مشاهدة النسخة كاملة : ) نـــبـــذة عــــن الصــحــــابـــة المـنــتـجــبــــــيـن ....... ( ارجوا التثبيت
قصة قدر
10-04-2007, 07:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه المنتجبــيـن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- هذه الـــصـــفــحـــة خـــاصـــة لأجــل التــزود بمــن نســتطــيـــع أن نسميــهــم
الصحــابــة
- سيكــون لــنـــا في فــتــرة نبــذة عن شخصــية معــيــنة من أصحاب المعــصـــومــــيـن ( عليهم السلام )
- أرجــوا التشجــيـــع
قصة قدر
10-04-2007, 07:10 PM
وهذا اول صحابي سنتكلم عنه واذا عجبكم الموضوع بنكمل
المقداد بن الأســـود
اسمه ونسبه
هو المقداد بن عمرو، بن ثعلبة، بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني، ولكنه اشتهر باسم آخر، وهو "المقداد بن الأسود الكندي".
منذ اليوم الذي حالف فيه الأسود وتبناه الأسود صار إسمه المقداد بن الأسود ، نسبة لحليفة ، والكندي ، نسبةً لحلفاء أبيه . وقد غلب عليه هذا الإسم ، واشتهر به ، حتى إذا نزلت الآية الكريمة : ( أدعُوهُم لآبائِهم ) قيل له : المقداد بن عمرو . وكان يكنى أبا الأسود ، وقيل : أبو عمرو ، وأبو سعيد وأبو معبد . ومن أهم ألقابه : « حارس رسول الله ».
عمرو ابو المقداد
كان والده عمرو بن ثعلبة من شجعان بني قومه، يتمتع بجرأة عالية دفعته إلى قتل بعض أفراد بني قومه، فاضطر إلى الجلاء عنهم حفاظاً على نفسه من طلب الثأر، فلحق بحضرموت، وحالف قبيلة كندة التي كانت تحتل مكانة مرموقة بين القبائل، وهناك تزوج امرأة منهم، فولدت له المقداد
نشأته و رحيله إلى مكة
نشأ هذا الفتى في ظل مجتمع ألف مقارعة السيف، ومطاعنة الرماح، فاتصف بالشجاعة، حتى إذا بلغ سن الشباب، أخذت نوازع الشوق تشده إلى مضارب قومه في "بهراء"، ما دفعه إلى تخطي آداب "الحلف"، لأنه كان يعتبر أن الحلف لا يعني أكثر من قيد "مهذب" يضعه الحليف في عنقه وأعناق بنيه، ولذا لم يكن هو الآخر أسعد حظاً من أبيه، حيث اقترف ذنباً مع مضيفيه و"أخواله"، فاضطر إلى الجلاء عنهم أيضاً نتيجة خلاف وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي ـ أحد زعماء كندة ـ فهرب إلى مكة، ولما وصل إليها، كان عليه أن يحالف بعض ساداتها كي يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري أحد جبابرة قريش، فتبناه، وكتب إلى أبيه يطلب إليه القدوم إلى مكة.
إلتحاقه بالرسول و إسلامه
ذكر ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة ، وعدّ المقداد واحداً منهم . الا انه لم يستطع إظهار إسلامه خوفاً من بطش حليفه الأسود الذي صار له كالأب و السيد- كان يكتم إسلامه. ولكن المقداد كان يتحيّن الفرص للتخلّص من ربقة "الحلف" الذي أصبح يشكل بالنسبة له ضرباً من العبودية، وفي السنة الأولى للهجرة، قيّضت له الفرصة لأن يلحق بركب النبي(صلى الله عليه وآلهوسلم)، وأن يكون واحداً من كبار صحابته المخلصين. فقد عقد رسول الله(صلى الله عليهوآله وسلم) لعمه الحمزة لواءً أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعترضوا عير قريش، وكان هو وصاحب له، يقال له عمرو بن غزوان لا زالا في صفوف المشركين، فخرجا معهم يتوسلان لقاء المسلمين، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم وذهبا إلى المدينة للقاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كانت بداية الجهاد الطويل.
يعطيك الف عافيه
وبانتظار القادم..
أميرة القطيف
10-07-2007, 11:15 AM
شكرا عمة بانتظار البقية....
قصة قدر
10-10-2007, 02:47 PM
أبو ذر الغفاري
أبو ذر ، جندب بن جنادة الغفاري أحد السابقين الأولين وخامس خمسة في الإسلام .
إسلامه
كان يتسمّع الأنباء من بعيد, وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر, حتى جمع من نثارات الحديث من هنا وهناك ما دله على محمد بن عبد الله ، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه. و في صبيحة يوم ذهب إلى مكة فوجد هناك الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا وحده, فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب ،
ورد عليه الرسول السلام وسأله من أين أنت؟
فقال : من غفار وهي قبيلة مشهورة في السطو ، فتعجب الرسول أن يأتيه أحد قطاع الطرق يريد الإسلام في بداية الدعوة التي كانت سرا ولم يجهر بها ، ولكن الله يهدي من يشاء فقد كان متمردا على عبادة الأصنام وما أن سمع بوجود نبي يسفه عبادة الأصنام حتى أتاه وأعلن إسلامه عند رسول الله فكان ترتيبه الخامس أو السادس .
فقال له الرسول
(يا أبا ذر أكتم هذا الأمر ، وأرجع إلى قومك ،وإذا بلغك ظهورنا فأقبل)
فقال
والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم ،
فصاح يا معشر قريش أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، فقاموا على ضربه حتى خلصه العباس عم النبي بحيلة أنكم تجار وستمرون في طريقكم على غفار وهذا من رجالها فتركوه.
وهكذا بدأت شخصية أبو ذر بالقوة بالحق وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم في الحق ، مع حدة وصلابة تميز بها ، فعاد أبو ذر مسلما إلى قومه
المدينة المنورة
بعد مرور الأيام و هجرة الرسول إلى المدينة واستقرار المسلمين فيها ، يأتي يوم وإذا صفوف من المشاة والركبان فيها قبيلة غفار برجالها ونسائها وقبيلة أسلم يقودهم أبو ذر إلى المدينة مسلمين ، فتعجب الرسول من صنيع ودعوة أبو ذر ، وأستقبلهم ونظر إلى قبيلة غفار .وقال غفار غفر الله لها. ثم إلى قبيلة أسلم فقال: وأسلم سالمها الله ، ثم قال الرسول لأبي ذر : ما أقلّت الغبراء, ولا أظلّت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر
كن أبا ذر
في غزوة تبوك أمر الرسول عليه السلام بالتهيؤ لملاقاة الروم ، وكانت أيام عسر وشقة وحر شديد وتخلف فيها من تخلف من المنافقين والمعذورين ، وكان منهم أبو ذر الذي تخلف وأبطا به بعيره فما كان منه إلا أن نزل من فوق ظهر البعير, وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه, مهرولا, وسط صحراء ملتهبة حتى يدرك الرسول وصحبه ، فتوقف الرسول والصحابة وقفة أستراحة حتى رأى أحدهم رجل يمشي على الطريق وحده فقال الرسول : ( كن أبا ذر ) فلما أقبل كان هو أبو ذر .
فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسـلـم
( يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده )
بــعـــد مـــوت النـبــي (ص) وبـدء عــصــر الخــلافــة
تبدأ قصة أبو ذر وخلافه مع الخلفـــاء و مال المسلمين بحديث للرسول سلام الله عليــه ، حيث ألقى الرسول يوما هذا السؤال:
يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء؟
فأجاب قائلا: اذن والذي بعثك بالحق, لأضربن بسيفي . فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: أفلا أدلك على خير من ذلك..؟ اصبر حتى تلقاني . ومضى عهد الرسول, ومن بعده عصر أبي بكر, وعصر عمر وفيها مراقبة صارمة لولاتهم في العراق, و الشام, و صنعاء ، والبلاد النائية ، وبعد الفتوحات الإسلامية في عهد عمر والسلطة والثروات في الأقطار الأسلامية بدأت الأموال تفسد المجتمع ، والسلطة والجاه وغيرها فكان أبو ذر يتوجه إلى أقاليم المسلمين و ولاتها ويحذرهم من السلطة والمال ومعارضا للولاة ، فكان يردد (بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة ) ، وتوجه إلى الشام
الشام
أغلب صراعه ومعارضته كانت في الشام ، حيث الخيرات والأموال في ولاية معاوية بن أبي سفيان (لعنة الله عليــه) وكان ذلك في حكم عثمان بن عفان ، وكان معاوية يعطي الأموال ويوزعها بغير حساب, يتألف بها الناس ، وكان أبو ذر يعلم الناس جميعا أنهم جميعا سواسية كأسنان المشط ، وأنهم جميعا شركاء في الرزق ، وأنه لا فضل لأحد على أحد الا بالتقوى ، وكانت الجموع تلتف حوله ولو أراد ثورة أو سلطة أو إمارة لأخذها ولكنه أراد النصح لولي الأمر, فحدث الخلاف بين أبو ذر ومعاوية فكان أبو ذر يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما, ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية إلى الشام وصار لبعضهم قصور وضياع ، ويستشعر معاوية الخطر, ولكنه يعرف له قدره, فلا يقرّ به بسوء, ويكتب عن فوره لعثمان يقول له: ان أبا ذر قد أفسد الناس بالشام ، ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة ، وأطاع أبو ذر أمر خليفته ، ومما سمع عثمان من شكاوى ضد أبو ذر ومشايعة الجماهير لآرائه ، دار الحوار بين عثمان وأبو ذر وأستقر راي عثمان على نفيه إلى الربذة
أقواله
والذي نفسي بيده, لو وضعتم السيف فوق عنقي, ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها..!! لله درك يا أبا ذر أي رجل كنت رضى الله عنك ، ونحن الآن بحاجة إلى أبي ذر لا يخشى في الله لومة لائم
وفاته
مات في الربذة حيث جلست ابنتــه -ويـقـال زوجتــه - بجواره تبكي, وانه ليسألها: فيم البكاء والموت حق ؟ ، فتجيبه بأنها تبكي: لأنك تموت, وليس عندي ثوب يسعك كفنا ، قال لها : لا تبكي, فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض, تشهده عصابة من المؤمنين. فأتت قافلة على رأسهم عبدالله بن مسعود ومــالك بن الأشتر . فعرفه و وقف على جثمانه قائلا : صدق رسول الله ، تمشي وحدك, وتموت وحدك, وتبعث وحدك
قصة قدر
10-10-2007, 02:52 PM
أبو طالب ناصر الرسول
عام الفيل
في عام 570 ميلادي هاجمت جيوش الأحباش بقيادة أبرهة مدينة مكّة المكّرمة تريد هدم الكعبة .
كان عبد المطلب جدّ سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) سيد مكّة آنذاك فطاف حول الكعبة و دعا الله سبحانه أن لا يمكّن " الغزاة " من هدم البيت الذي بناه إبراهيم الخليل ( عليه السَّلام ) و ابنه إسماعيل لعبادة الله وحده .
و استجاب الله تعالى دعاء عبد المطلب ، فما أن تقدّمت الفيلة و الجنود لهدم الكعبة حتى ظهرت في الاُفق طيور أبابيل .
كانت تحمل في مناقيرها حصى مشتعلة و راحت الطيور تقصف الجيش ، و تمزّق الغزاة حول الكعبة و ظهرت قدرة الله سبحانه و وجاهة عبد المطلب ، و سمّي هذا العام بعام الفيل و هو العام الذي ولد فيه سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) و كان عمر أبي طالب آنذاك ثلاثين سنة ، و قد ورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم في سورة الفيل في قوله تعالى :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ؟
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ؟
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ .
تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ .
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ .
عبد المطلب
كان لعبد المطلب الذي حفر بئر " زمزم " عشرة بنين أحدهم عبد الله و هو أبو النبي ، و آخر اسمه " أبو طالب " و هو عمّه .
كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) يتيماً مات أبوه عبد الله و هو ما يزال جنيناً في بطن أُمه ثم ماتت أُمُّه و كان له من العمر خمس سنين ، فكفله جدّه عبد المطلب و كان يحبّه حبّاً كثيراً ، و يتوسم فيه النبوّة .
كان عبد المطلب حنيفياً على دين إبراهيم و إسماعيل ، و كان يوصي أولاده بمكارم الأخلاق .
و في فراش الموت قال لأولاده : " إن من صلبي لنبيّاً ، فمن أدركه فليؤمن به " .
ثم التفت إلى ولده أبي طالب و همس في أُذنه :
ـ يا أبا طالب إنّ لمحمّد شأناً عظيماً ، فانصره بيدك و لسانك .
الكفيل
كان عمر سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) ثمانية أعوام عندما مات جدّه عبد المطلب فانتقل إلى كفالة عمّه أبي طالب .
و من ذلك الوقت بدأ عهد جديد .
و أبو طالب هو عبد مناف الذي اشتهر بشيخ البطحاء و أُمه فاطمة بنت عمرو من بني مخزوم .
عاش سيدنا محمد في كنف عمّه و كان يجد في أحضانه الدفء و المحبّة ، و كانت فاطمة بنت أسد و هي زوجة عمّه هي الاُخرى تغمره بالحبّ و الرعاية و تقدّمه على سائر أولادها ، و في مثل هذه الاُسرة الكريمة نشأ سيدنا محمد .
كان حبّ أبي طالب لابن أخيه يزداد مع مرور الأيام لما يراه من أخلاقه الكريمة و أدبه العظيم .
فإذا حضر الطعام مثلاً كان الصبي اليتيم يمدّ يده بأدب و يقول بسم الله فإذا انتهى قال : الحمد لله .
ذات مرّة افتقد " أبو طالب " ابن أخيه محمد على المائدة فرفع يده عن الطعام و قال : لا آكل حتى يأتي ابني ، فإذا حضر ناوله وعاء اللبن ليشرب ثم يشرب سائر الأولاد الواحد بعد الآخر فيرتوون جميعاً ، و يعجب العمّ لذلك فيلتفت إلى ابن أخيه و يقول :
ـ إنّك لمبارك يا محمّد .
البشارة
يسمع أبو طالب من أهل الكتاب بشارات تتحدث عن قرب ظهور نبي أطلّ زمانه ، فيزداد رعاية لابن أخيه و يتوسّم فيه النبوة ، فكان لا يفارقه .
و عندما أراد أبو طالب الذهاب في رحلة تجارية إلى الشام إصطحب معه سيدنا محمداً و كان عمره آنذاك تسع سنين و في مدينة بُصرى التي تقع على طريق القوافل التجارية كان هناك دير يسكن فيه راهب نصراني اسمه بَحيرا ، كان هو الآخر يترقّب ظهور نبي جديد قرب زمانه و عندما وقعت عيناه على محمد وجد في صفاته و ملامحه ما يبشّر بأنّه النبي الموعود .
و راح الراهب يتأمل في وجه الصبي المكّي في خشوع و بشارة السيد المسيح تتردّد في أعماقه .
سأل الراهب عن اسم الصبي فقال أبو طالب : اسمه محمد .
و يزداد الراهب خشوعاً لهذا الإسم الكريم فيقول لأبي طالب :
ـ عد إلى مكّة و احذر على ابن أخيك من اليهود فانّه كائن له شأن عظيم .
و عاد أبو طالب إلى مكّة و هو أكثر حبّاً لمحمّد و أكثر حرصاً على سلامته .
الصبي المبارك
و تمرّ سنوات ، و أصاب القحط مكّة و ما حولها من القرى ، و جاء الناس إلى شيخ البطحاء يطلبون منه " الإستسقاء " .
ـ يا أبا طالب ، أقْحَطَ الوادي و أجَدَبَ العيال ، فهلّم فاستسق لنا .
و عندما خرج أبو طالب كان أمله بالله سبحانه كبيراً و لكنّه لم ينس أن يأخذ معه ابن أخيه محمّداً .
وقف أبو طالب إلى جانب الكعبة و معه محمّد ، كان قلب الصبي يتدفق رحمة للناس ، و دعا أبو طالب إله إبراهيم و إسماعيل أن يرسل المطر مدراراً .
و نظر محمّد إلى السماء ، و مرّ وقت ، و امتلأت السماء بالسحاب و اشتعلت البروق و دوّى الرعد و انهمر المطر غزيزاً و سالت الأودية .
و عاد الناس فرحين يشكرون الله على نعمة المطر و الخصب , و عاد أبو طالب و هو أكثر حبّاً لابن أخيه .
و تمرّ الأعوام و يبلغ محمّد سنّ الشباب فإذا هو مثال عظيم لكلّ الأخلاق الإنسانية حتى عرف بالصادق الأمين .
كان أبو طالب لا يكره شيئاً مثلما يكره الظلم ، و لا يحبّ أحداً مثلما يحبّ المظلومين .
لهذا كان سيدنا محمّد يحبّ أبا طالب .
ذات مرّة وقعت الحرب بين قبيلة " كنانة " و قبيلة " قيس " و كانت قبيلة قيس هي المعتدية .
جاء رجال من قبيلة كنانة و قالوا لأبي طالب :
ـ يا بن مطعم الطير و ساقي الحجيج ، لا تغب عنّا فإنّا نرى بحضورك الغلبة و الظفر .
فأجابهم أبو طالب :
ـ إذا اجتنبتم الظلم و العدوان و القطيعة و البهتان فإني لا أغيب عنكم فعاهدوه على ذلك .
و وقف سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) إلى جانب عمّه مع كنانة و كان النصر لهم .
و كان بعض أهل مكّة يعتدون على حجّاج بيت الله ، فقد جاء رجل من قبيلة خثعم مع ابنته لحجّ بيت الله ، فقام شاب من أهل مكّة و أخذ الفتاة بالقوّة .
فصاح الرجل الخثعمي : من ينصرني ؟
فأجابه بعضهم : عليك بحلف الفضول .
و انطلق الرجال إلى أبي طالب .
و حلف الفضول تبنّاه أبو طالب ، و هو عهد بين رجال من أهل مكّة اتفقوا فيه على نصرة المظلوم و الانتصاف من الظالم .
و عندما توجّه الخثعمي إليهم طالباً العون ، هبّ رجال مسلّحون إلى بيت ذلك الشاب و هددوه ، و أعادوا الفتاة إلى أبيها ، و كان سيدنا محمّد من ضمن أعضاء الحلف .
الزواج السعيد
كان أبو طالب كثير العيال و ينفق على المحتاجين ، فأصبح في ضائقة .
و شعر سيدنا محمّد بأن عليه أن ينهض بواجبه ، خاصة و قد عرضت عليه خديجة _ و كانت امرأة ثريّة _ أن يذهب في تجارتها إلى الشام .
و كانت الرحلة ناجحة تجارياً ، و أدّى سيدنا محمّد الأمانة إلى أهلها ممّا جعل خديجة تفكّر في أمره ، فعرضت عليه الزواج .
و قد استبشر أبو طالب بهذا الزواج و ذهب بنفسه يخطب خديجة من أهلها ، و كان معه رجال من بني هاشم فيهم الحمزة بن عبد المطلب عمّ سيدنا محمّد .
قال أبو طالب : " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم و ذريّة إسماعيل ، و جعل لنا بيتاً محجوباً و حرماً آمناً ، و بارك لنا في بلدنا .
و إن ابن أخي محمّد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلاً رجح عليه و لا يقاس بأحد إلاّ كان أعظم منه ، و إن كان في المال قل ، فإن المال رزق حائل و ظلّ زائل ، و له في خديجة رغبة ، و لها فيه رغبة ، و صداق ما سألتموه من مالي ، و له و الله نبأ عظيم " .
يتبع >>>
قصة قدر
10-10-2007, 02:57 PM
جبريل عليــه الســـلامـ
و تمرّ الأعوام و يبلغ أبو طالب من العمر سبعين سنة ، و كان عمر سيدنا محمّد أربعين عاماً ، و كان يذهب إلى غار حراء كعادته كلّ عام .
و في ذلك العام هبط الوحي من السماء و سمع سيدنا محمّد هاتفاً يقول له :
ـ اقرأ ! أقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ و ربّك الكرم ، الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم . . .
ثم قال : يا محمّد! أنت رسول الله و أنا جبريل .
و عاد محمّد من غار حراء يحمل معه رسالة السماء .
فآمنت خديجة زوجته ، و آمن ابن عمّه علي بن أبي طالب .
و ذات يوم و عندما كان سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يصلّي و خلفه علي ، جاء أبو طالب فقال بعطف :
ـ ماذا تصنعان يابن أخي ؟
فقال النبي ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ نصلي لله على دين الإسلام .
فقال أبو طالب و عيناه تشعّان رضىً :
ـ ما بالذي تصنعان بأس . ثم قال لابنه علي :
ـ يا علي الزم ابن عمّك . . انّه لا يدعوك إلاّ لخير .
في منزل النبي ( صلى الله عليه و آله )
و بعد مدّة هبط جبريل يحمل له أمر الله " و انذر عشيرتك الأقربين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " .
و أمر رسول الله عليّاً و كان عمره يومذاك عشرة أهوام أن يدعو له عشيرته أي بني هاشم ، و جاء أبو طالب و أبو لهب و غيرهما .
و بعد أن تناول الجميع الطعام قال سيدنا محمّد :
ـ ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به . لقد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة . .
ثم عرض عليهم دين الإسلام .
نهض أبو لهب و قال بحقد :
ـ لقد سحركم محمّد .
فقال أبو طالب بغضب :
ـ اسكت ما أنت و هذا .
و التفت إلى سيدنا محمّد و قال :
ـ قم و تكلّم بما تحبّ و بلِّغ رسالة ربّك فأنت الصادق الأمين .
و عندها نهض سيدنا محمّد و قال :
ـ لقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني ( ينصرني ) على هذا الأمر فيكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم بعدي .
فسكت الجميع .
فاندفع علي يقول بحماس الشباب :
ـ أنا يا رسول الله .
و فرح النبي و عانق ابن عمّه الصغير و هو يبكي .
نهض بنو هاشم و كان أبو لهب يقهقه ساخراً و يقول لأبي طالب :
ـ لقد أمرك محمّد أن تسمع لابنك و تطيع .
و لكن أبا طالب لم يكترث له بل نظر إليه غاضباً .
و خاطب ابن أخيه بعطف :
ـ امض لما أمرت به ، فو الله لا أزال أحوطك و أمنعك .
و ينظر سيدنا محمّد إلى عمّه بتقدير فهو يشعر بالقوّة مادام سيد مكّة إلى جانبه .
الناصر
و بالرغم من ضعف الشيخوخة فقد وقف أبو طالب بقوّة يدافع عن رسالة محمّد ، و كان في الخط الأول في الصراع مع مشركي قريش .
و يدخل عدد كبير من أهل مكّة في دين الله ضاربين عرض الجدار عبادة الأوثان و الأصنام و تهديدات جبابرة قريش .
و ذات يوم جاء زعماء المشركين إلى أبي طالب و كان طريح الفراش و قالوا بغيظ :
ـ يا أبا طالب ! أكفف عنّا ابن أخيك ، فانه قد سفّه أحلامنا و سبّ آلهتنا .
و يحزن أبو طالب من أجل قومه لأنّهم لا يريدون الإصغاء إلى صوت الحقّ : فقال لهم :
ـ أمهلوني حتى أُكلّمه .
و أخبر أبو طالب سيدنا محمّدا بما قاله زعماء قريش ، فقال النبي ( صلى الله عليه و آله ) باحترام :
ـ يا عم ! لا أستطيع أن أعصي أمر ربّي .
فقال أبو جهل و هو أكثرهم حقداً :
ـ سوف نعطيه كلّ ما يريد من الأموال بل نجعله ملكاً علينا إذا شاء .
فقال النبي أنا لا أُريد شيئاً سوى كلمة واحدة .
فقال أبو جهل : ما هي ؟ لنعطيك ها و عشراً من أمثالها .
فقال سيدنا محمّد :
ـ قولوا لا إله إلاّ الله .
فانفجر أبو جهل غيظاً .
ـ اسأل غيرها .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غير هذا .
و ساد التوتر ، و نهض المشركون و هم يتوعدون سيدنا محمّداً و يهدّدونه ، فقال أبو طالب لسيدنا محمّد :
ـ أبقِ على نفسك و لا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق .
أجاب النبي و قد دمعت عيناه :
ـ يا عماه و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .
نهض النبي ( صلى الله عليه و آله ) و هو يمسح دموعه ، فناداه أبو طالب برقَة و قال :
ـ أُدن مني يا ابن أخي .
فدنا سيدنا محمّد منه ، فقبّله عمّه و قال :
ـ اذهب يابن أخي و قل ما تشاء ، فو الله لا اُسلمك لشيء أبداً .
ثم راح ينشد متحدّياً جبروت قريش .
ـ و الله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد في التراب دفينا
نور الإسلام
و مضى سيدنا محمّد يبشّر بالدين الجديد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور .
و مرّة اُخرى جاء جبابرة قريش إلى أبي طالب و خاطبوه بأسلوب آخر قائلين :
ـ يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد ( أخو خالد بن الوليد ) أنهد فتى في قريش و أجمله فخذه إليك و سلّمنا محمّداً لنقتله .
و أسف أبو طالب لقومه و هم يفكّرون بهذه الطريقة فأجابهم مستنكراً :
ـ أتعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني لتقتلوه . . هذا و الله لا يكون أبداً أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير ولدها ؟!
و اشتد أذى المشركين و راحوا يعذبون المسلمين ، و خشي أبو طالب أن يمتد أذاهم إلى سيدنا محمّد ، فاستدعى بني هاشم ، و دعاهم إلى حماية النبي ( صلى الله عليه و آله ) و المحافظة عليه ، فاستجابوا له ما عدا أبي لهب .
و سمع أبو طالب بأن أبا جهل و غيره من المشركين يحاولون قتل سيدنا محمد فمضى يبحث عنه ، و كان معه جعفر ابنه و انطلق إلى تلال مكة و راح يبحث عنه هنا و هناك ، فوجده يصلّي لله و عليّ إلى يمينه ، و كان منظر سيدنا محمد وحيداً و ليس معه أحد سوى عليّ يبعث على الحزن ، فأراد أبو طالب أن يشدّ من عضد ابن أخيه فالتفت إلى ابنه جعفر و قال :
ـ صِل جناح ابن عمّك .
أي صلِّ إلى يساره ليشعر بالعزم و القوّة و الثقة أكثر .
و وقف جعفر يصلّي مع سيدنا محمّد و أخيه علي لله خالق السماوات و الأرض ربّ العالمين .
و مرّة اُخرى افتقد أبو طالب سيدنا محمداً و انتظر عودته فلم يعد ، فراح يبحث عنه . و ذهب إلى الأمكنة التي يتردّد إليها سيدنا محمّد فلم يجده .
فعاد و جمع شباب بني هاشم و قال لهم :
ـ ليأخذ كلّ واحد منكم حديدة صارمة و اتبعوني فإذا دخلت المسجد فليجلس كلّ واحد منكم إلى جانب زعيم من زعمائهم و ليقتله إذا تبيّن أن محمّداً قد قتل .
و امتثل شبّان بني هاشم و ترصّد كلّ منهم أحد المشركين .
و جلس أبو طالب ينتظر ، و في الأثناء جاء زيد بن حارثة و أخبره بسلامة النبي .
و هنا أعلن أبو طالب عن خطّته إذا تعرّض أحدهم إلى حياة النبي بسوء .
و شعر المشركين بالذلّ ، و أطرق أبو جهل برأسه و قد أصفرّ وجهه خوفاً .
و كان بعض المشركين يحرّضون صبيانهم و عبيدهم على إيذاء سيدنا محمّد .
و ذات يوم كان النبي ( صلى الله عليه و آله ) يصلّي فجاء غلام و ألقى القاذورات على كتفيه و هو ساجد ، و راح المشركون يقهقهون .
شعر سيدنا محمد بالألم يعتصر قلبه فذهب إلى عمّه شاكياً ، و غضب أبو طالب ، فاخترط سيفه و جاء إليهم و أمر أبو طالب غلامه أن يأخذ تلك الأوساخ و يلطّخ بها وجوههم الواحد بعد الآخر .
فقالوا : حسبك هذا يا أبا طالب
الحصار
و لمّا رأى المشركون إن أبا طالب لن يتخلّى عن سيدنا محمّد و انّه يتفانى في الدفاع عنه و حمايته ، قرّروا إعلان الحصار الإقتصادي و الإجتماعي على بني هاشم و قطع جميع العلاقات معهم .
وقّع أربعون من زعماء مكة صحيفة المقاطعة و علّقوها في داخل الكعبة ، و كان ذلك في شهر محرّم في السنة السابعة بعد البعثة النبوية الشريفة .
كانت قريش تتوقع استسلام أبي طالب و لكن شيخ البطحاء كان له موقف آخر .
قاد أبو طالب قبيلته إلى وادٍ بين جبلين ، و ذلك لحماية سيدنا محمّد من الاغتيال .
راح أبو طالب يتفقد " الشِعب " أي الوادي و يسدّ الثغور التي قد يتسلّل منها الأعداء ليلاً لقتل سيدنا محمّد .
و بالرغم من شيخوخته فقد كان يتناوب مع أخيه الحمزة و بعض رجال بني هاشم حراسة النبي ليلاً ، و كان ينقل فراشه من مكان إلى آخر ، فقد يترصّد الأعداء في النهار مكان النبي ثم يتسللون في الليل لقتله .
و تمرّ الأيام و الشهور و يقاسي المحاصَرون آلام الجوع و الحرمان في عزلة تامة ، فإذا جاء موسم الحجّ خرجوا ليشتروا ما يلزمهم من غذاء و كساء .
و كان جبابرة قريش و هم أثرياء مكّة يشترون كلّ ما بوسعهم من الطعام حتى لا يبقى في الأسواق منه شيء يشتريه المحاصرون .
و خلال تلك المدّة المريرة ، كان أبو طالب كالجبل لا يلين و لا يتراجع عن الوقوف إلى جانب سيدنا محمّد ، فكان مثال المؤمن الصلب الثابت الجنان ، و طالما سمعه الناس يردد أشعاراً كثيرة منها :
نصرتُ الرسولَ رسولَ المليك *** ببيض تلألأ كلمع البروق
أذبُّ و أحمي رسول الإله *** حماية حامٍ عليه شفيق
و قال مرّة مستنكراً موقف قريش :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً **** رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب
و أنّ عليه في العباد محبّة *** و لا حيف فيمن خصّه الله في الحبِّ
كان أبو طالب يحبّ سيدنا محمّداً ، يحبّه أكثر من أولاده ، و كان ينظر إليه أحياناً و يبكي و يقول : إذا رأيته ذكرت أخي عبد الله .
و ذات ليلة جاء أبو طالب و أيقظ سيدنا محمّداً من نومه ، و قال لابنه علي :
ـ نم في فراشه يا بني .
كان عُمر علي آنذاك ثمانية عشر عاماً .
قال علي و قد أراد أن يعرف أبوه تضحيته بنفسه :
ـ سوف اُقتل إذن .
فقال الأب :
ـ اصبر من أجل فداء الحبيب و ابن الحبيب .
فقال عليّ بحماس :
ـ أنا لا أخاف الموت و إنما أردت أن تعرف نصرتي .
رَبَتَ أبو طالب على كتف ابنه بحبّ و مضى مع سيدنا محمّد إلى مكان آمن لينام فيه .
و عندما رقد سيدنا محمّد في الفراش ، راح أبو طالب و تمدّد في فراشه ليغمض عينيه هانئاً و قلبه ينبض إيماناً .
و مضت الشهور تلو الشهور و المحاصرون يزدادون جوعاً و صبراً حتى راحوا يقتاتون على ورق الأشجار ، و كان منظر الأطفال الجياع يحزّ في نفس النبي .
قصة قدر
10-10-2007, 03:00 PM
تكملة لجزء ابا طالب ناصر الرسول
البشرى
و ذات يوم جاء سيدنا محمّد إلى عمّه و الفرحة تغمر وجهه المضيئ و قال :
ـ يا عم إنّ ربي قد سلّط " الأُرضة " على صحيفة قريش فلم تدَعْ شيئاً إلاّ اسم الله .
فقال أبو طالب مستبشراً :
ـ أربّك أخبرك بهذا ؟!
ـ نعم .
و نهض أبو طالب على الفور و قلبه مملوء بالإيمان ، و انطلق إلى الكعبة حيث يجلس زعماء قريش في " دار الندوة " .
هتف أبو طالب بالجالسين :
ـ يا معشر قريش .
و نهض الجالسون إجلالاً لشيخ مهيب الطلعة و تطلّعوا إلى ما سيقوله فلعلّه جاء ليعلن تراجعه و هزيمته أمام الحصار ، و لكن شيخ البطحاء قال :
ـ يا معشر قريش : إن ابن أخي محمّد قد أخبرني بأن الله قد سلّط على صحيفتكم الأُرضة فمحت منها كلّ شيء إلاّ اسمه فان كان صادقاً فانتهوا عن قطيعتنا و حصارنا .
قال أبو جهل :
ـ و إن كان كاذباً ؟
أجاب أبو طالب بثقة و إيمان .
ـ أُسلّمكم ابن أخي .
هتف زعماء قريش :
ـ رضينا و لك منّا العهد و الميثاق .
و فُتح باب الكعبة ليجدوا الأُرضة قد أكلت كلّ شيء إلاّ " بسم الله " .
و خرج المحاصرون من " شعب أبي طالب " و راح سيدنا محمّد و الذين آمنوا معه يبشّرون بنور الإسلام الوافدين لزيارة بيت الله الحرام
الرحيل
تخطى أبو طالب الثمانين من عمره فشعر بالضعف الشديد و سقط في فراش المرض ، و كان لا يفكّر بشيء سوى سيدنا محمّد ، و كان يدرك أنّه إذا مات فانّ قريشاً لن تهاب أحداً بعده و سوف تقتل ابن أخيه .
و جاء زعماء قريش لعيادة شيخ البطحاء و قالوا :
ـ يا أبا طالب أنت شيخنا و سيدنا ، و قد حضرك الموت فضع حدّاً للخصام بيننا و بين ابن أخيك . . و قل له أن يكفّ عنّا لنكفّ عنه ، و يدعنا و ديننا و ندعه و دينه .
نظر أبو طالب إلى أبي جهل و إلى أبي سفيان و غيرهما من زعماء قريش و قال لهم بصوت واهن :
ـ لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد و اتبعتم أمره ، فأطيعوه تنالوا السعادة في دنياكم و آخرتكم .
و نهض المشركون و قال أبو جهل بحقد :
ـ أتريد أن نجعل الآلهة إلهاً واحداً ؟!
و شعر أبو طالب بالحزن لموقف قريش ، و كان يحسّ بالقلق على مصير سيدنا محمّد ، فدعى بني هاشم و أمرهم بنصرة سيدنا محمّد حتى لو كلّفهم ذلك حياتهم ، فامتثلوا جميعاً .
و عندما أغمض أبو طالب عينيه ليموت مطمئن البال .
و سكت شيخ البطحاء ، أصبح جثّة هامدة لا حراك فيها ، و انخرط ابنه عليّ في بكاءٍ مرير ، و انبعثت صرخات الحزن في أرجاء مكّة ، وفرح المشركون و قال أبو جهل بغيظ :
ـ آن الأوان للإنتقام من محمّد .
و جاء سيدنا محمّد من أجل أن يودّعه الوداع الأخير .
قبّل جبينه المضيء و تمتم بحزن :
ـ رحمك الله يا عم ! ربيتني صغيراً و كفلتني يتيماً و نصرتني كبيراً فجزاك الله عني و عن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدين .
ثم بكى و انهمرت دموعه ، و راح يتذكّر أيام طفولته في ظلال عمّه الوارفة يوم كان صبيّاً و أراد عمّه الرحيل في تجارة إلى الشام ، فركض وراء عمّه و أخذ بزمام ناقته و قال باكياً :
ـ إلى مَن تكلني و لا أب لي و لا اُم ألجأ إليهما ؟
و تذكّر بكاء عمّه و هو يقول له :
ـ و الله لا أكلك إلى غيري .
ثم مدّ يده إليه و احتضنه و راح يقبّله و يشمّه . و انطلقت بهما الناقة في رمال الصحراء .
تذكّر سيدنا محمّد كلّ تلك الأيام بحلاوتها و مرارتها فقبّل جبين عمه المضيء ، و عانق ابن عمّه علي و راحا يبكيان معاً .
عام الحزن
و تمرّ أسابيع معدودة . و توفيت خديجة زوجة سيدنا محمّد ، فسمّى ذلك العام " عام الحزن " ، و راحت قريش تصبّ عذابها على سيدنا محمّد و الذين آمنوا معه .
و ذات يوم جاء سيدنا محمّد إلى منزله و قد ألقى السفهاء التراب على رأسه ، و راحت ابنته فاطمة تبكي و هي تغسل عنه التراب ، فمسح على رأسها و قال :
ـ لا تبكي يا ابنتي فإنّ الله مانع أباك و ناصره على أعداء دينه و رسالته ، و جاء جبريل بأمر السماء قائلاً :
ـ يا محمّد اخرج من مكّة فقد مات ناصرك .
و لمّا تآمرت قريش على قتل سيدنا محمّد ، جاء فتى أبي طالب علي هذه المرّة لينام في فراشه أيضاً و يفدي سيدنا محمّداً بروحه .
فعليّ هو ابن أبي طالب شيخ البطحاء .
فيما انطلق سيدنا محمّد باتجاه يثرب المدينة المنوّرة ، و هناك انبثق نور الإسلام ليضيء العالم .
و اليوم و عندما يتوجّه المسلمون كلّ عام لزيارة بيت الله الحرام فإنّهم يتذكّرون مواقف شيخ البطحاء و هو يدافع عن دين الله و رسالته .
Amir Aytaroun
10-10-2007, 04:42 PM
شكرا لك قصة قدر
اجرك الله
تقبلي تحياتي
أميرة القطيف
10-11-2007, 06:54 PM
مأجورة اخت قصة قدر
تحياتي
قصة قدر
10-14-2007, 04:04 PM
حمزة بن المـطـب أســــد اللـــه
انطلق حمزة إلى التلال المشرفة على مكّة ، كان حصانه القويّ يصعد كثبان الرمال ، او ينساب في الوديان ، و حمزة يتأمّل ما حوله من مناظر جميلة .
السماء زرقاء صافية ، و التلال تغمرها أشعة الشمس ، فتلمع حبّات الرمال .
كان حمزة يفكّر بدعوة سيّدنا محمّد ، و كان قلبه مع رسول الله . .
حقّاً لا إله إلاّ الله ، أمّا اللات و العزى و مناة فما هي إلاّ حجارة صنعها الإنسان فكيف يعبدها ؟!
انطلق الحصان يجوب الصحراء ، و فرّت الأرانب و هي ترى من بعيد رجلاً يحمل قوسه باحثاً عن الأسُود .
سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله )
في طريق المسعى بين جبل " الصفا " و جبل " المروة " جلس سيّدنا محمّد فوق إحدى الصخور ، كان كعادته مستغرقاً في الفكر و التأمل .
كان يفكر بقومه الذين كفروا به و برسالة الله .
في منزل مطلّ على طريق " المسعى " جلست فتاتان ، كانت شرفة المنزل تطلّ على الطريق .
رأت الفتاتان سيّدنا محمّداً غارقاً في الفكر ، ينظر السماء و إلى الجبال .
و في تلك اللحظات ظهر " أبو جهل " و معه سفهاء مكّة ، كانوا يضحكون و يقهقهون بصوتٍ عال .
نظر أبو جهل إلى سيّدنا محمّد فالتمعت عيناه حقداً . أراد أن يسخر منه فصاح :
ـ انظروا إلى هذا الساحر . . إلى هذا المجنون . . انّه لا يضحك مثلنا . . هو ساكت . .
و ضحك السفهاء ، و كانت قهقهاتهم الشيطانية تملأ الفضاء :
ـ ها ها ها ـ ها ها ها . .
كانت الفتاتان تراقبان ما يجري بحزن . رأتا أبا جهل يدور حول سيّدنا محمّد و يضحك ، و يقوم بحركات مضحكة . .
أخذ أبو جهل حفنة من التراب ، و وضعها فوق رأس النبيّ .
تناثر التراب فوق وجهه و ثيابه . .
و ضحك أبو جهل و السفهاء . و سيّدنا محمّد ساكت . كان حزيناً . .
شعرت الفتاتان بالحزن و الألم من أجل سيّدنا محمّد .
ابتعد أبو جهل و حوله السفهاء ، و نهض سيّدنا محمّد يمسح التراب عن رأسه و وجهه و ثيابه ، و مضى إلى منزله .
و مرّت ساعة ، قرّرت الفتاتان أن تخبرا الحمزة فانتظرتاه .
من بعيد لاح حمزة ينحدر من التلال على حصانه الأشقر .
هتفت الفتاة :
ـ عاد حمزة . . هيا بنا نخبره .
صاحت الفتاة :
ـ يا أبا عمارة . .
توقّف الحمزة و تطلّع إلى الفتاة .
قالت الفتاة بحزن :
ـ يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّد من " أبي جهل " .
تساءل حمزة :
ـ و ما لقي منه ؟
قالت الفتاة :
ـ صادفه في الطريق . . فسبّه و ألقى على رأسه التراب .
شعر حمزة بالدماء تغلي في رأسه . ضرب حصانه بالقوس و قفز الحصان غاضباً ، و انطلق الفارس نحو الكعبة .
كان من عادته إذا عاد من الصيد أن يمرّ بالناس و يسلّم عليهم ، و لكنّه هذه المرّة كان غاضباً من أجل سيّدنا محمّد فلم يسلّم على أحد و مضى يشقّ طريقه إلى " أبي جهل " .
قفز الحمزة من فوق حصانه مثل الأسد . رفع قوسه و ضرب " أبا جهل " على رأسه .
شعر " أبو جهل " بالرعب و هو يرى حمزة غاضباً ، فقال بخنوع :
ـ لقد سبّ آلهتنا يا أبا عمارة و سفّه عقولنا .
قال حمزة :
ـ و من أسفه منكم و أنتم تعبدون الحجارة .
و صرخ حمزة بغضب :
ردّ عليّ إن استطعت .
و دوّت في فناء الكعبة صرخة الحق و هتف حمزة :
ـ أشهد أن لا إله إلاّ الله و أن محمّداً رسول الله .
و نظر حمزة إلى أبي جهل و عيناه تقدحان شرراً و قال :
أتشتمه و أنا على دينه .
أطرق أبو جهل ذليلاً و سكت ، و فرّ السفهاء من حوله .
و انطلق الحمزة إلى سيّدنا محمّد يعانقه و الدموع تتساقط من عينيه .
و فرح سيّدنا محمّد بإسلام عمّه الحمزة فسمّاه : أسد الله و أسد رسوله .
الميلاد
ولد الحمزة عام 570 ميلادية أي في عام الفيل .
و هو أخو سيّدنا محمّد في الرضاعة إذ أرضعتهما امرأة اسمها ثويبة .
كان الحمزة قويّاً ، شجاعاً مهاباً ، أعلن إسلامه في السنة الثامنة من بعثة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .
و عرف الناس اعتناق الحمزة للإسلام ، ففرح المسلمون و حزن المشركون .
و كان بعض المسلمين يكتم إسلامه خوفاً فأعلنوا شهادتهم .
و كان إسلام الحمزة بداية عهد جديد ، فقد أصبح أتباع سيّدنا محمّد قوّة تخشاها قريش و تحسب لها ألف حساب .
السنة التاسعة بعد البعثة
مرّت تسعة أعوام على بعثة سيّدنا محمّد و ازداد عدد المسلمين .
كان عمر بن الخطاب سريع الغضب ، و ذات يوم أخذ سيفه ، و فكّر في أن يقتل سيّدنا محمّداً .
سأل عنه فقيل : انّه مع أصحابه في بيت عند جبل " الصفا " ، فانطلق عمر إليه .
و في الطريق صادفه " نعيم " و هو رجل من قبيلة عمر فسأله :
ـ أين تريد يا عمر ؟
أجاب عمر بعصبية :
ـ أريد أن أقتل محمّداً هذا الصابئ الذي عاب ديننا .
كان نعيم قد اعتنق الإسلام سرّاً فقال له :
ـ إن بني هاشم لن يتركوك حيّاً إذا نلته بأذى . . و هذه اُختك قد أسلمت هي و زوجها .
صرخ عمر بعصبية :
ـ ماذا ؟ اُختي فاطمة .
مضى عمر إلى منزل اُخته . و عندما وصل قرب الباب سمع رجلاً يقرأ القرآن . .
كانت كلمات السماء تنساب مؤثّرة :
ـ بسم الله الرحمن الرحيم . . طه . . ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . .
ضرب عمر الباب و دخل .
أخفت اخته صحيفة القرآن فأراد أن يمزّقها ، و ضرب اُخته فسال من وجهها الدم .
شعر عمر بالندم . . و خرج من المنزل .
كان سيّدنا محمّد و معه بعض أصحابه في بيت قرب جبل الصفا .
كان يعلّمهم القرآن و الحكمة و يقرأ عليهم آيات السماء .
و في تلك اللحظات سمعوا ضرباً عنيفاً على الباب .
نهض أحد المسلمين و راح ينظر من فتحة في الباب إلى الطارق و سأل الحمزة :
ـ مَنِ الطارق ؟
إنّه عمر و بيده سيف .
قال الحمزة :
ـ لا تخف افتح الباب . . فإذا أراد بذلناه و إذا أراد شرّاً قتلته بسيفه .
نهض حمزة لاستقبال القادم الجديد . فتح الباب و سأل :
ـ ماذا تريد يا بن الخطاب ؟
أجاب :
ـ جئت أشهد أن لا إله إلاّ الله و أن محمّداً رسول الله .
و هتف سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ الله أكبر .
و فرح المسلمون بإسلام عمر .
( اي نعم فقد فرح المسلمون يعني أن اي واحد يسلم واين كان يسلمـ لازم نفرحلها )
الهجرة
كان أهل يثرب من قبيلتي " الأوس " و " الخزرج " قد بايعوا سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) على الدفاع عن دين الله بأموالهم و أنفسهم .
فلما اشتدّ أذى قريش على المسلمين ، أمرهم سيّدنا محمّد أن يهاجروا إلى يثرب ، فراح المسلمون يتسللون من مكّة فرادى و جماعات . و هاجر الحمزة بن عبد المطلب مع من هاجر من المسلمين .
كان المهاجرون و الأنصار في " يثرب " ينتظرون بشوق هجرة سيّدنا محمّد و كانوا يترقبون وصوله
الفداء
قرّر المشركون قتل سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) . و هبط جبريل يخبره بالمؤامرة ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ابن عمّه علي بن أبي طالب و عرض عليه أن ينام في فراشه لينجو و يهاجر إلى " يثرب " .
سأل عليّ سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ و هل تسلم أنت يا رسول الله ؟
أجاب سيّدنا محمّد :
ـ نعم .
فرح علي بنجاة النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) و لم يكن يفكّر في نفسه عندما يهاجم المشركون منزل سيّدنا محمّد .
و هبط جبريل بالآية الكريمة : { و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } أي أن هناك من يبيع نفسه من أجل رضا الله سبحانه .
و في هذه الآية ثناء على موقف عليّ و تضحيته .
و وصل سيّدنا محمّد " يثرب " التي أصبح اسمها منذ وصول النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) إليها " المدينة المنوّرة " .
في مكّة
و في مدينة مكّة أغار المشركون على بيوت المسلمين المهاجرين و نهبوها .
شعر المهاجرون بالحزن لذلك ، من أجل هذا فكّر سيدنا محمّد إرسال سرايا لتأديب قريش من خلال التعرّض لقوافلها التجارية .
استدعى سيّدنا محمّد الحمزة أسد الله و عقد له أوّل راية في تاريخ الإسلام و ذلك في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة .
أمر سيّدنا محمّد الحمزة أن ينطلق بسريته و هم ثلاثون من المهاجرين إلى ساحل البحر حيث طريق القوافل .
و في ناحية تدعى " العيص " اصطدم الحمزة ب " أبي جهل " .
كان أبو جهل في ثلاثمائة من المقاتلين ، أي عشرة أضعاف عدد المسلمين ، و لكن حمزة ( رضوان الله عليه ) و من معه من المسلمين المهاجرين لم يخافوا و استعدوا للاشتباك مع المشركين .
و قبل أن تحدث المعركة تدخل " مجدي بن عمرو الجهني " و كانت له علاقات حسنة مع قريش و المسلمين و حجز بينهم .
و قد افتخر حمزة ( رضوان الله عليه ) بأنّه أوّل مسلم يسلّمه رسول الله راية الإسلام ، وله في ذلك شعر جميل :
بأمر رسول الله أو خافق
عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
لواء لديه النصر من ذي كرامة
إله عزيز فعله أفضل الفعل
ثم يشير إلى اصطدامه بأبي جهل :
عشية ساروا حاشدين و كلّنا
مراجله في غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا
مطايا و عقلنا مدى غرض النبل
و قلنا لهم حبل الإله نصيرنا
و ما لكمُ إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغياً
فخاب و رد الله كيد أبي جهل
و ما نحن إلاّ ثلاثين راكباً
و هم مائتان بعد واحدة فضل
تابع >>>>
قصة قدر
10-14-2007, 04:06 PM
مع سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله )
و في غزوة العشيرة التي قادها سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) كان اللواء مع حمزة بن عبد المطلب .
و توالت بعد ذلك السرايا و الدوريات الإسلامية التي كان هدفها تهديد تجارة قريش .
كانت قريش قد أعلنت الحرب على المسلمين اقتصادياً ، فقد هاجمت دور المسلمين المهاجرين في مكّة . و راحت تشدّد حربها ضد المسلمين في كل مكان من الجزيرة و تحرّض القبائل العربية على الإغارة على يثرب .
أراد سيّدنا محمد تأديب قريش ، و كان أفضل وسيلة هو تهديد قوافلها التجارية إلى الشام .
و كان الحمزة لا يفارق سيدنا محمدا في كلّ غزوة .
معركة بدر
و صلت الأخبار إلى سيدنا محمد عن عودة قافلة تجارية لقريش من الشام يقودها أبو سفيان .
و دعا سيدنا محمد المسلمين إلى اعتراض القافلة .
و في يوم 12 رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج سيدنا محمد و معه 313 من المهاجرين و الأنصار .
سمع أبو سفيان بتحرّك المسلمين و هدفهم اعتراض القافلة ، فأرسل على وجه السرعة رجلاً يحيط قريش بخطورة الموقف .
وجد أبو جهل في ذلك الفرصة للقضاء على الإسلام و المسلمين فراح يحرّض قريش على الحرب فحشّد مع زعماء قريش 950 مقاتلاً و غادر بهم مكّة باتجاه " عيون بدر " حيث عسكر المسلمون .
و في يوم 17 رمضان التقى الجيشان ، كان المشركون يضربون على طبول الحرب ، و كان المسلمون يذكرون الله و يسبّحونه .
و هبط جبريل على سيدنا محمد بهذه الآية : { و إن جنحوا للسلم فاجنح لها } .
و عرض النبيّ على قريش السلام و العودة .
و رفض أبو الجهل و كان يتصوّر انّه سوف يقضي على الإسلام ، فجيشه يفوق جيش المسلمين ثلاث مرّات .
استعد الجيشان للاشتباك و نادى أحد المشركين :
ـ يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش .
و هنا التفت سيدنا محمد إلى أصحابه و قال :
ـ قم يا عبيدة بن الحارث و يا حمزة بن عبد المطلب و يا علي بن أبي طالب .
فهبّوا مستبشرين بنصر الله أو الشهادة في سبيله .
وقف عبيدة أمام خصمه عتبة بن ربيعة .
و وقف علي في مواجهة الوليد بن عتبة .
و تقدّم حمزة نحو خصمه شيبة بن ربيعة .
و اشتعلت أوّل معركة في تاريخ الإسلام .
لم يمهل حمزة خصمه فسدّد له ضربة صرعته .
و ضرب عليّ عدوّ الإسلام فقتله .
أما عبيدة فقد ضرب خصمه و لكنّه تلقى ضربة من خصمه فسقط على الأرض ، فاشترك حمزة و علي في قتل عتبة . و حملا عبيدة نحو معسكر المسلمين لمعالجته .
و عندما تساقط أبطال المشركين في ساحة المعركة ، أصدر أبو جهل أمره بالهجوم العام .
و تصدّى المسلمون للهجوم بروح عامرة بالإيمان و الثقة من عند الله ، و نصر الله المسلمين .
و سقط أبو جهل و تساقطت رؤوس الكفر ، و ولّى المشركون الأدبار .
الانتقام
وصلت أنباء الهزيمة إلى مكّة ، فعلا صراخ النساء على قتلى المشركين إلاّ هند زوجة أبي سفيان ، فقد ظلّت ساكتة فقالوا ألا تبكين على أخيك و أبيك و عمّك ، قالت :
ـ لا حتى لا يشمت بنا محمد و أصحابه .
راحت هند تفكّر بالانتقام و الثأر بقتل سيدنا محمد أو علي بن أبي طالب أو الحمزة بن عبد المطلب .
و كانت تحرّض المشركين من أجل الانتقام .
و خرج المشركون في ثلاثة آلاف مقاتل و معهم هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان و حولها أربعة عشر امرأة يضربن على الدفوف و الطبول .
جاءت هند إلى " وحشي " و هو من عبيد مكّة الأقوياء و أغرته بالذهب و الأموال إن هو قتل سيدنا محمّداً أو علي ( عليه السَّلام ) أو الحمزة ( رضوان الله عليه ) .
قال وحشي :
ـ أما محمّد فلا أقدر أن أصيبه لأن أصحابه يحفون به ، و أما علي فهو حذر لا يعطي فرصة لخصمه ، و أمّا الحمزة فربّما تمكنت من قتله لأنه إذا غضب لا يرى شيئاً .
و قدّمت هند لوحشي الذهب و راحت تنظر إلى الرمح الذي كان يتدرّب عليه وحشي لقتل حمزة .
وصل جيش المشركين منطقة " الأبواء " قرب المدينة و فيها قبر آمنة أُم سيدنا محمّد و كان قد مضى على وفاتها خمسون سنة .
أرادت هند نبش القبر و أصرّت على ذلك ، و لكن بعض زعماء قريش رفض ذلك حتى لا يصبح عادة عند العرب .
و في جبل اُحد تقاتل الجيشان . . جيش المشركين و قائدهم أبو سفيان ، و جيش المسلمين و قائدهم سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .
أمر سيدنا محمّد خمسين من أمهر الرماة بالتمركز على سفوح جبل " عينين " لحماية مؤخرة جيش الإسلام ، و أوصاهم أن لا يغادروا أماكنهم في كلّ الظروف .
و بدأت المعركة بهجوم المشركين يتقدّمهم حامل اللواء عثمان بن أبي طلحة و حوله هند و النساء يضربن على الدفوف و يحرّضن على القتال :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
مشي القطا البوارق
المسك في المفارق
و الدرّ في المخانق
إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
صاح حمزة بحماس :
ـ أنا ابن ساقي الحجيج .
و هجم على حامل اللواء فضربه فقطع يده فتراجع و أخذ اللواء أخوه ، و المسلمون يضغطون بشدّة .
تساقط حملة اللواء الواحد تلو الآخر .
و عندما سقط اللواء على الأرض ، دبّ الخوف في نفوس المشركين و ولّوا هاربين ، و سقط الصنم الكبير الذي حملوه معهم لينصرهم في الحرب من فوق الجمل !
و في تلك اللحظات و المسلمون يطاردون فلول المنهزمين تناسى الرماة أوامر سيدنا محمّد و تركوا سفح الجبل لجمع الغنائم فانكشفت مؤخرة جيش المسلمين .
و هنا قام خالد بن الوليد و كان مع المشركين بحركة التفاف ، و فوجئ المسلون بهجوم مباغت لفرسان المشركين و حدثت الفوضى في صفوف الجيش الإسلامي .
كان " وحشي " و هو من عبيد مكّة يراقب حمزة و بيده رمح طويل ، و كان لا يفكّر بشيء سوى قتل حمزة .
و في غمرة الإشتباكات العنيفة ، كان وحشي يترصّد حمزة من وراء صخرة كبيرة .
و فيما كان الحمزة في صراع مع أحد المشركين ، يقاتل ببسالة ، هزّ " وحشي " الحربة بقوّة ثم أطلقها باتجاه عمّ النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) .
ضربت الحربة بطن الحمزة ، و حاول الهجوم على وحشي و لكن الحربة كانت قد صرعته فهوى على الأرض شهيداً .
و ركض وحشي ليخبر هنداً بما فعل .
فرحت هند و نزعت حليّها الذهبية و أعطتها إلى وحشي و قالت له :
ـ إذا رجعنا إلى مكّة فسأعطيك عشرة دنانير .
أسرعت هند إلى جثمان الحمزة و قطعت اُذنيه و أنفه لتصنع منها قلادة ، ثم استلت خنجراً و بقرت بطن الشهيد و أخرجت كبده بوحشية و عضت كبده مثل الكلب .
ثم جاء أبو سفيان فراح يمزّق جسمه بالرمح !!
سيّد الشهداء
انسحب المشركون من أرض المعركة و هبط سيّدنا محمّد من الجبل و معه أصحابه لدفن الشهداء .
و سأل النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) عمّن يعرف مكان الحمزة .
فقال الحارث : ـ أنا . .
أمر سيّدنا محمّد الحارث أن يبحث عنه ليدلّه .
و مضى الرجل يبحث عنه فوجده ممزّق الجسد فكره أن يخبر النبي ( صلى الله عليه و آله ) .
أمر سيّدنا محمّد عليّاً أن يبحث عنه فوجده و كره علي أن يخبر رسول الله فيتألم لمنظره .
و راح سيّدنا محمّد يبحث عن الحمزة بنفسه فوجده بتلك الحالة المؤسفة .
بكى سيّدنا محمّد كثيراً لما رأى ما صنعوا بجسده الطاهر .
إن الذئاب لا تفعل ما فعلته هند و أبو سفيان .
و قال النبي ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ رحمك الله يا عمّ لقد علمتك فعولاً للخير و صولاً للرحم .
و كان سيّدنا محمّد غاضباً فقال :
ـ لئن أظهرني ( نصرني ) الله على قريش لأمثلن ( لأصنعن ما صنعوا بحمزة ) بسبعين من رجالهم .
و أقسم المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فهبط جبريل بهذه الآية : { و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين } فعفا رسول الله و صبر و نهى عن المُثلة .
و خلع سيّدنا محمّد بردته و غطى الشهيد و خاطبه قائلاً :
ـ يا عمّ رسول الله و أسد الله و أسد رسوله . . يا فاعل الخيرات يا كاشف الكُربات يا ذابّ يا مانع عن وجه رسول الله .
و جاءت صفية اُخت الحمزة و عمّة سيّدنا محمّد مع فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) لتطمئن على سلامة النبي ( صلى الله عليه و آله ) فصادفها علي بن أبي طالب و قال لها :
ـ ارجعي يا عمّة .
و كان لا يريد أن ترى أخاها بتلك الحالة .
فقالت :
ـ كلا حتى أرى رسول الله .
و رآها النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) من بعيد فأمر ابنها الزبير أن لا يتركها ترى أخاها الشهيد .
فاستقبلها الزبير و قال :
عودي يا اُماه .
فقالت :
حتى أرى رسول الله .
و عندما رأت سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) و اطمأنت على سلامته سألته عن الحمزة :
ـ أين ابن اُمي ؟
و سكت النبيّ ، فأدركت صفية انّه قد استشهد فبكت و بكت فاطمة على عمّها الشهيد .
فقال سيّدنا محمّد يعزيمها :
ـ ابشروا فإن جبريل أخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات " أسد الله و أسد رسوله " .
و اليوم يبقى جبل أُحد قرب المدينة المنوّرة شاهداً على بسالة حمزة سيّد الشهداء و على وحشية المشركين .
قصة قدر
10-14-2007, 04:12 PM
جعفر الطيار
البدايه
افتقد شيخ البطحاء " أبو طالب " ابن أخيه " سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) " فراح يبحث عنه .
لم يكن وحده . كان معه ابنه جعفر ، و كان يومها في العشرين من عمره .
انطلق الشيخ مع ابنه إلى التلال المشرفة على مكّة و هناك وجده .
كان سيدنا محمّد يصلّي بخشوع ، و إلى يمينه فتى الإسلام علي .
كان منظرهما يبعث على الخشوع و هما يصلّيان لله خالق السماوات و الأرض خالق الكائنات ، لا يخافان أحداً إلاً الله .
التفت أبو طالب إلى ابنه " جعفر " و قال :
ـ صل جناح ابن عمّك .
أي قف إلى شماله بعد أن وقف علي إلى يمينه .
إن الطائر لا يطير إلاّ بجناحين ، فأراد " أبو طالب " عمّ النبي أن لا يبقى سيدنا محمّد بجناح واحد ، و منذ ذلك الوقت ظهر اسم جعفر في تاريخ الإسلام المشرق .
ولد جعفر بن أبي طالب بعد عام الفيل بربع قرن تقريباً ، و هو أكبر من أخيه علي بعشر سنين ، و أصغر من سيدنا محمّد بعشرين سنة تقريباً . يشبه سيدنا محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) . نشأ في كنف عمّه العباس ، فلقد كان أبو طالب كثير العيال ، فأراد سيدنا محمّد أن يخفّف من أعبائه فأخذ عليّاً إلى منزله ، و أخذ العباسُ جعفراً .
أضاء نور الإسلام سماء مكّة ، و سيدنا محمّد يدعو الحائرين إلى النور الجديد و يدعو المقهورين و المظلومين إلى دين الحريّة و الخلاص ، و يدعو الغارقين في ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام .
و لكن جبابرة قريش لم يكونوا ليصغوا إلى صوت الإسلام و نداء السماء فراحوا يحاربون سيدنا محمّداً و الذين آمنوا ، و يصبّون عذابهم على ضعفاء المسلمين ، فكانت السياط تنهال على بلال الحبشي و على سميّة و ياسر و غيرهم من المسلمين لا لذنب إلاّ لأنّهم قالوا ربّنا الله .
الهجرة الى الحبشة
و ذات ليلة اجتمع المسلمون عند رسول الله فقال لهم سيدنا محمّد و هو يشعر بالحزن لما يقاسونه من العذاب :
ـ إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم أحدٌ عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً و مخرجاً .
و أشرقت فكرة الهجرة في قلوب المؤمنين كما تشرق الشمس فتغمر الأرض بالنور و الدفء .
و تسلّلت مجموعة صغيرة في قلب الليل ، و عبرت البحر الأحمر إلى أرض الحبشة التي تدعى اليوم " أثيوبيا " ، و يبقى المسلمون المهاجرون هناك ، فيما تصاعد عذاب قريش على المسلمين في مكّة و اشتدّت محنتهم .
و في تلك الفترة العصيبة أمر سيدنا محمّد ابن عمّه جعفر أن يقود مجموعة أكبر إلى الحبشة .
بلغ عدد المجموعة الجديدة أكثر من ثمانين مسلماً و مسلمة . و راح جعفر يقود القافلة المهاجرة باتجاه سواحل البحر .
كان البحر هادئاً و الريح طيّبة ، و وصل المهاجرون شواطئ البحر .
و شاء الله سبحانه أن تمرّ بهم سفينة في طريقها من جدّة إلى الحبشة و يتحدّث جعفر مع ربّان السفينة ، و يوافق الرّبان على نقلهم إلى أرض الهجرة في ذلك الجانب من البحر .
انطلقت السفينة تشقّ مياه البحر ، و المسلمون يشكرون الله على أن أبدل خوفهم أمناً يعبدونه و لا يشركون به شيئاً .
كان جعفر يتفقّد بنفسه المهاجرين و خاصّة الأطفال منهم ، و كانت زوجته أسماء بنت عُميس تتفقّد النساء .
و تمرّ الأيام و الليالي و ترسو السفينة في شواطئ الحبشة و يصل المهاجرون الأرض التي أمرهم سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) بالهجرة إليها .
كانوا يُصَلّون لله بحرّية لا يتعرّض لهم أحد و كانوا يدعون الله في صلاتهم أن ينصر سيدنا محمداً و إخوانهم من المسلمين على جبابرة قريش الظالمين ، و لكن الأخبار التي كانت تصلهم تبعث على الحزن ، فقد استشهد ياسر و سميّة تحت التعذيب ، فكانوا يتألمون لما يحلّ بإخوتهم من العذاب ، غير أنهم كانوا يزدادون عزماً و صلابة في إيمانهم .
في مكّة
كان أبو جهل أكثر الحاقدين على سيدنا محمد و كان يخطّط للقضاء على دين الله ، يريد أن يطفئ شمعة الإسلام ليبقى الناس في ظلامٍ و جهل .
و لكن دين الله كان ينتشر مثل شذى الورود و كان يدخل الفرحة في القلوب مثل الربيع .
و ذات يوم اجتمع زعماء قريش في " دار الندوة " و راحوا يفكّرون كيف يطفئون نور الإسلام .
قال اُُُُُُُُمية :
ـ سأجعل من بلال عبرة للعبيد حتى لا يفكّرون في دخول دين محمّد .
و قال أبو جهل :
ـ نعم سوف نستمر في حصار بني هاشم حتى يموتوا جوعاً أو يسلّموا الينا محمداً لنقتله .
و قال أبو سفيان :
ـ و لكن ماذا نفعل لهؤلاء الذين يفرّون من مكّة و يذهبون إلى الحبشة .
قال أبو جهل :
ـ سوف نعيدهم :
ـ كيف ؟!
ـ نرسل إلى النجاشي هدايا كثيرة و هو صديقنا و لن يمتنع عن إجابة طلبنا .
ـ مَنْ يذهب ؟!
ـ سنرسل رجلاً ذكيّاً يعرف كيف يتفاهم مع النجاشي .
و بعد مشاورات ، استقرّ رأيهم على إرسال وفد إلى الحبشة من أجل إعادة الفارّين بالقوّة .
في حضرة النجاشي
و في الصباح انطلق " عمرو بن العاص " و " عمارة بن الوليد " باتجاه البحر و هما يحملان الهدايا إلى النجاشي ملك الحبشة .
عبر الوفد البحر في سفينة و وصل أرض الحبشة ، و انطلق إلى قصر الملك . قال عمرو بن العاص لحرّاس القصر :
ـ نحن وفد قريش إلى الملك نحمل إليه هدية .
رحّب النجاشي بالوفد و تسلّم هدايا قريش ، كما تسلّم البطارقة أيضاً هداياهم و سأل الملك عن هدفهم من الزيارة .
فقال الوفد :
ـ لقد لجأ إلى أرض الحبشة قوم من السفهاء فارقوا دين الآباء و الأجداد و لم يدخلوا دين الملك . . بل جاءوا بدين جديد لا نعرفه نحن و لا أنتم ، و لقد أرسلنا أشرافُ قريش لاستردادهم و تأديبهم .
كان ملك الحبشة رجلاً عادلاً و عاقلاً فقال :
ـ كيف أُسلّم اُناساً اختاروا بلادي و استجاروا بي ؟! و لكنّي سأسألهم فإذا تبيّن لي فساد عقيدتهم و انحرافهم سلّمتهم ، و إلاّ تركتهم يعيشون في أرضي و بلادي .
طلب النجاشي إحضار المهاجرين ، فجاءوا يتقدّمهم جعفر بن أبي طالب ، و دخل الجميع البلاط في حضرة الملك و كان من تقاليد البلاد أن يسجد كلّ من يدخل على النجاشي ، فسجد الأحباش و سجد الوفد ، و لكن المسلمين لم يسجدوا و ظلّت هاماتهم مرفوعة عالياً .
تساءل النجاشي :
ـ ألا تسجدون ؟!
أجاب جعفر :
ـ نحن لا نسجد لغير الله .
قال الملك
ـ ماذا تعني ؟
أجاب جعفر :
ـ أيُها الملك أن الله بعث إلينا رسولاً ، ثم أمرنا ألاّ نسجد لأحد إلاّ الله و أمرنا بالصلاة و الزكاة .
قال عمرو بن العاص بخبث :
ـ انّهم يخالفون دين الملك .
أشار النجاشي عليه أن يسكت ، و طلب من جعفر أن يستمرّ في حديثه .
قال جعفر بأدب :
ـ أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية . . نعبد الأصنام ، و نأكل الميتة ، و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام ، و نسيء الجوار ، و يأكل القويّ منّا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله لنوحّده و نعبده ، و نخلع ما كنّا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان ، و أمرنا بصدق الحديث .
و اداء الأمانة .
و صلة الرحم .
و حسن الجوار .
و الكفّ عن المحارم و الدماء .
و نهانا عن الفواحش و قول الزور ، و أكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات .
و أمرنا أن نعبد الله وحده .
لا نشرك به شيئاً .
و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام .
فصدقناه أيُّها الملك و اتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئاً .
فعدا علينا قومنا فعذّبونا و فتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان . .
فلّما قهرونا و ظلمونا ، و ضيّقوا علينا . . خرجنا إلى بلادك ، و اخترناك على من سواك ، و رغبنا في جوارك و رجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك .
قال النجاشي باحترام :
ـ هل معك مما جاء به نبيّكم ؟
قال جعفر بأدب :
ـ نعم .
قال النجاشي :
ـ اقرأ عليّ شيئاً .
و انطلق جعفر يقرأ بخشوع آيات بيّنات من سورة مريم :
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا .
فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا .
قَالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا .
قَالَ : إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا .
قَالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا .
قَالَ : كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا .
فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا .
فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا .
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا .
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا .
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا .
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ .
قَالُوا : يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا .
يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } .
بكى النجاشي و كانت دموعه تسيل على خديه ، و بكى القساوسة و الرهبان خاشعين و كان صوت جعفر ينساب في خشوع :
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ .
قَالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا .
قَالَ : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا .
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا .
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا .
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا .
نهض النجاشي إجلالاً لكلمات الله و قال بخشوع :
ـ إن هذا و الذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة .
و التفت إلى وفد قريش و قال بغضب :
ـ لن أُسلمهم و سأُدافع عنهم .
ثم أمر بطرد الوفد و إعادة الهدايا إليهم و قال :
ـ إنّها رشوة و أنا لا أحبّ أن أرتشي .
و التفت إلى جعفر و الذين آمنوا معه و قال :
ـ مرحباً بكم و بمن جئتم من عنده . . اشهد انّه الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم . . انزلوا حيث شئتم من بلادي .
و أراد النجاشي أن يعرف آداب الإسلام ، لأنّه رآهم لم يسجدوا تحية للملك ، فسأل جعفر عن ذلك فأجاب :
ـ إن تحيتنا أيُّها الملك أن نقول : السلام عليكم . .
و هي تحية من عند الله مباركة طيّبة
مؤامرة اخرى
و في اليوم التالي ذهب " عمرو بن العاص " إلى القصر و قال لصاحبه " عمارة " :
ـ سوف أنتقم هذه المرّة من جعفر . . سأقول للملك إن المسلمين يقولون في عيسى رأياً آخر .
دخل الوفد مرّة اُخرى على النجاشي و قال :
ـ أيها الملك ان هؤلاء يقولون في عيسى انّه عبد .
سكت النجاشي قليلاً ثم أمر الحارس :
ـ إنطلق إلى جعفر نسمع منه رأيه .
جاء جعفر و سلّم على الملك بتحية الإسلام قائلاً :
ـ السلام على الملك .
سأل الملك :
ماذا تقولون في عيسى ؟
أجاب جعفر بهدوء :
ـ نقول ما قال الله فيه و ما أخبرنا به رسوله .
سأل النجاشي :
ـ و ماذا يقول نبيّكم ؟
قال جعفر :
ـ هو عبد الله و رسوله و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .
سكت النجاشي قليلاً ثم خط بعصاه على الأرض و قال :
ـ ما عدا عيسى بن مريم ما تقول هذا الخط .
ثم قال :
ـ اذهب إلى أصحابك . . أنتم " شيوم " في الأرض .
أي أنتم آمنون .
و فشلت مؤامرة الوفد مرّة اُخرى و عاد إلى مكّة خائباً . و من ذلك اللقاء و المسلمون ينعمون في الإقامة بأرض لا يظلم عند ملكها أحد .
و فرح سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) و المسلمون بانتصار جعفر و بقائهم في الحبشة .
إقامة طيبة
و تمرّ الأيام و الشهور و الأعوام ، و جعفر و من معه من المسلمين يسمعون أخباراً حلوة فيفرحون و أخباراً مرّة فيحزنون .فرحوا بانتهاء الحصار الذي فرضته قريش على بني هاشم ، و حزنوا لوفاة أبي طالب حامي الرسول و وفاة خديجة زوجة سيّدنا محمّد التي وقفت إلى جانبه و أنفقت كلّ ثروتها من أجل الإسلام .
ثم غمرتهم الفرحة الكبرى بهجرة سيدنا محمد إلى المدينة و قيام أوّل دولة إسلامية ترتفع فيها راية التوحيد خفّاقة .
و وصلتهم أنباء معركة بدر الفاصلة و انتصار الإسلام في حربه مع الشرك و الأوثان .
و سمعوا أخبار معركة " اُحد " فحزنوا من أجل سيدنا محمّد و ما أصابه من الجروح ثم توالت أخبار الانتصارات الإسلامية على المشركين و حلفائهم من اليهود .
و كم كانت فرحة المسلمين كبيرة و هم يرون سيّدنا محمّداً يبعث برسائله إلى ملوك العالم .
رسالة إلى هرقل إمبراطور الروم . و رسالة إلى كسرى ملك فارس .
و رسالة إلى المقوقس عظيم مصر .
رسالة إلى النجاشي
و وصل الحبشة مبعوث من قِبل سيّدنا محمّد هو عمرة بن اُمية الضمري يحمل رسالة نبيّ الإسلام ، و هذا نصّها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمّد رسول الله
إلى النجاشي ملك الحبشة
سلم أنت " أي أنت سالم " .
فإني أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن . و أشهد أن عيسى بن مريم روح الله و كلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة . . حملته من روحه كما خلق آدم بيده .
و إني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له و الموالاة على طاعته ، و أن تتبعني و توقن بالذي جاءني ، فانّي رسول الله ، و إني أدعوك و جنودك إلى الله عَزَّ و جَلَّ ، و قد بلغت و نصحت ، فاقبلوا نصيحتي ، و السلام على من اتّبع الهدى .
و انطلق جعفر مع مبعوث سيّدنا محمّد إلى قصر النجاشي و سلما على ملك الحبشة الذي تسلّم رسالة النبيّ باحترام . و عندما اطّلع على مضمون الرسالة ، نزل النجاشي عن العرش و جلس على الأرض تواضعاً و احتراماً لرسول الله سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
وضع الرسالة على عينيه مبالغة في التعبير عن الاحترام ، ثم أمر بأن يحضروا له صندوقاً مصنوعاً من العاج فوضع الرسالة فيه و قال :
ـ ستبقى الحبشة بخير ما ظلّت هذه الرسالة محفوظة عند أهلها .
و تقدّم مبعوث النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الملك و قدّم إليه رسالة اُخرى يطلب فيها سيّدنا محمّد بأن يسمح للمهاجرين و على رأسهم جعفر بن أبي طالب بالعودة فقد أصبح لهم وطن .
غمرت الفرحة المسلمين بقرب العودة إلى الديار و الأحبّة و شكروا للنجاشي حسن ضيافته .
أمر النجاشي بإعداد السفن التي ستقلّ المهاجرين إلى أرض الحجاز ، و بعث معهم ممثلاً يحمل هدايا الحبشة و تحيات ملكها إلى سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
و ارتفعت الأشرعة استعداداً للسفر ، و بدأت رحلة العودة و المسلمون فرحون بنصر الله .
فتح خيبر
في المدينة المنوّرة كان جيش الإسلام يستعد للزحف نحو حصون خيبر اليهودية .
كان يهود خيبر يحيكون المؤامرات تلو المؤامرات لإطفاء نور الإسلام ، فكانوا يحرّضون القبائل العربية لغزو المدينة و القضاء على الدولة الإسلامية الفتية .
من أجل هذا قرّر سيدنا محمد استئصال خطرهم لينعم الناس بسلام الإيمان و الإسلام .
وصلت قوّات الإسلام الطريق الذي يربط بين قبائل غطفان و حصون خيبر لقطع الإمدادات على العدوّ و توجيه ضربة عسكرية مفاجئة .
بلغ تعداد الجيش الإسلامي ألفاً و أربعمائة مقاتل بينهم مائتا فارس ، و كان للمرأة المسلمة شرف الحضور في هذه المعركة .
كانت راية العقاب تخفق فوق سيدنا محمّد ، و جيش الإسلام يزحف باتجاه الحصون .
و في الفجر فوجئ اليهود بالمسلمين يضربون عليهم الحصار الكامل .
قاد بعض الصحابة هجمات عنيفة لم تسفر عن شيء يسخرون من سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) و من جنوده .
عند ذلك هتف النبي قائلاً :
لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله .
و في الصباح تمنّى بعض الصحابة أن يكون الراية من نصيبه ، غير أن سيدنا محمدا ( صلى الله عليه وآله ) سأل عن علي و هو أخو جعفر بن أبي طالب .
هزّ عليّ الراية بقوّة و تقدّم باتجاه الحصون اليهودية ، و عندما قتل عليّ مرحباً بطل اليهود شعروا بالخوف ، و سرعان ما تساقطت حصون خيبر الواحد تلو الآخر .
و غمرت الفرحة قلب سيدنا محمد و المسلمين و شكروا الله عز وجل أن نصرهم على أعدائهم .
و في تلك الفترة وصل مهاجرو الحبشة يتقدّمهم جعفر بن أبي طالب و تضاعفت فرحة سيدنا محمد حتى قال و البسمة تضيء وجهه :
ـ ما أدري بأيّهما أشدّ سروراً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر .
و عانق سيدنا محمد ابن عمه جعفر و قبّل جبينه و قال : ان لجعفر و أصحابه هجرتين ، هجرة للحبشة و هجرة للمدينة المنوّرة .
معركة مؤتة
كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) قد بعث برسول إلى حاكم بُصرى و هي مدينة من مدن الشام ، و في أرض " موتة " أُلقى القبض عليه و سيق للإعدام ، و كان هذا العمل منافياً للأخلاق الإنسانية .
و شعر النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بالحزن و أمر الاستعداد لحملة تأديبية .
و في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة المباركة خرج ثلاثة آلاف مقاتل و وصيّة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) تضيء طريقهم :
أوصيكم بتقوى الله . . اغزوا باسم الله ، فقاتلوا عدوّ الله و عدوّكم . . و ستجدون رجالاً في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم ، و لا تقتلوا امرأة و لا صغيراً . . و لا تقطعوا شجرة . . و لا تهدموّا بناءً .
كان سيدنا محمّد قد عيّن زيد بن حارثة قائداً للجيش الإسلامي فان استشهد فالقائد جعفر بن أبي طالب فإن استشهد فالقائد الثالث عبد الله بن رواحة .
وصلت أنباء الزحف الإسلامي إلى الروم فأعدّوا جيشهم من الرومان و القبائل العربية الموالية لهم حتى بلغ عدد قواتهم مئتي ألف جندي ، و تحشّدت الجيوش في أرض البلقاء .
و قد حدث أوّل اشتباك في قرية " مشارف " في تخوم البلقاء و ظهر تفوّق الروم الهائل .
كان " هرقل " إمبراطور الروم قد أسند القيادة العامة إلى أخيه " تيودور " .
اختار الجيش الإسلامي القليل العدد أرض مؤتة لتكون مسرحاً للعمليات الحربية لتضاريس الأرض المناسبة التي تساعد المسلمين على التحصّن و التعويض عن تفوّق الروم العددي الساحق .
استعدّ زيد بن حارثة للهجوم ايذاناً ببدء المعركة . هزّ راية جيش الإسلام بقوّة و اندفع نحو قلب العدوّ ، و قد ألهب اندفاعه الحماس في القوات الإسلامية .
و حدثت معارك ضارية و قد مزّقت الرماح زيداً فهوى إلى الأرض شهيداً يلوّن الأرض بلون الشفق .
و قبل أن تسقط الراية على الأرض اندفع جعفر بن أبي طالب فامسك بها بقوّة و راح يقاتل بضراوة و ارتفع صوته وسط ضجيج المعارك مبشراً بالنصر أو الشهادة التي هي أُمنية المؤمنين :
يا حبذا الجنّة و اقترابها *** طيبة و بارداً شرابها
و الروم روم قد دنا عذابها *** كافرة بعيدة أنسابها
علي ان لاقيتها ضرابها
و لكي يعلن تصميمه على القتال حتى الموت فقد قفز من فوق فرسه الشقراء ، و هو أول من فعل ذلك في تاريخ الإسلام .
ظلّ جعفر كالجبل يتلقى الضربات بثبات يبهر الأعداء .
فكثّفوا هجومهم نحوه و هوى سيف على يده اليمنى فطارت .
أخذ جعفر راية الإسلام بيده اليسرى و راح يقاتل و هوى سيف آخر على يده فقطعها . و هنا ضمّ جعفر الراية بعضديه إلى صدره لكي تستمر المقاومة .
و في تلك اللحظات الرهيبة جاءته ضربة اُخرى فهوى جعفر معها نحو الأرض شهيداً .
و اندفع عبد الله بن رواحة القائد الثالث نحو الراية لتخفق مرّة اُخرى في سماء المعركة .
و اندفع القائد الجديد يقاتل ببسالة في صدّ هجمات الروم التي كانت تندفع كالأمواج .
و هوى عبد الله على الأرض شهيداً ، فأخذ الراية ثابت بن الأرقم و هتف بالمسلمين لانتخاب قائد جديد . و تمّ انتخاب خالد بن الوليد .
بسرعة فائقة فكّر القائد الجدبد أن أفضل ما يقوم به هو الإنسحاب فقام بعمليات تكتيكية أوهمت العدوّ .
و عندما خيّم الظلام بدأ انسحاب الجيش الإسلامي بسلام و غاب في قلب الصحراء .
و في الصباح فوجئ الروم بانسحاب المسلمين و تهيّبوا التوغل في الصحراء كما إن بسالة القوّات الإسلامية بالرغم من عددهم القليل قد قذفت في قلوبهم الخوف ففضلوا العودة .
و في المدينة
هبط جبريل على سيدنا محمد يخبره بأنباء المعركة ، و صعد رسول الله المنبر و خطب المسلمين قائلاً :
ـ أخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل شهيداً ، ثم أخذ جعفر فقاتل حتى قُتل شهيداً ، ثم أخذ الراية عبد الله فقاتل حتى قُتل شهيداً .
و انطلق سيدنا محمد ليعزّي أسماء زوجة الشهيد العظيم .
دخل النبي الكريم فوجد أولاد جعفر جالسين و كانت اُمّهم قد فرغت من ترجيل شعورهم .
قبّل النبيّ أولاد جعفر و أجلسهم في حضنه الدافئ ، و دمعت عيناه .
شعرت أسماء بأن هناك شيئاً حصل لزوجها فقالت :
ـ أبَلغك يا رسول الله عن جعفر و أصحابه شيء ؟
أجاب النبيّ بحزن : ـ نعم أُصيبوا هذا اليوم .
و غادر النبيّ المنزل و أوصى ابنته فاطمة أن تصنع لهم طعاماً لأنّهم في مصيبة .
ذو الجناحين
و عندما عاد جنود الإسلام من مؤتة راحوا يحكون لأهليهم قصص البطولات عن جعفر بن أبي طالب و إخوانه من الشهداء .
قال أحدهم : لقد وجدنا في جسمه تسعين جرحاً .
و قال آخر : لقد رأيته عندما قطعت يده اليمنى .
و قال ثالث : و أنا رأيته عندما قطعت يده اليسرى ، ثم هوى على الأرض و جرحه تنزف دماً .
و قال سيدنا محمّد : لقد أخبرني جبرئيل إن الله عز وجل قد وهب جعفر جناحين يطير بهما في الجنّة .
و في تلك الليلة ، أوى أولاد جعفر إلى النوم ، كانوا ينظرون السماء المليئة بالنجوم و يحلمون بأبيهم الشهيد الذي يطير بجناحين كالملائكة .
قصة قدر
10-16-2007, 01:18 AM
عمار بن ياسركان الناس في مكّة يعيشون في جهل و ظلام .
يظلم القويّ الضعيف و يسلبه حقه فلا ينصره أحد ، و كان زعماء قبيلة قريش يشتغلون في التجارة ، فكانت لهم رحلتان تجاريتان كلّ عام .
في فصل الصيف تذهب قوافلهم إلى الشام ، و في فصل الشتاء يتجهون إلى اليمن .
و أهل مكّة فيهم فقراء و فيهم أثرياء ، فالأثرياء يظلمون الفقراء و يقهرونهم ، و بعض الفقراء يعيشون عبيداً لا يملكون شيئاً حتى حرّيتهم .
و في ذلك الزمان عاش سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) ، كان يذهب إلى جبل حراء ، يفكّر في مصير الناس ، و يفكر في قومه و في عبادتهم للأصنام و الأوثان .
و ذات يوم و عندما بلغ سيّدنا محمّد من العمر أربعين سنة هبط عليه الوحي ، يُبشِّره بالإسلام رسالة الله سبحانه إلى الناس جميعاً .
و هبط سيّدنا محمّد من الجبل و هو يحمل معه رسالة الإسلام لكي يعيش الناس إخواناً متحابين .
أصغى الفقراء و المظلومون إلى نداء الإسلام فآمنوا به و امتلأت قلوبهم بحبّ الإسلام .
و سمع الظالمون من تجّار قريش و أثريائها فحقدوا على سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و راحوا يكيدون للإسلام و المسلمين .
كان أبو جهل أكثر المشركين حقداً و كان يؤذي سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) كثيراً .
دار الأرقم
كان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يجتمع بالمؤمنين سرّاً في دار الأرقم ، حتى لا ينكشف أمرهم فيتعرّضون لانتقام أبي جهل و أبي سفيان و غيرهما من المشركين .
و ذات يوم جاء عمّار بن ياسر فوجد رجلاً واقفاً عند الباب فقال :
ـ ماذا تفعل هنا يا صهيب ؟
أجاب صهيب :
ـ جئت أسمع كلام محمّد . . و أنت ؟
قال عمّار :
ـ و أنا أيضاًَ جئت أسمع كلامه .
و دخل عمّار و صهيب ، و راحا يصغيان بخشوع إلى كلمات الله و آيات القرآن الكريم .
شعر عمّار بالإيمان يملأ قلبه ، كما تمتلئ السواقي بماء المطر .
و عندما أراد عمّار و صهيب أن يخرجا قال سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ امكثا هنا إلى المساء .
كان رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) يخشى عليهما من انتقام قريش .
انتظر عمّار حتى حلّ الظلام فخرج من دار الأرقم و أسرع نحو منزله .
كانت اُمّه تنتظر عودته بقلق ، و كذلك كان أبوه هو الآخر ينتظر عودته .
عندما دخل عمّار ، عمّت الفرحة البيت الصغير . و راح عمّار يحدّث والديه عن الإسلام دين الله .
آل ياسر
ينتمي عمّار في نسبه إلى قبائل اليمن ، و لكن ما الذي جاء به إلى مكّة ؟
جاء والده ( ياسر ) مع أخويه الحارث و مالك يبحثون عن أخيهم الرابع الذي انقطعت أخباره .
بحثوا عنه في كلّ مكان ، ثم جاءوا إلى مكّة للبحث عنه فلم يعثروا على أثر له .
أراد الحارث و مالك العودة إلى اليمن ، و لكن ياسراً فضّل البقاء في مكّة قرب بيت الله الحرام .
لجأ ياسر إلى قبيلة بني مخزوم و أصبح كأحد أفرادها و تزوّج جارية اسمها سميّة .
و تمرّ الأيام و تنجب سميّة صبياً فسمّاه أبوه عمّاراً .
عمّار
ولد عمار بن ياسر قبل عام الفيل بأربع سنين أي قبل ولادة سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) الذي وُلد في عام الفيل .
و عندما أصبح شاباً ، تعرّف على سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) و أصبح صديقاً له .
كان يحب سيدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) لأخلاقه و أمانته و إنسانيته .
و ذات يوم كان يتمشى مع سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) بين جبل الصفا و جبل المروة و كان عمره تسعاً و عشرين سنة و عمر سيدنا محمد خمساً و عشرين سنة ، جاءت هالة أخت خديجة بنت خويلد و تحدّث مع عمار حول فكرة زواج سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) من خديجة ، و وافق سيدنا محمد حيث تمّ الزواج المبارك .
و عندما بعث الله سيدنا محمداً برسالة الإسلام آمن عمار و والده ياسر و اُمه سميّة .
الانتقام
سمع أبو جهل بإسلام عمار و والديه فجنّ جنونه .
قاد أبو جهل جماعة من المشركين و اتجهوا إلى منزل ياسر . كانت في أيديهم المشاعل فأحرقوا الدار و اقتيد ياسر و عمار و سمية إلى الصحراء خارج مكّة .
قيّدوهم بالسلاسل ، و بدأوا بتعذيبهم .
في البداية انهالوا عليهم بالسياط حتى سالت الدماء .
ثم جاءوا بمشاعل النار و راحوا يكوون أجسادهم .
و ظلّت هذه الأسرة الصغيرة المؤمنة ثابتة على إيمانها .
جاء أبو جهل بالصخور و وضعها فوق صدورهم ، كانوا يتنفسون بصعوبة و لكنّهم ظلوا على إيمانهم .
حان وقت الظهر و اشتدت حرارة الشمس فعاد أبو جهل و المشركون إلى مكة و تركوا الأسرة تحت أشعة الشمس الحارقة .
و في الأثناء مرّ سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و رآهم على هذه الحالة فبكى رحمة لهم و قال :
ـ صبراً يا آل ياسر إنّ موعدكم الجنّة .
قالت سميّة و قد ملأ قلبها الإيمان :
ـ أشهد انّك رسول الله و أن وعدك الحقّ .
عاد الجلاّدون يتقدّمهم أبو جهل و بيده حربة طويلة و بدأ يعذّبهم بالحديد و النار .
فقد عمار و ياسر و سمية وعيهم ، فرشّوهم بالماء ، و عندما أفاقوا صاح أبو جهل بسمية :
ـ اذكري الآلهة بخير و محمداً بسوء .
بصقت سميّة في وجهه و قالت :
ـ بؤساً لك و لآلهتك .
شعر أبو جهل بالحقد ، فرفع الحربة عالياً و سدّد ضربة إلى بطنها و راح يمزّق جسمها بالحربة حتى قتلها ، فكانت سميّة أول شهيدة في تاريخ الإسلام .
و اتجه أبو جهل إلى ياسر و راح يركله بقدمه على بطنه حتى قتله و استشهد ياسر تحت التعذيب الوحشي .
رأى عمار ما حلّ بوالديه فبكى . و انهال عليه أبو جهل و المشركون بالسياط و أنواع العذاب ، و صاح أبو جهل :
ـ سوف أقتلك إذا لم تذكر آلهتنا بخير .
لم يتحمّل عمّار ذلك التعذيب الوحشي فقال :
ـ اعل هبل .
ذكر عمّار آلهتهم بخير لكي يكفّوا عن تعذيبه ، عندها حلّوا وثاقه و تركوه .
الإيمان في القلب
جاء عمّار إلى سيدنا محمّد يبكي ، لم يكن يبكي من أجل والديه و لا من أجل نفسه و ما رآه من عذاب ، جاء يبكي لأنه ذكر الأوثان بخير .
واسى رسول الله عمّاراً باستشهاد والديه ، و كان عمّار ما يزال يبكي قائلاً :
ـ لم يتركوني يا رسول الله حتى أكرهوني فذكرت آلهتهم بخير .
قال سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و الرحمة تشعّ من عينيه :
ـ كيف تجد قلبك يا عمّار ؟
ـ قلبي مطمئن بالإيمان يا رسول الله .
قال النبي ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ لا عليك يا عمّار . لقد أنزل الله فيك " إلاّ من أُكره و قلبه مطمئن بالإيمان " .
الهجرة
اشتدت محنة المسلمين في مكّة ، فأمر سيّدنا محمّد أصحابه بالهجرة إلى " يثرب " ، و هاجر عمّار مع مَن هاجر في سبيل الله .
و عندما هاجر سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) عمّت الفرحة المدينة المنوّرة و عاش المهاجرون مع إخوانهم الأنصار حياة طيبة تسودها المحبّة و التعاون و الاخاء .
كان أوّل شيء فكّر فيه رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) هو بناء مسجد يعبد فيه المسلمون الله وحده ، و يكون رمزاً لعزة الإسلام و قلعة للاُمة الإسلامية .
شمّر المسلمون عن سواعدهم و راحوا يعملون بحماس لبناء مسجد النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) .
كان بعضهم يحمل التراب ، و بعض يصنع الآجر ، و آخرون يحملون ما جفّ منه لبناء الجدران .
كان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يعمل مع أصحابه ، و كان عمّار يعمل بنشاط و قد غطّاه الغبار ، كان كلّ فرد من المسلمين يحمل لبنة ( طابوقة ) واحدة ، أما عمار فكان يحمل لبنتين ، فقال له سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) : لهم أجر و لك أجران .
و لكي يبثّ في قلوب إخوانه الحماس في العمل ، كان يردّد شعاراً حماسياً :
ـ لا يستوي من يعمّر المساجدا
يدأب فيها قائماً و قاعدا
و من يرى عن الغبار حائدا
كان بعض الصحابة يتحاشى الغبار ، فظنّ أن عمّار يعنيه بهذا الشعر .
جاء عثمان إلى عمّار و قال له مهدّداً :
ـ سوف أضرب أنفك بهذه العصا .
نظر عمّار إليه و لم يقل شيئاً .
سمع سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) بذلك فتألم و جاء إلى عمّار و قال :
ـ إنّ عمّاراً جلدة ما بين عيني و أنفي .
مسح سيّدنا محمّد عن وجه عمّار الغبار ، فامتلأ قلب الصحابي الجليل حبّاً للنبي الكريم .
تابع >>
قصة قدر
10-16-2007, 01:19 AM
الجهاد في سبيل الإسلام
مرّت الأيام و الشهور و شاء الله سبحانه أن يثأر للمظلومين من الذين اضطهدوا للمسلمين في مكّة و نهبوا أموالهم و صادروا حقوقهم .
وقعت معركة بدر ، و كان عمّار في طليعة المقاتلين ، الذين خرجوا لاعتراض قافلة لقريش قادمة من الشام .
جاءت الأخبار المشركين في مكة قد ألفوا جيشاً بقيادة أبي جهل و أنهم يتجهون نحو المدينة .
استشار النبي أصحابه ، و استقر الرأي على مواجهة المشركين .
بعث سيّدنا محمّد عمار بن ياسر و عبد الله بن مسعود لجمع المعلومات عن عدد أفراد الجيش و عن عدّتهم .
قام عمّار بمهمته خير قيام و كان شجاعاً جريئاً فاقترب من قواتهم ليلاً و طاف حول معسكرهم لجمع المعلومات .
عاد عمّار و معه صاحبه إلى سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) قال عمّار :
ـ إن القوم مذعورون خائفون ، و أن الفَرس يريد أن يصهل فيضربه صاحبه على وجهه ، و السماء تسحّ عليهم بالمطر .
كانت المعلومات التي قدّمها عمّار حسّاسة جدّاً ، فقد أشار إلى حالتهم المعنوية المتردّية ، و حالة الخوف المسيطرة عليهم ، كما أشار إلى غزارة الأمطار و طبيعة الأرض و الطين التي ستحّد من قدرتهم على الحركة .
و في الصباح عندما استيقظ المشركون وجدوا آثاراً غريبة فجاء " مبنه بن الحجاج " و كان عالماً بالأثر ، فصاح : و اللات و العزى هذا أثر ابن سمية و ابن اُم عبد أي عبد الله بن مسعود .
المعركة
في صباح يوم السابع عشر من شهر رمضان سنة 2 هجرية وقعت معركة بدر الكبرى . . أوّل معركة في تاريخ الإسلام ، و نصر الله المؤمنين على المشركين .
كان عمّار يقاتل بحماس المسلم الذي يؤمن بالنصر أو الشهادة .
و عندما انهزم المشركون ، شاهد عمّار " أبا جهل " جثة هامدة ، فتذكّر تلك الأيام التي كان فيها أبو جهل يؤذي المسلمين و يعذّب والديه الشهيدين ياسر و سميّة . و ها هي سيوف المظلومين تقتصّ من الظالمين .
رفع عمّار عينيه إلى السماء و شكر الله سبحانه على نصره .
عمّار مع الحق
بلغ عمّار من العمر ستين سنة ، و لكنه كان يفوق الشباب في حماسه من أجل الجهاد في سبيل الله .
كان عمّار عميق الإيمان بالله شديد الحبّ لرسول الإنسانية سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و كان النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) هو الآخر يحبّ صديقه القديم الذي رافقه شبابه و آمن به و نصره و وقف إلى جانبه .
كان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يشيد بمنزلة عمّار في المناسبات ، فمرّة قال ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ عمّار مع الحق و الحقّ مع عمّار يدور معه كيفما دار .
و فيه قال :
ـ طوبى لعمّار تقتله الفئة الباغية .
ـ إن عمّاراً قد ملئ إيماناً إلى أخمص قدميه .
ـ يا عمّار تقتلك الفئة الباغية و آخر زادك من الدنيا ضياح ( إناء ) من لبن .
و تمرّ الأيام و الشهور و الأعوام و عمّار إلى جانب سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يجاهد في سبيل الله أعداء الإسلام و الإنسانية .
وفاة النبي ( صلى الله عليه و آله )
في السنة الحادية عشر من الهجرة توفي سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) فحزن المسلمون جميعاً ، و بكى عمّار رسول الله و صديقة القديم و تذكّر أيام الشباب في مكّة و أيام الجهاد .
و ظلّ عمّار ( رضوان الله عليه ) وفيّاً لإسلامه مجاهداً في سبيل الدين ، يقول كلمة الحق و لا يخاف أحداً إلاً الله .
كان عمّار يحبّ عليَّ بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) لأنّه طالما سمع سيّدنا محمّداً يقول :
ـ يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن و لا يبغضك إلاّ منافق .
ـ يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انه لا نبيّ بعدي .
و في عودته من حجّة الوداع رأى عمّار ( رضوان الله عليه ) سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) يمسك بيد سيّدنا علي بن أبي طالب و يرفعها عالياً و يقول :
ـ من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه
اللّهم والِ من والاه و عادِ من عاداه
و انصر من نصره و اخذل من خذله
لهذا كان عمّار يعتقد أن عليّ بن أبي طالب هو خليفة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .
عندما تمّت البيعة لأبي بكر و امتنع بعض الصحابة من المهاجرين و الأنصار عن البيعة ، امتنع عمّار عن البيعة و وقف في جانب عليّ بن أبي طالب و فاطمة الزهراء بنت سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .
و بعد ستة أشهر ، توفيت سيدة نساء العالمين و اضطر الإمام علي للبيعة حفاظاً على مصلحة الإسلام ، و بايع عمّار بن ياسر ( رضوان الله عليه ) اقتداءً بالإمام .
الجهاد
انصرف عمّار إلى حياة الجهاد فاشترك في معارك الفتح الإسلامي هنا و هناك . كما قاتل ببسالة في حروب الردّة باليمامة .
عندما أصبح عمر بن الخطاب خليفةً بعد أبي بكر ، عيّنه والياً على الكوفة فأقام حكم الله و رأى الناس في سيرته العدل و الرحمة و التواضع و الزهد .
الشورى
في سنة 23 هجرية تعرّض الخليفة عمر بن الخطاب إلى محاولة اغتيال .
جاء بعض المسلمين و ذكّروا عمر بأن يفكر في الخلافة من بعده .
رأى الخليفة أن تكون شورى بين ستة أشخاص هم علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) و عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد ابن أبي وقاص . و أمرهم بالاجتماع في أحد المنازل و انتخاب خليفة من بينهم خلال ثلاثة أيام.
كان عمّار بن ياسر ( رضوان الله عليه ) يتمنى أن ينتخبوا عليّاً لجهاده الطويل و قرابته من سيّدنا محمّد و علمه و فضله و سابقته في الإسلام .
مضى يوم ثم يومان و ليس هناك من نتيجة .
كانت المنافسة بين عليّ بن أبي طالب و عثمان بن عفان .
اجتمع حول المنزل بعض الصحابة فيهم المقداد و عمّار بن ياسر و العباس و غيرهم و كانوا يتمنون انتخاب علي ، و اجتمع بنو أمية و كانوا يريدون انتخاب عثمان . هتف عمّار لكي يسمعه عبد الرحمن بن عوف :
ـ إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً .
فقال المقداد مؤيداً :
ـ صدق عمّار إن بايعت عليّاً قلنا : سمعنا و أطعنا .
كان عبد الرحمن بن عوف يطمع بالخلافة ففكّر لو أنّه بايع عليّاً فانّه لن يساومه عليها فيما بعد .
لهذا بايع عبدُ الرحمن عثمانَ حتى يردّها عليه بعد وفاته .
و هكذا أصبح عثمان الخليفة الثالث .
خرج الإمام علي بعد أن قال لبعد الرحمن :
ـ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا " فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون " و الله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك ، و الله كلّ يوم هو في شأن .
شعر عمّار بالحزن من أجل أهل البيت الذين هم أحقّ الناس بالخلافة لأن الله أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً .
الانحراف
مرّت ستة أعوام على خلافة عثمان .
شيئاً فشيئاً كان الخليفة يبتعد فيها عن الإسلام و عن سيرة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و سيرة أبي بكر و عمر .
كان يعيّن أقرباء ولاةً على المدن ، و كانوا أشخاصاً سيئين ظالمين .
فمثلاً عيّن الوليد بن عتبة و هو أخاه من أمّة والياً على الكوفة ، فكان يشرب الخمر و يأتي سكران إلى مسجد و جعل من مروان بن الحكم الحاكم الفعلي للبلاد ، فهو الذي يأمر و ينهى و يعيّن الولاة و يعزلهم ، عزل الصحابي الجليل سلمان الفارسي عن ولاية المدائن و عيّن أحد أقربائه و عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة و عيّن الوليد بن عقبة .
كان عثمان ينفق أموال المسلمين على أقربائه من بني أمية و يترك الناس الفقراء و المحتاجين يتألمون
كلمة الحق
كان في بيت مال المسلمين حلي و جواهر ، فجاء الخليفة عثمان و أخذها و وزّعها على بناته و نسائه .
شعر المسلمون بالغضب ، و راحوا يتحدّثون عن سيرة عثمان البعيدة عن روح الإسلام .
لم يتراجع عثمان بل صعد المنبر و خطب قائلاً :
ـ لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء و إن رغمت أنوف أقوام و أقوام .
كان الإمام علي بن أبي طالب حاضراً فشعر بالحزن ، و قام عمّار بن ياسر و كان قد بلغ التسعين من عمره فقال كلمة الحق :
ـ أشهد الله أن أنفي أوّل راغم من ذلك .
اغتاظ الخليفة و صاح :
ـ أعليَّ يا بن ياسر تجترئ .
أشار عثمان إلى الحرّاس أن يمسكوا بعمّار .
لم يحترم الحرّاس شيخوخته و لا صحبته من رسول الله . فجرّوه إلى غرفة عثمان ، شدّوا يديه و رجليه ، و جاء الخليفة و راح يضربه على بطنه ، حتى فقد وعيه ، و جاء بعض المسلمين و حملوه إلى منزل أُم سلمة زوجة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .
كان عمّار ما يزال فاقد الوعي و فاتته صلاة الظهر و صلاة العصر و صلاة المغرب . و عندما عاد إليه وعيه ، أدّى تلك الصلوات قضاءً .
تذكّر أيام التعذيب في مكّة ، كان يتحمّل أضعاف ما قام به عثمان لأنّه كان شابّاً أمّا اليوم فقد أصبح شيخاً كبيراً لا يقوى على تحمّل الضرب .
تألّمت أُم سلمة لحاله فقال لها عمّار بشجاعة المؤمن الصابر :
ـ ليس هذا بأوّل يومٍ أوذينا في الله .
تابع >>
قصة قدر
10-16-2007, 01:22 AM
نفي أبي ذر
و نفى الخليفة عثمان الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري إلى منطقة " الربذة " و هي صحراء لا يقطنها أحد لمناخها القاسي .
و لم يكتف بهذا بل أصدر أمراً بمنع توديعه ، و لكن بعض الصحابة تألموا لما قام به عثمان و خرجوا لتوديع الصحابي الكبير أبي ذر .
خرج علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) و سبطا سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) الحسن ( عليه السَّلام ) و الحسين ( عليه السَّلام ) و خرج أيضاً عمّار و ودّع أبا ذر قائلاً :
ـ لا آنس الله من أوحشك ، و لا آمن من أخافك . أما و الله لو أردت دنياهم لأمّنوك ، و لو رضيت أعمالهم لأحبّوك .
و مضى أبو ذر و معه زوجته و ابنته إلى صحراء الربذة ليموت وحيداً .
و تذكّر عمّار حديثاً سمعه من سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) :
ـ يا أبا ذر تعيش و وحدك و تموت وحدك .
الثورة
تصاعد غضب المسلمين بسبب سيرة عثمان و ما يقوم ولاتهُ من ظلم . و جاءت الوفود من كلّ مكان للاحتجاج ، جاءوا من الكوفة و من مصر و البصرة و غيرها من المدن .
و كان الصحابة في المدينة قد كتبوا إليهم : إن أردتم الجهاد فهلموا ( تعالوا ) إليه ، فان دين محمد ( صلى الله عليه و آله ) قد أفسده خليفتكم .
جاء الناس يشكون من الظلم ، و لكن الخليفة لم يصغ إليهم و طردهم فذهبوا إلى علي بن أبي طالب ابن عمّ سيدنا محمد و وصيّه .
كان الإمام يتمنى الإصلاح و أن يعود عثمان إلى سيرة الإسلام .
فدخل عليه وحدّثه و قال له : لا تكن أداة في يد مروان يسوقك حيث يريد ، و لا تنس منزلتك من رسول الله .
وافق عثمان على أن يعلن توبته أمام الناس فخرج إليهم و اعتذر لهم و وعدهم بسيرة يرضاها الله و المسلمون .
و لكن مروان كان مثل الأفعى فدخل عليه و غيّر رأيه و قال له :
ـ لا تكن ضعيفاً أمام الناس و هددهم .
و كانت نائلة زوجة عثمان تعرف أن مروان خبيث يكرهه المسلمون فنصحت زوجها و قالت له :
ـ أصغ إلى علي بن أبي طالب فان الناس يحبونه و يطيعونه ، و لا تطع مروان فهو شخص ليس له عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبّة .
لم يصغ عثمان لنصيحة الناصحين فكانت النتيجة أن ثار المسلمون عليه و لقي مصرعه في قصره .
الإمام علي ( عليه السَّلام )
اتجهت جماهير المسلمين الى منزل الإمام علي ( عليه السَّلام ) و دَعَتْهُ إلى تقلّد منصب الخلافة .
رفض الإمام ذلك و قال لهم :
ـ ابحثوا عن رجلٍ غيري .
و لكن الناس كانوا يدركون ان الإمام هو الرجل الوحيد الذي يستحق هذا المقام ، فأصرّوا على موقفهم . و أخيراً وافق الإمام على تحمّل هذه المسؤولية ، حتى يسدّ الطريق على الطامعين بها .
العدالة
لقد ثار المسلمون من أجل العدالة ، كانوا غاضبين ممّا حلّ بهم من الظلم ، و كان الإمام علي رمز العدالة و الحق .
لم يخيّب الإمام أمل المسلمين ، فأصدر منذ اليوم الأول قراراً طَردَ بموجبه جميع الولاة الظالمين الذين عيّنهم الخليفة السابق ، و عيّن مكانهم ولاة صالحين معروفين بالتقوى و الصلاح .
قام الإمام بعزل معاوية عن حكومة الشام ، و لكن معاوية كان يخطّط منذ سنين للاستيلاء على الشام ثم على بلاد الإسلام ، فأعلن العصيان ، و رفع شعار المطالبة بدم عثمان و هكذا وقعت حرب صفين على حدود سوريا مع العراق .
كان في جيش الإمام علي كثير من صحابة رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و في طليعتهم عمّار بن ياسر و مالك الأشتر و عبد الله بن عباس و غيرهم .
و كان في جيش معاوية أعداء الإسلام من أمثال مروان بن الحكم و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و الهاربون من عدل علي إلى دنيا معاوية .
تقتلك الفئة الباغية
كان المسلمون في العسكرين يرددون حديثاً لسيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) خاطب فيه عماراً قبل أكثر من خمس و عشرين سنة :
ـ يا عمّار تقتلك الفئة الباغية .
كان عمّار في جيش الإمام عليّ ، و كان آنذاك شيخاً قد تجاوز التسعين من عمره ، و مع هذا فقد كان يقاتل في حماس الشباب المؤمن .
رفع عينيه إلى السماء و قال :
ـ اللّهم لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر " نهر الفرات " لفعلت .
اللّهم إني لا أعلم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين .
كان عمّار مع الحقّ و الحقّ مع عمّار يدور معه حيثما دار ، لهذا قال :
ـ و الله لو ضربونا ( هزمونا ) حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت إنّا على الحق و إنّهم على الباطل .
و عندما اشتعلت المعركة ، خاطب عمّار المقاتلين :
ـ من يبتغي ( يريد ) رضوان الله ربّه ؟
فلبّى دعوته بعض المؤمنين ، و قادهم عمّار باتجاه العدّو ، و عندما شاهد الصحابة عمّاراً يتخطى الصفوف تبعوه .
كان عمّار صائماً ، و كان يقاتل بحماس كبير .
و في وسط المعركة شاهد عمّار عمرو بن العاص فخاطبه قائلاً :
ـ يا عمرو بعت دينك بمصر فتباً لك .
أي أن عمرو بن العاص وقف إلى جانب معاوية بعد أن وعده بحكومة مصر .
قال عمرو بن العاص بخبث :
ـ لا و لكن أطلب بدم عثمان .
قال عمّار :
ـ أشهد انّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله .
و أراد أن ينصحه فقال :
ـ إذا لم تقتل اليوم تمت غداً ، و إنما الأعمال بالنيّات . فانظر لنفسك إذا اُعطي الناس على قدر نيّاتهم .
و مضى عمّار يقاتل الفئة الباغية .
الفتنة
كان المسلمون في فتنة لا يعرفون الحقّ من الباطل فكان عمّار دليلهم ، لأن سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) قال : تقتله الفئة الباغية .
لهذا كان عمرو بن العاص يخدع أهل الشام عندما يسألونه فيقول لهم :
ـ اصبروا لأنّه سينحاز إلى جبهتنا .
و تمرّ أيام الحرب ، و عمّار يقاتل في جبهة الحق مع علي .
و ذات يوم حمل عمّار و معه مجموعة من المؤمنين و راح يقاتل ببسالة و هو يتذكر أيام الجهاد مع سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) في بدر و أُحد و حنين و معارك الإسلام الأخرى .
كان عمّار صائماً و المعارك مستمرة . و عندما غابت الشمس و حان وقت الإفطار ، طلب عمّار ماءً يفطر به لأنّه كان ظامئاً .
جاءه أحد الجنود بإناء مليءٍ باللبن .
تبسّم عمّار و قال مستبشراً :
ـ ربّما أُرزق الشهادة هذه الليلة .
فسأله البعض عن السرّ فأجاب :
ـ لقد أخبرني حبيبي رسول الله قائلاً : يا عمّار تقتلك الفئة الباغية و آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن .
شرب عمّار ( رضوان الله عليه ) اللبن و تقدّم يقاتل و يقاتل حتى هوى على الأرض شهيداً .
كاد معاوية يطير من الفرح ، و شعر الإمام علي بالحزن و الأسف و ترحّم عليه . و في تلك اللحظات أدرك الجميع من هي الفئة الباغية .
كان بعض الجنود في جيش معاوية ينتظرون انحياز عمّار إلى معاوية كما ادّعى ذلك عمرو بن العاص ، و لكنهم رأوا عمّار يقاتل حتى استشهد مع أمير المؤمنين علي ( عليه السَّلام ) ، لهذا تسللوا في الظلام و التحقوا بجيش الإمام بعد أن عرفوا جبهة الحق .
النهاية
أحدث استشهاد عمّار بن ياسر دوياً في الجبهتين فارتفعت معنويات جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيما هبطت معنويات جيش معاوية .
و في تلك الليلة شن جيش الإمام هجوماً كاسحاً على جيش معاوية و كاد أن يحرز النصر النهائي .
فجاء عمرو بن العاص بحيلة جديدة حيث رفع جيش الشام المصاحف يطالبون بتحكيم كتاب الله .
توقفت المعارك و انسحب الجيشان من سهل صفين . و بقيت جثث الشهداء و في طليعتهم الصحابي الكبير عمّار بن ياسر الذي بلغ من العمر ستة و تسعين عاماً .
و اليوم عندما يزور المسلمون تلك البقعة من أرض الله يرون مزاراً كبيراً لذلك الصحابي الذي قضى عمره في الجهاد من أجل الإسلام ، و عرف المسلمون باستشهاده مع مَن كان الحق في تلك الحرب المريرة .
سلمتي لنا
تسجيل متابعه للموضوع
وبانتظار التتمه
قصة قدر
10-18-2007, 12:20 AM
مالك الأشتر
الربذة
منطقة صحراوية بين مكّة و المدينة ، هي منطقة جرداء لا يسكنها أحد . و لكن في عام 30 هجرية ، كانت هناك خيمة وحيدة . في داخل الخيمة شيخٌ كبير و امرأة عجوز هي زوجته و ابنتهما .
لماذا جاء الشيخ إلى هذه المنطقة البعيدة في وسط الصحراء ؟
انّه لم يأت بإرادته ، لقد نفاه الخليفة ليموت في تلك الصحراء .
كان الشيخ مريضاً ، و كانت زوجته تبكي فقال لها :
ـ لماذا البكاء يا اُم ذر ؟
قالت العجوز :
ـ كيف لا أبكي و أنت تموت في هذه الصحراء .
قال الشيخ :
ـ كنت مع بعض أصحابي جالسين مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال لنا : سيموت أحدكم في الصحراء و سيحضر موته جماعة من المؤمنين . لقد توفي كلّ أصحابي عند أهلهم و لم يبق سواي ، سوف يأتي مَن يساعدك .
قالت العجوز :
ـ لقد مضى موسم الحجّ و هذه الصحراء لا يمرّ بها أحد .
قال الشيخ :
ـ لا عليك اصعدي التلّ و انظري إلى طريق القوافل .
صعدت المرأة التلّ و راحت تنظر إلى طريق القوافل .
مرّ وقت طويل ، فشاهدت من بعيد قافلة قادمة .
لوّحت المرأة بقطعة قماش للقافلة ، و تعجّب المسافرون و تساءلوا مَن تكون هذه المرأة الوحيدة في الصحراء ؟!
فجاءوا اليها . سألوها عن شأنها فقالت :
ـ ان زوجي يموت و ليس قربه أحد .
و مَن هو زوجك ؟
فقالت المرأة و هي تبكي :
ـ أبو ذرّ صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
و تعجّب أهل القافلة فقالوا :
ـ أبو ذر صاحب النبي ؟! هيا بنا إليه .
و ذهب الرجال إلى الخيمة ، و عندما دخلوها وجدوا أبا ذر في فراشه . و قال الرجل :
السلام عليك يا صاحب رسول الله .
فقال أبو ذر بصوت ضعيف :
ـ و عليكم السلام مَن أنت ؟
قال الرجل :
ـ مالك بن الحارث الأشتر و معي رجال من أهل العراق ، نريد الذهاب إلى المدينة لنشتكي إلى الخليفة ما يحلّ بنا من الظلم .
ابتسم أبو ذر و قال :
ـ ابشروا يا إخواني لقد أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأنني سأموت في الصحراء ، و سيحضر وفاتي رجال مؤمنون .
فرح مالك و من معه بهذه البشرى النبويّة و جلسوا في خيمة أبي ذر ، و كان مالك الأشتر حزيناً من أجل الصحابي الجليل أبي ذر و ما حلَّ به على أيدي بني اُميّة
.
الأشتر
ينتمي مالك بن الحارث النخعي إلى قبيلة يمنية عريقة ، أسلم في عهد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) و كان من المخلصين في ايمانه و إسلامه .
اشترك في معركة اليرموك و قاتل ببسالة فريدة ، و كانت له مواقف شجاعة في صدّ هجمات الروم على الجيش الإسلامي فشترت عينه بالسيف أي انشق جفنها السفلي و لذلك عُرِفَ بالأشتر .
في عام ثلاثين للهجره كان المسلمون في مدينة الكوفة و غيرها من المدن الإسلامية غاضبين من تصرّفات الولاة .
فمثلاً كان " الوليد بن عقبة " و هو أخو الخليفة عثمان حاكماً على الكوفة و كانت تصرفاته منافية للإسلام و الدين ، فهو يشرب الخمر ، و يقضي وقته في مجالس الغناء و اللهو .
ذات يوم جاء الوليد إلى المسجد سكران و صلّى بالمسلمين صلاة الصبح أربع ركعات ، ثم التفت إلى المصلّين و قال مستهزئاً :
ـ أتريدون أن أزيدكم ؟
كان الناس غير راضين عن سيرته و كانوا ينتقدونه في الأسواق و البيوت و المساجد .
كانوا يتساءلون قائلين :
ـ ألم يجد الخليفة شخصاً غير هذا الفاسق لكي يجعله والياً ؟!
ـ انّه يعتدي على حرمات الدين و المسلمين .
لهذا فكّروا بطريقة للحلّ ، فوجدوا ان أفضل طريق هو أن يستشيروا أهل التقوى و الصلاح ، فذهبوا إلى مالك الأشتر فهو شخص تقيّ و شجاع و لا يخاف أحداً غير الله . قال مالك الأشتر :
ـ الأفضل أن ننصحه أوّلاً فاذا لم يرتدع نشكوه إلى الخليفة .
ذهب مالك و معه بعض الناس الصالحين إلى قصر الوالي .
عندما دخلوا ، وجدوه يشرب الخمر كعادته ، فنصحوه أن يكفّ عن تصرفاته المشينة و لكنّه انتهرهم و طردهم .
عندها قرّروا السفر إلى المدينة المنوّرة و مقابلة الخليفة لإطلاعه على الأمر .
قابل الوفد الخليفة و لكنّه ـ مع الأسف ـ انتهرهم و طردهم و رفض شهادتهم ، فخرجوا يائسين .
فكّروا في الذهاب إلى ابن عمّ سيّدنا محمّد (( صلى الله عليه وآله ) علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) فهو الأمل الوحيد في الإصلاح .
الوفود
و في تلك الفترة جاءت وفود من المدن الإسلامية الاُخرى كلّها تشكوا من ظلم الولاة و سوء سيرتهم .
و ذهب الصحابة إلى منزل الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) و اشتكوا عنده ما يلاقيه المسلمون من الظلم و الفساد .
كان الإمام علي يشعر بالحزن لذلك ، فذهب إلى قصر الخليفة و دخل على عثمان و نصحه قائلاً :
ـ يا عثمان ان المسلمين يشتكون من الظلم . و لست أدلّك على أمر لا تعرفه ، و اني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر ، فيلقى في جهنّم فيدور كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنّم " . و انّي اُحذّرك الله ، فانّ عذابه شديد .
فكّر عثمان قليلاً و أطرق حزيناً و اعترف بأخطائه و وعده بأن يتوب إلى الله و يعتذر من المسلمين .
خرج الإمام علي يبشّر المسلمين بذلك و عمّت الفرحة الجميع .
و لكن مروان و كان رجلاً منافقاً دخل على الخليفة و تحدّث اليه فغيّر رأيه و قال له :
ـ الأفضل أن تخرج إلى الناس و تهدّدهم حتى لا يتجرأوا على مقام الخلافة .
الثورة
تراجع عثمان عن وعوده بإصلاح سيرته و تغيير الولاة و اتبع سياسة قاسية تجاه الناس .
أشار معاوية و هو حاكم الشام آنذاك بنفي بعض الصحابة .
كان الخليفة قد نفى الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري فمات وحيداً في صحراء " الربذة " و قام بضرب الصحابي عمّار بن ياسر و هو ابن أول شهيدين في الإسلام .
كما جلد الصحابي عبد الله بن مسعود لهذا تذمّر الناس من سياسة عثمان و ولاته .
و بعث صحابة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) برسائل إلى كافّة المدن الإسلامية و مضمونها :
ـ أيُّها المسلمون ، تعالوا الينا ، و تداركوا خلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فان كتاب الله قد بدّل و سنّة رسوله قد غيّرت . فأقبلوا الينا ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر . فأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم .
و تدفّق المسلمون الثائرون من كلّ أنحاء الدولة الإسلامية إلى المدينة المنوّرة .
كان مالك الأشتر يمثّل الثائرين فدخل على عثمان لإجراء المفاوضات من أجل إصلاح الاُمور .
و كانت مطالب الثّوار هي أن يعتزل عثمان الخلافة .
لم يستجب الخليفة لذلك .
حاول الإمام علي ( عليه السَّلام ) التدخّل مرّة اُخرى و إصلاح الاُمور و لكن بلا فائدة .
كان المسلمون غاضبين من سيرة عثمان و ولاته و ظلمهم و كان عثمان يعاند مصرّاًًًًً على سياسته .
حاصر الثوّار قصر عثمان ، فطلب الإمام ( عليه السَّلام ) من ولديه الحسن و الحسين أن يقفا للحراسة .
غير ان الثوّار تسوّروا جدران القصر ، و اقتحموا غرفة الخليفة و قتلوه ، و فرّ مروان و غيره من المنافقين .
كان طلحة و الزبير يطمعان في الخلافة فساعدا الثوّار و لكن الناس كانوا لا يفكرون إلاّ بشخص واحد ليكون خليفة عليهم و هو الإمام علي ( عليه السَّلام ) .
تدفقت الجماهير إلى منزل الإمام و طلبوا منه أن يكون خليفة ، و لكن الإمام رفض ذلك .
أصرّ مالك الأشتر و غيره من الصحابة على ذلك ، و ألقى مالك خطاباً حماسياً في الجماهير قائلاً :
ـ أيُّها الناس
هذا وصي الأوصياء .
و وارث علم الأنبياء .
الذي شهد له كتاب الله بالايمان .
و رسوله بجنّة الرضوان .
من كملت فيه الفضائل .
و لم يشكّ في سابقته و علمه الأواخر و الأوائل .
و هكذا كان مالك أول من بايع علي بن أبي طالب و تبعته جماهير المسلمين .
و عندما أصبح الإمام علي خليفة ، بدأ عهد جديد فقد أصدر أمراً بإقالة جميع الولاة الظالمين و عيّن مكانهم أشخاصاً معروفين بالتقوى و الصلاح .
معركة الجمل
كان البعض يطمع بالخلافة و الحكم ، من هؤلاء " طلحة " و " الزبير " فذهبا إلى مكّة و حرّضا اُم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر .
استغل مروان ذلك فراح ينفق من أموال المسلمين التي سرقها ، و ألّف جيشاً كبيراً ، و رفعوا شعار الثأر لدم عثمان .
توجّه الجيش إلى مدينة البصرة ، و هناك طردوا الوالي بعد أن نتفوا لحيته و استولوا على بيت المال .
و كان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يواجه هذا التمرّد بحزم ، فزحف بجيشه إلى البصرة .
أرسل الإمام ابنه الحسن ( عليه السَّلام ) و الصحابي الجليل عمّار بن ياسر إلى " الكوفة " و دعوة أهلها للجهاد .
كان والي الكوفة آنذاك " أبو موسى الأشعري " فراح يدعو الناس للتقاعس عن الجهاد و عصيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) .
مرّت الأيام و لم يعُد الحسن و عمّار بن ياسر فبعث الإمام مالكاً الأشتر في أثرهما .
كان مالك الأشتر رجلاً شجاعاً معروفاً بالحزم ، و هو يدرك ان المسلمين في الكوفة يؤيدون الإمام ضد أعدائه ، و ان العقبة الوحيدة هي " ابو موسى الأشعري " .
وصل مالك الأشتر الكوفة و راح يدعو الناس في أن يتبعوه ، و اجتمع حوله جمهور غفير ، فاقتحم بهم قصر الامارة و طرد الحرّاس منه .
كان أبو موسى الأشعري وقتها في المسجد يدعو الناس إلى لزوم بيوتهم و عدم الاستجابة لأوامر أمير المؤمنين . فجاء الحرّاس و أخبروه بسقوط القصر في قبضة مالك الأشتر .
طلب " أبو موسى الأشعري " مهلة يوم واحد لمغادرة الكوفة ، فأُجيب طلبه .
و في نفس اليوم أسرع مالك الأشتر إلى المسجد و خطب في الجماهير يحرّضهم لنصرة الإمام علي .
فاجتمع منهم جيش بلغ تعداده ثمانية عشر ألفاً من المقاتلين ، تسعة آلاف في قيادة الحسن فسلك بهم الطريق البرّي ، فيما سلك الباقون الطريق النهري لكي يلتحق الجميع بجيش الإمام علي في منطقة " ذي قار " في جنوب العراق .
اتّجه الجيش بقيادة الإمام إلى مدينة البصرة فالتقى بجيش عائشة و طلحة و الزبير و مروان بن الحكم .
كان مالك الأشتر قائداً للجناح الأيمن و كان عمّار بن ياسر قائداً للجناح الأيسر ، فيما وقف الإمام في قلب الجيش حيث حمل الراية ابنه محمد بن الحنفية .
بدأ جيش عائشة بالعدوان فأمطر جيش الإمام بوابل من السهام ، فسقط عددٌ من القتلى و الجرحى .
أراد جيش الإمام المقابلة بالمثل فمنعهم الإمام و قال :
ـ من يأخذ هذا المصحف و يذهب إليهم فيدعوهم للاحتكام عليه ؟
انّهم يقتلونه لا محالة .
و هنا انبرى شابّ و قال :
ـ أنا آخذه يا أمير المؤمنين .
تقدّم مسلم نحو جيش الجمل رافعاً المصحف .
صاحت عائشة :
ـ ارشقوه بالسهام . فأمطره الرماة بوابل من السهام فسقط فوق الأرض شهيداً .
و في تلك اللحظات رفع أمير المؤمنين يديه إلى السماء داعياً الله سبحانه أن ينصر الحق و أهله و قال :
ـ اللّهم إليك شخصت الأبصار .
و بسطت الأيدي .
ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق .
و أنت خير الفاتحين .
ثم أصدر الإمام أمره بالهجوم الشامل ، و تقدّم الأشتر يقاتل ببسالة ، و حدثت اشتباكات عنيفة حول الجمل .
أدرك الإمام ان عقر الجمل سوف يضع حدّاً لنزيف الدم ، و اقتتال الاخوة .
قاد مالك الأشتر هجوماً عنيفاً باتجاه الجمل .
كان مالك الأشتر يقتل بشجاعة و فروسية ، أي انّه لا يقتل الجرحى و لا يطارد الذين يفرّون من المعركة .
كان مالك يقتدي في أخلاقه بالإمام علي ( عليه السَّلام ) ، فهو يحبّ وصي رسول الله ، و كذلك كان الإمام يحبّ مالكاً لأنّه من أهل التقوى ، و الله يحبّ المتقين .
أميرة القطيف
10-18-2007, 12:26 AM
يعطيك العافية عمة
موفقة
قصة قدر
10-18-2007, 12:27 AM
الانتصار
و بعد معارك ضارية تمكّن جيش الإمام من عقر الجمل فانهارت معنويات الجيش المقابل و فرّ المقاتلون من ساحة المعركة .
أصدر الإمام أمراً أوقف فيه العمليات الحربية ، و أمر بمعاملة عائشة بكلّ احترام و إعادتها إلى المدينة معزّزة مكرّمة .
أطلق الإمام الأسرى و أمر بمعالجة الجرحى و عفا عن الجميع .
و دخل مالك الأشتر و عمّار بن ياسر على عائشة فقالت :
ـ لقد كدت يا مالك أن تقتل ابن اختي .
أجاب مالك :
ـ نعم و لولا انّي كبير و كنت صائماً ثلاثة أيام لأرحت منه اُمّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
في الكوفة
و بعد أن أقام الإمام في البصرة أيّاماً عاد بجيشه قاصداً مدينة الكوفة .
كان مالك الأشتر في المعارك كالأسد يُقاتل بشجاعة لا نظير لها ، و لهذا كان الأعداء يخافون منه .
و لكنّه في الأيّام العادية كان يبدو كرجل فقير فهو يرتدي ثياباً بسيطة و يمشي بتواضع حتى أن أكثر الناس لا يعرفونه .
ذات يوم و عندما كان مالك يسير في الطريق ، كان أحد السفهاء يأكل تمراً و يرمي النوى هنا و هناك .
و عندما مرّ مالك أمامه ، رماه بنواة في ظهره و راح يضحك عليه .
فقال له رجل رآه :
ـ ماذا تفعل ؟! هل تعرف مَن هذا الرجل ؟
أجاب :
ـ كلاّ ، مَن هو ؟
ـ إنّه مالك الأشتر .
كان مالك الأشتر قد مضى في طريقه ، لأن المؤمن لا يهتم لما يفعله السفهاء من الناس ، و تذكّر ما كان يفعله المشركون بسيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في مكّة عندما كانوا يلقون عليه التراب و القاذورات فلا يقول شيئاً .
دخل مالك المسجد و راح يصلّي لله و يستغفر لذلك الشخص الذي رماه بالنواة .
جاء الرجل مهرولاً و دخل المسجد و ألقى بنفسه على مالك يعتذر إليه و قال :
ـ اعتذر إليك ممّا فعلت فاقبل عذري .
أجاب مالك بابتسام :
ـ لا عليك يا أخي ، و الله ما دخلت المسجد إلاّ لكي أُصلّي و استغفر لك .
معركة صفين
كان الإمام يختار الصالحين من أهل التقوى و الإدارة و الحزم ولاةً على المدن ، لهذا عيّن مالكاً الأشتر حاكماً على الموصل و سنجار و نصيبين و هيت و عانات ، و هي مناطق واقعة على حدود الشام .
كان معاوية قد أعلن العصيان للخلافة و انفرد بحكم الشام .
حاول الإمام إقناع معاوية بالطاعة فبعث برسائل عديدة و أوفد إليه من يتحدّث معه ، و لكن بلا فائدة .
لهذا جهّز الإمام جيشاً و أسند قيادته إلى مالك الأشتر .
زحف الجيش باتجاه الشام و وصل منطقة " قرقيسيا " فاصطدم بجيش الشام تحت قيادة " أبي الأعور السلمي " .
حاول مالك الأشتر إقناع " قائد الجيش " بإنهاء التمرّد و الدخول في طاعة أمير المؤمنين الذي ارتضاه الناس خليفة لهم فرفض ذلك .
و في الليل ، انتهز جيش الشام الفرصة و قام بهجوم دون سابق انذار ، و كان هذا العمل مخالفاً للشريعة و الأخلاق لأنّه غدر .
قاوم جيش الخلافة الهجوم المباغت و كبّد المهاجمين العديد من القتلى و أجبره على الإنسحاب إلى مواقعه .
و مرّة اُخرى تجلّت فروسية مالك الأشتر ، فارسل إلى " أبي الأعور " مبعثواً يدعوه للمبارزة .
قال الرسول :
ـ يا أبا الأعور إن مالك الأشتر يدعوك للمبارزة .
جبن قائد جيش معاوية و قال :
ـ لا أُريد مبارزته .
وصلت إمدادات كبيرة بقيادة معاوية ملتحقة بجيش الشام .
و تقابل الجيشان في سهل " صفين " على ضفاف نهر الفرات .
احتلّت قطعات من جيش معاوية الشواطئ و فرضت حصاراً على النهر .
كان هذا العمل أيضاً مخالفاً للشريعة الإسلامية و لتقاليد الحروب .
بعث الإمام أحد صحابة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) و هو " صعصعة بن صوحان " للتفاوض :
دخل صعصعة خيمة معاوية و قال :
ـ يا معاوية إن عليّاً يقول : دعونا نأخذ حاجتنا من الماء حتى ننظر فيما بيننا و بينكم ، و إلاّ تقاتلنا حتى يكون الغالب هو الشارب .
سكت معاوية و قال :
ـ سوف يأتيك ردّي فيما بعد .
خرج مبعوث الإمام ، و استشار معاوية رجال فقال الوليد بحقد :
ـ امنع الماء منهم ، حتى يضطروا للاستسلام .
و حظي هذا الرأي بتأييد كامل .
لقد جمع معاوية حوله كلّ الأشرار الذين لا يعرفونه حرمة للدين و الإنسانية .
كان مالك الأشتر يراقب ما يجري على الشواطئ فشاهد وصول تعزيزات عسكرية ، فأدرك أن معاوية يفكِّر بتشديد الحصار .
شعر جنود الإمام بالعطش ، و كان مالك عطشان أيضاً ، فقال له جندي :
ـ في قربتي ماء قليل اشربه .
رفض مالك ذلك و قال :
ـ كلاّ حتى يشرب جميع الجنود .
ذهب مالك إلى الإمام و قال :
ـ يا أمير المؤمنين ان جنودنا يصرعهم العطش و لم يبق أمامنا سوى القتال .
أجاب الإمام :
أجل لقد أعذر من أنذر .
و خطب الإمام في الجنود و حثّهم على الاستبسال قائلاً :
ـ الموت في حياتكم مقهورين .
و الحياة في موتكم قاهرين .
أي أن الموت هو أن يرضى الإنسان بالذلّ .
و انّ الحياة في أن يموت المرء شهيداً .
و قاد مالك الأشتر أوّل هجوم في حرب صفين و راح يقاتل ببسالة و يتقدّم باتجاه شواطئ الفرات .
و بعد اشتباكات عنيفة تمّ تحرير ضفاف النهر و إجبار جيش معاوية على الإنسحاب .
أصبح جيش معاوية بعيداً عن المياه ، و لهذا فكّر في حيلة لاستعادة مواقعه على نهر الفرات .
و في اليوم التالي سقط سهم بين جنود الإمام و كان في السهم رسالة ، قرأها الجنود باهتمام .
و انتقلت الرسالة بين الجنود بسرعة و انتشر الخبر : " من أخ ناصح لكم في جيش الشام : ان معاوية يريد أن يفتح عليكم النهر و يغرقكم ، فاحذروا " .
و صدّق الجنود ما ورد في تلك الرسالة فانسحبوا و انتهز جيش الشام الفرصة فأعاد احتلاله للشواطئ مرّة اُخرى .
غير أن جيش الإمام شن هجوماً كاسحاً و حرّر المنطقة من قبضة الاحتلال .
شعر معاوية بالقلق ، فسأل عمرو بن العاص :
ـ هل تظنّ ان عليّاً سيمنع علينا الماء ؟
أجاب عمرو بن العاص :
ـ إن عليّاً لا يفعل مثلما تفعل أنت .
كان جنود الشام يشعرون بالقلق أيضاً .
و لكن سرعان ما وصلت الأخبار بأن الإمام عليّاً سمح لهم بورود النهر و ترك لهم مساحة من الشواطئ كافية .
أدرك بعض أهل الشام الفرق بين معاوية و علي ، فمعاوية يفعل كلّ شيء من أجل أن ينتصر ، أمّا علي فلا يفكّر في ذلك ، إنّه يسير في ضوء المُثل و الأخلاق الإنسانية .
لهذا تسلل بعض الجنود ليلاً و انتقلوا إلى جبهة علي لأنّها تُمثّل الحقّ و الإنسانية .
معاوية
كان معاوية يشعر بالقلق من وجود مالك الأشتر ، لأن شجاعته و بسالته في القتال ألهب الحماس في جيش علي و بثت الذعر في جنود الشام .
فكّر معاوية في القضاء عليه عن طريق المبارزة الفردية ، فعرض الأمر على مروان ، و لكن مروان كان يخاف من مالك فاعتذر إلى معاوية و قال :
ـ لماذا لا تكلّف " ابن العاص " بذلك فهو ساعدك الأيمن .
عرض معاوية اقتراحه على عمرو بن العاص فاضطر لقبوله .
خرج ابن العاص يطلب مبارزة الأشتر .
تقدّم مالك نحوه و بيده رمحه ، و لم يترك له فرصة للدفاع فسدّد له ضربة عنيفة جرحت قسماً من وجهه فلاذ عمرو بن العاص بالفرار .
تسجيل متابعه للموضوع
احسنتممممممم
قصة قدر
12-02-2007, 08:19 AM
استشهاد عمّار
تصاعدت حدّة الاشتباكات و كان عمّار يقود الجناح الأيسر من جيش الإمام ، و يقاتل ببسالة رغم شيخوخته .
و عندما جنحت الشمس للمغيب طلب عمّار رضي الله عنه شيئاً يفطر به لأنّه كان صائماً .
أحضر أحد الجنود إناءً مليئاً باللبن و قدّمه إليه ، استبشر عمّار بذلك و قال :
ـ ربّما أُرزق الشهادة هذه الليلة فقد قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا عمّار تقتلك الفئة الباغية ، و آخر شرابك من الدنيا ضياح ( إناء ) من لبن .
أفطر الصحابي الجليل و تقدّم إلى ساحات القتال بقلبٍ عامر بالإيمان و ظلّ يقاتل حتى هوى على الأرض شهيداً .
جاء الإمام و جلس قرب الشهيد و قال بحزن :
ـ رحم الله عمّاراً يوم أسلم ، و رحم الله عمّاراً يوم استشهد ، و رحم الله عمّاراً يوم يبعث حيّاً . هنيئاً لك يا عمّار .
كان لإستشهاد عمّار بن ياسر في ساحة الحرب أثره في سير المعارك ، فقد ارتفعت معنويات جيش الإمام فيما انخفضت لدى جنود معاوية ، لأن المسلمين جميعاً يحفظون حديث سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) لعمّار بن ياسر : " يا عمّار تقتلك الفئة الباغية " أي المعتدية .
و أدرك الجميع ان معاوية و جنوده هم المعتدون و انّ علياً و أصحابه على الحقّ .
لهذا تصاعدت حدّة الحملات الهجومية في جبهة الإمام ، و راح معاوية و جيشه يستعدّون للهزيمة .
حيلة جديدة
فكّر معاوية بحيلة جديدة يخدع بها جيش الإمام ، فاستشار " عمرو بن العاص " .
قال عمرو بن العاص :
ـ أرى أن نخدعهم بالقرآن . نقول لهم : بيننا و بينكم كتاب الله .
فرح معاوية لهذه الحيلة و أمر برفع المصاحف على الرماح .
عندما شاهد جنود الإمام المصاحف ، فكّروا في إيقاف الحرب ، و بذلك انطلت الحيلة على كثير من الجنود .
قال الإمام : انّها مكيدة . أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله و أوّل من أجاب إليه . انّهم عصوا الله فيما أمرهم و نقضوا عهده .
و لكن عشرين ألفاً من الجنود عصوا أمر الإمام و قالوا :
ـ اصدر أمرك بايقاف القتال و قل للأشتر ينسحب .
أرسل الإمام أحد الجنود إلى مالك الأشتر يأمره بايقاف العمليات الحربية .
استمر مالك الأشتر في القتال و قال :
ـ ما هي إلاّ لحظات و نحرز النصر النهائي .
قال الجندي :
ـ و لكن الإمام محاصر بعشرين ألف من المتمرّدين و هم يهددون بقتله إذا لم توقف القتال .
اضطر مالك الأشتر للإنسحاب و قال :
ـ لا حول و لا قوّة إلاّ بالله .
التحكيم
كان مالك الأشتر يدرك أن ما قام به معاوية هو مجرّد حيلة ، و لكنه انصاع لأمر الإمام حتى لا تحدث الفتنة ، فكان قائداً شجاعاً و جندياً مطيعاً .
توقفت المعارك و اتفق الطرفان على الاحتكام إلى كتاب الله .
فأرسل معاوية عمرو بن العاص ممثّلاً عنه في المفاوضات .
و أراد الإمام أن يختار رجلاً عاقلاً فطناً عالماً بكتاب الله فاختار عبد الله بن عباس حبر الاُمّة .
و لكن المتمرّدين رفضوا ذلك مرّة اُخرى و قالوا :
نختار " أبا موسى الأشعري " .
فقال الإمام ( عليه السَّلام ) ناصحاً :
ـ أنا لا أرضى به ، و عبد الله بن عباس أجدر منه .
رفض المتمردون ذلك فقال الإمام :
ـ إذن اختار الأشتر .
فرفضوا أيضاً و أصرّوا على " أبي موسى الأشعري " .
و حتى لا تحدث الفتنة قال الإمام :
ـ اصنعوا ما شئتم .
و هكذا اجتمع الممثلان للمفاوضات .
فكّر عمرو بن العاص أن يخدع " الأشعري " فقال له :
ـ يا أبا موسى إن سبب الفتنة وجود معاوية و علي ، فتعال لنخلعهما عن الخلافة و نختار رجلاً آخر .
كان " الأشعري " لا يحبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فرحّب بالفكرة ، فقال أمام الجميع :
ـ إنّني أخلع عليّاً عن الخلافة كما أخلع خاتمي من يدي .
ثم نزع خاتمه .
و هنا قال عمرو بن العاص بخبث :
ـ أما أنا فأُثبّت معاوية في الخلافة كما أُثبّت خاتمي في يدي .
ثم لبس خاتمه .
شعر المتمرّدون بالندم ، و بدل أن يتوبوا و يعودوا إلى طاعة أمير المؤمنين فإنّهم طلبوا من الإمام أن يتوب و يعلن الحرب .
و لكن الإمام كان إنساناً يحترم العهود و المواثيق و قد اتّفق على الهدنة و إيقاف القتال لمدّة سنة .
طلب الإمام منهم أن يصبروا هذه المدّة و لكنهم عصوا أوامره أيضاً و خرجوا على طاعة الإمام لهذا سمّوا ب " الخوارج " .
مصر
فكّر معاوية أن يستولي على مصر ، فأرسل جيشاً كبيراً لاحتلالها .
كان الوالي على مصر محمّد بن أبي بكر " الخليفة الأوّل " .
أرسل الوالي يطلب الإمدادات العسكرية بأقصى سرعة قبل أن تسقط مصر بأيدي الغزاة .
فأرسل الإمام مالكاً الأشتر و قال له :
ـ توجّه إلى مصر رحمك الله ، و لست أوصيك بشيء لأنني أكتفي برأيك .
استعن بالله .
استعمل اللين في مواضعه و الشدّة في مواضعها .
و انطلق الأشتر إلى مصر .
السمّ و العسل
شعر معاوية بالقلق فهو يدرك ان وصول مالك الأشتر إلى مصر يعني إنقاذها ، لهذا فكّر بقتله .
كان معاوية إذا أراد أن يغتال شخصاً دسّ إليه العسل المخلوط بالسمّ .
و كان معاوية يستورد هذه السموم من القسطنطنية ، و كان الروم يسمحون بتصديرها لأنّهم يعرفون ان معاوية يستخدمها لقتل المسلمين .
قال عمرو بن العاص :
ـ انّي أعرف رجلاً يسكن مدينة القلزم على حدود مصر و هو يملك أراضٍ واسعة و لابدّ أن يمرّ الأشتر في هذه المدينة و يتوقّف فيها للإستراحة .
قال معاوية :
ـ إذن اتصل به و اخبره إذا تمكّن من اغتيال الأشتر فسنعفيه من دفع الضرائب مدى الحياة .
و هكذا انطلق مبعوث معاوية على وجه السرعة ، و أخذ معه العسل المسموم ليتصل بذلك الرجل و يقنعه بهذه المهمّة
الشهادة
وافق الرجل على اقتراح معاوية و أخذ الخليط القاتل ، يترقّب وصول مالك الأشتر .
و بعد أيام قليلة وصل مالك مدينة القلزم .
دعا الرجل والي مصر الجديد لأن يحلّ ضيفاً في منزله .
لبّى مالك الأشتر الدعوة شاكراً .
وضع الرجل إناء العسل المسموم في مائدة الطعام .
و عندما تناول الضيف ملعقة واحدة شعر بألم شديد في أمعائه و أدرك المؤامرة ، فقال و هو يضع يده على بطنه :
ـ بسم الله . . إنّا لله و إنّا إليه راجعون .
و استقبل مالك الأشتر الموت بشجاعة المؤمن المطمئن الذي يعرف انّ طريقه هو طريق الإسلام و الجنّة .
و عندما استشهد مالك الأشتر ، كاد معاوية أن يطير من الفرح و قال :
ـ لقد كانت لعليّ بن أبي طالب يدان .
قطعت إحداهما يوم صفين و هو عمّار بن ياسر .
و قطعت الاُخرى اليوم و هو مالك الأشتر .
أمّا أمير المؤمنين علي ( عليه السَّلام ) فقد شعر بالأسف العميق و قال بحزن :
ـ رحم الله مالكاً . .
فقد كان لي كما كنت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
أي ان مالكاً ( رضوان الله عليه ) كان يحبّ عليّاً و يطيعه كما كان عليّ ( عليه السَّلام ) يحبّ سيدنا محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) و يطيعه .
و هكذا ختم مالك الأشتر ( رضوان الله عليه ) حياته الحافلة بالجهاد لتبقى سيرته المضيئة مثالاً لشباب الإسلام في كل مكان
قصة قدر
12-02-2007, 08:21 AM
سلمان الفارسي(1)
(... ـ 35، 34 هـ)
كان يُسمّي نفسه سلمان الاِسلام، ويُعرف بسلمان الخير، ويكنّى: أبا عبد اللّه، أصله من رامهرمز، وقيل من اصفهان، وقالوا: رحل يطلب دين اللّه تعالى إلى الشام، فالموصل، فنصيبين، فعمورية، ثمّ سمع بأنّ نبياً سيبعث، فقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب، فاستخدموه ثمّ استعبدوه وباعوه حتى وقع إلى المدينة، فسمع بخبر الاِسلام، فقصد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأظهر إسلامه. وحديث
____________
*: الطبقاتالكبرى لابن سعد 7|319، تاريخ خليفة 143، الطبقات لخليفة 33 برقم 22، المحبر 75،التاريخ الكبير 4|135، المعارف 154، الكنى والاَسماء للدولابي 78 و 861، الجرحوالتعديل 4|296، اختيار معرفة الرجال 484 و 6، الثقات لابن حبان 3|157، مشاهيرعلماء الاَمصار 76 برقم 274، المستدرك للحاكم 3|598، المعجم الكبير للطبراني 6|212،حلية الاَولياء 1|185، ذكر أخبار اصبهان 1|48، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 84 برقم 79، الخلاف للطوسي 3|244، فهرست الطوسي 80، رجال الطوسي 20 و43، تاريخبغداد 1|163، الاستيعاب 2|53، معالم العلماء 57، أُسد الغابة 2|328، تهذيب الاَسماءواللغات 1|226، الرجال لابن داود 105، رجال العلاّمة الحلّي 84، تهذيب الكمال 11|245، سير أعلام النبلاء 1|505، دول الاِسلام 1|17، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهدالخلفاء) 510، الوافي بالوفيات 15|309، مرآة الجنان 1|100، الجواهر المضيئة 2|415،الاصابة 2|60، تهذيب التهذيب 4|137، تقريب التهذيب 1|315، كنز العمال 13|421، شذراتالذهب 1|44، الدرجات الرفيعة 198، أعيان الشيعة 7|279، تنقيح المقال 2|45، الذريعةإلى تصانيف الشيعة 1|332، الغدير 1|44 و 11|126، معجم رجال الحديث 8|186 برقم 5338.
إسلامه ذكره كثير من المحدّثين.آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي الدرداء وقيل بينه وبين أبي ذر، وأوّل مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، ثمّ شهد بقية المشاهد.
رُوي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما أمر المسلمين بحفر الخندق احتج المهاجرون والاَنصار في سلمان، فقال المهاجرون: سلمان منّا، وقالت الاَنصار: سلمان منّا، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «سلمان منّا أهل البيت». وإلى ذلك أشار أبو فراس الحمداني (ت 357 هـ):
هيهات لا قَرَّبت قربى ولا رحمٌ * يوماً إذا أقصت الاَخلاق والشِّيَمُ
كانت مودّة سلمان لهم رَحِماً * ولم يكن بين نوحٍ وابنه رَحِمُ
روي عن أنس، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: عليّ وعمار وسلمان» (1)
وعن أبي عبد اللّه الصادق - عليهالسّلام- ، قال: «قال رسول اللّه ص: إنّ اللّه تعالى أمرني بحبأربعة، ثمّ قال: علي بن أبي طالب،والمقداد بن الاَسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي» (2)
حدّث سلمان عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعليّ - عليه السّلام- .
حدّث عنه: أبو سعيد الخدري، وأنس، وابن عباس، وأبو عثمان النَّهدي وغيرهم.
وكان فقيهاً، عالماً بالشرائع، لبيباً، زاهداً، متقشّفاً.
____________
1. وفي حلية الاَولياء: اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقدادوعمار وسلمان.
2. وأخرجه الترمذي وحسّنه عن ابن بريدة عنأبيه. المناقب (3720) . وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سلمان.
روي عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآلهوسلّم - أنّه قال لاَبي الدرداء: «سلمان أفقه منك».
وروي عن أبي البختري عن عليّ أنّه سُئل عن سلمان فقال: علم العلم الاَوّل والعلم الآخر، ذاك بحر لا يُنزف، وهو منّا أهل البيت.
وفي رواية زاذان عن عليّ - عليهالسّلام- : سلمان الفارسي كلقمان الحكيم.
وعن أُمّ الموَمنين عائشة، قالت: كان لسلمان مجلس من رسول اللّهبالليل حتى كاد يغلبنا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
ولاّه عمر بن الخطاب المدائن، فأقام بها إلى أن توفّي. وكان إذا خرج عطاوَه تصدّق به. ينسج الخوص ويأكل خبز الشعير من كسب يده.
أخرج أبو نعيم بسنده عن أبي البختري، قال: جاء الاَشعث بن قيس وجرير بن عبد اللّه، فدخلا على سلمان في خصٍّ، فسلّما وحيّياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآلهوسلّم - ؟ قال: لا أدري، فارتابا، قال: إنّما صاحبه من دخل معهالجنة ....
وكان سلمان من شيعة عليّ - عليه السّلام- وخاصته، شديدَ التحقّق بولائه، وهو أحد رواة حديث الغدير (1)وقد كتب إليه أمير الموَمنين قبل أيام خلافته كتاباً جاء فيه:
أمّا بعد، فانّما مَثَلُ الدنيا مَثَلُ الحيّة، ليّنٌ مَسُّها، قاتلٌ سُمُّها، فاعرض عمّا يعجبك فيها، لقلّة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها، وتصرّف حالاتها، وكن آنَسَ ما تكون بها، أحذَر ما تكون منها، فانّ صاحبها كلما اطمأنّ فيها إلى سرور، أشخصته عنه إلى محذور، أو إلى إيناسٍ أزالته عنه إلى إيحاش (2).
____________
1. قالالعلاّمة الاَميني: أخرج الحديث بطريقه الحافظ ابن عقدة في حديث الولاية، والجعابيفي نخبه، والحمويني الشافعي في الباب الثامن والخمسين من فرائد السمطين، وعدّه شمسالدين الجزري الشافعي في أسنى المطالب : ص 4 من رواة حديث الغدير. الغدير: 1|44.
2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18|34.
عُدّ سلمان من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، وله في مسألة الصيد فتوى واحدة ذكرها الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» وجاءت أيضاً في السنن الكبرى وكتاب المغني والشرح الكبير. وقيل: هو أوّل من صنّف في الآثار، صنّف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم إلى النبي - صلّى اللّهعليه وآله وسلّم - .
روي أنّ أبا الدرداء ـ وكان يسكن الشام ـ كتب إلى سلمان: أمّا بعد فانّ اللّه رزقني بعدك مالاً ونزلت الاَرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: أمّا بعد فانّك كتبت إليّ أنّ اللّه رزقك مالاً وولداً فاعلم أنّ الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يكثر حلمك وأن ينفعك علمك وكتبت إليّ أنّك نزلت الاَرض المقدسة وأنّ الاَرض لا تعمل لاَحد، إعمل كأنّك تُرى، واعدد نفسك من الموتى.
رُوي أنّ سلمان خطب فقال: الحمد للّه الذي هداني لدينه بعد جحودي . ألا أنّ لكم منايا تتبعها بلايا فانّ عند عليّ - عليه السّلام- علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ... ثمّ قال: أمّا واللّه لو وليتموها عليّاً لاَكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ... أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العينين من الرأس.
توفّي بالمدائن سنة خمس وثلاثين وقيل: أربع وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وقبره معروف يُزار إلى اليوم، وأنّ البلدة المسماة اليوم سلمان پاك في جوار المدائن ـ بالعراق ـ منسوبة إلى صاحب الترجمة وانّ كلمة ( پاك) بالباء المثلثة فارسية معناها (الطاهر) (1)
____________
1. جاء في معجم البلدان| مادة مدائن: فأمّا في وقتنا هذا فالمسمّىبهذا الاسم بليدة شبيهة بالقرية بينها وبين بغداد ستة فراسخ وأهلها فلاحون يزرعونويحصدون، والغالب على أهلها التشيع على مذهب الاِمامية، وبالمدينة الشرقية قربالاِيوان قبر سلمان الفارسي ـ رضي اللّه عنه
عاشقة حيدر
12-20-2007, 04:57 PM
اللهم صلي على محمد وال محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اختي قصة قدر يعطيكي الف عافية على الطرح القيم
بانتظار المزيد طبعا عن الصحابة المنتجبين وان شاء الله سأضيف كم نبذة
تحياتي الحيدرية
عاشقة حيدر
سرمدية الحزن
12-25-2007, 04:40 PM
اللهم صلّ على محمد و آل محمد و عجّل فرجهم
الله يبارك بعمرك أختي يارب ،، ألف شكر لك و جزاك الله كل خير
حبيت أن أشارك فهل يمكنني ؟.!
يعطيك العافية
قصة قدر
02-16-2008, 08:29 PM
عاشقة حيدر تسلمي على المرور
قصة قدر
02-16-2008, 08:33 PM
سرمدية الحزن
اهلا سهلا بك اختا عزيزه
وبمشاركاتك
وعذرا عن تاخير في الرد
النهر الصافي
04-13-2008, 05:53 PM
lمشكور يا أخي على سرد الوعقائع التريخية كتب الله في دفتر حسناتك والله يعطيك العافية يا أخي الفاضل
قصة قدر
04-17-2008, 02:07 PM
اسعدني مروك يانهرالصافي
سقيت من نهرجنه
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir