرة .
فكيف نوفق بين موقف عمر هذا وبين موقفه من الصحابة الآخرين الذين ولا هم على الأمصار وكان يوجعهم بدرته ويصادر أموالهم ويعزلهم عن وظائفهم . . ؟
وإذا ما تأملنا حجة معاوية بإرهاب العدو بعز السلطان فإننا نكتشف أنها حجة واهية وهي تضع عمر بين أموين : إما أنه ساذج استغفله معاوية . . وإما أنه متواطئ معه . . وقول عمر لمعاوية لا آمرك ولا أنهاك إنما يرجح الأمر الثاني . .
ولقد كان العرب يخرجون للغزو حفاة عراة رجالا وركبانا يواجهون الروم والفرس وينتصرون عليهم بدون أبهة الملك وعز السلطان . . وإذا كان عز السلطان يرهب العدو كما يدعي معاوية فمن الأولى أن يظهره عمر وهو الخليفة لا أن يظهره معاوية وهو الوالي من قبل عمر . .
ويروي أن معاوية صحب عمر في رحلة الحج وكان في كامل هيئته فقال عمر بخ بخ إذ نحن خير الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة . حمى إذا جاء ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها فوجد عمر منها ريحا كأنه ريح طيب . فهاجمه عمر : فقال معاوية : إنما لبستها لأدخل بها على عشيرتي يا عم والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام . . ( 27 )
ومن الواضح من خلال هذه الرواية أن علاقة عمر بمعاوية تفوق كونها علاقة
* هامش *
( 26 ) أنظر الإستيعاب . ويذكر أن راتب معاوية السنوي بلغ عشرة آلاف دينار . وفي رواية بلغ راتبه الشهري ألف دينار .
( 27 ) أنظر الإصابة ترجمة معاوية . ( * )
- ص 82 -
بين خليفة وواحد من عماله . فإن اللغة التي يخاطب بها معاوية عمر إنما تشير إلى أن معاوية يشكل ندا لعمر . .
ويروى أن معاوية دخل على عمر وعليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة . فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدرة فجعل ضربا بمعاوية ومعاوية يقول الله الله يا أمير المؤمنين فيم فيم . فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه . فقالوا له لم ضربت الفتى وما في قومك مثله ؟ فقال ما رأيت إلا خيرا وما بلغني إلا خير ولكني رأيته وأشار بيده يعني إلى فوق فأردت أن أضع منه . . ( 28 )
فتأمل قول عمر ما رأيت إلا خيرا وما بلغني إلا خير . أي أن سيرة معاوية ومواقفه محل رضا عمر التام والشئ الوحيد الذي استفز عمر في شخصية معاوية هو غروره فقام بضربه ليحط منه ويقضي على غروره . .
فهل قضى عمر على غرور معاوية وحال بينه وبين تطلعاته . . ؟
وتلفت انتباهنا ملاحظة هامة من خلال هذه الرواية وهي قول جلساء عمر : لم ضربت الفتى وما في قومك مثله . . ؟
فمن الواضح أن أصحاب هذا القول هم من أنصار الخط الأموي . إذ كيف يجعلون معاوية لا يساويه أحد من الصحابة . وكيف يقبل عمر منهم هذا القول ؟
إننا بعد عرض هذه الروايات لا نكون مبالغين إذا ما قلنا أن معاوية إنما هو من صناعة عمر . استظل به واحتمى بحمايته . وإن عمر كان يدرك تماما مدى خطورة معاوية وأطماعه ولعله قد بلغه تحذير الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من بني أمية . . ( 29 )
* هامش *
( 28 ) المرجع السابق
( 29 ) وردت عدة أحاديث تذم بني أمية على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قوله . هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش . قال أبو هريرة إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان . وقوله يهلك الناس هذا الحي من قريش . قالوا فما تأمرنا ؟ قال : لو أن الناس اعتزلوهم . كما ورد عن الرسول قوله إن بني أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن . أنظر الدر المنثور 4 / 191 وانظر البخاري كتاب الفتن . . . ( * )
- ص 83 -
وإن إدراك عمر لخطورة معاوية ليتجلى لنا بوضوح من خلال تصريحه لمجموعة الشورى حين طعن حيث قال : إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم . . ( 30 )
إذن معاوية يتأهب للاستيلاء على الحكم . . وعمر يدرك ذلك ويحذر الصحابة منه قبل وفاته وكان يضرب عرض الحائط بتحذيرات الصحابة من معاوية أثناء حياته . .
تأمل قول عمر : دعونا من ذم فتى من قريش . من يضحك في الغضب . ولا ينال ما عنده من الرضا . ولا يؤخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه . . ( 31 ) وما كان عمر يقول مثل هذا الكلام لولا أن هناك اتجاه من بين الصحابة يذم معاوية ويحذر عمر منه .
فهل أدرك عمر خطورة معاوية متأخرا . . ؟ إن الروايات التي بين أيدينا لا تقودنا إلى هذا الاستنتاج بالطبع . .
* هامش *
( 30 ) الإصابة ترجمة معاوية .
( 31 ) أنظر الإستيعاب بهامش الإصابة .
sweet girl
03-17-2008, 08:45 AM
عمر والاستخلاف
حين طعن عمر جعل الشورى في ستة يختار من بينهم من يخلفه وهؤلاء الستة هم طلحة والزبير و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان ثم الإمام علي . .
وبالتأمل في سيرة الخمسة غير الإمام علي نجدهم لا يمكن بحال أن يتفقوا على الإمام بل هم من خصومه وهم في الأساس من أركان الخط القبلي الذي أوصل عمر للحكم . . فلماذا اختار عمر هؤلاء الستة وهو يعلم يقينا أنهم لن يجمعوا على الإمام علي ولن يرضى علي بأحد منهم . . ؟ ( 32 ) .
ولقد سارت عملية الشورى بطريقة هزلية لتستقر في النهاية بالخلافة في أحضان الخط الأموي وكأنه أمر مدبر ومرسوم . .
* هامش *
( 32 ) أنظر سيرة الخمسة وتبين مواقفهم من الرسول ومواقف الرسول منهم ومدى سيطرة الروح القبلية على مواقفهم وممارساتهم . في كتب التراجم . ( * )
- ص 84 -
فحين تشاور القوم مال الزبير لعلي ومال سعد لعثمان ومال طلحة لعبد الرحمن ثم انسحب عبد الرحمن ورفض ترشيح نفسه ومال لعثمان لتصبح النتيجة ثلاثة إلى واحد . ثلاثة مع عثمان وواحد مع علي فعبد الرحمن عندما مال لعثمان مال طلحة معه . ( 33 ) .
وفي رواية أخرى انتهت النتيجة اثنين في مواجهة اثنين أي تعادلت الأصوات وهنا عرض عبد الرحمن على الإمام علي أن يبايع على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين فأبى إلزامه بسنة الشيخين . فطلب من عثمان ذلك فوافق فأعلن بيعته ( 34 )
والطريف في الأمر أن عثمان حين استخلف واستتب له الأمر خرج على الكتاب والسنة وسنة الشيخين وكفر به القوم حتى الذين رشحوه واختاروه . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل عمل عمر هذا يطابق الشورى وروح الإسلام . . ؟
والجواب بالطبع لا . فقد كان اختيار عمر لمجموعة الشورى يقوم على أساس قبلي بحت ولم يكن وضع الإمام علي في هذه المجموعة سوى محاولة للتغطية على الهدف الحقيقي من وراء اختيار هذه المجموعة التي أشار البعض على عمر أن يضع ولده عبد الله فيها . ( 35 ) .
لقد سن عمر للخط الأموي بهذا العمل سنة أتاحت له فرصة البروز والحصول على الشرعية من خلال عثمان . . واستثمار هذه السنة فيما بعد في ضرب فكرة الشورى في الإسلام ودعم نظام الوراثة . . وجعل الشورى في ستة أفراد متناقضين متنافرين فضلا عن كونه أمر مغرض
* هامش *
( 33 ) أنظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 7 / 59 وما بعدها ، وانظر كتب التاريخ .
( 34 ) المرجع السابق .
( 35 ) أنظر فتح الباري ج7 /67 . ( * )
- ص 85 -
هو يصطدم بالقرآن الذي يقول : وأمرهم شورى بينهم . . ، أي بين المؤمنين جميعا وليس بين فئة محددة . . ويصطدم بسنة الرسول الذي طبق النص القرآني وعمل به بين الصحابة وفتح الباب لحرية الرأي الذي أغلقه أبو بكر وعمر ليفتح الباب على مصراعيه لدكتاتورية الخط الأموي . .
وإذا كان عمر وهو ينازع في حيرة من أمره يستخلف أو لا يستخلف مرددا إن لم أستخلف فلم يستخلف الذي هو خبر مني - أي الرسول - وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر . ( 36 ) .
وقد انتهز فرصة حيرة عمر هذه رجل لم تكشف لنا الروايات من يكون . وقال له : استخلف عبد الله بن عمر . . فقال عمر : قاتلك الله . والله ما أردت الله بهذا . أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته . . . ( 37 ) .
إلا أن عمر مال إلى الاستخلاف في حدود مجموعة لن تحيد عن الخط القبلي الذي وضع أساسه مع أبي بكر وهي في النهاية سوف تستقر على واحد من أنصار هذا الخط ولن تتجه بحال إلى الحيدة عنه والاتجاه نحو علي . .
وعلى الرغم من موقف عمر من ولده عبد الله وكونه صاحب شخصية ضعيفة تجعل منه عديم القدرة على اتخاذ القرار . على الرغم من ذلك جعله في أهل المشاورة جبرا لخاطره .
وقال عمر : إذا اجتمع ثلاثة على رأي وثلاثة على رأي فحكموا عبد الله بن عمر فإن لم ترضوا بحكمه فقدموا من معه عبد الرحمن بن عوف وإن ولي عثمان فرجل فيه لين وإن ولي علي فستختلف عليه الناس وإن ولي سعدا وإلا فليستعن به الوالي ( 38 ) .
* هامش *
( 36 ) البخاري ومسلم .
( 37 ) أنظر فتح الباري ج7 / 67 . وانظر تاريخ الخلفاء .
( 38 ) المرجع السابق . والسؤال هنا لماذا لم يرشح عمر أبو ذر أو عمار مثلا بدلا من ولده . . ؟ وما يجب ذكر . هنا هو أن ابن عمر هذا رفض بيعة علي بعد عثمان وبايع معاوية وولده يزيد وقد أطال الله في عمره حتى لحق بالحجاج وكان يصلي خلفه ومعه أنس بن مالك . أنظر تاريخ ابن عمر في كتب التراجم . .
- ص 86 -
وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الأمور تتجه إلى غير صالح الإمام علي فعبد الله بن عمر لا وزن له و عبد الرحمن حليف عثمان . .
يقول الإمام علي حول هذه الحادثة : لقد قرن بي عثمان . . وقال كونوا مع الأكثر . ثم قال كونوا مع عبد الرحمن بن عوف . وسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن . وعبد الرحمن صهر لعثمان . . وهم لا يختلفون . فإما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن ( 39 ) .
ويبدو أن الإمام قد أقحم في أمر الشورى متضررا مع علمه الكامل بخبايا هذه اللعبة وكونها سوف تستقر على خط عمر الذي استحى على ما يبدو من تطبيق سنة صاحبه الذي استخلفه دون مشورة المسلمين فأراد أن يوسع دائرة الاستخلاف قليلا في حدود من يريد أن يستخلفه لتستقر في النهاية على واحد بعينه هو من يريده .
إن عمر كان يعلم مسبقا أن الأمر سوف يستقر في النهاية على اثنين . علي وعثمان ولأن علي لا يمثل مصالح القوم بل سوف يضربها فإن الأمر سوف يستقر لعثمان . وكأن عمر يريد أن يستخلف عثمان واخترع أمر الشورى ليموه على غايته ( 40 ) .
يقول عمر : إن تولاها الأجلح لسار بهم على الطريق . فقال له ولده : فلم لا توله . قال : لا أريد أن أحملها حيا وميتا ( 41 ) . ولعل هذا القول يؤكد صحة الاستنتاج الذي توصلنا إليه فالأجلح هنا المقصود به الإمام علي .
* هامش *
( 39 ) تاريخ الطبري وانظر نهج البلاغة . . .
( 40 ) هناك تصريح لعمر يؤكد هذا أنظر فتح الباري ج7 / 67 . وما بعدها .
( 41 ) فتح الباري ج7 / 68 . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:46 AM
المحطة الرابعة عثمان ووضع حجر الأساس للخط الأموي
- ص 89 -
لم يكن عثمان كسابقيه يحتاط لأمره ويحسب لخصومه ويداري قبيلته . وإنما وبمجرد أن أمسك زمام الحكم في يده جهر بقبيلته وأظهر ميله لقومه معلنا أمويته فأسخط عليه الناس واستفز الجميع حتى أنصاره ومؤيديه من خارج بني أمية . .
لقد تجاوز عثمان حدود الخط القبلي الذي رسمه من قبله أبي بكر وعمر وحصر هذا الخط في دائرة بني أمية .
وهو قد خالف الكتاب والسنة . وضرب عرض الحائط بنصح الآخرين ولم يعبأ بأحد . فهل كان مركز عثمان من القوة بحيث جعله يتمادى في موقفه هذا . . ؟ .
أم أنه وجد الخط القبلي قد ترسخ وتمكن على ساحة الواقع ولم تعد هناك حاجة للتمويه أو المواربة . . ؟ .
إن الضربات التي وجهت لخط آل البيت بقيادة الإمام علي بداية من عهد أبي بكر وحتى عهد عمر أضعفت من شوكة هذا الخط وقدراته .
فقد كانت كل الضغوط مركزة عليه وكل العوائق تقف في طريقه لكونه يمثل الاتجاه الفاعل والوحيد الذي يقف في مواجهة الخط القبلي . فمن ثم فإن صدام الخط القبلي به أمر حتمي ومصيري . فالخط القبلي لن يعيش إلا على حساب خط آل البيت
وخط آل البيت ليس أمامه إلا التعايش مع الخط القبلي والاعتراف به أو قبول الفناء التدريجي كجماعة لها وجودها ولها أنصارها وليس كاتجاه له عقيدته وفكره المتميز .
ولقد عمل أبو بكر وعمر على تشتيت الصحابة الموالين للإمام في الأمصار حف لا يشكلوا بتواجدهم حوله قوة ضغط على الخط القبلي . وعندما جاء عثمان وجد الظروف والأوضاع مهيأة لإعلان نتيجة الخط القبلي ووضع أساس الخط الأموي .
فالخط القبلي من شأنه أن يضعف مع مرور الزمن ولا بد له من أن يتركز في النهاية في دائرة أقوى عائلة من عائلات هذا الخط .
- ص 90 -
ولا توجد عائلة على مستوى قريش لديها القدرة على الحفاظ على الخط القبلي ومواجهة خط آل البيت كالعائلة الأموية فهي المرشح الوحيد لهذا الدور وقد حملت رايته في مواجهه بني هاشم من قبل الإسلام بزمان ( 1 ) .
* هامش *
( 1 ) أنظر كتاب النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم للمقريزي ط القاهرة . وانظر تفاصيل الصراع بين البيتين في كتب التأريخ .
عثمان والصحابة
وقف عثمان من الصحابة موقفين متناقضين : موقف مؤيد ومناصر . . وموقف معاد مجاهر . . أما الذين أيدهم وناصرهم فهم الذين أيدوه وبايعوه ومهدوا له طريق الوصول للحكم وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام
وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء قد أغدق عثمان عليهم العطاء وكافئهم أحسن مكافأة ليجمعوا ثروات طائلة بعد أن فتح الباب أمامهم على مصراعيه للثراء بلا حدود . ( 2 ) .
ويبدو أن هؤلاء قد رضوا أن يكونوا من الرأسماليين على أن يكونوا من السياسيين . أي أنهم اختاروا الثراء على الحكم الذي تركوه لبني أمية .
أما الذين عاداهم فهم الذين صدعوا بالحق في وجهه وتحالفوا مع علي ضده وعلى رأسهم أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود . وموقفه من أبي ذر إنما يعد من أشد المواقف حدة وعداءا نظرا لشدة موقف أبي ذر من الخط الأموي بشكل عام ومن عثمان ومعاوية بشكل خاص . . ومن الخطأ
* هامش *
( 2 ) مات الزبير وله الكثير من العقارات والأراضي منها إحدى عشر دارا بالمدينة . ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر . ونزل أرضا تسمى الغابة اشتراها بسبعين ومائة ألف . وكان الزبير متزوجا أربعة نسوة . كان نصيب الواحدة منهن في ميراثه ألف ألف ومائتا ألف .
أما ثروة عبد الرحمن بن عوف فهي أضعاف ذلك . .
ويروي ابن عساكر أن قيمة ما ترك طلحة من المال والعقار ثلاثين ألف ألف درهم وترك من العين ألف ألف ومائتين ألف دينار
أنظر ج7 / 90 . ( * )
- ص 91 -
تصور أن موقف أبو ذر من عثمان ومعاوية كان بسبب الترف وكنز الأموال وهضم حقوق الفقراء والمحتاجين . فلم يكن هذا السبب إلا ظاهر الموقف . أما باطنه فيكمن في بطلان الخط الأموي وعدم شرعيته .
إن الصدام بين أبي ذر وعثمان لم يكن وليد عصره وإنما كانت له جذوره من عصر أبي بكر وعمر حين بدأت عملية الانحراف عن خط الرسول صلى الله عليه وسلم .
فإن أبا ذر الذي كان يصدع بالحق في مواجهة مشركي مكة ويلاقي ما يلاقي . لم يكن ليتوقف عن الصدع بالحق في عهد أبي بكر وعهد عمر وقد روى فيه الرسول ما روى . ( 3 ) .
ومن هنا يتبين لنا أن الصدام بين أبي ذر وعثمان كان صداما عقائديا . بين عقيدة ملتزمة وعقيدة مخالفة . . بين صحابي موال لآل البيت ورمز بني أمية . . بين خط آل البيت وخط بني أمية . . وعلى هذا الأساس كان حكم عثمان على أبي ذر قاسيا
فهو حكم على قدر الموقف الذي اتخذه أبو ذر . ألا وهو الحكم بالنفي . . وربما يكون عثمان هو أول من طبق سنة نفي القادة والمصلحين في تاريخ الحكام الطغاة الذين هيمنوا على بلاد المسلمين . وموقف عثمان من عمار هو نفس موقفه من أبي ذر .
فكلا من أبي ذر وعمار من أتباع الإمام وموقفهما من الخط الأموي واحد وثابت . فمن ثم فقد تصدى عثمان لعمار كما تصدى لأبي ذر وقرر نفيه ليحل محل أبو ذر الذي كان قد توفي لولا تدخل الإمام الذي نهر عثمان قائلا : إتق الله . فإنك سيرت
رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك . ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ( 4 ) .
وكانت النتيجة أن هدد عثمان الإمام علي بالنفي قائلا له : أنت أحق بالنفي منه . وكان رد الإمام : إفعل إن شئت ذلك ( 5 ) .
* هامش *
( 3 ) قال الرسول صلى الله عليه وسلم في قبيلة أبي ذر : غفار غفر الله لها . أنظر سيرته في كتب التراجم . .
( 4 ) أنظر البداية والنهاية لابن كثر ج 7 / 173 وما بعدها وانظر الطبري وابن عساكر ومروج الذهب .
( 5 ) أنظر المراجع السابقة وطبقات ابن سعد والكامل لابن الأثير . ( * )
- ص 92 -
ثم إن عثمان تراجع عن قراره بعد ضغوط لكن عمار لم يغير موقفه من عثمان وتصدى له ثانية حين وهب بعض نسائه من مال المسلمين ما تتزين به . فأوعز عثمان إلى شرطته فأخذوه وضربوه حتى غشي عليه ( 6 ) .
ويروى أنه حين بويع عثمان خطب عمار في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر قريش أما إذا صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وههنا مرة . فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله
ووضعتموه في غير أهله ( 7 ) . وقام المقداد فقال : ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم . فتصدى له عبد الرحمن بن عوف قائلا : وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو . ؟ . فقال المقداد : إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله
عليه وسلم إياهم وإن الحق معهم وفيهم . يا عبد الرحمن . أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله بعده من أيديهم . وأيم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي يوم بدر ( 8 ) .
ولقد تصدى عبد الله بن مسعود لعثمان وحرض عليه المسلمين وكان على الكوفة يعظ الناس ويعلمهم كتاب الله فعزله عثمان وأرسل مكانه الوليد بن عقبة فاصطدم به ابن مسعود وأسمعه كلاما شديدا في حق عثمان . ثم رحل إلى المدينة تاركا الكوفة في وداع أهلها ( 9 ) .
وفي المدينة وقع صدام بينه وبين عثمان الذي أمر زبانيته فضربوه حتى دق ضلعه ثم أمر بقطع رزقه . مما دفع بالإمام علي إلى التصدي له وحمل ابن مسعود إلى بيته ليكون تحت رعايته ( 10 ) .
ولم يكتفي عثمان بهذا بل أصدر قرارا بمنع ابن مسعود من الخروج من المدينة فبقي فيها حتى مرض مرضه الذي توفي فيه ( 11 ) .
* هامش *
( 6 ) أنظر المراجع السابقة . ( 7 ) أنظر المراجع السابق .( 8 ) أنظر المراجع السابق .
( 9 ) أنظر المراجع السابق . ( 10 ) أنظر المراجع السابق . ( 11 ) أنظر المراجع السابق ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:46 AM
عثمان وعلي
كان تعايش الإمام علي مع أبي بكر وعمر تعايش المحافظ والمدافع . فقد كانت الضغوط الموجهة إليه تتركز على دوره كممثل شرعي للأمة وكقائد لتيار آل البيت الذي يضم الكثير من كبار الصحابة .
وقد تنازل الإمام عن هذا الدور حفاظا على وحدة الأمة . لكنه لم يتنازل عن المبدأ الذي ورثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم . أي أن الإمام تنازل عن السلطة ولم يتنازل عن الفكرة . تنازل عن الحكم ولم يتنازل عن الدعوة .
فهو قد أفسح الطريق للخط القبلي ليحكم لكنه لم يفسح له الطريق ليعبث بالإسلام . ويبدو أن الخليفتين أبو بكر وعمر لم يكونا من المتحرشين بهذا الجانب . جانب الإسلام فقد احترم كل منهما قدرات الإمام العلمية وأقرا بتفوقه عليهما .
وهذا لا يعني أن صورة الإسلام كانت سوية ومستقيمة بشكل كامل في عهد الخليفتين وإنما كان هناك انحراف . لكنه لم يكن كبيرا بالقدر الذي يستفز الإمام ويدفعه إلى الصدام به . وما كان يقلق الإمام هو ما سوف يترتب على هذا الانحراف في المستقبل .
وعندما جاء عثمان برز الانحراف بصورة تجاوزت الحدود التي وقف عندها الشيخان وتعدى حدود الحكم ليصل إلى الإسلام . وهنا تغير موقف الإمام وشيعته وانتقل بهم من المقاومة السلبية إلى المقاومة الإيجابية . وتصدى لعثمان وبني أمية
الذين رفعوا رايتهم لأول مرة بعد سقوطهم على أيدي الرسول حين فتح مكة . لقد كان ظهور بني أمية في عهد عثمان بداية لتحول الأمة إلى طريق الجاهلية وبداية لظهور إسلام آخر مناقض لإسلام آل البيت ومعاد له ومعلنا هذا العداء .
- ص 94 -
لم يكن الأمر إذا مجرد تغلغل عائلة في الحكم وإنما كان في حقيقته محاولة لإظهار إسلام جديد بديل عن إسلام الخلفاء السائد الذي كان فاقد الأساس لكنه ليس منحرفا بالقدر الذي يتيح لهم تحقيق مآربهم والعودة إلى جاهليتهم . .
لقد انتهز بني أمية فرصة وصول عثمان للحكم وأحاطوا به موحدين صفوفهم للثأر والانقضاض على بني هاشم ممثلين في آل البيت تحت زعامة الإمام علي . وفي مواجهة وضع كهذا لا بد على الإمام علي أن يعلن المواجهة والتصدي لا أن يلتزم بالمهادنة والتعايش السلبي كما كان حالة مع أبي بكر وعمر .
ومما تقدم تتضح لنا طبيعة العلاقة بين الإمام وعثمان وطبيعة الموقف الذي تبناه في مواجهة سياساته وممارساته . فقد كان موقفه من أبي بكر وعمر موقف الموجه الشرعي أمام تجاوزاتهم للنصوص أما موقفه من عثمان فهو موقف شرعي سياسي تجاوز الحدود النظرية إلى الحدود العملية .
يقول الإمام في عثمان : . . إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه . وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع . إلى أن انتكث فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته ( 12 ) .
والإمام هنا يهاجم عثمان ويتهمه بالغرور والتكبر والتواطئ مع بني أمية وتبديد مال المسلمين على قومه الذين فتحت أمامهم الأبواب على مصراعيها ليحثو من هذا المال مشبها إياهم بالإبل التي ترعى في النبات وقت الربيع وتأكله بشراهة وملء الفم
وليس بعد هذا التشبيه الدقيق من تشبيه يصور حال عثمان مع بني أمية . وحالهم مع أموال المسلمين . ولم يكن هذا حال سابقيه . فقد كان على الرغم من موقفهما من النصوص ومن آل البيت يلتزمان بسياسة التقشف على أنفسهما ويحرصان على صيانة المال العام ولم تكن لهما ميول للتحصن والاحتماء بقومهما كما فعل عثمان .
* هامش *
( 12 ) نهج البلاغة ج 1 / خطبة رقم 3 . ( * )
- ص 95 -
ولم يرد على لسان الإمام أي نقد لهما فيما يتعلق بهذا الجانب وإنما كان صدامه معهما في حدود النصوص وتطبيقها . أما إذا تعلق الأمر بأمور المسلمين فإن الإمام لا يسالم .
يقول الإمام حين آل الأمر لعثمان : لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التمسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجه ( 13 ) .
وفي هذا القول دلالة على موقف الإمام الثابت من الخلفاء . ذلك الموقف المبنى على التضحية بشخصه من أجل صالح الإسلام والمسلمين . فإذا ما حدث مساس بمصالح المسلمين أو مساس بالإسلام فإن الإمام لا يقف ساكنا وهو ما نراه بوضوح من خلال مواقفه من عثمان .
وحين أصدر عثمان قراره بنفي أبي ذر نادى في الناس أن لا يكلم أحدا أبا ذر ولا يشيعه ضرب الإمام بقرار عثمان هذا عرض الحائط وخرج يشيعه إلى الربذة ومعه عقيل أخوه والحسن والحسين وعمار بن ياسر .
يقول الإمام في وداع أبي ذر : يا أبا ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له . إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه . واهرب منهم بما خفتهم عليه . فما أحوجهم إلى ما منعتهم . وما أغناك عما منعوك ؟
وستعلم من الرابح غدا والأكثر حسدا . ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبد رتقه ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا . لا يؤنسنك إلا الحق . ولا يوحشنك إلا الباطل . فلو قبلت دنياهم لأحبوك . ولو قرضت منها لأمنوك ( 14 ) .
لقد تراكمت التجاوزات والمفاسد والانحرافات في عهد عثمان حتى حاصرته ودفعت بالمسلمين إلى الثورة عليه .
* هامش *
( 13 ) المرجع السابق .
( 14 ) المرجع السابق ج2 خطبة رقم 126 . ( * )
- ص 96 -
وتحاول كتب التاريخ والمؤرخون الدفاع عن عثمان وتبرئته من هذه المفاسد وإلقاء المسؤولية على قوم آخرين ( 15 ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : ما دور الإمام علي في الصدام الذي وقع بين المسلمين وعثمان . . ؟ .
هل تحالف الإمام مع الثوار ضد عثمان . أم صد عن الثورة . . ؟ .
إن المؤرخين يحاولون جاهدين تبييض وجه عثمان بإظهار الإمام علي بمظهر المؤيد له والمتعاطف معه . حتى أنه تصدى للثوار الذين يحاصرون بيت عثمان ووضع الحسن والحسين على بابه شاهرين سيوفهما في وجه الثوار وقد وبخهم توبيخا شديدا على تهاونهما في الدفاع عنه بعد مصرعه ( 16 ) .
إلا أن المتتبع لأحداث تلك الفترة يكتشف أن الإمام قد بذل جهدا كبيرا في نصح عثمان ومحاولة تحريره من سيطرة بن أمية . لكن جهوده هذه قد ضاعت هباءا منثورا أمام إصرار عثمان وموقفه المتصلب والمتعصب لقومه ( 17 ) .
وأمام موقف عثمان هذا اضطر الإمام إلى التنحي جانبا مفسحا الطريق أمام الثوار الذين يدافعون عن حقوق المسلمين لينالوا من عثمان . . وإذا كان معظم الذين شاركوا في الثورة والذين تزعموها هم من أتباع الإمام ومن تلامذته .
فبهذا يتأكد لنا أن الإمام هو المحرك الأول لهذه الثورة التي كانت ترفع لواء الإسلام الحق في مواجهة بني أمية . أو بصورة أخرى ترفع لواء آل البيت في . مواجهة الخط القبلي الذي كشف عن وجهه القبيح على يد عثمان .
إن الصراع لم يكن صراع بين ظالم ومظلوم كما يحلو للبعض تصويره بذلك وإنما كان صراعا بين الحق والباطل . الحق المتمثل في الثوار . . والباطل المتمثل في عثمان وبني أمية .
* هامش *
( 15 ) أنظر كتب التاريخ . وكتاب العواصم من القواصم . والمغني للقاضي عبد الجبار ج20 .
( 16 ) نظر الطبري والبداية والنهاية والكامل لابن الأثير .
( 17 ) أنظر مروج الذهب والإمامة والسياسة والطبري والبداية والنهاية لابن كثير . ( * )
- ص 97 -
والإمام ليس مخيرا في الانحياز لأي من الطرفين . وإنما هو مقيد بالحق ويدور معه حيث دار . والحق واضح وضوح الشمس والباطل كذلك .
ولعل موقف الإمام هذا هو الذي استثمره معاوية فيما بعد في تزكية نار الصراع بينه وبين الإمام من أجل تحقيق مآربه في التسلط على المسلمين . وقد كان بإمكانه نصرة عثمان وإنقاذه لكنه رأى أن التضحية به أنفع له في صراعه مع الإمام ( 18 )
* هامش *
( 18 ) أنظر المراجع السابق . وانظر كتاب عثمان إلى معاوية يستنصر .
في الطبري ج1 / 185 يقول الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلى من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول . . وانظر ابن كثير ج7 / 185
sweet girl
03-17-2008, 08:47 AM
عثمان وبني أمية
قال أبو سفيان حين تولى عثمان مخاطبا بني أمية : يا بني أمية . تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة ( 19 ) .
ويحاول الكثير من المؤرخين إنكار نسبة هذا الكلام لأبي سفيان وإنكار عثمان له إلا أن سياسة عثمان ومواقفه تكشفان صحة هذا القول وصدق نبوءة أبو سفيان .
يقول المودودي : غير أن عثمان حين خلفه - أي عمر - أخذ يحيد عن هذه السياسة رويدا رويدا فطفق يعهد إلى أقاربه بالمناصب الكبرى ويخصهم بامتيازات أخرى اعترض الناس عليها عامة . . ولم يكن رد فعل هذه الأمور سيئا على العامة وحدهم بل على أكابر الصحابة أيضا .
مثال ذلك حينما أخذ الوليد بن عقبة مرسوم حكومة الكوفة وجاء إلى سعد بن أبي وقاص قال له سعد : والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك . فأجابه . لا تجزعن أبا إسحاق فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون . فقال سعد : أراكم والله ستجعلونها ملكا ( 20 ) .
إن أفراد العائلة الأموية الذين تغلغلوا في الحكم بمعونة عثمان ودعمه لم تكن تتوافر بهم المؤهلات الشرعية والسياسية فضلا عن أن مكانتهم الشرعية كانت حرجه فقد ذمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صريحة وحذر منهم لكن عثمان ضرب
* هامش *
( 19 ) أنظر تاريخ الطبري . .
( 20 ) أنظر الخلافة والملك وانظر الإستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ج2 / 604 هامش الإصابة . ( * )
- ص 98 -
بتحذيرات الرسول عرض الحائط وكشف عن وجهه الأموي المعادي لخط آل البيت ( 21 ) .
يقول المودودي : إن أفراد العائلة الذين ارتقوا في عهد عثمان كانوا جميعا من الطلقاء . والمراد بالطلقاء تلك البيوت المكية التي ظلت لآخر وقت معادية للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعوة الإسلامية فعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم بعد فتح
مكة ودخلوا في الإسلام . ومعاوية والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم كانوا من تلك البيوتات التي أعطيت الأمان وعفا الرسول عنهم . أما عبد الله بن أبي سرح فقد ارتد بعد إسلامه وكان واحدا من الذين أمر الرسول في فتح مكة بقتلهم حتى ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ( 22 ) .
ولقد وسع عثمان من نفوذ معاوية على الشام وضم إليه حمص وقنسرين وفلسطين والأردن حي بسط نفوذه على كل الشام وأصبح من أقوى الولاة وأغناهم مما أتاح له الفرصة على منازعة الإمام علنا .
فالشام كانت على هوى بني أمية فلم تكن موطنا للعرب والصحابة كما هو حال العراق . فمن ثم لم يجد معاوية وبني أمية من بعده من ينازعهم فيها وهم استطاعوا التعايش مع أهلها وأهلها تعايشوا معهم ولم يجدوا اختلافا كبيرا بين حياتهم قبل الإسلام وحياتهم بعده بعد أن فتح لهم ، معاوية الدنيا على مصراعها .
ومثل هؤلاء يكونون سيفا واحدا على كل من يحاول المساس بدنياهم ولأجل هذا وقفوا صفا واحدا من خلف معاوية في مواجهة الإمام . لقد اختار أهل الشام إسلام بني أمية ورفضوا إسلام آل البيت فإسلام بني أمية سوف يحفظ لهم دنياهم
ومصالحهم . وإسلام آل البيت سوف يحرمهم من هذه الدنيا وسوف يضرب هذه المصالح اختار أهل الشام معاوية لكونه يمثل استمرارا لخط هرقل والروم والدنيا . . ورفضوا الإمام لكونه استمرارا لخط النبوة والإسلام والآخرة .
يقول عثمان : لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم ( 23 ) .
* هامش *
( 21 ) أنظر نماذج من هذه الأحاديث في البخاري كتاب الفتن .
( 22 ) أنظر كتب التاريخ وكتب السيرة .
( 23 ) رواه أحمد . نقلا عن البداية والنهاية لابن كثير ج7 / 178 . ( * )
- ص 99 -
وعلى الرغم من هذا الحب من قبل عثمان لعشيرته . وما حققه لبني قومه من إنجازات ونفوذ وثراء على حساب المسلمين .
رغم هذا كله كان قومه هم الذين سعوا إلى القضاء عليه والتآمر على قتله فهم قوم سوء استعان بهم عثمان فكان ضحيتهم .
ولقد كانت سياسة عثمان وممارساته المعوجة وتحالفه مع قومه ونبذه لكبار الصحابة وفساد ولاته على الأمصار كل ذلك قد أفقده تعاطف المسلمين وأهل المدينة على الخصوص الذين لم يتحرك أحد منهم لنصرته والدفاع عنه حين حوصر وتركوه
ليلقي مصيره ويجني ما كسبت يداه وإذا كان قومه الذين والاهم وارتبطت مصالحهم به لم يتحركوا لنصرته فكيف يتحرك الغرباء للدفاع عنه .
يبرر ابن كثير الموقف السلبي للصحابة وأهل المدينة تجاه عثمان بقوله : إن كثيرا منهم بل أكثرهم أوكلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله .
ثانيا : إن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم . عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا فتمكن أولئك مما أرادوا . . ومع هذا ما ظن أحدا من الناس أن يقتل بالكلية .
الثالث : أن هؤلاء ( الخوارج ) لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة بل لما اقترب مجيئهم انتهزوا فرصتهم وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم .
الرابع : إن هؤلاء ( الخوارج ) كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الأبطال وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم وفي كل جهة . ومع هذا فإن كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم .
ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجئ إلا ومعه السيف . . وربما لو أرادوا صرفهم عن المدينة لما أمكنهم ذلك وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا
- ص 100 -
لا يصح عند أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان . بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله . ولكن بعضهم يود لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وعمرو بن الحمق وغيرهم ( 24 ) .
وكلام ابن كثير هذا - وهو فقيه أموي النزعة - يحمل الكثير من المتناقضات إذ كيف للصحابة وأهل المدينة وهم يرون هذه الثورة العارمة ضد عثمان ولا يتوقعون مقتله ؟
وكيف لهم أن يتركوا الدفاع عنه وهم يرونه ضائع لا محالة في مواجهة ألفي مقاتل . . ؟
وكيف يستقيم هذا التفسير مع قوله أن كثير من الصحابة اعتزلوا الفتنة ؟ .
وعلى أي أساس نفي ابن كثير وجود موقف من عثمان ورضي بقتله في الوقت الذي تؤكد الروايات أن هناك عدد من الصحابة كان يتزعم هذه الثورة ويحرض المسلمين على عثمان ؟
وكيف له أن يؤكد أن عمار أو ابن أبي بكر وابن الحمق تراجعوا عن موقفهم العدائي . . ؟
ثم أين معاوية وجيشه . . ؟
وابن كثير يدافع عن عثمان دفاعا مستميتا مبررا منكراته مضيفا عليها الشرعية وهو بهذا إنما يدافع عن خطه وفقهه الذي ورثه من القوم والذي هو نابع من الخط الأموي . فمن ثم ليس مستغربا منه هذا الموقف ولا من أي من فقهاء الشام مثل الذهبي والنووي وابن تيمية وابن عساكر وغيرهم ممن ناصبوا خط آل البيت العداء ( 25 ) .
يقول ابن كثير : أنه قيل لعثمان حين أنكر أمر البريد - أي الكتاب الذي زوره مروان وعاد على أساسه الثوار لحصار عثمان بعد أن تركوا حصاره لرضوخه لمطالبهم - : إن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت ومثلك لا يصلح للخلافة . إما لخيانتك وإما لعجزك .
ويعلق ابن كثير على هذا الكلام بقوله : وهذا الذي قالوه باطل على كل تقدير
* هامش *
( 24 ) المرجع السابق ص 186 ، 187 .
( 25 ) أنظر تاريخ الإسلام للذهبي . وفتاوى ابن تيمية ج3 . والنووي شرح مسلم باب مناقب عثمان . ( * )
- ص 101 -
فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب وهو لم يكتبه في نفس الأمر لا يضره ذلك لأنه قد يكون رأى في ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام . وأما إذا لم يكن قد علم فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد أطلع عليه وزور على لسانه وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه . وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون ( 26 ) .
لقد تمادى ابن كثير في تبريره لانحرافات عثمان إلى الحد الذي دفعه إلى تغليف هذه الانحرافات بالنصوص النبوية التي تضفي المشروعية عليها . فهو قد اعتبر أن الحاكم من حقه أن يفعل ما يشاء بالأمة تحت شعار المصلحة وعلى الأمة أن تلتزم بالسمع والطاعة لأن الرسول أمر بذلك .
ومعنى ذلك أن عثمان بعد ما وافق الثوار على مطالبهم ثم عاد وانقلب عليهم وأرسل كتابه المذكور الذي يأمر فيه ولاة الأمصار التي سوف يصلون إليها بقتلهم - معنى ذلك أن هذا الغدر مبرر في عرف ابن كثير .
ثم تأمل الألفاظ العصبية التي تنم عن عدم معالجته الحدث برؤية حيادية منصفة والتي وصف بها الثوار فهو قد نصب نفسه قاضيا وجلادا في آن واحد ( 27 ) .
ونفس هذا النهج في تفسير أحداث التاريخ المتعلقة بالخط القبلي وخط بني أمية التزم به ابن تيمية والذهبي والنووي وابن خلدون وابن حزم وغيرهم ( 28 ) .
ومثلما دافع هؤلاء عن عثمان دافعوا أيضا عن معاوية ومروان وسائر بني أمية وزكوهم وأضفوا المشروعية على مواقفهم وممارساتهم في الوقت الذي وقفوا فيه من الإمام علي موقفا مشبوها ومعاديا في أحيان كثيرة ( 29 ) .
ولقد كان مصرع عثمان هو بداية الصراع العسكري بين الخط الأموي وخط آل البيت . ذلك الصراع الذي انتهى بسيادة الخط الأموي .
* هامش *
( 26 ) ابن كثير ج7 / 180 .
( 27 ) ابن كثير من فقهاء الشام وهو يسير على نهجهم وخاصة نهج أستاذه ابن تيمية . .
( 28 ) أنظر تاريخ الإسلام للذهبي وفتاوى ابن تيمية وشرح مسلم للنووي وتاريخ ابن خلدون والفصل في الملل والنحل لابن حزم .
( 29 ) أنظر المراجع السابقة . وانظر العواصم من القواصم . وقد شكك ابن تيمية في كثير من الروايات الواردة في حق الإمام علي .
أنظر منهاج السنة وكذلك الفتاوى . وقد نقل ابن حزم في كتابه المحلى ج10 / 484 إجماع الأمة على أن ابن ملجم لم يقتل الإمام
علي إلا متأولا . ( * )
- ص 102 -
يروي ابن الأثير : وحمل عبد الله بن سعد بن أبي سرح خمس إفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان وكان هذا مما أخذ عليه .
وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقيا فإن بعض الناس يقول أعطى عثمان خمس إفريقيا عبد الله بن سعد وبعضهم يقول أعطاه مروان بن الحكم وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع إفريقيا ( 30 ) .
ويروي ابن سعد أن عثمان كتب لمروان خمس مصر ( 31 ) .
ويروي ابن كثير والطبري أن نائلة زوجة عثمان قالت له ناصحة إنك متى أطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة ( 32 ) .
إلا أن عثمان ضرب بنصح زوجته عرض الحائط وقام بتعيين مروان ( سكرتيرا ) له فكان أن استغل ثقة عثمان به فخطط وتآمر على الإسلام والمسلمين ( 33 ) .
وبدافع أبو بكر بن العربي عن موقف عثمان من معاوية بقوله : وأما معاوية فعمر ولاه وجمع له الشامات وأقره عثمان بل إنما ولاه أبو بكر لأنه ولى أخاه يزيد واستخلفه يزيد فأقره عمر لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلافه واليا له فتعلق عثمان بعمر وأقره . فانظروا إلى هذه السلسلة ما أوثق عراها وأقدر سردها ولن يأتي مثلها بعدها أبدا ( 34 ) .
ويدافع عن موقفه من الوليد بن عقبة بقوله : وأما تولية الوليد بن عقبة فلأن الناس على فساد النيات أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات . وأما قول القائل في مروان والوليد فشديد عليهما وحكمهم عليهما بالفسق فسق منهم . مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين ( 35 ) .
* هامش *
( 30 ) أنظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 / 46 .
( 31 ) طبقات ابن سعد ج2 .
( 32 ) أنظر الطبري ج3 / 396 . وابن كثير ج 7 / 172 .
( 33 ) أنظر المراجع السابقة .
( 34 ) أنظر العواصم من القواصم .
( 35 ) المرجع السابق . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:48 AM
المحطة الخامسة على نهاية الصراع الفكري وبداية الصراع العسكري
- ص 105 -
بعد مصرع عثمان هرع الناس نحو الإمام علي ليولوه أمرهم ( إنه لا يصلح الناس إلا بأمرة ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأمام إصرار الجماهير وافق الإمام مشترطا أن تكون بيعته علنا ولا تكون إلا عن رضى المسلمين . وتمت البيعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
ولقد كانت بيعة الإمام أول حركة انتخاب جماهيري حق في تاريخ الإسلام فمن ثم فإن دولة الإمام قامت على أكتاف الجماهير لتعبر عن مصالح الجماهير رافعة راية الإسلام النبوي .
من هنا فقد اصطدم بها أنصار الخط القبلي والمنتفعين والمنافقين ثم بني أمية وعملوا على هدمها والحيلولة دون أن تأخذ امتدادها الطبيعي على ساحة الواقع ويتحقق لها الاستقرار والتمكن .
إن جميع القوى التي واجهت الإمام كان يتزعمها صحابة كان لهم موقفهم الثابت من الإسلام النبوي ومن آل البيت من قبل وفاة الرسول وقد برز هذا الموقف بوضوح بعد وفاته وأخذ في التطور حتى وصل إلى صورته التي واجهها الإمام وتصدى لها .
لقد كانت القوى المناوئة للإسلام النبوي تعمل جاهدة منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لتقضي على معالم هذا الإسلام وحصار آل البيت وعزل الإمام علي عن جماهير المسلمين .
* هامش *
( 1 ) أنظر الطبري ج3 . والبداية والنهاية ج7 . والإستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر . ويذكر أن عدد من الصحابة فروا من المدينة إلى الشام فور تسلم الإمام علي الحكم . .
يروي ابن كثير عن الطبري قوله : هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليا ولم يبايعه قدامة بن مظعون وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة . . وقال ابن كثير : وهرب مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وآخرون إلى الشام . . وبايع الأنصار إلا سبعة : عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص . وصهيب وزيد بن ثابت ومحمد بن أبي سلمة ومسلمة بن سلامة وأسامة بن زيد . أنظر البداية ج7 / 227 . ( * )
- ص 106 -
وكان وصول علي إلى الحكم بمثابة ضربة قاصمة لهم ولمخططاتهم . فمن ثم فإن المواجهة العسكرية فرضت نفسها كوسيلة وحيدة لإجهاض دولة الإمام .
وهكذا دخل الإمام علي في مواجهات عسكرية مع هذه القوى بقيادة كبار الصحابة وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بقيادة بني أمية وأخيرا بقيادة الخوارج .
وهذه القوى الثلاث إنما تمثل خطوطا استمرت باقية في واقع الأمة وتفرخت منها الاتجاهات المعادية للإسلام النبوي وخط آل البيت تلك الاتجاهات التي صبت في النهاية في دائرة الإسلام الأموي .
ولم تكن مواجهة الإمام علي لهذه القوى من باب الحفاظ على كيان الدولة واستقرارها فهذا السبب لا يعكس حقيقة الصراع وهو سبب ظاهري يستنتجه من لا يفقه حقيقة الإسلام النبوي وحقيقة الإسلام الأموي .
إن فقه الإسلام النبوي سوف تقود إلى فقه حقيقة الإسلام الأموي وبالتالي سوف تقود إلى فقه حركة الصراع الذي دار بين الإمام وبين هذه القوى وإن فهم حقيقة الإسلام النبوي لن يتم إلا بفهم شخصية الإمام علي ودوره ومكانته . .
شخصية الإمام
هناك عدة ملامح رئيسية لشخصية الإمام علي :
الملمح الأول : الربانية فهذه الشخصية قد تربت على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وارتوت من معينه وهذا أمر له دلالته وانعكاساته على شخصية الإمام فتربية الرسول له ثم مصاهرته إنما يعني الاصطفاء فكما أن الرسول تم اصطفاؤه فإن عليا أيضا تم اصطفاؤه .
وهذا الاصطفاء لا يمكن أن يكون عبثا وإنما له أبعاده المستقبلية وهذا ما تشير إليه كثير من النصوص الواردة عن الرسول : ومن هذه النصوص : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( 2 ) .
* هامش *
( 2 ) أنظر البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة . باب فضائل علي . . وأنظر الترمذي . . ( * )
- ص 107 -
علي مني وأنا منه ( 3 ) .
من كنت مولاه فعلي مولاه . ( 4 ) .
لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ( 5 ) .
سدوا أبواب المسجد إلا باب علي ( 6 ) .
ومثل هذه النصوص كثير لا يتسع المجال لذكرها هنا وما ذكرناه فيه الكفاية للاستدلال على ما نقول . ويكفي في حق علي شموله قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فهذا النص هو الدليل الساطع والبرهان القاطع على ربانيته ( 7 ) .
الملمح الثاني : العلم فإن من يتربى على يد الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد وأن ينهل من علمه . فما دام الرسول قد أعطاه هذه الخصوصية فلا بد أن يسلحه بالعلم حتى يتمكن من القيام بدوره .
وقد تفوق الإمام علي بفقهه على جميع الصحابة ولم يضاهيه في ذلك أحد حتى أن عمر الذي يشهدون له بالفقه والعلم شهد لصالح علي وأقر بتفوقه عليه ( 8 ) .
هناك الكثير من النصوص النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة : أنا مدينة العلم وعلي بابها ( 9 ) .
* هامش *
( 3 ) أنظر البخاري . باب فضائل علي . .
( 4 ) أنظر مسند أحمد ج1 .
( 5 ) أنظر مسلم كتاب الإيمان . .
( 6 ) أنظر الترمذي كتاب المناقب . ومسند أحمد ج1 . وفتح الباري ج7 .
( 7 ) أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة . مناقب علي وآل البيت . .
( 8 ) أنظر طبقات ابن سعد ج2 . ومسند أبو داود الطيالسي . .
( 9 ) ورد هذا الحديث في الترمذي كتاب المناقب بلفظ : أنا دار الحكمة وعلي بابها . وورد لفظ أنا مدينة العلم في مستدرك
الحاكم ب 3 / 126 . وانظر مناقب الخوارزمي وأسد الغابة وتاريخ بغداد والبداية والنهاية لابن كثير ج7 / 358 . .( * )
- ص 108 -
أعلمهم بما أنزل الله علي ( 10 ) .
ن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه فلينظر إلى علي ( 11 ) .
أعلم أمتي بعدي علي ( 12 ) .
أقضاكم علي ( 13 ) .
وهناك شهادات للإمام علي على لسان كثير من الصحابة وعلى رأسهم عمر الذي كان يستعين بعلي في كل معضلة وكان يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن ( 14 ) .
ويقول الإمام علي عن نفسه : سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت . إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا طلقا ( 15 ) .
ومثل هذه النصوص إنما تشير إلى أن الإمام لديه علم خاص ورثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أساس هذا العلم كان يواجه الواقع والأحداث .
فلم يكن الإمام مجرد قائد وجد في ظرف قاس فواجه هذا الظرف بما لديه من خبرة وكفى .
ولم يكن الإمام مجرد حاكم واجه تمرد من الرعية فتحرك لمواجهته وحسمه .
لم يكن الإمام مجرد صحابي كبقية الصحابة كما يحاول أهل السنة أن يصوروه .
* هامش *
( 10 ) أنظر مسند الطيالسي ومسند أحمد . . .
( 11 ) أنظر سنن البيهقي . . ومسلم .
( 12 ) أنظر مناقب الخوارزمي . . ومسلم
( 13 ) أنظر مجمع الزوائد للهيثمي ج9 / 114 . . وحلية الأولياء 1 / 65 . والإستيعاب . .
( 14 ) أنظر طبقات ابن سعد ومستدرك الحاكم . . والإصابة في تمييز للصحابة لابن حجر . وسير أعلام النبلاء للذهبي
( 15 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 109 -
لقد كان الإمام نموذجا خاصا تربى تربية خاصة ومنح علما خاصا ووضع على كاهله القيام بدور خاص . . ولعل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمام : إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله ( 16 ) .
وهو علي خاصف النعل كما أشارت الرواية . قول الرسول هذا يؤكد وجود هذا العلم الخاص لدى الإمام . فالرسول كان يقاتل المشركين على علم . والإمام يقاتل المسلمين على علم أيضا . بل الحاجة للعلم في مقاتلة أهل القبلة من المسلمين أشد من الحاجة إليه في مواجهة المشركين .
فكون الإمام يواجه عائشة زوجة النبي ويقاتلها لا بد وأن يكون لديه علم خاص . وكون الإمام يواجه معاوية وابن العاص والمغيرة وغيرهم ويقاتلهم لا بد وأن يكون لديه علم خاص . وكون الإمام يواجه الخوارج وقد كانوا من أتباعه ويقاتلهم لا بد وأن يكون لديه علم خاص . .
إن الإمام علي لم يشهر سيفا في مواجهة المشركين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بل شهر سيفه في مواجهه أهل القبلة وهذا أمر له دلالاته الهامة والتي تشير إلى اختصاصه بهذا العلم .
ولقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج عائشة وقتالها لعلي ( 17 ) .
وبشر بظهور بني أمية وقتالهم علي ( 18 ) .
* هامش *
( 16 ) مسند أحمد ج3 .
( 17 ) تنبأ رسول الله ( ص ) أن عليا سيقاتل قريشا في سبيل الله . أنظر الترمذي . كتاب المناقب ومسند أحمد ج2 ،
ويروي أن الرسول ( ص ) حذر عائشة من الخروج وتنبأ بقتالها علي . أنظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي .
وانظر طبقات ابن سعد . وتنبأ بقتل عمار على يد الفئة الباغية فئة معاوية . أنظر مسلم كتاب الفتن باب / 18 .
وانظر طبقات ابن سعد ج3 والحاكم .
( 18 ) أنظر البخاري كتاب الفتن . . ( * )
- ص 110 -
وبشر بظهور الخوارج وقتالهم علي ( 19 ) .
ومثل هذه النبوءات التي ارتبطت بعلي من دون بقية الصحابة إنما تؤكد أن للإمام علي خاصية يتفرد بها على الآخرين وهي خاصية العلم .
أما الملمح الثالث فهو القيادة . وهي صفة خاصة جعلت من الإمام قائدا نبويا وليس مجرد قائد كبقية القادة الذين برزوا على ساحة التاريخ . والقيادة النبوية شئ متفرد واختص به الإمام ليلعب دورا من بعد الرسول ويسد الفراغ الذي حدث بغيابه . وبتأمل سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم مع الإمام وعلاقته به تتحدد لنا بوضوح هذه الخاصية .
يروي ابن عباس : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية إلى علي وهو ابن عشرين سنة ( 20 ) .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله . ويحبه الله ورسوله : فلما كان الغد دعا عليا فدفعها إليه ( 21 ) .
وكان الصحابة يرددون لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي . وقد قتل أشهر فرسان العرب يوم الخندق وأصاب المشركين بنكسة معنوية كبيرة ( 22 ) .
وشجاعة الإمام علي ليست بحاجة إلى برهان وسيرته مع الرسول تشهد بذلك .
* هامش *
( 19 ) أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج وصفاتهم والتحريض على قتلهم .
ويروي علي عن الرسول ( ص ) قوله : يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية .
لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة . .
أنظر مسند أحمد والبخاري كتاب الفتن ومسلم . ، وانظر أحاديث حذيفة في كتاب الفتن بالبخاري وهي تبين أن هناك ردة وكفر بعد
رسول الله . وحديث كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر .
وحذيفة من خط الإمام علي . ويمكن للباحث أن يقارن بين روايات أنصار الخط القبلي وروايات أنصار الإمام ليدرك مدى الهوة
السحيقة بين الطرفين ومدى الفارق العلمي بينهما .
( 20 ) رواه الطبراني . .
( 21 ) أنظر البخاري ومسلم . باب فضائل علي . ومسند أحمد ج2 .
( 22 ) الفارس الذي قتله علي هو عمرو بن الود . ( * )
- ص 111 -
وقد كان الرسول يوطن فيه من صغره الشجاعة والمواجهة والخشونة . وكان اختياره له ليبيت في مضجعه ليلة الهجرة صورة من صور التربية النبوية له والتي تعده ليكون قائدا فذا يحمل راية الإسلام النبوي من بعده .
وتروي كتب التاريخ . أن عليا كان صاحب لواء الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر وفي كل المشاهد ( 23 ) وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي في حجة الوداع أمام أكبر حشد من الصحابة والمسلمين في تاريخ الدعوة إنما تؤكد هذه
الخاصية وهذا الدور الذي وكل إليه . وهي تؤكد من جانب آخر شرعية هذا الدور وارتباط خطوات الإمام ومواقفه المستقبلية بحدود الشرع وبالإسلام النبوي . .
يروى أن عليا نشد الناس قائلا : من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم إلا قام . فقام اثنا عشر بدريا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم : أليس الله أولى بالمؤمنين قالوا : بلى قال : اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( 24 ) .
ويوم غدير خم أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي ( 25 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي ( 26 ) .
وغدير خم موضع ماء يقع في واد بين مكة والمدينة توقف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حين عودته من حجة الوداع وخطب فيه خطبة طويلة جزء منها كان خاصا بالإمام علي وبأهل البيت وهم علي وفاطمة والحسن والحسين .
* هامش *
( 23 ) أنظر طبقات ابن سعد ج3 .
( 34 ) أنظر مسند أحمد 1 .
( 25 ) أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة . باب مناقب علي . .
( 26 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 112 -
وكون الرسول يوصي بعلي وأهل البيت في خطبة الوداع فكأنه يؤكد للأمة ضرورة الالتزام بالإسلام النبوي الذي سوف يمثله علي من بعده . ويحذرها من الانحراف عن هذا الإسلام بترك موالاة الإمام علي وأهل البيت .
لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة الكتاب وربط هذا الكتاب بآل البيت بزعامة الإمام علي فمن التزم بالكتاب التزم بآل البيت . ومن حاد عن الكتاب حاد عن آل البيت .
إن ربط الكتاب بالإمام يضفي المشروعية على كل خطوات الإمام ومواقفه . فهو قد اختير من قبل الرسول ليكون مفسر هذا الكتاب والمعبر عنه والناطق بلسانه .
ومن هنا يتبين لنا أن شخصية الإمام ومكانته ودوره لا يقاس به أحد . وإن محاولة فهم حركة الإمام علي بمعزل عن هذه الرؤية سوف يموه على حقيقة الصراع الذي دار بينه وبين أنصار الخط القبلي بقيادة أبي بكر وعمر وعثمان والذي تطور
إلى الصدام العسكري مع عائشة وطلحة والزبير ومع الخوارج ثم في النهاية مع بني أمية بقيادة معاوية . وأن محاولة رفع بني أمية أو التقليل من شأن الإمام علي أو مساواته بمعاوية كما هي عقيدة أهل السنة ليست فقط سوف تؤدي إلى التمويه
على حقيقة الصراع الذي دار بين الإمام وخصومه كما هو الهدف الظاهر منها . وإنما سوف تؤدي إلى التمويه على حقيقة الإسلام النبوي الذي يمثله الإمام نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي سوف تكون النتيجة هي ارتفاع الإسلام
القبلي إسلام بني أمية وعلو مكانته على حساب الإسلام النبوي ( 27 ) .
وتلك هي النتيجة التي استقرت عليها الأمة بعد وقعة صفين وبعد اختفاء الإسلام النبوي وسيادة الإسلام القبلي على يد بني أمية ذلك الإسلام الذي تعبر عنه عقيدة أهل السنة والذي تحول إلى دين الأغلبية بدعم الحكومات المتعاقبة من عصر بني أمية وحتى اليوم .
* هامش *
( 27 ) يروى عن عبد الله بن حنبل قال : سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية ؟ فأطرق . ثم قال : إعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوه ، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي . .
وقال ابن حجر معلقا على هذا الكلام . فأشار بهذا - أي ابن حنبل - إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له . .
أنظر فتح الباري ج7 / 104 . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:48 AM
رجال الإمام
إن المتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يكتشف أن هناك عدد من الصحابة كان يناصر الإمام علي ويلتف حوله وكما زكى الرسول الإمام علي وجعل له خصوصية زكى أيضا هؤلاء الصحابة وباركهم .
ولكثرة ما ورد في علي على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب هذا على المؤمنين المخلصين أن يشايعوه ويتبعوه لكون مشايعته واتباعه هو امتداد للالتزام بنهج الرسول . فما دام حب عليا من الإيمان وبغضه من النفاق ولكون القرآن مع علي وعلي مع القرآن أصبح موالاة الإمام علي مسألة شرعية وواجب إيماني ( 28 ) .
ومن الصحابة الذين شايعوا الإمام علي في حياة الرسول وبعد وفاته : أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وبلال بن أبي رباح والمقداد وحذيفة بن اليمان . وجابر بن عبد الله وخباب بن الأرت وسلمان الفارسي وحجر بن عدي . وحسان بن ثابت .
وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عباس والعباس بن عبد المطلب وأبو أيوب الأنصاري وخزيمة ذي الشهادتين وأبي بن كعب وسهل بن حنيف وقيس بن سعد بن عبادة والبراء بن مالك وعثمان بن الأحنف وخالد بن سعيد بن العاص وهند بن أبي هالة
وأبي الطفيل عامر بن وائلة وأنس بن الحرث بن نبيه وجعدة بن هبيرة المخزومي وأبي التيهان ورفاعة بن مالك الأنصاري ( 29 ) .
ومن الواضح أن هذه النماذج من الصحابة ذات مكانة ودور خاص في واقع الدعوة وبمقارنتها بالنماذج الأخرى التي التفت حول معاوية يتضح لنا مدى الهوة السحيقة بينهما . إن النماذج التي تحالفت مع الإمام علي وناصرته هي من خلص الصحابة الذين توفي الرسول وهو عنهم راض .
هذه النماذج لم يقتصر دورها في حدود مناصرة الإمام علي أثناء صراعه مع معاوية . بل إن دور هذه العناصر بدأ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد وقفت هذه
* هامش *
( 28 ) حديث علي مع القرآن رواه الحكم ج3 / 124 . وانظر مناقب الخوارزمي وتاريخ الخلفاء للسيوطي . .
( 29 ) أنظر ترجمة هؤلاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر . وأسد الغابة لابن الأثير . . ( * )
- ص 114 -
العناصر مع الإمام في مواجهة الخط القبلي كما وقفت معه في موجهة عثمان وعائشة والخوارج . أما النماذج الأخرى التي تحالفت مع معاوية فقد حامت من حولها الشكوك وليس في تاريخها ما يوجب الثقة فيها . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم . قيل يا رسول الله سمهم لنا ؟ قال : علي منهم . يقول ذلك ثلاثا . وأبو ذر والمقداد وسلمان ( 30 ) .
وجميع هذه العناصر المذكورة من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم وأصفياؤه ولهم تاريخ مشرق ومكانة فذة . . فبلال مؤذن الرسول . . وحذيفة صاحب سره . . وأبي بن كعب من قراء القرآن . . و عبد الله بن عباس حبر الأمة . .
وعمار بن ياسر ابن الشهيدين . . وخزيمة ذي الشهادتين . . وحسان بن ثابت شاعر الرسول . ولا تجد في صفوف أنصار الخط القبلي أو الخط الأموي من يضاهي هؤلاء .
* هامش *
( 30 ) أنظر الترمذي كتاب المناقب . وانظر سنن ابن ماجة المقدمة . ومسند أحمد ج5 . . ( * )
شخصية معاوية
كان معاوية من الطلقاء الذين أطلقهم الرسول بعد فتح مكة . وظل هو وأبوه في عداد المؤلفة قلوبهم حتى عهد عمر الذي قام بإلغاء نصيب المؤلفة قلوبهم وتم بالتالي رفع معاوية إلى مرتبة المسلمين هو وأبوه .
- ص 115 -
إلا أن النصوص التاريخية والنبوية لا تؤكد دخوله هو وأبوه في دائرة الإسلام فلم يظهر من كلاهما ما يبدد شبهة الكفر عنهما
لكن فقهاء القوم بدلا من أن يبحثوا هذه المسألة قاموا بدعم بني أمية وعلى رأسهم معاوية وإضفاء المشروعية عليهم ولم يحاول أحد منهم التشكيك في الروايات المخترعة من أجل رفع مكانته ودفع المسلمين إلى الثقة فيه . .
وإذا أردنا تتبع تاريخ معاوية فلن نكتشف له شيئا يذكر في المحيط الإسلامي . فلا هو بصاحب شجاعة ولا هو رجل سيف . . ولا هو صاحب علم ولا هو صاحب فضل . . ولا هو احتك بالرسول ولا هو احتك بالصحابة .
فمن أين جاءته تلك المكانة التي وضعوه فيها ؟ .
وكيف للقوم إن يساووا مثل هذا بالإمام علي . . ؟
إن أهم ملامح شخصية معاوية هي المكر والخديعة والغدر وهي ملامح عباد الدنيا وأهل الفجور ولولا تحالف ابن العاص وأبو هريرة معه ما استقام له الأمر ولا ظل له ذكر . . فابن العاص دعمه بخططه ودهائه . وأبو هريرة دعمه برواياته التي نسبها إلى الرسول ( ص ) . .
ثم إن الأحداث خدمته في النهاية ويسرت له الطريق نحو التمكن والسيادة على المسلمين ولم يكن له دور أو فضل في ذلك . . فالذين وقفوا على الحياد خدموه . . والذين حاربوا الإمام علي خدموه . . والذين اغتالوا الإمام علي خدموه . . والذين خذلوا الإمام الحسن خدموه . . والتي اغتالت الإمام الحسن خدمته .
يروي ابن حجر : كان معاوية بمنى وهو غلام مع أمه إذ عثر . فقالت قم
- ص 116 -
لا رفعك الله فقال لها أعرابي لم تقولين هذا والله إني لأراه يسود قومه . فقالت : لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه ( 31 ) .
ويروى عن ابن عباس قوله : ما رأيت أحدا أحلى للملك من معاوية . . ( 32 )
ويروى على لسان الرسول ( ص ) قوله لمعاوية : يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله وأعدل . يقول معاوية معلقا : فما زلت أظن أني مبتلى بعمل سويد فيه مقال . . ( 33 )
* هامش *
( 31 ) أنظر الإصابة ج3 / 433 / 434 . ترجمة معاوية حرف الميم . القسم الأول . . ومثل هذه الروايات لا يحكم أهل السنة
بثبوتها فلم تصح في معاوية منقبة كما صرح بذلك إسحاق بن راهويه شيخ البخاري لكن القوم اخترعوها لدعم معاوية
وتبرير مواقفه وإخفاء المشروعية على حكمه
( 32 ) المرجع السابق . .
( 33 ) المرجع السابق . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:49 AM
رجال معاوية
لم تكن لمعاوية مكانة ولا قدرا في الإسلام . ولم يكن بصاحب علم أو دين . إنما كان صاحب جاه ونفوذ لذا فإن الذين التفوا من حوله كانوا من أصحاب الدنيا والمغنم ولم يكونوا من أصحاب الدين . .
وكانت وسائل معاوية في جذب الرجال إليه تتركز . في المال والإغراء بالمناصب كما تتركز في الدعاية المضللة التي تهدف إلى التمويه على الباطل الذي يمثله ويرفع رايته . . المال والمناصب كانت وسيلة جذب من يعرفه وعاصره . .
والدعاية كانت وسيلة جذب من لا يعرفه من التابعين . . وكلا من الطرفين كان يرتبط بمعاوية ارتباطا مصيريا إذ أن تركه معاوية يعني أنه لن يجد مكانا لدى الطرف الآخر طرف الإمام علي . .
ومن أبرز العناصر التي التفت حول معاوية وتحالفت معه : عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري ومروان بن الحكم .
- ص 117 -
ومثل هذه العناصر صاحبة تاريخ مشبوه وليست بذا ثقل في واقع الدعوة ولم تكن صاحبة مكانة ( 34 ) في حياة الرسول ( ص ) بل كانت منبوذة مذمومة . .
من هنا فقد عملت هذه العناصر على القيام بحملة دعاية واسعة الهدف منها إضفاء المشروعية على مواقفهم وممارساتهم ورفع مكانتهم أمام المسلمين : فكان أن قاموا باختراع الروايات ونسبتها للرسول تلك الروايات التي تزكيهم وتضع الحق إلى جانبهم وتموه على الجانب الآخر وتسهم في جذب المسلمين من التابعين إلى صفوفهم . . ( 35 )
من هنا فقد استطاع معاوية بمعونة أبي هريرة وابن العاص أن يشكلوا جبهة دعاية واسعة استطاعوا بواسطتها أن يغرروا بالمسلمين ويعزلوهم من خط آل البيت . . وكان وقوف عدد من الصحابة على الحياد في الصراع الدائر بين الإمام ومعاوية قد شكل وسيلة دعم لمعاوية وضربة للإمام علي .
إذ دفع بكثير من المسلمين إلى التشكك في جدوى الصراع وهذا أمر في صالح معاوية بلا شك . . وعلى رأس الذين وقفوا على الحياد عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة . وليس من المعقول تصور أن ابن عمر وهؤلاء المحايدين كانوا يجهلون حقيقة الموقف .
وإن سلمنا ( 36 ) لهم بذلك . فكيف نسلم بجهلهم بحقيقة أبي هريرة وابن العاص ومعاوية . . ؟ .
* هامش *
( 34 ) أنظر لنا فقه الهزيمة باب الرجال . وكتاب الخدعة . .
( 35 ) نهج البلاغة . ج1 / خطبة رقم 198 . .
( 36 ) أنظر تراجم هؤلاء في أسد الغابة والإصابة والإستيعاب . . وابن عمر أحد ركائز الخط الأموي وعقيدة وفقه أهل السنة ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:50 AM
المواجهة سيف الإيمان يقارع سيف الشيطان . .
- ص 121 -
لم تكن المواجهة العسكرية التي حدثت بين الإمام علي وبين عائشة ومعاوية والخوارج يعود سببها إلى الصراع على الحكم كما قد يتصور البعض ممن يقرأون أحداث التاريخ على أسس سياسية بحتة بمعزل عن الدين .
فالإمام لم يواجه هؤلاء كخارجين على الجماعة فلم تكن هناك جماعة إنما كانت هناك شيع وأحزاب . . كانت سيوف القوم على الإمام وقلوبهم مع سواه مما دفع بالإمام إلى نقل عاصمته من المدينة إلى الكوفة حيث توجد القاعدة الجماهيرية العريضة المناصرة له . .
لقد كان الصراع بين الإمام وبين هذه الجبهات الثلاث صراعا عقائديا ولم يكن صراعا سياسيا . . فهذه الجبهات كانت تواجه الإمام بعقيدة ومنهج وراية . . كانت عائشة ترفع راية الخط القبلي . . وكان معاوية يرفع راية بني أمية . . وكان الخوارج يرفعون راية التكفير . .
وكان الإمام في مواجهتهم يرفع راية الإسلام النبوي . . إن عائشة أو معاوية أو الخوارج لم يظهروا من فراغ إنما هم يمثلون خطوطا تهدف إلى فتنة المسلمين .
وإن المتأمل في الروايات الواردة حول هؤلاء في كتب السنن يتبين له هذا الأمر بوضوح . . ولقد بدأت المواجهة بين الإمام وبين هؤلاء فور وفاة الرسول ( ص ) وطوال عهد الخلفاء الثلاثة لم تكن تخرج هذه المواجهة عن حدود الصدام الفكري .
أما حين برز دور الإمام بعد مصرع عثمان خرجت المواجهة عن حدود الصدام الفكري إلى الصدام العسكري بعد أن أحست الجبهات الثلاث بخطورة الأمر وتهديده لوجودها ومستقبلها . . فلم يكن يضر عائشة وجود عثمان على دفة الحكم أو سواه . . ولم يكن يضر معاوية وجوده أو وجود سواه . .
- ص 122 -
أما وجود الإمام فهو يمثل تهديدا صارخا لأنه يرفع راية إسلام آخر يكشف زيف إسلامهم وفي حالة وجود عثمان أو سواه على دفة الحكم كان معاوية سيخرج رافعا رايته .
فقد كانت المسألة بالنسبة له مسألة وقت كان وصول الإمام إلى الحكم قد اختصره . . وأما مواجهة الإمام للخوارج فهي تعكس خصوصيته بمواجهتهم والتصدي لنمطية الفكر والطرح الذي يطرحونه والذي يمثل تهديدا للإسلام النبوي .
ويمثل نمطية ثابتة ومستمرة في مواجهة هذا الإسلام على مر الزمان . وكما تم القضاء على الخوارج على يد الإمام علي فلن يتم مواجهتهم والقضاء عليهم بعد الإمام إلا بواسطة خط الإمام . .
إن الإمام علي لم يكن يهدف من وراء هذه المواجهة إلى القضاء على عائشة أو معاوية أو الخوارج بقدر ما كان يهدف إلى إقامة الحجة وإظهار الحق وتعرية الباطل ورفع راية الإسلام النبوي .
وهذه هي حقيقة دور الإمام . . إظهار الحق وإن لم يتحقق تمكينه وسيادته . . وتعرية الباطل وإن لم يتم القضاء عليه . .
الجمــل
يروى أن أبا بكر استأذن على النبي ( ص ) فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول : والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي . . ( 1 )
وسئلت عائشة من كان رسول الله ( ص ) مستخلفا ؟ قالت : أبو بكر . قيل ثم من ؟ قالت : عمر . قيل ثم من لله قالت : أبو عبيدة بن الجراح . . ( 2 )
إن الرواية الأولى تكشف لنا أن هناك موقفا معاديا من علي تتبناه عائشة . وأن هذا الموقف يعود سببه إلى تفضيل الرسول ( ص ) لعلي على أبيها . .
* هامش *
( 1 ) أنظر أحمد وأبو داود والنسائي . وفتح الباري ج7 / 27 .
( 2 ) أنظر فتح الباري ج7 / 32 . والحديث رواه مسلم . . ( * )
- ص 123 -
والرواية الثانية تكشف لنا أن عائشة لم تكن تعترف بخلافة عثمان ولا بخلافة علي ووضعت مكان عثمان ابن الجراح وهو ما لم يقل به أحد من الرواة ولم يذكر على لسان أحد من الصحابة .
ويخالف عقيدة أهل السنة في الاقرار بخلافة علي بعد عثمان . ومن خلال الروايتين معا يتبين لنا أن موقف عائشة من الإمام علي ليس موقفا هامشيا أو سطحيا عارضا كما يحاول مؤرخو القوم وفقهاؤهم أن يصوروه رابطينه بحادثة الإفك . . ( 3 )
وباستعراض الروايات السابقة الخاصة بعائشة خاصة تلك التي تتعلق بوفاة الرسول ( ص ) يتبين لنا عمق هذا الموقف وجذريته . . ( 4 )
ولقد تبلور هذا الموقف في حياة الرسول ( ص ) حين كانت لعلي مكانته المرموقة والعالية التي فاقت جميع الصحابة وعلى رأسهم أبيها . . ( 5 )
ثم أخذ هذا الموقف امتداده وتطوره بعد وفاة الرسول ( ص ) في حماية أبيها وقد تحقق لها ما كانت تطمح من مكانة ومقام لأبيها وعزل الإمام علي عن واقع المسلمين . .
وطوال عهد أبيها وعهد عمر لم تكن لتهتز مكانة عائشة وسلطانها ولم تكن لترتفع مكانة علي عن الحدود المرسومة من قبل الخليفتين . .
إلا أنه بعد مصرع عمر ووصول عثمان إلى الحكم تغير الوضع إذ برز بنو أمية وناطحوا عائشة وعلى والجميع مما دفع بعائشة إلى التصدي لعثمان ومنابذته . . وعندما ثار المسلمون على عثمان وقتلوه وبايع الناس الإمام علي الخلافة وجدت
* هامش *
( 3 ) يحاول مؤرخي السنة ربط الموقف العدائي الذي اتخذته عائشة من الإمام علي بحادثة الإفك حين قال الإمام للرسول صلى الله عليه وسلم : تزوج يا رسول الله فإن النساء كثيرات . فحملت عليه عائشة منذ ذلك الحين . والحق أن هناك شك في أن عائشة هي المقصودة بحادثة الإفك . أنظر تفاصيل هذه الحادثة في كتب التفسير وكتب التاريخ . .
( 4 ) أنظر الباب الأول من الكتاب . وانظر تفسير سورة التحريم وموقف القرآن من عائشة وحفصة
( 5 ) كانت عائشة من الحزب المناهض للإمام علي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم . . ( * )
- ص 124 -
عائشة نفسها بين أمرين ، إما أن تذعن لعلي وتدين له بالطاعة وذلك يعني انتهاء دورها وضياع مكانتها . . وإما أن تخرج على علي وتقاتله من أجل الخلاص منه .
وقد اختارت عائشة الموقف الثاني فكانت وقعة الجمل الشهيرة التي راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف نفس وانتهت بهزيمة عائشة .
يروي البخاري لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم - أثناء وقعة الجمل - خطب عمار فقال : إني لأعلم أنها - أي عائشة - زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها . . ( 6 ) .
ويقول ابن حجر معلقا على هذه الرواية : وقوله في الحديث لتتبعوه أو إياها قيل الضمير لعلي لأنه كان الذي يدعو إليه عمار . والذي يظهر أنه لله والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه .
ولعله أشار إلى قوله تعالى : ( وقرن في بيوتكن ) فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كانت أم سلمة تقول : لا يحركن ظهر بعير حتى ألقى النبي .
والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الاصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان وكان رأي علي الاجتماع وطلب أولياء المقتول للقصاص ممن يثبت عليه القتل . . ( 7 )
وابن حجر كما هو واضح من كلامه يعترف بأن عائشة خالفت القرآن بخروجها من بيتها بينما التزمت أم سلمة بنص القرآن .
إلا أن ما لم يعترف به ابن حجر هو أن هذا الخروج قد كلف الأمة الكثير من الرجال والأموال ونتجت عنه مفسدة عظيمة حاول التغطية عليها وسترها بدعوى التأويل كما هو حال فقهاء القوم في مواجهة النصوص والأحداث التي ترتبط بكبار الصحابة وتشكل حرجا لهم . . ( 8 )
* هامش *
( 6 ) أنظر البخاري . باب فضل عائشة . وفتح الباري ج7 / 108 .
( 7 ) المرجع السابق . .
( 8 ) أنظر كتاب العواصم من القواصم . وانظر لنا كتاب الخدعة . . ( * )
- ص 125 -
ولم يكن أمام عائشة من مبرر تؤلب عليه الناس ضد الإمام وتدفعهم إلى قتاله سوى المطالبة بدم عثمان .
وهو نفس الشعار الذي رفعه معاوية في مواجهة الإمام علي . .
وكان انضمام طلحة والزبير إلى عائشة ونقضهما لبيعة الإمام قد دعم موقفها وزاد من حميتها للقتال وأسهم في تنظيم صفوفها .
وهو نفس ما حدث مع معاوية حين انتمى إلى صفه عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة . ، إن تبني كلا من عائشة ومعاوية قضية عثمان في مواجهة الإمام يدل دلالة واضحة على افتقادهما للمبررات الشرعية في مواجهته . ومن جهة أخرى هو يدل على ضعف موقفهما ويضفي عليه الانتهازية .
يقول الإمام علي ذاما أهل البصرة أنصار عائشة : كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهربتم . أخلاقكم دقاق . وعهدكم شقاق . ودينكم نفاق . وماؤكم زعاق والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه . .
كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها . . بلادكم أنتن بلاد الله تربة . أقربها من الماء وأبعدها من السماء وبها تسعة أعشار الشر . المحتبس فيها بذنبه والخارج بعفو الله . . ( 9 )
ويقول الإمام في ذم عائشة بعد حرب الجمل : معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان . نواقص الحظوظ . نواقص العقول . . فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر . . ( 10 )
* هامش *
( 9 ) نهج البلاغة ج1 / خطبة رقم 13 . .
( 10 ) المرجع السابق ج1 / خطبة رقم 78 . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:50 AM
وقعة صفـين
أصدر الإمام علي قراره بعزل معاوية عن الشام بمجرد أن تولى أمر الخلافة . إلا أن معاوية رفض الانصياع لقرار الإمام وأعلن العصيان رافعا قميص عثمان على منبر دمشق داعيا الناس إلى الثأر من قتلته مشيرا بإصبع الاتهام إلى الإمام علي وشيعته . .
- ص 126 -
ويحاول المؤرخون توجيه اللوم للإمام علي وتخطئته لإصداره قرار عزل معاوية فور توليه الحكم وكان الواجب عليه أن يتركه على الشام حتى تنجلي الأمور . . ومثل هذا التصور إنما ينبع من رؤية سطحية لطبيعة الصراع .
رؤية تنبنى على أساس أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد - صراع داخلي بين حاكم وواحد من ولاته . وتنبنى أيضا على أساس أن معاوية يتحرك وفق دائرة المصلحة . . ولو كان هؤلاء المؤرخون يفقهون شخصية الإمام علي ويقدرون دوره
ويعطونه مكانته لكان من الممكن أن يفهموا أن موقف الإمام من معاوية إنما هو موقف يفرضه المبدأ الإسلامي . . لوفقه هؤلاء شخصية معاوية وتاريخه ومكانته الوضيعة ما تبنوا هذه الرؤية . . إن هؤلاء .
المؤرخين كغيرهم من الفقهاء سقطوا ضحية السياسة وسلموا بما بين يديهم من أطروحات وروايات دون أن يعقلوها ويراجعوها على أساس أن هذا الأطروحات والروايات إنما وصلتهم من رجال عدول ثقات . . ( 11 )
لقد حكم معاوية الشام سبعة عشر عاما مكن لنفسه فيها وارتبط مصيره بها وكانت بالنسبة له بمثابة دولة وليست ولاية . . ولأن الإمام كان يفقه حقيقة معاوية والاتجاه الذي يمثله والدور الذي سوف يلعبه كان لا بد من أن يتبنى هذا الموقف تجاهه
حقيقة معاوية أنه شيطان هذه الأمة . . والاتجاه الذي يمثله هو الباطل . . والدور الذي سوف يلعبه هو ضرب الإسلام النبوي وأمام شخص كهذا لا تصح المساومات والمداهنات وأنصاف الحلول لأنها سوف تكون على حساب الحق وسوف ينتج عنها
دعم الباطل . . من هنا كان السيف هو الحل الذي فرض نفسه . فلم يكن أمام معاوية سواه ليواجه به الإمام فهو لا يملك أية مقومات أخرى ليواجهه بها . .
* هامش *
( 11 ) أنظر لنا كتاب فقه الهزيمة فصل الحديث وانظر باب انعكاسات الخط الأموي . . ( * )
- ص 127 -
لا يملك الشرعية . . ولا يملك العلم . . ولا يملك الرصيد التاريخي . .
وعندما بدأ الصدام كان في صف الإمام ثمانون بدريا ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة أما في صف معاوية فكان عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة أما أبو هريرة فلم يكن من المقاتلين وإنما كان يتزعم جهاز الدعاية لمعاوية . .
أعلن الإمام في عسكره : لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم وأنتم بحمد الله على حجة وترككم قتالهم حجة أخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا شيئا من أموالهم ولا تهيجوا امرأة وأن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم . . ( 12 )
وهذا الخلق النبوي الذي التزم به الإمام في المعركة واجهه معاوية بالغدر والخديعة حين رأى الهزيمة به لا حقة خاصة بعد مصرع رجل الإمام عمار بن ياسر الذي أخبر الرسول بمصرعه على يد الفئة الباغية . . ( 13 )
ولقد شكل مصرع عمار هزة كبيرة لمعاوية وابن العاص خاصة بعد أن شاع بين جيش الشام خبر نبوءة الرسول في عمار .
يقول أبو بكر الجصاص : قاتل على الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم وكان محقا في قتاله لهم لم يخالف فيه أحد إلا الفئة الباغية التي قابلته واتباعها .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية وهذا خبر مقبول من طريق التواتر حتى أن معاوية لم يقدر على جحده لما قال له عبد الله بن عمر . فقال : إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا . رواه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الحجاز وأهل الشام . . ( 14 )
* هامش *
( 12 ) أنظر الطبري ج4 / 6 . والكامل لابن الأثير ج3 / 149 .
( 13 ) أنظر سلم كتاب الفتن وابن كثير ج7 / 267 . والإستيعاب وسيرة ابن هشام . .
( 14 ) أنظر أحكام القرآن للجصاص . وانظر ابن كثير والطبري وكتب التاريخ . . ( * )
- ص 128 -
ويروي ابن عبد البر : وتواترت الآثار عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال تقتل عمار الفئة الباغية وهذا من إخباره بالغيب وإعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من أصح الأحاديث . . ( 15 )
ويروي ابن حجر : وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم . . ( 16 )
ويروي مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار تقتلك الباغية . . ( 17 )
وعلى الرغم من اعتراف الفقهاء بأن الحق كان في جانب علي إلا أن اعترافهم هذا لا يعني الحكم بأن معاوية كان على باطل عندهم . فهم يعتبرون معاوية مجتهدا مأجورا على ما فعل لكونه قاتل عليا بقصد الخير لا بقصد الشر . . ( 18 )
يقول النووي : هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليا كان محقا مصيبا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك . . ( 19 )
ومثل هذا النهج التبريري يتبناه القوم على الدوام في مواجهة النصوص التي تدعم الإمام علي وخط آل البيت وشيعتهم وتشكك في الجانب الآخر جانب الخصوم والمخالفين والمنحرفين عن هذا الخط . خاصة عثمان وعائشة ومعاوية . . ( 20 )
ويروي المؤرخون أن عليا بارز في أيام صفين وقتل خلقا كثيرا . وكان أحد فرسان معاوية قد قتل أربعة من رجال الإمام ثم صاح هل من مبارز ؟ فبرز إليه الإمام فتجاولا ساعة ثم ضربه علي فقتله ثم قتل ثلاثة بعده ثم تلا قوله تعالى : ( والحرمات قصاص ) . . ثم نادى الإمام : ويحك معاوية أبرز إلي ولا تفني العرب بيني وبينك .
* هامش *
( 15 ) أنظر الإستيعاب ترجمة عمار بن ياسر . .
( 16 ) أنظر الإصابة ج2 / 502 .
( 17 ) أنظر مسلم وابن كثير والإستيعاب والحاكم . .
( 18 ) أنظر العواصم من القواصم . والبداية والنهاية وفتاوى ابن تيمية . والفصل في الملك والنحل لابن حزم . .
( 19 ) مسلم هامش ترجمة عمار . كتاب فضائل الصحابة . .
( 20 ) أنظر منهاج السنة لابن تيمية . والعواصم . والفصل في الملك والنحل ( * )
- ص 129 -
فقال عمرو بن العاص لمعاوية : اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة فقال معاوية : والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط . وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي . اذهب إليك . فليس مثلي يخدع . . ( 21 ) .
وأغار الإمام علي جيش معاوية وحمل علي عمرو بن العاص وضربه بالرمح فألقاه على الأرض فبدت سوءته فرجع عنه ولم يقتله . . فقال له أصحابه : ما لك يا أمير المؤمنين رجعته . . ؟ فقال الإمام : أتدرون ما هو ؟ قالوا : لا . . قال : هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحمن فرجعت عنه ( 22 ) .
وأمام الضربات القاتلة التي كان يوجهها الإمام وجنده لقوات معاوية التي أخذت في التقهقر والانهزام أشار ابن العاص على معاوية بحيلة خبيثة لا تنم عن دين أو تقوى له إنما تنم عن ضلال وكفر وخديعة .
وقد تمثلت هذه الحيلة في تمزيق المصحف ورفع أوراقه على أسنة الرماح أمام جنود الإمام والمطالبة بتحكيمه في الصراع الدائر بينهما . . يقول ابن العاص : فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم . وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل . . ( 23 ) .
أن مثل هذا العمل إنما يدل على مدى استخفاف معاوية وابن العاص بكتاب الله فهما لم يفعلا ذلك بهدف تحكيم كتاب الله وإنما بهدف التقاط الأنفاس والوقيعة بين جند الإمام . . ولقد تصدى الإمام بقوة لهذه الخدعة وأصر على استمرار القتال إلا أن أصحاب الهوى وضعاف العقول من جنده طالبوه بالتحكيم ووقف القتال وقبل الإمام هذا الأمر على كراهية وغضب .
وقام معاوية بتنصيب ابن العاص حكما من جهته بينما أوفد جند علي أبو موسى الأشعري بدلا من عبد الله بن عباس الذي كان قد اختاره الإمام ( 24 ) .
* هامش *
( 21 ) أنظر البخاري ومسلم . باب فضائل علي . ومسند أحمد ج2 .
( 22 ) الفارس الذي قتله علي هو عمرو بن الود .
( 23 ) أنظر طبقات ابن سعد ج3 .
( 24 ) أنظر مسند أحمد 1 . ( * )
- ص 130 -
ودار بين ابن العاص وأبي موسى الأشعري الحوار التالي : قال عمرو : كيف ترى الأصوب في هذا الأمر . . ؟
قال الأشعري : أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا .
قال عمرو : والرأي ما رأيت . . ثم خرجا على الناس وهم خليط من طرف علي ومن طرف معاوية . . فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق . .
قال الأشعري : إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها من أمر قد أجمع عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا . .
قال ابن العاص : أن هذا قد قال ما سمعتموه وأنا أخلع صاحبه ( يعني عليا ) كما خلعه وأثبت صاحبي ( معاوية ) فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه . .
فصاح الأشعري في غضب : ملك لا وفقك الله غدرت وفجرت . . ( 25 )
وقد وجد هذا الفعل المنكر من قبل ابن العاص تبريرا في فقه القوم إذ يقول ابن كثير : وكان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدي إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة والاجتهاد يخطي ويصيب ( 26 )
وهذا التبرير الساذج إنما يكشف لنا مدى تفاعل فقهاء القوم مع خط بني أمية واستسلامهم لأطروحتهم والعمل على ترقيعها والدفاع عنها . .
* هامش *
( 25 ) البداية والنهاية ج7 / 283 .
( 26 ) أنظر الطبري ج4 / 57 . . ( * )
- ص 131 -
وفي مواجهة هذه الخدعة قال الإمام : ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمها وكلاهما لم يرشدا . . ( 27 )
* هامش *
( 27 ) أنظر البداية والنهاية لابن كثير ج7 . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:52 AM
الخوارج
عاد الإمام إلى الكوفة بعد التحكيم وأخذ يعد العدة لقتال معاوية إلا أن الخوارج الذين خرجوا عليه بعد التحكيم أصبحوا يعيقون مسيرته ويهددون شيعته بعد أن فشلت الجهود السلمية في إعادتهم إلى الصف وإقناعهم بالتنازل عن أفكارهم . .
ولما كثرت اعتداءاتهم على المسلمين دخل الإمام معهم في مواجهة عسكرية فاصلة انتهت لصالح الإمام وقتل فيها عدد كبير منهم فيما سمي بواقعة النهروان . . ( 40 )
والإمام علي في قتاله هؤلاء الخوارج إنما كان على علم وبصيرة بهم وبأحوالهم وجرائمهم كما قاتل عائشة ومعاوية من قبل على علم وبصيرة . . لقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالخوارج كما تنبأ بدور الإمام علي في مواجهتهم . .
يروي مسلم أن الإمام علي بعث من اليمن بذهب إلى الرسول في المدينة فقسمه الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة . فغضبت قريش . . فقال الرسول : إنما فعلت ذلك لأتألفهم . فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين نائي الجبين
محلوق الرأس فقال اتق الله يا محمد . فقال الرسول فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمننوني . . ثم أدبر الرجل . . فقال الرسول إن من ضئضى هذا
* هامش *
( 40 ) كانت وقعة النهروان في التاسع عشر من صفر عام 38 ه بعد صفين . أنظر كتب التأريخ . . ( * )
- ص 137 -
قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد . . ( 41 ) .
ويقول الإمام علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة . . ( 42 )
ويقول : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ . ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ . يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم
لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل
حلمة الثدي عليه شعيرات بيض فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله . . ( 43 )
ويروى أن الخوارج لما خرجوا على الإمام قالوا : لا حكم إلا لله . فقال الإمام : كلمة حق أريد بها باطل . أن رسول الله وصف : ناسا أني لأعرف صفتهم في هؤلاء . . ( 44 )
إن مثل هذه الروايات إنما تكشف لنا مدى خطورة خط الخوارج على الإسلام والمسلمين وهي خطورة لا تقل عن خطورة الخط الأموي . وارتباط الإمام بمواجهة
* هامش *
( 41 ) أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج وصفاتهم والتحريض على قتلهم . .
( 42 ) أنظر مسند أحمد ج1 . وأبو داود الطيالسي . وانظر مسلم والبخاري . .
( 43 ) أنظر مسلم كتاب الزكاة . باب ذكر الخوارج والتحريض على قتلهم . .
( 44 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 138 -
هذين الخطين يعني أن هذين الخطين إنما يمثلان توجها واحدا ويحققان نتيجة واحدة .
ارتباط الإمام بمواجهة هذين الخطين يعني استمرارهما في مواجهة الإسلام النبوي على مر الزمان .
فالإمام علي هو ممثل الإسلام النبوي ورمز الحق على مر الزمان . .
والخط الأموي وخط الخوارج يمثلان الإسلام الزائف ويرمزان للباطل على مر الزمان . . ومنهج الخوارج سوف يظل باقيا وإن كان قد ضرب عسكريا وتقوقع فكريا - في مواجهة الإسلام النبوي خط آل البيت .
ولن يتمكن المسلمون من تجنبه واعتزاله إلا بفقه حركة الإمام علي وخط آل البيت . فمن حاد عن هذا الخط وقع فريسة للخوارج . ومن استبصر هذا الخط أمكن له أن يحصن نفسه في مواجهته . .
ولقد كان الإمام علي يواجه كل هذه الأحداث وهو مستبصر بها عالم بنتائجها ودلالاتها حتى أنه كان يعلم طريقة موته كما أخبره بها الرسول صلى الله عليه وسلم . . ( 45 )
من هنا فإن نتائج صراع الإمام مع هذه الجبهات الثلاث يمكن أن يمنحنا المعالم التي ترشدنا إلى فقه حقيقة الإسلام . وفقه حقيقة الرجال الذين موهوا على هذا الإسلام وزيفوا نصوصه ومفاهيمه بما اخترعوه من روايات واجتهادات أضلت الناس
عن سبيل الله . . إن ارتباط الإمام بمواجهة عائشة ومعاوية والخوارج ليس محض صدفة إنما هو عمل تشريعي للأمة تهتدي به على الدوام . . اختيار الإمام لهذا الدور اختيار إلهي فلم يكن من بين الصحابة من هو مؤهل للقيام به . وقد دفعت الأمة
ثمنا باهظا لتقاعسها عن نصرة الإمام والالتزام بخطه . . دفعته فرقة وشتاتا . . ودفعته دما ورجالا . . ودفعته فقها وعلما . .
* هامش *
( 45 ) أنظر مسند أحمد وتأريخ بغداد والبداية والنهاية ج7 / 325 . وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم وأن قاتل الإمام هو أشقى الآخرين . وروى الإمام : عهد إلي الرسول أن لا موت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه يعني هامته . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:52 AM
معاوية والحسن
بعد أن قضى الإمام علي على شوكة الخوارج تجهز لقتال أهل الشام إلا أن أهل العراق افترقوا وتنازعوا أمرهم بينهم مما أدى إلى تعطيل الحملة العسكرية المتجهة لقتال معاوية . .
ولقد عانى الإمام من أهل العراق كثيرا فقد تسببوا بتقاعسهم وتخاذلهم في عرقلة مسيرته وإضعاف شوكته أمام معاوية وأمام الخوارج . .
يقول الإمام في أهل العراق : أما بعد يا أهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما أتمت أملصت قيمها وطال تأيمها وورثها أبعدها . أما والله ما أتيتكم اختيارا ولكن جئت إليكم سوقا . ولقد بلغني أنكم تقولون : علي يكذب . قاتلكم الله فعلى
من الكذب ؟ أعلي ؟ فأنا أول من أمن به . أم على نبيه ؟ فأنا أول من صدقه . كلا والله . ولكنها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها . ويل أمه كيلا بغير ثمن . لو كان له وعاء . ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) . . ( 46 )
ومثلما خذل أهل العراق الإمام علي خذلوا أيضا الإمام الحسن من بعده ودفعوه دفعا إلى معاوية ثم نقموا عليه واستباحوه . . ( 47 )
يروي ابن حجر نقلا عن الطبري : جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عباده وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت . فقتل علي فبايعوا الحسن بن على بالخلافة . وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن . . ( 48 )
* هامش *
( 46 ) أنظر نهج البلاغة ج1 / خطبة رقم 69 . .
( 47 ) أنظر كتب التأريخ . . والإصابة ج1 حرف الحاء . القسم الأول . .
( 48 ) أنظر فتح الباري ج13 / 63 . ( * )
- ص 140 -
ويروي ابن حجر : سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه . ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب . وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي
وقاص ومحمد بن مسلمة . وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل . . وانصرف إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دمشق . . ( 49 )
ويروي البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن : إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين . . ( 50 )
ويحاول المؤرخون أن يؤكدوا على أن معاوية هو الذي رغب في الصلح مع الحسن وسعى إليه وأنه عرض عليه المال ورغبه فيه وحثه على رفع السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الاصلاح به فقبل الحسن العرض وصالح معاوية . . ( 51 )
ويؤكد الكثير من المؤرخين أن الحسن اشترط على معاوية أن يجعل له الأمر من بعده وقبل معاوية هذا الشرط . . ( 52 )
ومن الواضح أن هذه الروايات تفوح منها رائحة السياسة والهدف منها هو التمويه على حركة الإمام الحسن وطمس معالمها وتشويه أهدافها . .
* هامش *
( 49 ) المرجع السابق . .
( 50 ) البخاري كتاب الفتن . ومناسبة هذه الرواية كما جاءت في أن الحسن لما سار بالكتائب إلى معاوية . قال ابن العاص لمعاوية : أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها . فقال معاوية : من لذراري المسلمين ؟ فقال أي ابن العاص - أنا . فقال عبد الله بن عامر و عبد الرحمن
بن سمرة نلقاه فنقول له الصلح . فقبل الحسن الصلح متذرعا بهذه . الرواية . أنظر منسد أحمد ج5 . والبخاري كتاب الاصلاح بين الناس . والترمذي كتاب المناقب .
( 51 ) أنظر فتح الباري ج13 / 61 . والإصابة ج1 حرف الحاء . والإستيعاب باب الأفراد في الحاء ( 52 ) يروي ابن حجر : لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشأم فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده . وانظر فتح الباري والإصابة . = ( * )
- ص 141 -
ويبدو من رواية الطبري أن الإمام الحسن لم يكن يرغب في السير على نهج الإمام علي ومواصلة القتال ضد معاوية وهو بمجرد أن بويع بالخلافة قرر الاستلام لمعاوية وتصفية المعارضين لنهج الصلح معه .
وكيف لإمام يقود أربعين ألف مقاتل بايعوا على الموت أن يميل إلى السلم بهذه البساطة ؟
كيف له أن يضحي بمبادئه وعقيدته وجنده في مقابل أن يشترط لنفسه ؟
إن مثل هذه الرواية تعد طعنا في الإمام علي ونهجه كما تعد طعنا في الإمام الحسن . فكأنها تشير إلى أن الإمام فشل في القيام بدوره وخلف من بعده شخصا ضعيفا لم يتعلم منه شيئا وهواه مع الدنيا ونفسه وليس مع الآخرة والإسلام . .
وتأتي رواية ابن حجر لتؤكد رواية الطبري وتسير على منوالها في تشويه الإمام الحسن والتمويه على حقيقة الصراع الذي دار بينه وبين معاوية . فهي تشير إلى أن الإمام الحسن بايع معاوية وأدخله الكوفة وقبض منه ثمن ذلك ثلاثمائة ألف وألف
ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل وفي هذا تشويه ما بعده تشويه للإمام الحسن وتعتيم ما بعده تعتيم على حقيقة الصراع . . أما رواية البخاري فهي رواية واهية لا يستقيم معناها وطبيعة الحدث وقد غاب عن مخترعيها الحقائق التالية :
* هامش *
= ويروي ابن عبد البر في الإستيعاب : ولا خلاف بين العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياته لا غير ثم تكون له من بعد . وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد في ذلك ورأى الحسن ذلك خيرا من إراقة الدماء في طلبها وإن كان عند نفسه أحق بها . .
ويروي أيضا : سم الحسن بن علي . سمته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندي . وقال طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك . .
ويروي أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه يا أخي إن أباك لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه . فصرفه الله عنها ووليها أبو بكر . فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضا فصرفت عنه إلى عمر . فلما احتضر
عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم فلم شك أنها لا تعدوه . فصرفت عنه إلى عثمان . فلما هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها فما صفا له شئ منها . وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة فلا أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة
فأخرجوك . . ومن الواضح أن هذه الرواية تهدف إلى التشكيك في الإمام علي والإمام الحسن والحسين ثلاثتهم فهي تصورهم طلاب للملك وهذا من شأنه أن يطمس أطروحتهم وخطهم ويبرر من جهة أخرى سلوك ومواقف الطرف الآخر . .
- ص 142 -
- أن الروايات الأخرى تشير إلى أن الإمام الحسن تنازل لمعاوية لا اصطلح معه . .
- أن المصلح إنما يكون عادة من خارج دائرة الصراع لا أن يكون أحد طرفي الصراع . .
- أن الرواية لا تفيد الجزم بوقوع الاصلاح . .
- أن قوله بين فئتين من المسلمين يعني أن دعواهما واحدة بينما فئة الإمام الحسن وفئة معاوية ليست دعواهما واحده . .
- أن الإمام الحسن مات مقتولا بالسم بينما جعل معاوية ولده يزيد خليفة له وفي هذا إشارة إلى أن الصراع لم ينته بين الحسن ومعاوية حتى مقتله . .
أن تولية معاوية ولده يزيد هو غدر بالأمة بأكملها لا بالإمام الحسن وحده وهو برهان ساطع على عدم وجود صلح من الأصل إذ لو كان هناك صلحا ما كان هناك غدرا من قبل معاوية . فالغدر لا يكون إلا إذا كان معاوية مغبونا بهذا الصلح إن كان
واقعا . . وما حدث بين الحسن ومعاوية إنما هو أمر أشبه بأمر التحكيم لم يرضخ له الإمام الحسن كما لم يرضخ الإمام علي لنتيجته مما اضطر معاوية إلى التآمر والغدر للخلاص من الحسن . .
وتركيز الفقهاء والمؤرخون على رواية صلح الحسن هذه إنما يهدف إلى تبرير سلوك معاوية بنص منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم لا يتطرق إليه الشك من قبل المسلمين . وهم بهذا قد وقعوا في الفخ الذي نصبه مخترعو الرواية . .
يقول ابن حجر : وفيه - أي في حديث الصلح - فضيلة الاصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين . ودلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب . وفيه ولاية المفضول الخلافة
مع وجود الأفضل لأن الحسن ومعاوية ولى كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان . وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدينوية بالمال
- ص 143 -
وجواز أخذ المال على ذلك . واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي . . ( 53 )
لقد بنى الفقهاء أحكاما على رواية الصلح هذه كما هو واضح من كلام ابن حجر الذي بالغ في الاستنباط إلى درجة جواز النزول عن الوظائف الدينية مقابل المال . وهذا الأمر أن دل على شئ فإنما يدل على أن فقه القوم ينظر إلى الوظائف الدينية نظرة استخفاف .
وهذه النظرة هي التي بررت سلوك الفقهاء مع الحكام وتعايشهم معا . . فما دام الحسن قد تقاضا مالا على الصلح مع معاوية وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم أن الطائفتين من المسلمين . . وما دام سعد أو سعيد كلاهما أفضل من الحسن
فإذا ذلك كله يبرر التنازل عن العقائد والمبادئ من أجل المال . . ويبرر القعود عن نصرة الحق ما دامت الطائفتين من المسلمين . . ويبرر أن يحكم المسلمين المفضول مع وجود الأفضل . . وعلى أساس هذه التبريرات قامت عقائد وتأسست
مفاهيم في فقه القوم انعكست على فكرة الدولة والحكم وعلاقة الحاكم بالرعية . وعلاقة الفقيه بالحاكم . .
* هامش *
( 53 ) أنظر فتح الباري ج13 / 66 / 67 . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:53 AM
كربلاء . .
كانت وقعة كربلاء آخر صورة من صور الصدام المسلح بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي استتر بعدها الإسلام النبوي بينما أخذ الإسلام الأموي امتداده وانتشاره وسيادته . . منذ ذلك الحين حلت لغة البيان والقلم مكان لغة السيف في خط المواجهة بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي . .
- ص 144 -
حمل أئمة آل البيت وشيعتهم لواء البيان والقلم لتبصير الأمة بحقيقة الإسلام النبوي ودعوتها للالتزام به . .
وتبنى حكام بني أمية خطة الدفاع عن الإسلام الأموي وتشويه الإسلام النبوي . . لقد سطر الإمام الحسين بدمائه نهج الثورة والمواجهة للإسلام الأموي وكل صور الإسلام الزائفة التي نبعت منه .
ووضع الخطوط العريضة للأمة لتبنى على أساسها التصدي ومواجهة الصور الزائفة للإسلام . .
إن ثورة الإمام الحسين هزت واقع الأمة وشهادته زلزلتها . ووجهت ضربة قوية إلى معاوية ونهجه أيقظت الأمة من ثباتها وبعثت فيها روح التحدي والمواجهة . .
إن هذه الثورة هي نتاج طبيعي لمرحلة الإمام الحسن ورد مباشر على غدر بني أمية ومؤامراتهم وهي تؤكد للأمة أن الصراع لا زال مستمر ولن ينتهي بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي وتبطل من جهة أخرى كل محاولات التشكيك والتعتيم التي أحاطت بحركة الإمام الحسن . .
وكما حاول الفقهاء والمؤرخون تشويه هوية الصراع بين الإمام علي ومعاوية وبين الإمام الحسن ومعاوية حاولوا أيضا تشويه الصراع الذي دار بين الإمام الحسين وبين يزيد بن معاوية والتعتيم عليه وطمس معالمه وتبييض وجه يزيد أو وجه الإسلام الأموي الذي يمثلونه .
يروي ابن عبد البر : لما مات معاوية وأفضت الخلافة إلى يزيد وذلك في سنة ستين وردت بيعته على الوليد بن عقبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلا . فأتي بهما فقال : بايعا . فقالا : مثلنا لا يبايع
سرا . ولكننا نبايع على رؤس الناس إذا أصبحنا فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة . وأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وخرج يريد الكوفة فكان
- ص 145 -
سبب هلاكه يوم الأحد لعشر مضين من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع من أرض الكوفة يدعى كربلاء قرب الطف . . ( 54 )
ويتضح من خلال هذه الرواية ما يلي :
- أن الإمام الحسين كذب على الوليد بن عتبة وخشى أن يواجهه بالحقيقة . .
- أن الإمام الحسين فر من المدينة ليلا خوفا من بطش الوليد . .
- أن ثورة الحسين كانت حركة عشوائية كان نتيجتها هلاكه . .
ويروي ابن حجر عن ابن عمر أنه قال عندما رأى الحسين مقبلا : هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة فشهد معه الجمل ثم صفين ثم قتال الخوارج وبقي معه إلى أن قتل ثم مع
أخيه إلى أن سلم الأمر إلى معاوية فتحول مع أخيه إلى المدينة واستمر بها إلى أن مات معاوية فخرج إلى مكة ثم أتته كتب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب فأخذ بيعتهم وأرسل إليه فتوجه وكان من قصة قتله ما كان . . ( 55 )
وهذه الرواية إنما تعضد سابقتها إلا أنها تحاول إثبات أن الإمام الحسين أسهم في تسليم الأمر إلى معاوية مع الإمام الحسن . وهذا الموقف من شأنه أن يثير الشكوك حول حركته . فما دام قد شارك في تسليم الأمر إلى معاوية وتقاضى الأموال مقابل ذلك فإن حركته ضد يزيد من الممكن أن تشوبها أغراض دنيوية .
ويروى أن الحسين لما بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل هم بالرجوع . فقال البعض : والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل فساروا . وكان عبيد الله بن زياد قد جهز الجيش لملاقاته فوافوه بكربلاء منزلها ومعه خمسة وأربعون نفسا من الفرسان
ونحو مائة راجل فلقيه الحسين وأميرهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وكان عبيد الله ولاه بعهده عليها إذا رجع من حرب الحسين . فلما التقيا قال له الحسين : اختر مني إحدى ثلاث : إما أن ألحق بثغر من الثغور . وإما أن أرجع إلى المدينة .
* هامش *
( 54 ) أنظر الإستيعاب باب الأفراد في الحاء . .
( 55 ) أنظر الإصابة ج1 / حرف الحاد القسم الأول . ( * )
- ص 146 -
وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية . فقبل بذلك عمر منه وكتب إلى عبيد الله فكتب إليه لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي . فامتنع الحسين فقاتلوه فقتل معه أصحابه وفيهم سبعة عشر شابا من أهل بيته ثم كان آخر ذلك أن قتل وأتى برأسه إلى
عبيد الله بن زياد فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد ومنهم علي بن الحسين وكان مريضا ومنهم عمته زينب فلما قدموا على يزيد أدخلهم على عياله ثم جهزهم إلى المدينة . . ( 56 )
وهذه الرواية تعد من أسوأ الروايات التي رويت حول الصراع بين الإمام الحسين ويزيد فهي تضع الإمام الحسين في موضع غاية في المهانة بينما تبيض وجه يزيد . . وأول ما تحاول إثباته هذه الرواية هو أن الإمام الحسين أصيب بالإحباط فور علمه
بنبأ مقتل مسلم بن عقيل وقرر العودة وفي هذا إشارة إلى أن خروجه لم يكن بهدف الثورة كما لم يكن يقوم على أساس خطة منظمة . . وما تحاول الرواية إثباته ثانيا هو أن أصحاب الحسين قد خالفوه وأصروا على مواصلة المسير طلبا للثأر .
أي أن موقفهم هذا كان مجرد رد فعل لمقتل مسلم ولم يكن نابغا من إيمانهم بالإسلام النبوي الذي يقاتلون تحت لواءه وبالإمام الحسين قائدهم . . ولقد وجهت هذه الرواية طعنة شديدة للإمام الحسين ولأبيه وأخيه وخط آل البيت والإسلام النبوي الذي
يمثله حين طرحت على لسانه هذا الطرح الانهزامي الخانع الذي يعكس شخصية منهارة قدمت التنازلات فور حدوث المواجهة ومن قبل وقوع الصدام . وبدا وكأن الإمام الحسين لم يكن يحسب حدوث مواجهة ولم يكن يتوقع أي صدام مع بني
أمية . . فحين يطلب منحه الفرصة للذهاب للقتال في ثغر من الثغور فكأنه بهذا يطلب تجنيده في جيوش في أمية ليقاتل تحت رايتهم . وما دام هو يحمل هذا التصور الذي لا يعكس أية صورة من صور العداء لبني أمية فلماذا خرج من الأساس . . ؟
* هامش *
( 56 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 147 -
وحين يطلب الرجوع إلى المدينة كأنه بهذا يضحي بكل القيم والمبادئ التي آمن بها وتبعة الناس عنى أساسها من أجل النجاة بنفسه . . وحين يطلب أن يضع يده في يد يزيد فكأنه بهذا يضحي بالإسلام النبوي وجهاد أبيه وأخيه وينفي وجود أية بوادر عداء وصراع بين الحق الذي يمثله والباطل الذي يمثله يزيد وبني أمية . .
وكيف للإمام الحسين يطلب وضع يده في يد يزيد ويقدم مثل هذه التنازلات ثم في النهاية يرفض أن يضع يده في يد عبيد الله بن زياد ويقاتل على ذلك . . ؟
أن الذي يقدم مثل هذه التنازلات لا تعجزه مثل هذه الخطوة ولا تشكل له حرجا . وهو قد قدم هذه التنازلات حتى يتقي شر القتال فكيف يوقع نفسه فيه بهذا السبب . . ؟
أن مثل هذه الروايات وغيرها إنما هي من صنع السياسة واخترعت خصيصا لخدمة الخط الأموي ونصرته وضرب خط آل البيت وتشويهه . .
تروي كتب التأريخ أن عبيد الله بن زياد صعد منبر المسجد الجامع في الكوفة وخطب في الناس بعد مجزرة كربلاء قائلا : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته . . ( 57 )
ويحاول مؤرخو وفقهاء البلاط الأموي أن يدافعوا عن يزيد وتبرأته من تهمة سفك دم الحسين مستغفلين عقل الأمة بروايات واهية لا يستريح لها عقل ولا تطمئن لها نفس . .
يروى أن يزيد حين رأى رؤوس الحسين ورفاقه بكى وقال : كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين لعن الله ابن سمية أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه . . ( 58 )
* هامش *
( 57 ) أنظر الطبري والكامل والبداية والنهاية . .
( 58 ) أنظر الطبري ج4 / 352 . والكامل ج2 / 298 . ( * )
- ص 148 -
ورغم ذلك لم تثبت لنا الروايات التي جاءت عن طريق مؤرخي البلاط أن يزيد أنزل أية صورة من صور العقاب بابن سمية ( ابن زياد ) بل لم يعاتبه على هذا الفعل من الأصل . . وهذا الأمر إن دل على شئ فإنما يدل على تواطئ يزيد وموافقته بل وتحريضه على قتل الحسين وأهل بيته .
وهذا هو السلوك الذي تلائم معه ومع شخصيته . وهذا هو الموقف الذي يتبناه حكام بني أمية في مواجهة آل البيت . . ولقد قالها عبد الملك بن مروان حين ارتقى منبر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة عام 57 ه : أني لن أداوي أمراض هذه الأمة بغير السيف . والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه . . ( 59 )
* هامش *
( 59 ) أنظر الكامل ج4 . والمراجع التأريخية الأخرى . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:54 AM
* ركائز الإسلام الاموي
ركائز الإسلام الأموي
- مصحف عثمان . . - الصحابة . . - الروايات . .
- ص 163 -
كانت صفين هي المنعطف التأريخي الذي انبثق منه الإسلام الأموي وساد واقع المسلمين . وكان ضرب خط الإسلام النبوي الذي رفع لواءه الإمام علي وتقوقعه هو بداية غياب التصور الإسلامي الصحيح من هذا الواقع . .
ومنذ ذلك الحين بدأ معاوية وبني أمية من بعده عملية تأسيس جديدة للإسلام معتمدين فيها على الخط القبلي ورموزه البارزة وعلى الرموز الأخرى التي تحالفت معهم . .
وأصبح هذا الإسلام هو الإسلام الشرعي الذي حاز على رضا الحكام على مر الزمان من بني العباس وغيرهم فقد وجدوا فيه الحصانة والشرعية التي تؤهلهم لمواجهة الإسلام النبوي والخارجين عليهم . أصبح الإسلام الأموي مباحا وخط الإمام علي محظورا ومجرما يبطش بأتباعه وينكل بهم . .
وأصبح الإسلام النبوي إسلام باطل يقود إلى النار . . وأصبح الإسلام الأموي حق يقود إلى الجنة . . ولقد عاش الإسلام الأموي في كنف الحكومات ورعايتها وحمايتها فتحققت له السيادة والبقاء . . وضرب الإسلام النبوي واغتيل أئمته فاضطر إلى الاختفاء .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي ركائز الإسلام الأموي . . ؟
والإجابة هي أن هذا الإسلام قد قام على ثلاثة ركائز أساسية :
الركيزة الأولى : مصحف عثمان
أحدث عثمان فتنة كبيرة بإحراقه المصاحف وإلزامه الأمة بمصحف محدد بهدف خدمة الخط السائد وضرب خط آل البيت والتعتيم على الإسلام النبوي . ( 1 ) .
* هامش *
( 1 ) أنظر لنا الخدعة فصل القرآن . ولولا إحراق عثمان للمصاحف ما قامت دولة بنو أمية . . ( * )
- ص 164 -
ولقد مهد عثمان بعمله هذا لبروز الإسلام الأموي ودعم أطروحته إذ أن المصاحف الأخرى كانت بين يدي صحابة من شيعة على الملتزمين بالإسلام النبوي . .
كان هناك مصحف ابن مسعود . . ومصحف أبي بن كعب . . ومصحف ابن عباس . . ثم مصحف الإمام علي . . وهؤلاء الأربعة تلقوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة فمن ثم هم قاوموا عثمان ورفضوا قراره هذا مما اضطره إلى البطش بالرافضين . .
ووجه الخلاف بين مصحف عثمان وبين مصحف الإمام علي ومصاحف الصحابة ينحصر في أمرين :
- أنه مرتب ترتيبا خاصا . .
- أنه مجرد من الحواشي والتفسيرات التي كانت بالمصاحف الأخرى . .
وبالنسبة لأمر الترتيب فقد اعتمد فيه عثمان على عدد من الصحابة الذين ليس لهم سابقة في كتابة القرآن أو حفظه . ( 2 ) .
ومن وجهة أخرى هو اعتمد مصحف حفصة من دون بقية المصاحف التي كانت موجودة . ومصحف حفصة هو المصحف الذي جمعه أبو بكر وعمر : فكأنه بهذا لا يريد للمسلمين أن يخرجوا عن حدود القرآن الذي جمعه أبو بكر ولا يريد أن
يلتزم المسلمون بمصحف الإمام علي أو ابن مسعود أو أبي أو ابن عباس لأن هؤلاء من شيعة على ومصاحفهم لا تخدم الخط القبلي وخط بن أمية الذي يقوم بالتمهيد له . ( 3 ) .
* هامش *
( 2 ) أنظر كتب تاريخ القرآن . والبخاري كتاب فضل القرآن وفتح الباري ج13 . وكتابنا الخدعة .
( 3 ) أنظر المراجع السابقة . . ( * )
- ص 165 -
إن عثمان بإلزامه الأمة بمصحف حفصة إنما يريد أن يلزمها بالخط القبلي وأن يقضي على أية بادرة تنحرف بالأمة عن هذا الخط . .
وما دامت المصاحف كانت موجودة بين الصحابة فلم يكن هناك من دافع قوي يدفع بعثمان إلى فعله هذا سوى ضرب الإسلام النبوي ومحاصرة الإمام علي الذي بدأ نجمه في البروز نتيجة لكثرة المظالم والانحرافات في عهده . .
وإذا كانت مسألة القراءات هي الدافع لعمل عثمان هذا كما يصور المؤرخون وفقهاء القوم فتد كان ممن الممكن لعثمان أن يلزم الأمة بقراءة واحدة دون أن يحرق المصاحف . ( 4 )
لو كانت المسألة مسألة قراءات ما تصدى له الصحابة ولا اصطدم به ابن مسعود . . ومن المعروف تأريخيا أن مصحف الإمام علي كان مرتبا ترتيبا زمنيا ولا شك أن مثل هذا الترتيب من شأنه أن يسهم في فهم مدلولات النص القرآني . ( 5 ) .
وعندما تكون هناك آيات مدنية في سورة مكية وآيات مكية في سورة مدنية فإن هذا سوف يخلخل مضمون السورة . والهدف من الترتيب العثماني هو التمويه على نصوص القرآن الخاصة بآل البيت والتي ترمي إلى معان محددة لا تخدم الخط السائد بوضعها في وسط آيات تموه على معناها الحقيقي وتذهب بها مذهبا آخر . .
ومن أمثلة ذلك وضع قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( إنما يريد الله ليذهب
* هامش *
( 4 ) أنظر المراجع السابقة ومقدمات كتب التفسير وليس المقصود بالقراءات هنا الأحرف السبعة وإنما قراءة الآيات بتفسيراتها التي أخذت عن الرسول ، مثل قراءة ابن عباس لقوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن ) سورة النساء . . وفقهاء القوم يهاجمون هذه القراءة ويعتبرونها شاذة سيرا مع الخط القبلي . . .
( 5 ) اصطدم ابن مسعود وهو من حملة القرآن بعثمان ورفض الاعتراف بمصحفه حتى مات . وهذا الموقت يشير إلى أن المسألة لم تكن مسألة قراءات . وإذا كان هذا موقف ابن مسعود وهو تلميذ الإمام علي فكيف يكون موقف الإمام ؟ إن كتب التاريخ قد عتمت على هذا الموقف . وللمزيد من التفاصيل حول هذا الأمر أنظر المراجع السابقة . . ( * )
- ص 166 -
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) في وسط آيات خاصة بنساء النبي حتى يتوطن في ذهن المسلم أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البيت وبالتالي يضيع المفهوم الحقيقي لأهل البيت والخاص بالإمام علي وفاطمة وذريتهما ويتشتت بين نساء النبي وذرية على . ( 6 ) .
وبالنسبة للأمر الثاني فإن تجريد المصحف من المعاني والتفسيرات التي تلقاها الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يعني حرمان المسلمين من الوسيلة الشرعية لفهم القرآن التي تحسم الخلاف الذي من الممكن أن يقع حول تفسيره .
وقد وقع هذا الخلاف . . ويعني من جهة أخرى الحيلولة دون فهم القرآن على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ودفع المسلمين إلى تلقي هذا الفهم من جهة محددة هي الجهة التي سوف يفرضها الحكم . .
ومن أمثلة ذلك ما كان في مصحف ابن عباس فقد كان يقرأ قوله تعالى في سورة النساء : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) كان يقرأها : فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن . ( 7 ) .
ولا شك أن مصحف كهذا سوف يخدم خط بني أمية ويسهم في دعم نموذج الإسلام الذي فرضوه على الأمة . فهو مصحف قابل للتأويل ويمكن استثمار نصوصه بهذا الشكل لصالحهم . .
* هامش *
( 6 ) أنظر المراجع السابقة . وقد كان مصحف الإمام يبدأ بسورة العلق . . وانظر تفسير سورة الأحزاب في كتب التفسير . وقد ذم القرآن نساء النبي في سورة التحريم . أنظر كتب التفسير . وهذا الذم فيه دلالة على أنهن لسن المقصودات بالتطهر في الآية . .
( 7 ) أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل آل البيت . وانظر لنا عقائد السنة وعقائد الشيعة . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:54 AM
الركيزة الثانية : الصحابة
ولقد كانت العناصر التي تحالفت مع معاوية والتي أمكن استقطابها من قبله بمثابة صمام أمن للخط الأموي وركيزة أساسية في بناءه . .
- ص 167 -
ومن أبرز العناصر التي تحالفت مع معاوية وبني أمية من بعده ودعمت الإسلام الأموي في مواجهة الإسلام النبوي : عمرو بن العاص وعائشة والمغيرة بن شعبة وأبو هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وزيد بن أرقم والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله .
وجميع هؤلاء من الصحابة الذين احتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم واستثمرهم معاوية . . والمتابع لسيرة هؤلاء في كتب الرجال وكتب التأريخ يتبين له أن التزامهم بنهج الرسول كان ضعيفا ومشبوها وقد وردت على لسان الرسول أحاديث
كثيرة بذمهم وكذلك على لسان الإمام علي ولا ترى في كتب السنن أية فضائل لهؤلاء من الممكن أن ترفع مكانتهم وتخرجهم من دائرة الشك ( 8 ) .
ويروى أن عليا كان يقنت في صلاة الفجر وفي صلاة المغرب ويلعن معاوية وعمرا والمغيرة والوليد بن عقبة وأبا الأعور والضحاك بن قيس وبسر بن أرطأة وحبيب بن مسلمة وأبا موسى الأشعري ومروان بن الحكم وكان هؤلاء يقنتون عليه ويلعنونه . ( 9 ) .
ويقول الإمام علي في ابن العاص : أنه ليقول فيكذب ويعد فيخلف . ويسأل فيحلف ويسأل فيبخل ويخون العهد ويقطع الآل - الرحم - إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه أنية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة - ولاية مصر . ( 10 ) .
وقال في مروان بن الحكم حين أسره يوم الجمل : . . لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية . لو بايعني بكفه لغدر بسبته . أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر : الوليد . سليمان . يزيد . هشام . ( 11 ) .
* هامش *
( 8 ) أنظر كتب تأريخ القرآن . .
( 9 ) أنظر كتب التراجم . وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
( 10 ) شرح نهج البلاغة
( 11 ) نهج البلاغة ج1 / خطبة رقم 82 . . ( * )
الركيزة الثالثة : الروايات
ولم يكن وقوف هؤلاء الصحابة مع معاوية ومناصرتهم للخط الأموي يقف عند حد القتال معه ونصرته بالسيف والبيان . بل تجاوز هذا الحد إلى اختراع الروايات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم والتي تدعم معاوية وتشكك في الإمام علي وتضفي المشروعية على الإسلام الأموي .
وهذه الروايات إنما تنقسم إلى قسمين :
الأول : روايات خاصة بضرب الإسلام النبوي والتشكيك في الإمام علي . .
الثاني : روايات خاصة بالمسلمين وإخضاعهم للإسلام الأموي . .
ومنذ ذلك الحين انقسمت الروايات الواردة في كتب الأحاديث إلى قسمين :
* قسم من رواية أنصار معاوية والإسلام الأموي . .
* وقسم من رواية أنصار الإمام علي والإسلام النبوي . .
ولقد دعمت السياسية رواة القسم الأول وسلطت الأضواء على أحاديثهم المنسوبة للرسول والكتب التي تحويها في الوقت الذي قامت بالتعتيم على رواة القسم الثاني والتشكيك في رواياتهم والكتب التي تحويها . .
ومن هنا قدم البخاري على غيره من الكتب لكونه يحوي روايات أنصار الإسلام الأموي ولا يحوي شيئا من الروايات التي تدعم الإسلام النبوي . .
والروايات الخاصة بضرب الإسلام النبوي أكثر من أن تحصى وهي روايات تقود إلى التشكيك في الإمام علي ويبدو أن القوم لم يكتفوا بهذا فاخترعوا روايات خاصة بالإمام لتهز مكانته وقدره في نفوس المسلمين . .
ومن هذه الروايات القول المنسوب لرسول صلى الله عليه وسلم : الناس تبع لقريش . ولا يزال هذا الأمر - الحكم - في قريش ما بقي منهم اثنان . ( 12 ) .
* هامش *
( 12 ) أنظر البخاري ومسلم وكتب السنن . ( * )
- ص 169 -
والقول الأخر : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وسنتي ( 13 ) .
وحديث شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر وعثمان بدخول الجنة . ( 14 ) .
وحديث ؟ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . ( 15 ) .
وحديث أثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان أي أبو بكر وعمر وعثمان . ( 16 ) .
وحديث خصومه على وعم النبي العباس بسبب المال وسب بعضهما البعض . ( 17 ) .
وحديث خطبة الإمام علي ابنة أبي جهل على فاطمة الزهراء وغضب الرسول لذلك . ( 18 ) .
وحديث أفضل الرجال أبو بكر ثم عمر . ثم عثمان . ( 19 ) .
ومثل هذه الروايات إنما تهدف إلى دعم الإسلام القبلي ورموزه التي تشكل من جانب آخر دعما للإسلام الأموي الذي ارتكز عليه ونبع منه . وهي من جهة أخرى تشكل طعنا في الإسلام النبوي الذي رفع رايته الإمام وتشكل أيضا طعنا شخصيا له بتشويه صورته وتقديم الآخرين عليه . .
* هامش *
( 13 ) مسلم كتاب الإمارة وانظر موطأ مالك والحاكم . .
( 14 ) رواه مالك في الموطأ والحاكم في مستدركه . .
( 15 ) البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة . . باب فضل أبي بكر وعمر وعثمان . .
( 16 ) أنظر مستدرك الحاكم . .
( 17 ) البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة . .
( 18 ) أنظر البخاري . كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة باب / 5 . .
( 19 ) البخاري . كتاب النكاح . . ( * )
- ص 170 -
أما الروايات الخاصة بالمسلمين والتي تهدف إلى إخضاعهم لخط بني أمية فهي أكثر من أن تحصى :
يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : من يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني . ( 20 ) .
ويروى : السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك . ( 21 ) .
ويروى : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره . ( 22 ) .
ويروى : إسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . ( 23 ) .
يروى : تسمع وتطيع للأمير وأن جلد ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع . ( 24 ) .
ويروى على لسان معاوية أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس . ( 25 ) .
ويروى : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات ميتة جاهلية . ( 26 ) .
ويروى : من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية . ( 27 ) .
* ( هامش ) *
* هامش *
( 20 ) البخاري . كتاب فضائل الصحابة . ويروي البخاري على لسان علي أنه أقر بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان عليه .
أنظر باب فضل أبي بكر . .
( 21 ) مسلم كتاب الإمارة وانظر البخاري . .
( 22 ) المرجعين السابقين
( 23 ) مسلم كتاب الإمارة ، .
( 24 ) المرجع السابق . .
( 25 ) المرجع السابق . .
( 26 ) المرجع السابق . وقد روى هذا الحديث عدة رجال من أنصار معاوية مثل جابر بن سمرة . وابن عمر . والمغيرة بن شعبة .
ومروان الفزاري انظر باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق .
( 27 ) المرجع السابق . . ( * )
- ص 171 -
ويروى : من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان . . ( 28 ) .
ويروى : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه . . ( 29 ) .
وهناك روايات توجب عدم قتال الحكام والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة . . ( 30 ) .
ومن الواضح أن هذه الروايات من اختراع السياسة وليس من المعقول أن يحض الرسول على دعم المنكر والظلم وطاعة الحكام الفجرة الذين يسلبون الناس أموالهم ويعذبونهم . وهل جاء الإسلام ليقر الظلم والفساد . . ؟
وإذا كان الحاكم يسلب الأموال ويجلد الظهور فهو بهذا يكون طاغية أو قاطع طريق وهل مهمة الحكام إلا حفظ الأمن والحقوق والعدل بين الناس ودفع المظالم عنهم . . ؟
إن مثل هذه الروايات إنما تعكس الوجه الحقيقي للإسلام الأموي الذي ساد الأمة حتى يومنا هذا . فهو إسلام استسلامي مداهن للحكام يبرر الظلم والفساد . . وهو إسلام ينصر الحكام على الشعوب وينصر الأغنياء على الفقراء . .
وهو إسلام يضخم الفروع على حساب الأصول . . وهو إسلام يزرع بذور الشقاق والانقسام في الأمة . . وهو إسلام يهين الرسول وآل البيت . . ( 31 ) .
* هامش *
( 28 ) المرجع السابق . .
( 29 ) المرجع السابق . .
( 30 ) المرجع السابق . وما أسهل إقامة الصلاة على الحكام ما دامت سوف تكسبهم طاعة الجماهير وانقيادها لسياساتهم . .
( 31 ) أنظر لنا كتاب الخدعة . فصل الرسول والنساء . وانظر عقائد السنة وعقائد الشيعة باب الرجال . . ( * )
- ص 172 -
هذه هي صورة الإسلام الأموي وأهم معالمه وهي على ما يبدو تتناقض تماما مع صورة الإسلام النبوي الذي رفع رايته الإمام علي الذي يرتبط بالجماهير ويتصدى للحكام وينصر الفقراء والمحرومين ويوحد صفوف الأمة ويركز على الجوهر والأصول ويكرم الرسول ويضعه في مكانته الشرعية كما يضع آل البيت في مكانتهم .
sweet girl
03-17-2008, 08:55 AM
إنعاكسات الإسلام الأموي
- الدولة الإسلامية . . - الفكر الإسلامي . . - التيارات الإسلامية . .
- ص 175 -
أربعة خطوط برزت بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم )
خط آل البيت بقيادة الإمام علي وهو يمثل الإسلام النبوي . .
وخط أبو بكر وعمر وهو يمثل الإسلام القبلي . .
وخط عثمان ومعاوية وهو يمثل الإسلام الأموي . .
وخط الخوارج وهو يمثل الإسلام القشري . .
وقد انتهى الإسلام القبلي بمصرع عمر وبقيت في الساحة الخطوط الثلاثة الأخرى . . بقي خط آل البيت في أبناء الإمام علي من بعده ثم في شيعتهم من بعدهم . . وبقي الإسلام الأموي في كنف الحكومات حتى يومنا هذا . .
وبقي الإسلام القشري منبوذا ومحاصرا حتى تبنته الحركة الوهابية وقامت بنشره الدولة السعودية بين صفوف المسلمين والتيارات الإسلامية المختلفة في كل مكان . .
ولقد تغلغل الإسلام الأموي في الفكر الإسلامي على مر الزمان حتى صبغه بصبغته ثم جاء الإسلام القشري ليلقي بظلاله على هذا الفكر مع الحقبة النفطية المعاصرة بينما قدر للإسلام النبوي أن يظل محصورا في فئة قليلة مستضعفة هي فئة الشيعة .
ويظل بعيدا عن الأضواء محاربا من الحكومات حتى قيض الله له دولا رفعت رايته وقوت شوكته في عدة بقاع ولفترة من الزمن . ومن أشهر هذه الدول الدولة الفاطمية في مصر . والدولة الصفوية في إيران . إلا أن البروز المعاصر للإسلام
النبوي على يد الثورة الإسلامية في إيران يعد أكثر الصور فاعلية وتأثيرا في التاريخ الإسلامي إذ بعثت الروح في هذا الإسلام بعد أن طمرته السياسة قرونا طويلة . .
من هنا فنحن اليوم نعاصر ثلاث صور للإسلام : الأول : الإسلام الحكومي الذي تفرخ من الإسلام الأموي . .
- ص 176 -
الثاني : الإسلام السعودي الذي تفرخ من إسلام الخوارج . .
الثالث : الإسلام الشيعي الذي يعبر عن الإسلام النبوي . .
وسوف نعرض في هذا الباب انعكاسات هذه الصور الثلاث على القضايا التالية :
- الدولة الإسلامية . . - الفكر الإسلامي . . - التيارات الإسلامية . .
sweet girl
03-17-2008, 08:56 AM
الدولة الإسلامية
أقام الأمويون نظاما ملكيا هو الأول من نوعه في الإسلام وسارت الحكومات التي جاءت من بعدهم على هذا النهج . وساير الفكر الإسلامي هذا الوضع وبنى نظرية الدولة الإسلامية على أساسه . .
ولقد كانت أهم ملامح نظام الحكم الإسلامي على مر التاريخ تنحصر فيما يلي :
* الاستبداد . . * البذخ . . * الملكية . . * افتقاد حرية الرأي واحترام الإنسان . .
ولم يحدث في تاريخ الفكر الإسلامي أن اصطدم الفقهاء بهذه القواعد بل عايشوها وتفاعلوا معها تماما كما يتعايش فقهاء اليوم مع الحكومات المعاصرة .
فقد كان الحاكم هو الذي يعين القضاة ويتدخل في الأحكام وهو الذي يعين الخليفة من بعده وهو صاحب الرأي الأوحد في البلاد ويعيش حياة مترفة على حساب المسلمين الكادحين المطحونين . . وما يأسف له المرء أن هذه الصورة المنحرفة للحكم الإسلامي باركها الفقهاء
- ص 177 -
ودعموها ونسجوا من حولها الروايات والفتاوى التي تبرر هذه الصورة وتدفع بالمسلمين إلى التعاطف معها . . ( 1 )
فهم قد دافعوا عن انحرافات عثمان وبرروها . . ودافعوا عن بني أمية وبني العباسي . . ثم عن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين . . ثم ها هم يبكون اليوم على دولة الخلافة العثمانية ويحلمون بعودة حكم الخلفاء . ناسين أو متناسين الجرائم والانتهاكات والدماء التي أراقها الخلفاء طوال فترات التاريخ الإسلامي من أجل تثبيت عروشهم . .
إن هؤلاء الفقهاء لا تعنيهم ممارسات الحكام ومواقفهم لكونها لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فما دامت لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فهي إذن في صالح المسلمين . .
وكيف للحكام أن يمسوا الدين وهو ركيزتهم الأساسية ووسيلة تأمين وجودهم ومستقبلهم ؟ وكيف لهم أن يصطدموا بالفقهاء وهم حلفائهم وآداتهم في تطويع المسلمين وتحذيرهم . . ؟
* هامش *
( 1 ) تكتظ كتب السنن بالكثير من الروايات التي تدعم الحكام وتباركهم وتفرض على المسلمين طاعتهم والاستسلام لهم . ومن هذه الروايات المنسوبة للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : إسمعوا وأطيعوا - للحكام - فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . . تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع . .
من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية . . من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيام لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة - للحكام - مات ميتة جاهلية . .
من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه . . فمن أراد أن يرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان . .
أنظر مسلم كتاب الإمارة والبخاري وكتب السنن الأخرى . . ومثل هذه الروايات هي التي بني على أساسها الفقهاء موقفهم وتصورهم حول الحكم والدولة وجعلوه من المفاهيم والعقائد الثابتة التي لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها . أنظر كتب العقائد وانظر لنا فساد عقائد أهل السنة . . ( * )
- ص 178 -
ومثل هذا الموقف إنما هو نابع من التصور الأحادي الذي يجعلهم يتصورون كل ما يخرج عن دائرتهم ودائرة إسلامهم هو الباطل والضلال المبين .
فمن ثم يحق للحاكم أن يقتل وأن ينهب وأن ينتهك الحرمات ما دام كل ذلك يجري في دائرة المخالفين . وإن أهم انعكاسات الخط الأموي على فكرة الدولة وشكلها ومقوماتها إنما يتمثل في اعتماد الفقهاء لثلاثة صور لقيام الحكم في الإسلام هي مستنبطة من واقع حكم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان . .
الصورة الأولى : الشورى من خلال أهل الحل والعقد وهي مستنبطة من السقيفة ومن فعل أبي بكر وفعل عمر حين أوصى بالستة . .
الصورة الثانية : الوصية وهي مشتقة من فعل أبي بكر حين أوصى لعمر وقد مهدت هذه الفكرة لقيام الملكية فيما بعد . .
الصورة الثالثة : ولاية العهد وهي مستنبطة من سلوك معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وقد أضفت هذه الصورة المشروعية على نظم الحكم الملكية التي قامت في بلاد المسلمين طوال فترات التاريخ . .
يقول القاضي أبو يعلى عن كيفية اختيار الحاكم : وهي فرض على الكفاية مخاطب بها طائفتان من الناس
إحداهما : أهل الاجتهاد حتى يختاروا .
والثانية : من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم الإمامة .
أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط
أحدها : العدالة .
والثاني : العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة .
والثالث أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح . .
وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط .
أحدها : أن يكون قرشيا من الصميم وقد روى أحمد : لا يكون من غير قريش خليفة .
الثاني : أن يكون على صفة من يصلح أن يكون قاضيا : من الحرية والبلوغ والعقل والعلم والعدالة .
- ص 179 -
الثالث : أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة .
الرابع : أن يكون من أفضلهم في العلم والدين .
وقد روي عن أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل . فقال : ومن غلبهم بالسيف - أي المسلمين وحاكمهم - حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين .
وروي عنه : فإن كان أميرا يعرف بشرب المسكر والغلول - أي سرقة الغنائم - يغزو معه وإنما ذاك له في نفسه . . ( 2 )
ويقول ابن تيمية عن أهل السنة والجماعة : يرون إقام الحج والجهاد والجمع والأعياد ، مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا . . ( 3 )
ويقول البيجوري : ونصب إمام عادل واجب على الأمة عند عدم النص من الله أو رسوله على معين وعدم الاستخلاف من الإمام السابق بخلافه . ولا يتحقق إلا بشروط خمسة : الإسلام والبلوغ والعقل والحرية وعدم الفسق . ثم إن هذه الشروط إنما هي في الابتداء وحالة الاختيار وأما في الدوام فلا يشترط . ولو تغلب عليها - الإمامة - شخص قهرا انعقدت له وإن لم يكن أهلا . . ( 4 )
ومن الواضح أن هذه الرؤى التي يجمع عليها فقهاء القوم إنما هي مشتقة من الواقع القبلي والواقع الأموي . وقد بنيت على أساس سلوك الخلفاء الثلاثة وسلوك معاوية ومن بعده من الخلفاء الذين اغتصبوا الحكم بالقوة وفرضوا أنفسهم على الأمة
وإن لم تتوافر فيهم الشروط المطلوبة في الحاكم حتى ولو كانوا صبيانا أو عبيدا . . ولقد دفعت الأمة الثمن غاليا ولا زالت تدفع بسبب هذا الطرح السياسي الذي
* هامش *
( 2 ) أنظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ط القاهرة . . والأحكام السلطانية للماوردي أيضا . .
( 3 ) أنظر العقيدة الواسطية لابن تيمية ط القاهرة أو السعودية . .
( 4 ) أنظر شرح البيجوري على متن الجوهرة المسمى تحفة المريد على جوهرة التوحيد ط القاهرة .
وهو كتاب مقرر على طلبة المعاهد الأزهرية في مصر . . ( * )
- ص 180 -
لا صلة له بالدين وإنما هو من نتاج واقع باركه فقهاء يسيرون في ركاب الحكام وأضفوا عليه المشروعية بروايات واجتهادات ألزمت بها الأمة بتوجيه الحكام . . يقول مالك للمنصور العباسي : لو لم تكن أهلا لما ولاك الله تعالى . . ( 5 )
ومثل هذا القول إنما يعكس فقه المتغلب الذي تبناه القوم في مواجهة حالات اغتصاب الحكم من قبل من هو على شاكلة المنصور . .
ويقول أبو يوسف : إن أمير المؤمنين - هارون - سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الأموال والعشور والصدقات والجوالي - الجماعات الجائلة غير المستقرة في مكان محدد - وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به . . ( 6 )
وقد حدد أبو يوسف واجبات الحاكم فيما يلي :
- إقامة حدود الله . .
- رد الحقوق لأصحابها . .
- إحياء سنة الحكام الصالحين . .
- منع الظلم والمساواة بين الناس في تطبيق أحكام الشرع . .
- أمر الناس بما أمر الله ونهيهم عما نهى عنه . .
- لا يؤخذ من الرعية إلا بالحق ولا ينفق إلا بالحق . . ( 7 )
أما واجبات المسلمين تجاه الحاكم فقد حددها بما يلي : - ألا يعصوه أو يقاتلوه . . - ألا يسبوه أو يغشوه . .
* هامش *
( 5 ) أنظر مناقب أبو حنيفة للكردي . وقد قام مالك بتأليف كتاب الموطأ بتكليف من المنصور . أنظر مقدمة الموطأ ط القاهرة . .
( 6 ) أنظر مقدمة كتاب الخراج لأبي يوسف . .
( 7 ) أنظر المرجع السابق . . ( * )
- ص 181 -
- أن يصبروا عليه ويخلصوا النصح له . . - أن ينهوه عن المنكر ويعاونوه على الخير . . ( 8 )
إن الشروط التي اشترطها الفقهاء في الحكام لم تتوافر في حاكم ممن ولي أمر المسلمين منذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وحتى اليوم .
كما أن الواجبات التي من المفروض أن يؤدوها تجاه الأمة لم يلتزموا بشئ منها وضربوا بها عرض الحائط ولم يعترض الفقهاء على هذا الوضع بل عايشوه وطالبوا الأمة بالصبر عليه . . ( 9 )
إن الفقهاء قد حددوا شكل الدولة الإسلامية ومقوماتها وصفات الحاكم من خلال سلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة وبني أمية وبني العباس متجنبين الإمام علي ومواقفه ونموذج دولته لكون طرحه ونموذجه يتناقض مع الطرح والنموذج السائد الذي يسيرون في ركابه . .
لقد كانت تجربة الإمام علي في الحكم هي التجربة التي تعكس صورة الدولة الإسلامية الحقة والتي قام الخط الأموي بالتعتيم عليها وتشويهها حتى لا تكتشف حقيقة الحكم الأموي وتناقضه مع الإسلام . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي ملامح دولة الإمام علي . . ؟
إن الإمام علي كان زاهدا في الحكم كما كان زاهدا في الدنيا . وما كان يهدف إليه هو أن تستقيم الأمة على نهج الإسلام النبوي وتسترشد بعلمه الذي ورثه عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . من هنا فحين طالبه الناس بالبيعة بعد مصرع
عثمان قال : دعوني والتمسوا غيري . . واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب . . وأنا لكم وزير خير لكم مني أميرا . . ( 10 )
* هامش *
( 8 ) المرجع السابق . .
( 9 ) أنظر شرح مسلم للنووي كتاب الإمارة . وشرح البخاري لابن حجر كتاب الأحكام وكتاب الفتن . ج13 وانظر كتب العقائد والفقه
وهي تحوي شروحات وتبريرات واسعة لهؤلاء الفقهاء تجاه الحكام ومواقفهم وانحرافاتهم وانظر كتاب العواصم من القواصم .
وكتابنا فساد عقائد أهل السنة . .
( 10 ) أنظر نهج البلاغة خطبة رقم 9 / 259 . . ( * )
- ص 182 -
ولقد حدد الإمام علي نهجه في الحكم فور تسلمه السلطة بقوله : لم تكن بيعتكم إياي فلتة . وليس أمري وأمركم واحد . إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم . أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه . ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها . . ( 11 )
إن الإمام يوضح من خلال كلمته عدة حقائق وإشارات هامة حول صورة الحكم . فهو يوجه نقده لطريقة وصول أبي بكر للحكم مشيرا أن بيعته إنما تمت بإرادة المسلمين وحريتهم دون ضغوط كما حدث في أمر السقيفة .
ثم هو يعلنها صراحة أنه سوف يضرب أصحاب المصالح والأهواء والقبليين الذين استثمروا الأوضاع السابقة لصالحهم وحققوا المكاسب على حساب المسلمين وبواسطة أنظمة الحكم السابقة . . ولقد أوضح الإمام الرؤية للمسلمين كحاكم بقوله :
لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم وعائدة كرم . فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة . . ( 12 )
والإمام بتوضيح هذه الرؤية للرعية إنما يضرب مثلا رائعا في الأمانة والمصارحة لهم في مواجهة الأحداث القادمة التي تهدد وحدة الأمة . . والإمام يرفض اغتصاب السلطة والاستسلام للأمر الواقع بقوله : أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم
عليه وأعلمهم بأمر الله فيه فإن شغب شاغب استعتب فإن أبى قوتل . ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار . . ( 13 )
* هامش *
( 11 ) أنظر المرجع السابق خطبة رقم 134 / 339
( 12 ) المرجع السابق خطبة رقم 137 / 344 . .
( 13 ) المرجع السابق خطبة رقم 171 / 408 . . ( * )
- ص 183 -
ويؤكد الإمام من خلال قوله هذا أيضا رفضه لبيعة الحكام في معزل عن الجماهير كما وقع مع الخلفاء الثلاثة من قبله وكما وقع للمسلمين من بعده . .
لقد رفع الإمام شعار العدل في وجه الظالمين ومغتصبي حقوق المسلمين وفي وجه أقارب عثمان وقام بمصادرة ممتلكاته وقطائعه التي ملكها بأموال المسلمين والتي وزعها على أقاربه وأعوانه . .
يقول الإمام عن عثمان وقطائعه : والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق . . ( 14 )
وفي عهد الإمام علي لمالك الأشتر حين وجهه إلى مصر ملامح نظرية الحكم الإسلامي على نهج النبوة وأسس دستور يحقق العدل والاستقرار والأمن والتقدم للأمة . .
يقول الإمام لمالك بعد أن أمره بطاعة الله وتقواه : . . وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكون عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم . . أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إلا
تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده . وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة . وليكن أبعد
رعيتك منك وأشنأهم عندك - أبغضهم - أطلبهم لمعائب الناس . وإن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة . وألصق بأهل الورع والصدق . ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء . وأعلم أنه
ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع رعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم . ، ولا تنقضن سنة صالحة عمل بها صدر هذه الأمة واجتمعت به الألفة وصلحت عليه الرعية . وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه
أمر بلادك . وأعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض . ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك . ثم أكثر تعاهد قضائه
* هامش *
( 14 ) المرجع السابق خطبة رقم 15 / 118 . . ( * )
- ص 184 -
وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس . ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة . ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم . وتفقد أمر
الخراج بما يصلح أهله . ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا . ثم الله . الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى - المرضى وأصحاب العاهات - وتفقد أمور من لا يصل إليك
منهم . وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه . واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما . . فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من
الضيق وقلة علم بالأمور . والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا . وإن ظنت الرعية بك حيفا - ظلما - فأصحر - أظهر - لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك . ولا ترفضن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا
وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة . وإياك والدماء وسفكها بغير حلها . وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء . وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها . . ( 15 ) .
ولا شك أن هذه الأسس التي حواها عهد الإمام للأشتر لا وجود لها في واقع الدول التي سادت من بعد صفين . ولا وجود لها في سلوك الحكام ومواقفهم أولئك الحكام الذين باركهم الفقهاء وطالبوا المسلمين بالصلاة والحج والجهاد من خلفهم . .( 16 ) ولقد أبرز لنا الإمام من خلال سلوكه ومواقفه ملمحا هاما وخاصية فريدة يجب
* هامش *
( 15 ) المرجع السابق ج2 / خطبة رقم 54 / 621
( 16 ) أنظر عهد الأشتر للشيخ محمد مهدي شمس الدين ط بيروت وعهد الأشتر لمحمد باقر الناصري
والراعي والرعية للفكيكي ط بيروت . وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وغيره . . ( * )
- ص 185 -
أن تتوافر في الحاكم المسلم ألا وهي خاصية الحوار مع الخصوم حتى ولو شهروا سيوفهم في وجه الدولة . والإمام بانتهاجه هذا السلوك والتزامه بهذا الموقف إنما يبرز روح التسامح ويفسح المجال أمام الرأي الآخر ليقدم حججه وبراهينه التي تدعم موقفه ورؤيته .
ويمنح الفرصة للمنشقين كي يعودوا إلى صفوف الجماهير بقناعة ورضا . . برز هذا الموقف في حواره مع أصحاب الجمل . . وبرز في حواره مع أنصار معاوية في صفين . . وبرز في حواره مع الخوارج المنشقين عليه . .
يقول الإمام لابن عباس حين أرسله إلى الزبير قبل وقعة الجمل : لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول : هو الذلول ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق . فما عدا مما بدا . . ( 17 )
ويقول الإمام في أهل صفين وقد نهى أصحابه عن سبهم : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الغي والعدوان من لهج به . . ( 18 ) و
في كتاب للإمام إلى معاوية يقول فيه : ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك والسلام . . ( 19 )
وفي كتاب له أيضا إلى معاوية يقول الإمام : وكيف أنت صانع إذا تكشفت
* هامش *
( 17 ) أنظر نهج البلاغة ج1 / خطبة رقم 31 / 149 . .
( 18 ) المرجع السابق ج1 خطبة رقم 204 / 492 . .
( 19 ) المرجع السابق ج2 خطبة رقم 6 / 543 ( * )
- ص 186 -
عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها . . ( 20 )
وفي كتاب آخر يقول له : أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم . واليوم أنا استقمنا وفتنتم وما أسلم مسلمكم إلا كرها وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حزبا . . ( 21 )
ويقول الإمام في الخوارج حين رفعوا شعار لا حكم إلا لله : كلمة حق يراد بها الباطل . نعم لا حكم إلا لله . لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله . . ( 22 )
ويقول مخاطبا الخوارج لما حكموا على الإمام بالخطأ في التحكيم وشرطوا للعودة إلى طاعته أن يعترف بأنه كان قد كفر ثم آمن : أصابكم حصب - ريح شديدة - ولا بقي منكم آبر . أبعد إيماني بالله وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر . لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . . ( 23 )
وكان الإمام علي قد أرسل ابن عباس ليحاور الخوارج بعد أن انشقوا عليه . وأقام ابن عباس عليهم الحجة وعاد معه منهم ثلاثة آلاف . . ( 24 )
ولقد اضطر الإمام لمقاتلة الخوارج فيما بعد إلا أنه لم يقاتلهم بسبب الأفكار التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين واستباحتهم دماءهم وأموالهم وهم بهذا الفعل قد استووا مع المحاربين الذين يسعون في الأرض فسادا ويجب على الإمام استئصالهم .
إن تبني الإمام علي لنهج الشورى والعدل والمساواة والحوار قد جذب إلى نهجه
* هامش *
( 20 ) المرجع السابق ج2 / 10 / 546 .
( 21 ) المرجع السابق ج2 / 65 / 662 . .
( 22 ) المرجع السابق ج1 خطبة 4 / 163 . .
( 23 ) المرجع السابق ج1 / خطبة 58 / 179 . .
( 24 ) أنظر محاورة ابن عباس للخوارج في كتاب جامع بيان العلم ط القاهرة . . ( * )
- ص 187 -
الموالي والجنسيات الأخرى غير العربية وعلى رأسهم الفرس الذين وجدوا في طرحه ما ينشدون من العدل والمساواة والحرية وهو ما كانوا يفتقدونه في الطرح الأموي الذي كان يقوم على أساس القبلية والعنصرية . .
ولعل هذا يفسر سر ارتباط الفرس بالإمام علي وآل البيت من بعده إذ وجدوا في خطهم الخلاص من الظلم والتفرقة العنصرية التي كانوا يعيشونها في ظل بنى ومما سبق يتبين لنا مدى الفروق الشاسعة والهوة السحيقة بين دولة الإمام علي ودولة بني أمية التي يمكن تحديدها فيما يلي :
* إن دولة الإمام علي هي دولة متغيرة حسب متطلبات الواقع ومصالح الجماهير بينما دولة الأمويون ثابتة المعالم والأطر .
* إن دولة الإمام علي دولة جماهير بينما دولة معاوية وقومه دولة حكام . .
* إن دولة الإمام هي دولة العدل والمساواة والشورى بينما هذه الأسس الثلاث لا وجود لها في واقع الدول الأخرى . .
* إن دولة الإمام علي هي دولة الحوار بينما الدول الأخرى عدوة له وتغلق الأبواب أمامه . .
لقد ارتبطت فكرة الدولة في الطرح السني بالاستبداد والفصل بين سلطة الفقهاء وسلطة الحكام وعدم التدخل في شئون الحاكم والاستسلام المطلق له وهذه هي أخطر انعكاسات الإسلام الأموي مما أدى إلى ضياع الشورى والعدل والمساواة من واقع المسلمين . .
بينما ارتبطت فكرة الدولة في طرح آل البيت بالشورى وعدم الفصل بين السلطتين لضرورة أن يكون الحاكم فقيها كما ارتبطت بالعدل والمساواة والجماهير ووضعت الحاكم تحت رقابتها . .
ويحاول الطرح السني أن يلزم الأمة بفكرة ثابتة وشكل ثابت للدولة الإسلامية وهو الشكل الذي تمخض عن الواقع القبلي الأموي والذي يقوم على سلطة
- ص 188 -
الحكام وسلطة الفقهاء ونتيجته الدائمة هي سقوط الفقهاء في شباك السياسة وخضوعهم للحاكم . . ويبدو أن هناك تخبط واضح لدى الطرف السني في تحديد معالم الدولة وشكلها وهذا التخبط إنما هو ناتج من اختلاف ممارسات الحكام ومواقفهم واختلاف
شكل الدولة من حكم لآخر . فدولة أبي بكر غير دولة عمر . ودولة عمر غير دولة أبي بكر . ودولة عثمان غير دولة عمر . ودولة معاوية تختلف عن دولة الثلاثة . . ( 25 )
أما دولة الإمام علي فهي نموذج آخر غير هذه النماذج والقوم لم يعتدوا به من الأصل ولعل لهم عذرهم في هذا فهم لم يعايشوه وإنما عايشوا حكم بني أمية وبني العباس .
إن الدولة الإسلامية في منظور آل البيت ليس لها شكل محدد ومعالم وأطر ثابتة وهي متحررة تماما من النزعة الإلهية . ومثل هذه الأمور إنما هي متروكة للاجتهاد . ولعل طرح فكرة ولاية الفقيه من قبل الإمام الخميني وتطبيقها في إيران اليوم يشير إلى ذلك . . ( 26 )
* هامش *
( 25 ) أنظر كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي وهو يؤرخ من دولة أبي بكر إلى عصر المماليك . ويبدو للمطالع لهذا الكتاب مدى الفوارق والخلافات بين دول الإسلام التي قامت منذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وحتى اليوم .
( 26 ) قام الإمام الخميني بطرح فكرة ولاية الفقيه وتطبيقها عمليا لأول مرة في تأريخ الشيعة . وقد اصطدم به كثير من فقهاء الشيعة وعارضوه في هذه الفكرة حيث أن أغلب فقهاء الشيعة يرون عدم جواز حكم الفقيه في عصر غيبة الإمام المهدي .
وفي هذا الموقف إشارة إلى أن مسألة الحكم عند الشيعة ليس بالضرورة أن يتولاها فقيه من رجال الدين وليست فكرة الدولة تقوم على أساس الماضي كما هو الحال عند السنة . والشيعة لا ترفض فكرة الجمهورية أو الانتخاب الحر أو الأحزاب . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:57 AM
- التيارات الإسلامية
تبنت التيارات الإسلامية الأطروحة السنية كما هي ودخلت بها في صراع مع الواقع فكانت النتيجة أن أخفقت في تحقيق أهدافها وإقامة الدولة الإسلامية المنشودة . .
تبنت التيارات الإسلامية أطروحة حكومية دون أن تدري ودخلت بها في صراع مع الحكومات فكانت النتيجة أن تخلخل بناءها الفكري وتصدت لها المؤسسة الدينية الرسمية لتواجهها بنفس الأطروحة وتعرقل مسيرتها . .
لقد سقطت التيارات الإسلامية ضحية الإسلام الأموي بعد أن غاب عنها الإسلام النبوي وضلت عن سبيله . والإسلام الأموي لم يعطها سوى الجمود والفرقة الشتات . . الإسلام الأموي جعلها لقمة سائغة للحكومات وأفقدها ثقة الجماهير وعزلها عن الواقع . .
ثم تلقفت التيارات الإسلامية إسلام الخوارج من السعودية في الحقبة النفطية المعاصرة فكانت النتيجة أن ازدادت تخلفا عن الواقع . وتبدو لنا أزمة التيارات الإسلامية المعاصرة في النظرية التي تتبناها في مواجهة الواقع وصورة الدولة التي تنشد إقامتها . .
ومن خلال النظرية وصورة الدولة تبرز لنا انعكاسات الإسلام الأموي وإسلام الخوارج على هذه التيارات التي تشبعت بهذين الإسلامين والتصقت بهما . فقد تبنت هذه التيارات عقائد ومفاهيم السلف مجملة كما تبنت نتاجات الفقهاء . .
وتبنت الروايات الواردة عن طريقهم . . وتبنت تقديس الصحابة والسلف وعدم الخوض فيهم . . وتبنت شكل الدولة الإسلامية السلفية . . وتبنت فكرة الصلاة وراء كل بر وفاجر . . وتبنت فكرة الفرقة الناجية والاستعلاء على المخالفين . .
- ص 199 -
وتبنت خط الخلفاء الثلاثة وخط الملوك من بعده . .
وتبنت فكرة مساواة معاوية بالإمام علي . .
وتبنت منهج التبرير والتأويل . .
وتبنت اجتهادات فقهاء السلف ومواقفهم . .
وتبنت فكرة الرفض لكل ما هو مخالف . .
ولقد كان نتيجة تبنيها هذه الأفكار أن أصبحت هناك فجوة كبيرة بين نظريتها وبين الواقع حالت بينها وبين التفاعل معه وكسبه إلى صفها . . كان تبني التيارات الإسلامية الفكر السني قد أدى إلى إخفاقها أمام الواقع وافتقادها القدرة على مواجهته . .
فالفكر الذي يساند الحكام ويبرر جرائمهم كيف يمكن أن تبنى عليه نظرية مواجهة معهم . . ؟
والفكر الذي يستعلي على الواقع والجماهير كيف يمكن أن يحقق الاستقرار والتقدم للدعوة . . ؟
والفكر الذي يعيش على عقل الماضي كيف يمكن أن يواجه الحاضر . . ؟
والفكر الذي يتبنى شكل الحكم القبلي والأموي والعباسي كيف يمكن أن يتجاوب معه الواقع . . ؟
والفكر الذي يقوم على روايات مختلقة ومناقضة للقرآن والعقل كيف يمكن أن يتحقق له الثبات والصمود في وجه الأحداث والمتغيرات . . ؟
ولقد ازداد الموقف تعقيدا حين تبنت التيارات الإسلامية الأطروحة الوهابية الحنبلية التي تعد امتدادا لإسلام الخوارج بعد سقوطها في قبضة الأخطبوط السعودي . . وازدادت حدة الأزمة الفكرية والحركية التي تعيشها هذه التيارات في مواجهة
- ص 200 -
الواقع وليس هناك من سبيل لخروجها من هذه الأزمة إلا بالتحرر من الخط الأموي وخط الخوارج . . وكما انعكست صورة الإسلام الأموي على التيارات الإسلامية وبدا أثره واضحا على تصورها ونظريتها .
انعكس أيضا إسلام الخوارج وبدت ملامحه تبرز على مواقفها ونظريتها وممارساتها ذلك الانعكاس الذي يمكن تحديده فيما يلي:
* القشرية والسطحية في فهم النصوص . .
* تركيز العداء على الجماهير . .
* تكفير المخالفين . .
* تعطيل العقل . .
* انعدام الوعي بطبيعة الصراع وبالواقع . .
* الغلظة في الدعوة وتبني العنف في تطبيق الأحكام . .
أما القشرية والسطحية فقد كانت أهم ملامح شخصية الخوارج وهي تبدو اليوم أبرز ملامح التيارات الإسلامية وتظهر لنا من خلال تركيزهم على مسألة اللحية وتقصير الثوب وتغطية وجه المرأة ومحاربة التدخين والاهتمام بالممارسات التعبدية كالصلاة والصوم وحفظ القرآن دون الاهتمام بجوهر الإسلام . . ( 44 )
ويبدو من خلال ممارسات التيارات الإسلامية ومواقفها أنها تتجه بغضبها نحو الجماهير متهمة إياها بالكفر والفسوق والتسيب ومن مظاهر هذه الممارسات الاعتداء على الشيعة والمتصوفة والنوادي والمسيحيين واحتفالات الزواج وحرق الأضرحة
والاعتداء على زوارها وكذلك كان تاريخ حركة الخوارج من قبل كان يتركز في العدوان على المسلمين الآمنين وليس على الحكام وكذلك أيضا كان تاريخ الوهابيون في جزيرة العرب . . . ( 45 )
* هامش *
( 44 ) أنظر لنا الحركة الإسلامية في مصر . وأنظر تأريخ الحركة الوهابية . وانظر لنا كتاب فقهاء النفط
وكتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة . وكتاب فساد عقائد أهل السنة . .
( 45 ) أنظر المراجع السابقة . ( * )
- ص 201 -
وتكفير المخالفين واستباحتهم سمة بارزة من سمات التيارات الإسلامية اليوم وقد كانت إحدى سمات الخوارج من قبل وهي سن سمات الوهابيين اليوم . . ( 46 )
كذلك تعطيل العقل يعد من الملامح الأساسية للتيارات الإسلامية حيث إن هذه التيارات تعيش بعقل الماضي ولا تعمل العقل في الحاضر أو في النصوص المختلقة التي تتبناها وتنادي بتطبيقها أو حتى في الأحداث والمتغيرات التي تجري من حولها فهي تريد أن تطبق النص كما هو دون حساب للنتائج أو المتغيرات ودون وعي بحقيقة النص ومدلوله .
وكذلك كانت عقلية الخوارج . . والتيارات الإسلامية لا تعطي اهتماما بالسياسة أو الثقافة أو فقه الواقع وكل ما يعنيها هو تطبيق الكتاب والسنة دون أن يكون لديها الوعي بطبيعة العوائق التي تقف في طريق هذا التطبيق وطبيعة القوى المعادية التي تتربص بها وبالإسلام .
وهذه التيارات تتبنى تصورا وهميا مفاده أن تمسكها بالكتاب والسنة سوف ينجيها من كل شر ويحقق لها النصر على الباطل دون أن تملك أية أسباب أخرى . فالوعي عند هذه التيارات ينحصر في دائرة النصوص ويتركز حولها .
ويتضح لنا هذا الأمر من خلال محاولة هذه التيارات لتطبيق النصوص على الواقع كما هي وصدامها مع الواقع بسبب نص وهمي أو نص لا ترمي دلالاته للمعنى المقصود .
وهذه إحدى ملامح شخصية الخوارج الأساسية حين رفعوا في وجه الإمام علي قوله تعالى ( إن الحكم إلا لله ) وحكموا بكفر الإمام علي أساسه لكونه حكم الرجال في قضية التحكيم .
ومثل هذا الفهم السطحي للنصوص ينطبق على التيارات الإسلامية . . ولقد كانت الغلظة والعنف ركيزة أساسية في دعوة الخوارج وعلى أساسها أراقوا دماء المسلمين واستباحوا أموالهم وهي سمة بارزة من سمات التيارات الإسلامية اليوم أفقدتها ثقة الجماهير بها وعزلتها عن الواقع . .
ونظرة فاحصة على التيارات الإسلامية الشيعية سوف يتبين مدى الفارق الشاسع بينها وبين التيارات الإسلامية السنية :
* هامش *
( 46 ) المراجع السابقة . ( * )
- ص 202 -
على مستوى الفكر والتصور . . وعلى مستوى الحركة والمواجهة . . وعلى مستوى العلاقة بالواقع والجماهير . .
إن نجاح الثورة الإسلامية في إيران يعود لتوافر مقومات الوعي والحركة والمواجهة وفقه الواقع والارتباط بالجماهير . وهذه المقومات إنما هي نتاج خط الإمام علي وتبني نهجه ، ولو كانت هذه الثورة تتبنى نهجا آخر ما كتب لها النجاح . . ( 47 )
إن إيجابية التيارات الإسلامية السنية وفاعليتها لن يتحققا إلا بالالتزام بالإسلام النبوي ونهج الإمام علي ودون ذلك لن تملك الرؤية الواعية للواقع وطبيعة الصراع وسوف تظل تتخبط في ساحة المواجهة بأطروحة هي من اختراع السياسة وتهدف إلى تخدير المسلمين وعزلهم عن الواقع .
* هامش *
( 47 ) أنظر كيف يحمل التيار الشيعي راية المواجهة مع اليهود في جنوب لبنان بينما التيار السني يقف موقف المتفرج . . ( * )
sweet girl
03-17-2008, 08:58 AM
خاتمة
إن إعادة قراءة التاريخ مقدمة ضرورية لتصحيح الفكر الإسلامي المعاصر الذي ورث تراكمات السياسة وصبغها بصبغة الإسلام حتى تحولت بمرور الزمن إلى مفاهيم وقواعد يتعبد بها المسلمون ويقيسون الحق والباطل على أساسها .
لقد أصبح أبو بكر وعمر وعائشة وأبو هريرة وابن عمر رموز الإسلام الكبرى التي يستمد منها صورة الإسلام ونهجه . بينما ضرب الإمام علي وعمار وأبو ذر وحذيفة وابن مسعود وغيرهم ممن ساروا على نهج الإمام .
إن الفكر الإسلامي المعاصر لن يقوم إعوجاجه ويتحرر من أغلال الماضي إلا بطرح الرؤية الأحادية للتاريخ والتي فرضتها عليه السياسة . . وعلى المسلمين أن يتحرروا من أغلال الحقبة النفطية المعاصرة والتي فرضت عليهم الرؤية الوهابية الحنبلية وصورتها لهم على أنها المعبر الحقيقي عن الإسلام .
عليهم أن يتحرروا من عبادة الرجال .
وعليهم أن يتحرروا من وهم قداسة الماضي .
عليهم أن يجعلوا النصوص فوق الرجال .
وأن يتخذوها مقياسا ونبراسا لهم على طريق تصحيح الفكر الإسلامي وقراءة أحداث التاريخ وأخيرا عليهم أن يدركوا حقيقة هامة وهي أن هذا التاريخ الذي بين أيدينا هو تاريخ المسلمين وليس تاريخ الإسلام .
والفرق كبير وشاسع بين تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين . تاريخ الإسلام هو كتاب الله . وتاريخ المسلمين ما دون ذلك مما يخضع للبحث والأخذ والرد . . وعلى ضوء كتاب الله يجب أن يدرس تاريخ المسلمين .
- ص 204 -
أهم مصادر البحث
* البخاري . .
* مسلم . .
* كتب السنن :
* البداية والنهاية : ابن كثير
* تاريخ الطبري : ابن جرير الطبري . .
* مروج الذهب : المسعودي . .
* الطبقات : ابن سعد . .
* فتح الباري شرح البخاري : ابن حجر العسقلاني . .
* العقيدة الواسطية : ابن تيمية . .
* لإصابة في تميز الصحابة : ابن حجر العسقلاني . .
* العواصم من القواصم : أبو بكر بن العربي . .
* الخلافة والملك : أبو الأعلى المودودي . .
* فتاوى ابن تيمية : ابن تيمية . .
* نهج البلاغة : الإمام علي . .
* الكامل في التاريخ : ابن الأثير . .
* شرح مسلم : النووي . .
* الأحكام السلطانية : أبي يعلى . .
* الخراج : أبو يوسف . .
- ص 205 -
صدر للمؤلف
- الشيعة في مصر : من الإمام علي حتى الإمام الخميني . .
- عقائد السنة وعقائد الشيعة : التقارب والتباعد . .
- مصر وإيران : صراع الأمن والسياسة . .
- الحركة الإسلامية في مصر : الواقع والتحديات . .
- فقهاء النفط : راية الإسلام أم راية آل سعود . .
- الخدعة : حقيقة الإسلام بين النص والسياسة . .
- حركة آل البيت . .
- فساد عقائد أهل السنة . .
- مذكرات معتقل سياسي : ثلاث سنوات تحت التعذيب . وتحت الطبع :
- زواج المتعة حلال . .
- فقه الهزيمة : دراسة في أصول الفكر السلفي . .
- أحاديث نبوية اخترعتها السياسة . .
- السلفيون والشيعة . .
- العقل المسلم بين أغلال السلف وأوهام الخلف . .
- الأزهر والحكام . .
- مصارع الحكام في تاريخ الإسلام . .
- جريمة الرأي في التاريخ الإسلامي . .
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir